أساليب التربية والدعوة والتوجيه منالجزء 1 · ص 11 - 21
المبحث الثاني ملامح منهج الدعوة في سورة إبراهيم
لقد جاء تقرير هذه الرسالة وبيان الهدف الدعوي في هذه السورة بأسلوب سهل بسيط مباشر لا لبس فيه ولا غموض، وتتمثل عناصر هذه الرسالة في آيتين معجزتين استهلت السورة بإحداهما واختتمت بالأخرى؛ فالأولى قوله تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (1) والثانية قوله تعالى: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (2) فهاتان الآيتان تقرران بكل وضوح أن هدف هذه الرسالة استنقاذ الناس أجمعين من (ظلمات الجهل والكفر والأخلاق السيئة وأنواع المعاصي إلى نور العلم والإيمان والأخلاق الحسنة) (3) وهذا لا يتحقق إلا بتحقيق التوحيد الخالص المجرد لله تعالى كما ذكر في الآية الثانية ﴿وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾، وهنا نكتة دقيقة وهي أن ذكر التوحيد لم يكن صريحًا في فاتحة السورة وإنما جاء بهذه الصراحة في خاتمتها، ولعل الحكمة من ذلك لفت انتباه المخاطبين إلى ما في دعوة التوحيد هذه من تحقيق مصلحتهم لأن الناس مجبولة
على اتباع ما فيه مصلحة لهم، فضربت الآية الأولى المثال للكفر وللإسلام بما جُبل الناس على أنه مصلحة (وهذا على سبيل التمثيل، لأن الكفر بمنزلة الظلمة والإسلام بمنزلة النور) (1) ثم مضت السورة في الدعوة إلى التوحيد الذي هو حقيقة الإسلام وختمت السورة بذكر التوحيد صراحة إشارةً إلى أن هذه هي النتيجة القمن أن يصل إليها أولو الألباب والعقول النيرة حين تلتفت إلى ما جاء في السورة من توجيهات كما سيأتي. ولا بد لنا من أن نقرر جملة من المبادئ التي رسختها هاتان الآيتان فيما يتعلق بطبيعة الرسالة ومنها:
أولًا: التأكيد على عالمية الدعوة وقد جاء ذلك في فاتحة السورة في قوله تعالى: ﴿لِتُخْرِجَ النَّاسَ﴾ كما جاء في خاتمتها في قوله تعالى: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ﴾، ولا شك أن في هذا تأكيدًا على شمولية الدعوة من جهة وعلى أنها ناسخة ما قبلها وخاتمة الشرائع من جهة أخرى.
- (1) الجامع لأحكام القرآن - القرطبي - 288 / 9
ثانيًا: بيان تحقق هداية الإرشاد بتزيل كتاب الله عز وجل وأن هذا الكتاب هو مَعين هذه الدعوة ونبعها الصافي وهذا جليٌ في قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ﴾ حيث أكد على مصدرية الوحي ومحورية دور الكتاب فلا يمكن أن يستقيم حال الناس وهم له هاجرون ولا يمكن لهم الانتفاع بنذارته وهم عنه لاهون، وهذا النوع من الهداية عام لكل الناس وبه يتحقق الإعذار.
ثالثًا: بيان أن تحقق هداية التوفيق موقوفة على إذن الله عز وجل حتى لا يغتر الناس بالركون إلى عقولهم وأهوائهم ويعترفوا بالفضل لله تعالى أولًا وآخرًا ويحترزوا عن أسباب خذلان الله تعالى لهم أشد ما يكونوا محتاجين إليه، وهذا الأمر واضح وجلي في قوله تعالى: ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾
رابعًا: التأكيد على أن الله تعالى لا تنفعه طاعة المؤمنين ولا يضره عصيان الكافرين، وأنه سبحانه وتعالى إنما أرسل الرسل وأنزل الكتب غير محتاجٍ لطاعة أحد من عبيده ولا آبهٍ لمن أبق منهم، ولهذا أكدت الآية على أن الله تعالى هو ﴿الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ فهو تعالى العزيز بذاته (الذي لا يغلبه غالب) (1) والحميد بذاته (المحمود بكل لسان والممجَّد في كل مكان على كل حال) (2) ولكن الذي ينتفع من سلوك هذا الصراط هو العبد المطيع الذي يعتز بسلوكه الطريق الموصل إلى مرضاة ربه مهما استوحش الطريق وقل الصاحب والرفيق، فيكفيه عزًا أنه متذلل للعزيز ويكفيه فخرًا أنه متعبدٌ للحميد.
هذه ببساطة ملامح هذه الدعوة، ووصف البساطة في مقام الخطاب الشامل للناس كافة على تفاوت في المشارب والعلوم والوعي والتفكير والاستيعاب هو وصف مدح لأنه هو الأقدر على توصيل أعظم حقيقة - حقيقة التوحيد - إلى كل عقل وقلب من غير أن تحول دون ذلك تقعرات الفلاسفة وتشدقات الكلاميين وتعقيدات العلماء، بل يمكن لأكثر الناس عاميةً وبداءة أن يدرك هذه الحقيقة بنفس الوضوح الذي يدركه جهابذة العلم.
