التبيان في أيمان القرآنالجزء 1 · ص 365 - 372

لماذا قال: {ما ضل صاحبكم}، ولم يقل: ما ضل محمد؟

ولا يشتبه الرَّاشدُ المَهْديُّ بالضَّالِّ الغاوي إلا على أجهل خلق الله، وأعماهم قلبًا، وأَبْعَدِهم من حقيقة الإنسانية. ولله درُّ القائل:

وما انْتِفَاعُ أَخِي الدُّنْيا بِنَاظِرِهِإذا اسْتَوَتْ عندَهُ الأَنْوَارُ والظُّلَمُ (^1)

فالنَّاسُ أربعة أقسام:

ضالٌّ في علمه، غاوٍ في قصده وعمله. وهؤلاء شرار الخلق، وهم مخالفو الرُّسُل.

الثاني: مُهْتَدٍ في علمه، غاوٍ في قصده وعمله. وهؤلاء هم الأُمَّةُ الغَضَبِيَّةُ (^2) ومن تشبَّهَ بهم، وهو حال كلِّ من عرف الحقَّ ولم يعمل به.

الثالث: ضالٌّ في علمه، ولكن قصده الخير، وهو لا يشعر.

الرابع: مُهْتَدٍ في علمه، راشِدٌ في قصده. وهؤلاء ورثة الأنبياء، وهم وان كانوا الأَقلِّين عددًا فهم الأكثرون عند الله قَدْرًا، وهم صفوةُ الله من عباده، وحِزْبُهُ (^3) من خلقه.

لماذا قال: ﴿ما ضل صاحبكم﴾، ولم يقل: ما ضل محمد؟

وتأمَّلْ كيف قال سبحانه: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ﴾، ولم يقل: ما ضَلَّ محمدٌ؛ تأكيدًا لإقامة الحُجَّة عليهم، بأنَّه صاحبهم، وهم أعلم الخلق به وبحاله، وأقواله، وأعماله، وأنَّهم لا يعرفونه بكذبٍ، ولا غَيٍّ، ولا ضلالٍ، ولا يَنْقِمُون عليه أمرًا واحدًا قَطُّ. وقد نبَّهَ على هذا المعنى بقوله: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ﴾ [المؤمنون: 69]، وبقوله: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ﴾

  • (^1) البيت للمتنبي "ديوانه" (332).
    (^2) يقصد أمة اليهود الذين غضب الله عليهم.
    (^3) "حزبه" ملحق بهامش (ك).
365

﴿بِمَجْنُونٍ (22)﴾ [التكوير: 22].

فصل

فصل: تفسير قوله تعالى: ﴿وما ينطق عن الهوى﴾

ثُمَّ قال سبحانه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4)﴾ [النجم: 3، 4]، يُنَزِّهُ -تعالى - نُطْقَ رسولِهِ أن يَصْدُرَ عن هَوَىً، وبهذا الكمال هُدَاهُ ورُشْدُهُ.

وقال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3)﴾، ولم يقل: وما ينطق بالهَوَى؛ لأنَّ نَفْيَ نُطْقِهِ عن الهَوَى أبلغ، فإنَّهُ يتضمَّنُ أنَّ نُطْقَهُ لا يصدر عن هَوَىً، وإذا لم يَصْدُر عن هَوَى فكيف ينطق به؟ فتضمَّنَ نَفْيَ الأمرين: نَفْيَ الهَوَى عن مصدر النُّطْق، ونَفْيَهُ عن النُّطْقِ نَفْسِهِ. فَنُطْقُه بالحقِّ، ومصدَرُهُ الهُدَى والرَّشَاد، لا الغَيُّ والضلالُ.

التنزيه في قوله تعالى: ﴿إن هو إلا وحي يوحى﴾ يعم القرآن والسنة

ثُمَّ قال: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4)﴾؛ فأعاد الضمير على المصدر المفهوم من الفعل، أي: ما نُطْقُهُ إلا وَحْيٌ يُوحَى.

وهذا أحسنُ من قول من جعل الضمير عائدًا إلى القرآن، فإنَّهُ يَعُمُّ نُطْقَهُ بالقرآن والسُّنَّةِ، وإنَّ كليهما وحيٌ يُوحَى.

