التبيان في أيمان القرآنالمقدمة · ص 25 - 34

المصنَّفات في أقسام القرآن

المصنَّفات في أقسام القرآن

<رمز>المصنَّفات في أقسام القرآن:</رمز>

من عادة السيوطي رحمه الله في "الإتقان" أنَّه إذا ذكر نوعًا من علوم القرآن يصدِّره بذكر مَنْ أفرده بالتأليف وينقل منه بعض نصوصه، فلما ذكر أقسام القرآن لم يذكر إلا كتاب "التبيان" فقط (^1)، ومن جاء بعده تبعوه في ذلك.

ولأجل ذلك جزم جماعة من أهل العلم بأنَّه لم يُفْرِد أقسام القرآن بمصنَّف إلا ابنُ القيم رحمه الله في كتابه "التبيان"، وأنَّه "أوَّل كتابٍ مفصَّلٍ علمي مؤسَّسٍ على الدراسة العميقة، والتدبر في القرآن، واستعراضٍ لأنواع الأقسام والمقسم بها ومواردها في القرآن" (^2).

لكن كلام الشيخ محمد أبو شهبة يشعر بوجود مصنفاتٍ أخرى في هذ الفنِّ حيث قال: "وقد ألَّف العلماء في أقسام القرآن كتبًا مستقلة، ولعلَّ أحفلها وأجلَّها - فيما أعلم - "التبيان في أقسام القرآن" لابن القيم" (^3).

فكلام أبو شهبة رحمه الله يفيد بوجود وفرةٍ في مؤلَّفات أقسام القرآن، وأنَّ هناك من سبق ابن القيم ولحقه في إفرادها بالتأليف؛ إلا أنَّه لم يذكر لنا ما وقف عليه من تلك الكتب ولو كانت مخطوطةً لم تطبع بَعْدُ.

  • (^1) انظر: "الإتقان" (2/ 1048).
    (^2) من كلام أبي الحسن الندوي في مقدمته لكتاب "إمعان في أقسام القرآن" للفراهي (10).
    (^3) "المدخل لدراسة القرآن الكريم" (248).
25

والأمر ليس كما أفاد؛ فأمَّا قبل عصر ابن القيم فإنِّي لم أقف بعد البحث في كتب الطبقات والسير على مؤلَّفاتٍ في أقسام القرآن إلا على كتابٍ واحدٍ لأبي عمرو الدمشقي عبد الله بن أحمد بن بشير - ويقال: بشر - بن ذكْوَان (242 هـ) أحد مشاهير القرَّاء الشاميين، سمَّاه: "أقسام القرآن وجوابها" (^1)، ولا أعرف من خبره شيئًا.

وأمَّا بعد عصر ابن القيم فلا يكاد الباحث يقف إلا على تلخيص ابن طولون لكتاب "التبيان" حيث سمَّاه: "خلاصة التبيان في أيمان القرآن"، وليس بعد ذلك إلا دراسات المتأخرين والمعاصرين في أبحاثهم ومقالاتهم وبعض كتبهم.

ويبقى كتاب "التبيان" متفردًا في بابه (^2)، قد خاض العلماء في عُبَابه، وحَطُّوا رحالهم على أعتابه، فوجدوا فيه جواهر مكنونة، ومعادن مخزونة، فاستفادوا منه، ولم يرغبوا عنه، ولم يتجاسروا على مجاراته، حتى غدا عَلَمًا على هذا الفن.

  • (^1) عزاه له ابن الجزري في "غاية النهاية" (1/ 404 - 405)، وعنه كحَّالة في "معجم المؤلفين" (2/ 222).
    (^2) أما ما ذكره الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول" (3/ 203) في الأصل الرابع والأربعين بعد المائتين تحت عنوان: (في بيان أقسام القرآن)؛ فليس مراده بأقسام جمع (قَسَم) الذي هو اليمين، وإنما مراده جمع (قِسْم)؛ لأنه ذكر أنواع دلالات الآيات على مضمونها.
26

القسم الثاني: التعريف بالكتاب ومباحثه

- عنوان الكتاب

- نسبة الكتاب إلى مؤلِّفه

- تأريخ تأليف الكتاب

- موضوع الكتاب

- منهج المؤلِّف في الكتاب

- موارد المؤلِّف في الكتاب

- أهمية الكتاب وأثره فيمن بعده

- طبعات الكتاب

- نسخ الكتاب

- عملي في التحقيق

27

<رمز>عنوان الكتاب:</رمز>

اشتهر هذا الكتاب - منذ طبعته الأُولى - بين النَّاس بـ "التبيان في أقسام القرآن"، وبه تتابعت سائر الطبعات، وكذا تناولته أقلامِ الباحثين في الإحالات والدراسات، وصار هذا العنوان هو الاسم العَلمي لهذا الكتاب، ولهذا أسبابُه … فمنها:

1) أنَّ بعض من ترجم للمؤلِّف سمَّاه بهذا الاسم؛ كما في "كشف الظنون" (1/ 341)، و"هدية العارفين" (2/ 158)، و"الأعلام" (6/ 56).