ويمكن أن نستنبط مما تقدم عدة قضايا أسلوبية ينبغي للداعية إلى الله تعالى أن يلتزم بها في سياق الدعوة إلى الله تعالى وهي:
1- الوضوح في بيان ما يدعو إليه مع مراعاة القدر المشترك الأدنى لأفهام الناس.
2- مراعاة الأولويات في الدعوة فيقصر همه وجهده على مسائل التوحيد قبل غيرها.
3- شحذ الهمم ورفع المعنويات من خلال إثارة معاني العزة عند الداعية والمستجيبين له لا سيما مع وحشة الطريق للسالكين الأوائل.
المطلب الثاني: صفات الرسل
إن الرسول هو حامل هذه الدعوة من الله تعالى إلى قومه، ولا شك أن الأسلوب الدعوي الناجح هو الذي يراعي متطلبات شخص الداعية ويعمل على تهذيبها كي يكون أدعى لاستجابة الناس، ولدى تأمل هذه السورة وجدنا جملةً من هذه الملامح التي يتصف بها الرسل وهي:
أولًا: الإرسال بلسان القوم:
إن توافق لسان الرسول البشري مع لسان قومه أمر لازم لتحقق البيان عن الله عز وجل، ولهذا نجد الآية الكريمة تؤكد على تقرير ذلك حيث قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (1) وهذا أصلٌ ضروري في إقامة الحجة بهداية الإرشاد التي هي أثر من آثار رحمة الله تعالى بالناس، ولهذا كان (من لطفه تعالى بخلقه أنه يرسل إليهم رسلًا منهم بلغاتهم ليفهموا عنهم ما يريدون وما أرسلوا به إليهم) (2) قلت: وبهذا البيان الجلي تتحقق هداية الإرشاد والدلالة على الحق، ولذا ناسب أن يتبع ذلك بتأكيد أن هداية التوفيق لا تكون إلا بمشيئة الله مثوبةً من عنده سبحانه لمن أقبل على الدعوة مستمعًا منصتًا مخبتًا منقادًا للحق.
ثانيًا: التوكل على الله:
إن الرسول والداعية الناجح هو الذي يستعين بالله على تنفيذ أوامر الله، ويتوكل على الله حين يأخذ بأسبابه مهما كانت هذه الأسباب قوية، وأي شيء أقوى من معجزاتٍ أيَّد الله تعالى بها رسله وبينات وبراهين أقام على أيديهم بها حجته، ولكن ذلك لا يكفي بل إن مقام شهود هذه الأسباب هو - بالنسبة للداعية الناجح - عين مقام شهود الفقر إلى الله وهو بذلك أشد داعٍ إلى التوكل على الله تعالى حق توكله دونما ركون لما سواه مهما كان قويًا، بل إن هذا التوكل يصبح في سياق مجابهة الرسل أقوامهم نوعًا من التحدي المعجز بحد ذاته، فهو (كالإشارة من الرسل عليهم الصلاة والسلام لقومهم بآية عظيمة وهو أن قومهم في الغالب أن لهم القهر والغلبة عليهم، فتحدَّتهم رسلهم بأنهم متوكلون على الله في دفع كيدهم ومكرهم وجازمون بكفايته إياهم، وقد كفاهم الله شرهم مع حرصهم على إتلافهم وإطفاء ما معهم من الحق) (1) ولقد جاءت السورة بتأكيد هذا الأمر في مقام محاججة الرسل قومهم، تأمل قوله تعالى: ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ﴾
- (1) تيسير الكريم الرحمن- السعدي - 372
﴿بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ (1) والحقيقة أنه لا يمكن أن تقوم للداعية قائمة في مواجهة مهمة البلاغ إلا بتوكل صحيح على الله تعالى، ولهذا كان توكل الرسل عليهم الصلاة السلام أكمل ما يكون من التوكل لأنه في أعلى ما يكون من المطالب وأشرف ما يكون من المراتب (2) فقمنٌ بالداعية إلى الله تعالى أن يسير على خطاهم وأن يقتفي آثارهم وسننهم.
ثالثًا: الصبر على الأذى:
لقد تقدم معنا في آية التوكل قوله تعالى: ﴿وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا﴾ (3) ولا شك أن في هذا إشارة جلية من الله تعالى إلى أن الرسل سيلاقون من المشاق والمتاعب ما يستلزم استحضار هذا الابتلاء والاستعداد لمواجهته، ولقد جاء التزام الرسل بهذا الصبر مؤكدًا بلام القسم وبنون التوكيد مبالغةً في الثبات وإمعانًا في إظهار الثقة بالله تعالى أنه ينصرهم.
مما تقدم نستنبط عدة قضايا أسلوبية تتعلق بصفات الداعية إلى الله تعالى أوجزها فيما يلي:
1- مخاطبة الناس بما يفهمون؛ فهدف الداعية أن يوصل رسالة التوحيد إلى الناس لا أن يستعلي على القوم أو يتشدق بما لا يفهمون، وفي إرسال الله تعالى رسله بلغة أقوامهم تنبيه إلى ذلك.
2- ضرورة التزود بزاد التوكل والصبر؛ فطريق الدعوة شاق وموحش، والمعوقات - كما سيأتي - ليست بالقليلة ولا باليسيرة، فلا بد للداعية من أن يستعد لتحمل الأذى والمشقة في سبيل البلاغ عن ربه.