وقد احتجَّ الشافعيُّ لذلك فقال (^1): "لعلَّ من حُجَّةِ من قال بهذا قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء: 113] ". قال: "ولعلَّ من حُجَّته أن يقول: قال رسول الله ﷺ لأبي الزَّاني بامرأةِ الرجلِ الذي صالَحَهُ على الغنم والخادم: "والذي نفسي بيده لأَقْضِيَنَّ بينكما بكتاب الله: الغنمُ والخَادِمُ رَدٌّ عليك. . ." (^2) الحديث.

  • (^1) "كتاب الأم" (6/ 329 - 330): كتاب الفرقة بين الأزواج، باب: اللِّعَان.
    (^2) أخرجه: البخاري في "صحيحه" الأرقام (2695 - 2696، 2724 - 2725، =
366

وفي "الصحيحين" أنَّ يَعْلَى بن أُميَّة كان يقول لعُمَر: ليتني أَرَى رسولَ الله ﷺ حين ينزل عليه الوحي، فلمَّا كان بالجِعِرَّانَة (^1) سأله رجلٌ، فقال: كيف ترى في رجلٍ أحرم بعمرةٍ في جُبَّةٍ، بعدما تَضَمَّخَ بالخَلُوق (^2)؟ فنظر إليه النبيُّ ﷺ ساعةً، ثُمَّ سكت، فجاءَهُ الوحيُ، فأشار عمرُ بيده إلى يَعْلَى، فجاء، فادخَلَ رأسَهُ، فإذا النبيُّ ﷺ مُحْمَر يَغِطُّ (^3)، ثُمَّ سُرِّيَ عنه، فقال: "أين السائل آنفًا؟ " فجِيءَ به، فقال: "انْزِعْ عنكَ الجُبَّةَ، واغسِلْ أَثَر الطِّيبِ، واصْنَعْ في عُمْرَتك ما تصنَعُ في حَجِّكَ" (^4).

  • = 6633 - 6634، 6827 - 6828، 6835 - 6836، 6842 - 6843، 6860، 7258 - 7260)، ومسلم في "صحيحه" رقم (1697 - 1698)، وغيرهما من حديث أبي هريرة، وزيد بن خالد الجهني ﵄.
    (^1) "الجِعرانة": لا خلاف في كسر أوَّله، وأصحاب الحديث يكسرون عينه، ويشدِّدون راءه. وأهل الأدب يخطئونهم؛ ويسكِّنون العين، ويخفِّفون الراء. والصحيح أنهما لغتان جيدتان.
    قال علي بن المديني: "أهل المدينة يثقِّلون "الجعرَّانة" و"الحديبيَّة"، وأهل العراق يخففونهما".
    وهي منزِلٌ بين الطائف ومكة، وقربها إلى مكة أكثر، نَزَلَهُ رسول الله ﷺ وقسم بها غنائم حُنَين، وأحرم منها بالعمرة.
    "مراصد الاطلاع" لصفيِّ الدين البغدادي (1/ 336) بتصرف يسير.
    (^2) "الخَلُوق": طِيبٌ معروفٌ، مركَّبٌ، يُتَّخَذُ من الزعفران وغيره من أنواع الطيب، وتغلِبُ عليه الحمرة أو الصفرة.
    انظر: "النهاية" لابن الأثير (2/ 71)، و"المصباح المنير" للفيومي (246).
    (^3) "يَغِطُّ": من الغطيط؛ وهو: صوت النَّفَس المتردِّد من النائم أو المُغْمَى عليه.
    وسبب ذلك - في الحديث - شدَّة ثقل الوحي. "الفتح" (3/ 461).
    (^4) أخرجه: البخاري في "صحيحه" رقم (1789، 1847، 4329، 4985) وفي رقم
  • (1536) معلقًا، ومسلم في "صحيحه" رقم (1180).
367

وقال الشافعي: أخبرنا مسلم، عن ابن جُرَيج، عن ابن طاووس، عن أبيه: "أنَّ عندَهُ كتابًا نزل به الوحي، وما فرض رسول الله ﷺ من صدقة، وعُقُولٍ (^1)؛ فإنِّما نزل به الوحي (^2) " (^3).