2) أنَّ لفظ "القَسَم" هو الوارد في القرآن الكريم في أقسام الله عز وجل دون لفظ "اليمين" أو "الحَلِف" ونحو ذلك، فاشتُقَّ اسم الكتاب من لفظ "القَسَم" دون غيره لأنه موافق لمضمونه، مقاربٌ لمرسومه.

3) أنَّ المؤلِّف رحمه الله خصَّ كتابه للكلام عن القَسَم فقط، ولهذا يبدأ غالب فصول الكتاب بقوله: "ومن ذلك قَسَمُه سبحانه بـ. . ."، فانتزعوا اسم الكتاب من تصرفات المؤلِّف في ثناياه.

4) أنَّ مقدِّمة المؤلِّف رحمه الله قد خلت منها جميع الطبعات! فإنَّ الناشر الأوَّل لعله اعتمد على نسخةٍ سقطت منها هذه المقدِّمة، فاجتهد في تسمية الكتاب، فكان ما تراه من اسم الشهرة، ثُمَّ تابعه عليه من جاء بعده.

5) أنَّ هذا الاسم جاء في صفحة العنوان للنسخة (ز).

وجاء في صفحة العنوان للنسختين (ح) و(م) اسم الكتاب هكذا: (كتاب أقسام القرآن والكلام على ذلك).

29

وذكره عبد اللطيف بن محمد المعروف بـ "رياضي زاده" في كتابه "أسماء الكتب" (80) فسمَّاه: "التبيان في معرفة أحكام القرآن"! وقد تفرَّد بذلك، وهو سهوٌ.

وكل ما مضى يتهاوى أمام تسمية المؤلِّف لكتابه في المقدِّمة، والتصريح بذلك، ويجعلنا نجزم أنَّ تلك التسميات كانت من قبيل الاجتهاد بالمعنى لا غير، فإنَّ الاسم العَلَمي الصحيح للكتاب هو: "التبيان في أيمان القرآن"، وإليك الأسباب:

أوَّلًا: أنَّ المؤلِّف رحمه الله قد ذكر هذا العنوان صراحةً وسمَّاه به في خطبة الكتاب حيث قال: "فهذا كتابٌ صغير الحجم، كبير النفع، فيما وقع في القرآن العزيز من الأيمان والأقسام، والكلام عليها يمينًا، وارتباطها بالمقسَم عليه، وذكر أجوبة القَسَم المذكورة والمقدَّرة، وأسرار هذه الأقسام، فإنَّ لها شأنًا عظيمًا يعرفه الواقف عليه في هذا الكتاب، وسمَّيته: "كتاب التبيان في أيمان القرآن"".

ثانيًا: أنَّ المؤلِّف رحمه الله قد أحال على هذا الكتاب باسم "أيمان القرآن" في موضعين من كتابه المعروف "الداء والدواء" (^1).

ثالثًا: أنَّ أكثر من ترجم للمؤلِّف - خاصةً المتقدمين منهم - يذكرونه باسم "أيمان القرآن"، وفي مقدمتهم تلميذه ابن رجب الحنبلي في "ذيل طبقات الحنابلة" (5/ 176)، وكذا قاله: الداودي في "طبقات المفسِّرين" (2/ 93)، والعليمي في "المنهج الأحمد" (5/ 95)، وفي "الدر المنضَّد" (2/ 522)، وابن العماد في "شذرات الذهب"

  • (^1) انظر منه (ص/83) و(ص/470).
30

(8/ 291)، وابن ضويان في "رفع النقاب" (320)، والبغدادي في "هدية العارفين" (2/ 158).

رابعًا: أنَّ هذا الاسم جاء على صفحة العنوان في بعض النسخ المخطوطة للكتاب كما في النسخة (ن)، والنسخة (ط)، ونسخة مكتبة وحيد باشا في كتاهية بتركيا رقم (3) وقد كتبت في القرن التاسع (^1).

خامسًا: أنَّ العلَّامة شمس الدين ابن طولون الحنفي (953 هـ) قد لخَّص الكتاب وسمَّاه بالخلاصة مع المحافظة على عنوان الكتاب فقال: "خلاصة التبيان في أيمان القرآن" (^2).

