قواعد الترجيح المتعلقة بالنص عندالجزء 1 · ص 150 - 155

خامسًا: القواعد المتعلقة بالنسخ

خامسًا: القواعد المتعلقة بالنسخ

1 - كل حكم ورد في خطاب مشعر بالتوقيت، أو ربط بغاية مجهولة، ثم انقضى بانقضائها، فهو نسخ:

ومن ذلك ما جاء عنه في قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ (1).

حيث ردّ ابن عاشور قول من قال إن الآية محكمة لقوله تعالى: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ فقال: " إن قوله إن آية النساء مغياة، لا يجدي لأن الغاية المبهمة لما كان بيانها إبطالًا لحكم المغيي فاعتبارها اعتبار النسخ، وهل النسخ كله إلا إيذان بوصول غاية الحكم المراد لله غير مذكور في اللفظ، فذكرها في بعض الأحكام على إبهامها لا يكسو النزول غير شعار النسخ " (2).

2 - إذا وقع التعارض بين نصين فالمتراخي منهما ناسخ للأول:

ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (3) رجّح ابن عاشور أن هذه الآية ناسخة لما جاء قبلها من

  • (1) سورة النساء، الآية (15).
  • (2) التحرير والتنوير، ج 3، ص 275. وقد ذكرت هذا المثال مفصلًا في المبحث الخامس من الفصل الثالث.
  • (3) سورة المائدة، الآية (90).
150

الآيات بناءً على القاعدة أن المتأخر أو المتراخي ناسخ للأول ونقل قول ابن عباس في ذلك فقال: " روى أبو داود عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ (1)، و﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ (2) نسختها في المائدة ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ (3).

  • (1) سورة النساء، الآية (43).
  • (2) سورة البقرة، الآية (219).
  • (3) التحرير والتنوير، ج 4، ص 22.
151

الفصل الثاني قواعد الترجيح المتعلقة بذات النص القرآني

وفيه خمسة مباحث:

المبحث الأول: القول الذي تؤيده الآيات القرآنية مقدم

على غيره.

المبحث الثاني: الأصل إطلاق اللفظ على ظاهره مالم يرد

دليل يجب الرجوع إليه.

المبحث الثالث: الأولى إعمال اللفظ بكلا معنييه

الحقيقي والمجازي متى أمكن.

المبحث الرابع: يقدم المجاز على الحقيقة إذا وجدت

القرينة.

المبحث الخامس: إذا خلت الأقوال في الآية من مستند

شرعي وكانت متساوية، فالقول

الموافق لما جاء في التوراة مقدم على

غيره.

153

المبحث الأول القول الذي تؤيده الآيات القرآنية مقدم على غيره

صورة القاعدة

إذا تنازع العلماء في تفسير آية من كتاب الله، وكان أحد الأقوال تؤيده آية أو آيات أخرى من كتاب الله، فهو أولى الأقوال بحمل الآية عليه، لأن تقوية القرآن له يدل على صحته واستقامته، وكونه أقرب الطرق في تفسير كلام الله تعالى إلى الصدق والصواب (1).

وقد اعتنى ابن عاشور بهذه القاعدة، وهو إن لم ينصّ عليها إلا أنه عمل بها، وكان له منهجه فيها من حيث عنايته بتوضيح المعنى بمعنى آخر من آية أخرى توضحه، أو بالأحرى شرح معاني المفردات القرآنية، لفظة بلفظة، وكذلك تفسير مجمل الآية بآية أخرى من باب حمل المطلق على المقيد.

أقوال العلماء في القاعدة

قال العز بن عبد السلام وهو يبيّن ضروب التفسير والترجيح بينها: " قد يتردد-المعنى- بين محامل كثيرة يتساوى بعضها مع بعض، ويترجح بعضها على بعض، وأولى الأقوال ما دل عليه الكتاب في موضع آخر، أو السنة، أو إجماع الأمة " (2).

  • (1) انظر الإشارة إلى الإيجاز في بعض أنواع المجاز / العز بن عبد السلام، ص 220.
  • (2) المصدر السابق، ص 220.
154

وقررّ شيخ الإسلام ابن تيمية في مقدمته في "أصول التفسير" أن أصح طرق التفسير هي تفسير القرآن بالقرآن، وبيّن أن ما أجمل في مكان قد يفسّر في موضع آخر، وما اختصر في مكان قد يبسط في موضع آخر (1).

كما نصّ ابن جزيّ الكلبي على هذه القاعدة وعلى أنها وجه من أوجه الترجيح عنده، فقال: " وأما وجوه الترجيح فهي اثنا عشر، الأول: تفسير بعض القرآن ببعض فإذا دلّ موضع من القرآن على المراد بموضع آخر حملناه عليه، ورجحنا القول بذلك على غيره من الأقوال " (2).

واهتم ابن كثير بتفسير القرآن بالقرآن، ورجَّح بين الأقوال بما تقضي به هذه القاعدة، والناظر في تفسيره يجد ذلك واضحًا جليًا (3).

ومن أشهر المفسرين الذين اعتنوا بتفسير القرآن بالقرآن وطبقوا ذلك عمليًا في تفسيرهم: العلامة محمد الأمين الشنقيطي في تفسيره " أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن "، والذي حدد مقاصده من تأليفه في مقدمته فقال: " أولها: بيان القرآن بالقرآن لإجماع العلماء على أن أشرف أنواع التفسير وأجلها تفسير كتاب الله بكتاب الله، إذ لا أحد أعلم بمعنى كلام الله جل وعلا من الله جل وعلا " (4).

  • (1) انظر مقدمة في أصول التفسير / شيخ الإسلام ابن تيمية، ص 82.
  • (2) التسهيل لعلوم التنزيل / ابن جزي الكلبي، ج 1، ص 9.
  • (3) انظر تفسير القرآن العظيم / ابن كثير، ج 8، ص 255.
  • (4) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن / الشنقيطي، ص 6.
155