وذَكَر الأوزاعيُّ، عن حَسَّان بن عطيَّة (^4) قال: "كان جبريلُ ينزل على رسول الله ﷺ بالسُّنَّة كما ينزل عليه (^5) بالقرآن، يُعَلِّمُه إيَّاها" (^6).

  • (^1) "عُقُول": جمع عَقْلٍ، وهي الدِّيَة. "المصباح المنير" (578).
    (^2) من قوله: "وما فرض رسول الله. . ." إلى هنا؛ ساقط من (ز).
    (^3) أخرجه: الشافعي في "مسنده" رقم (28 و29)، وفي "إبطال الاستحسان" (9/ 70) - مع "الأم" - رقم (4018)، ومن طريقه البيهقي في "معرفة السنن والآثار" (1/ 102) رقم (18)، وفي "بيان خطأ من أخطأ على الشافعي" (103)، والخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" رقم (267)، وعبد الرزاق في "المصنف" (9/ 279) رقم (17201).
    وإسناده ضعيف، لأمور:
    الأول: أنَّ مسلمًا شيخ الشافعي هو: مسلم بن خالد بن قَرْقَرة، القرشي المخزومي، أبو خالد المكِّي، المعروف بـ "الزَّنْجيّ"، الأكثرون على تضعيفه. "تهذيب الكمال" (27/ 508).
    والثاني: عنعنة ابن جريج، وهو مدلِّس. إلا أنَّه صرَّح بالسماع من ابن طاووس في الرواية الأخرى، فترتفع هذه العلة.
    والثالث: أن طاووسًا أرسله إلى النبيِّ ﷺ، ولم يسنده.
    (^4) هو حسَّان بن عطيَّة المُحَاربي - مولاهم -، أبو بكر الشامي الدمشقي، من ثقات التابعين ومشاهيرهم، فقيهٌ عابدٌ، وكان الأوزاعي يثني عليه ويُطْرِيه، اتُّهِم بالقدر، قال الذهبي: "فلعله رجع وتاب"، روى له الجماعة، بقي إلى حدود سنة ثلاثين ومئة ﵀.
    انظر: "تهذيب الكمال" (6/ 34)، و"السير" (5/ 466).
    (^5) ساقط من (ز).
    (^6) أخرجه: نعيم بن حَمَّاد في "زوائد الزهد والرقائق" رقم (91)، والدارمي في =
368

وذكر الأوزاعيُّ - أيضًا -: عن أبي عبيد (^1) - صاحب سليمان -، أخبرني القاسم بن مُخَيْمِرَة (^2)، حدثني ابن نَضْلَة (^3) قال: قيل لرسول الله ﷺ سَعِّرْ لَنَا، قال: "لا يسْأَلُنِي اللهُ (^4) عن سُنَّةٍ أحدَثْتُها فيكم، لم يَأْمُرْني بها، ولكِنْ سَلُوا اللهَ من فضله (^5) " (^6).

  • = "سننه" رقم (608)، وأبو داود في "المراسيل" رقم (536)، ومحمد بن نصر المروزي في "السُّنَّة" رقم (104)، وابن بطة في "الإبانة" رقم (90، 219، 220)، واللالكائي في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة" رقم (99)، والهروي في "ذمِّ الكلام" رقم (224)، وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" رقم (2350)، والخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" رقم (268 - 270)، وفي "الكفاية" رقم (16).
    وصححه الحافظ ابن حجر في "الفتح" (13/ 305).
    (^1) هو أبو عبيد المَذْحِجِيُّ -اختُلف في اسمه -، حاجب الخليفة الأموي سليمان بن عبد الملك، ثقةٌ عابدٌ، روى له: البخاري تعليقًا، ومسلم، وأبو داود، والنسائي في "اليوم والليلة".
    انظر: تهذيب الكمال" (34/ 49).
    (^2) في (ز): القاسم بن محمد مخيمرة.
    (^3) في (ح) و(م): ابن نُضيلة.
    (^4) لفظ الجلالة غير موجود في (ن) و(ك) و(ح) و(ط) و(م).
    (^5) قوله "من فضله" ساقط من (ز).
    (^6) أخرجه: ابن قانع في "معجم الصحابة" (2/ 287) و(3/ 160)، وأبو نعيم في "معرفة الصحابة" رقم (4789 و7093)، وابن الأثير في "أسد الغابة" (3/ 92) و(6/ 348)، وعزاه - أيضًا - إلى: ابن منده.
    وعزاه الهيثمي إلى: الطبراني في "الكبير"، قال: "وفيه: بكر بن سهل الدمياطي، ضعفه النسائي، ووثقه غيره، وبقية رجاله ثقات". "المجمع" (4/ 100).
    وعزاه الحافظ إلى: ابن السَّكَن، وابن جرير، ونصر المقدسي في "كتاب الحجَّة". "الإصابة" (2/ 223). =
369