  • (^1) انظر: "الفهرس الشامل" (1/ 409) علوم القرآن، و"الأثبات في مخطوطات الأئمة" للشبل (247).
    (^2) منه نسخة خطية فريدة بخط المؤلف محفوظة في دار الكتب المصرية، مجاميع تيمور رقم
  • (203) ضمن مجموع، موضع الكتاب منه (213 - 386) ورقة.
31

نسبة الكتاب إلى المؤلِّف

<رمز>نسبة الكتاب إلى المؤلِّف:</رمز>

الأصل أنَّ الأمر المتيقَّن لا يحتاج إلى إثبات؛ لأنَّ "الثابت ثابت"، فتعداد أدلَّة ثبوته تحصيل حاصل كما هو الحال ههنا في كتاب "التبيان".

لكنَّ أهل التحقيق درجوا في مقدِّماتهم على بيان نسبة الكتاب إلى مؤلِّفه؛ استيثاقًا للبحث، وطمأنةً للقاريء، وإجهازًا منهم على فلول الشك والاحتمال، وطلبًا لإثبات الكتاب إلى مؤلِّفه على وجه الكمال.

وعليه فأقول:

لا شكَّ في نسبة كتاب "التبيان" إلى ابن القيم؛ لأمور:

أوَّلًا: أنَّ المؤلِّف رحمه الله ذكره لنفسه في بعض كتبه الأخرى، وأحال عليه في مواطن، كما جاء في كتابه المعروف "الداء والدواء" في موضعين:

أوَّلهما: عند قوله: "وقد ذكرنا وجه الاستدلال بذلك في كتاب "أيمان القرآن" عند قوله: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (38) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (39)﴾ [الحاقة: 38، 39]، وذكرنا طرفًا من ذلك عند قوله: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21)﴾ [الذاريات: 21]، وأنَّ الإنسان دليلٌ على وجود خالقه وتوحيده، وصدق رسله، وإثبات صفات كماله" (^1).

وثانيهما: عندما بيَّن إقسامَ الله - سبحانه - بطوائف من الملائكة المنفِّذين لأمره في الخليقة، ثُمَّ قال: "وقد ذكرنا معنى ذلك وسرَّ

  • (^1) انظر: "الداء والدواء" (83).
32

الإقسام به في كتاب "أيمان القرآن"" (^1).

ثانيًا: أنَّ المؤلِّف رحمه الله أحال في هذا الكتاب أثناء بحثه لبعض مسائل القياس على كتابه العَلَم "إعلام الموقعين" (^2)، وستأتي عبارته قريبًا إن شاء الله.

ثالثًا: أنه ذكر شيخه المبجَّل شيخ الإسلام ابن تيمية في مواضع عدَّة، وانتصر لاختياراته، وغالب هذه المواضع يصرِّح به (^3)، وأحيانًا ينقل كلامه بلا تصريح ولا عَزْو؛ لكنه يصرِّح بذلك في كتبه الأخرى، فهو يترك التصريح به فيما قد عُرف عنه أنَّه ينقله عن شيخه، واشتُهر ذلك في كتبه، وهذا من عظيم احتفائه بشيخه، وحفظه لحقه عليه، رحم الله الجميع.

رابعًا: كل من ترجم له ينسب الكتاب إليه، المتقدمون منهم والمتأخرون، ولا يُعرف عن أحدٍ منهم أنَّه شكَّك في نسبته إليه.

خامسًا: أنَّ جماعةً من أهل العلم - ممَّن جاء بعد عصر المؤلِّف - استفادوا من الكتاب ونقلوا منه بعض قضاياه ومسائله، وسيأتينا - إن شاء الله - النقل عنهم، كلهم يعزُون ذلك إلى ابن القيم في كتابه "التبيان".

سادسًا: الكتاب بيِّنٌ بنَفَسِه، وشاهدٌ على نَفْسِه؛ أنَّه صنيعةُ ابن القيم وممَّا خطَّته أنامله، وكلُّ من أَلِف طريقته وأُسلوبه ميَّز بين ما هو له وما هو لغيره بمجرد الاطلاع والنظر، فبسطُه للمسائل، وإحاطتُه بأقوال

  • (^1) انظر: "الداء والدواء" (470).
    (^2) انظر: "التبيان" (345).
    (^3) راجع فهرس الأعلام ففيه الإحالة على أرقام الصفحات.
33

السلف، وتحريره للنقول، وإقامته للحُجَّة، وحشدُه للأدلَّة، ودفعه للاعتراض، ورعايته للمقاصد، ودرايته بالحِكَم = منهجٌ لكتبه معروف، ومسلكٌ لمصنفاته مألوف.

سابعًا: جميع صفحات العنوان في المخطوطات أُثبت عليها نسبة الكتاب لابن القيم رحمه الله.

34