و"ابنُ نَضْلَة" هذا يُسَمَّى: طَلْحَة (^1).

وقد صحَّ عنه أنَّه قال: "ألَا إنِّي أُوتِيتُ الكتابَ ومثلَهُ مَعَهُ" (^2)،

  • = وانظر: "الرد الوافر" لابن ناصر الدين الدمشقي (26 - 28).
    وللحديث شواهد من حديث: علي، وأنس، وابن عباس، وأبي هريرة ﵃، بألفاظٍ متقاربة.
    (^1) اختلف في ضبطه، واسمه، وصحبته:
    فأمَّا ضبطه؛ فقيل: ابن نَضْلَة، وقيل: ابن نُضَيلَة - بالتصغير -.
    وأمَّا اسمه؛ فقيل: هو نَضْلَة - كما عند ابن قانع -، وقيل: طلحة، وقيل: عمرو، وقيل: علقمة، وقيل: عُبيد، وقيل: لا يعرف اسمه كما قاله ابن منده وغيره.
    وأمَّا صحبته؛ فقد ذكره جماعةٌ من الأئمة في عداد الصحابة، منهم: ابن أبي شيبة، وأبو نعيم، وابن قانع، وابن عبد البر، والعسكري، وغيرهم.
    وعدَّه آخرون في التابعين، منهم: ابن السَّكَن، وابن معين، وأبو حاتم، والدارقطني، وابن حِبَّان، والمِزِّي، وغيرهم. وهذا قول جمهور المحدثين. "الردُّ الوافر" لابن ناصر الدين الدمشقي (28).
    قال الحافظ ابن حجر: "طلحة بن نُضَيلَة - بالتصغير -، يكنَّى: أبا معاوية، وعداده في أهل الكوفة، له صحبة؛ هذا هو المعتمد، وما عداه وَهْمٌ". "الإصابة" (2/ 223).
    انظر: "سؤالات ابن طهمان ليحيى بن معين" (99)، و"المراسيل" لابن أبي حاتم (150)، و"الجرح والتعديل" (6/ 405)، و"الثقات" (3/ 315)، و"معرفة الصحابة" لأبي نعيم (4/ 1904)، و"تهذيب الكمال" (20/ 311).
    (^2) أخرجه بهذا اللفظ: أحمد في "المسند" (4/ 131) رقم (17174)، وأبو داود في "سننه" رقم (4604)، والطبراني في "الكبير" (20/ رقم 670)، وفي "مسند الشاميين" رقم (1061)، والبيهقي في "دلائل النُّبوَّة (6/ 549)، وغيرهم من حديث المقدام بن معد يكرب ﵁.
    وأخرجه: ابن حِبَّان رقم (12)، والطبراني في "الكبير" (20/ رقم 669)، =
370

وهذا هو "السُّنَّةُ" بلا شك، وقد قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء: 113]؛ وهما القرآن والسُّنَّة. وبالله التوفيق.

فصل: تفسير قوله تعالى: ﴿علمه شديد القوى﴾

فصل

ما تضمنه قوله تعالى: ﴿ذو مرة﴾ من المعاني

ثُمَّ أخبر - تعالى - عن وَصْفِ من علَّمَهُ الوحيَ والقرآنَ، بما يُعْلَم أنَّه مضَادٌّ لأوصاف الشيطان مُعَلِّم الضَّلَال والغواية، فقال: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (5)﴾، وهذا نظير قوله تعالى: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ﴾ [التكوير: 20]، وذكرنا هناك السِّرَّ في وصفه بالقوَّةِ (^1) ..

وقوله تعالى: ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ أي: جميلُ المَنْظَر، حَسَنُ الصورة، ذو جلالةٍ، ليس شيطانًا - أقبَحَ خلق الله، وأشوهَهم صورةً - بل هو من أجمل الخلق، وأقواهم، وأعظمِهم أمانةً ومكانةً عند الله عز وجل.

وهذا تعديلٌ لِسَنَدِ الوحي والنُّبوَّة، وتزكيةٌ له كما تقدَّمَ نظيرُهُ في "سورة التكوير" (^2).

فوَصَفَهُ بالعلم، والقوَّةِ، وجمالِ المَنْظَرِ، وجلالته. وهذه كانت أوصاف الرسول البَشَرِيِّ والمَلَكِيِّ؛ فكان رسولُ الله ﷺ أشجعَ النَّاس، وأعلمَهم، وأجمَلهم، وأَجَلَّهم.

والشياطين وتلامذتهم بالضِّدِّ من ذلك كلِّه، فهم أقبح الخلق

  • = وفي "مسند الشاميين" رقم (1881)، والدارقطني في "سننه" رقم (4768)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (9/ 333)، بلفظ:
    "إنِّي أُوتيتُ الكتابَ وما يَعْدِلُه".
    (^1) راجع (ص/ 193 - 194).
    (^2) راجع (ص/ 192 - 195).
371

صورةً ومعنىً، وأجهلُ الخَلْق وأضعفُهم هِمَمًا ونفوسًا.

ثُمَّ ذكر استواءَ هذا المعلِّم بالأُفُق الأَعْلَى، ودُنُوَّهُ، وتَدَلِّيَهُ، وقُرْبَهُ من رسول الله ﷺ، وإيحاءَهُ إليه ما أَوْحَى.

"أو" ليست للشك بل لتحقيق المسافة في قوله: ﴿أو أدنى﴾

فصوَّرَ - سبحانه - لأهل الإيمان صورة الحال من نزول جبريل من عنده إلى أن استوى بالأُفُق، ثُمَّ دَنَى فَتَدلَّى، وقَرُبَ من رسوله، فأوحى إليه ما أمره الله بإيحائه، حتَّى كأنَّهم يشاهدون صورة الحال ويُعَاينُونَهُ هابطًا من السماء إلى أن صار بالأفُق الأَعْلَى مستويًا عليه، ثُمَّ نَزَلَ وقَرُبَ من محمدٍ ﷺ وخاطبه بما أمره الله به، قائلًا: ربُّكَ يقول لك كذا وكذا.

وأخبر - سبحانه - عن مسافة هذا القُرْب، بأنَّه قَدْرُ قوسين أو أدنى من ذلك، وليس هذا على وجه الشَّكِّ، بل تحقيقٌ لِقَدْرِ المسافة، وأنَّها لا تزيد على قوسين أَلْبَتَّةَ؛ كما قال تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (147)﴾ [الصافات: 147] تحقيقًا لهذا العدد، وأنَّهم لا ينقصون عن مائةِ ألفٍ رَجُلًا واحدًا. ونظيره قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: 74]؛ أي: لا تنقُصُ قَسْوَتُها عن قسوة الحجارة، بل إنْ لم تَزِدْ على قسوة الحجارة لم تكن دونها.

وهذا المعنى أحسنُ وألطفُ وأدق مِنْ قول من جعل "أو" في هذه المواضع بمعنى (^1) "بل"، ومِنْ قول من جعلها للشكِّ بالنسبة إلى الرائي (^2)، وقول من جعلها بمعنى "الواو"، فتأمَّلْهُ.

  • (^1) "بمعنى" ملحق بهامش (ك).
    (^2) في جميع النسخ: الرأي، ولعله تحريف.
372