قواعد الترجيح المتعلقة بالنص عندالجزء 1 · ص 203 - 219

الأمثلة التطبيقية على القاعدة (1 من 2)

أقواله القيّمة في ذلك قوله: " والتحقيق الذي لا شك فيه، وهو الذي كان عليه أصحاب رسول الله - ﷺ - وعامة علماء المسلمين، أنه لا يجوز العدول عن ظاهر كتاب الله وسنة رسول الله - ﷺ - في حال من الأحوال بوجه من الوجوه، حتى يقوم دليل صحيح شرعي صارف عن الظاهر إلى المحتمل المرجوح " (1).

الأمثلة التطبيقية على القاعدة

1 - مثال غضب الله:

قال تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ (2).

للمفسرين في معنى غضب الله تعالى أقوال من أبرزها:

الأول: إن غضبُ الله على من غضب عليه من خلقه هو إحلالُ عقوبته بمن غَضبَ عليه، إمّا في دنياه، وإمّا في آخرته، كما وصف به نفسه جلّ ذكره في كتابه فقال: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (3). وكما قال: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾ (4).

الثاني: الغضب من الله معناه مفهوم، كالذي يعرف من معاني الغضب، غير

  • (1) أضواء البيان / الشنقيطي، ج 7، ص 1591.
  • (2) سورة الفاتحة، الآية (7).
  • (3) سورة الزخرف، الآية (55).
  • (4) سورة المائدة، الآية (60).
203

أنه - وإن كان كذلك من جهة الإثبات - فمخالف معناه منه معنى ما يكون من غضب الآدميين الذين يزعجهم ويحركهم ويشق عليهم ويؤذيهم.

لأن الله جل ثناؤه لا تحل ذاته الآفات، ولكنه له صفة، كما العلم له صفة، والقدرة له صفة، على ما يعقل من جهة الإثبات، وإن خالفت معاني ذلك معاني علوم العباد، التي هي معارف القلوب، وقواهم التي توجد مع وجود الأفعال وتعدم مع عدمها (1).

وهذان القولان ذكرهما ابن جرير في تفسيره، والقول الأخير الذي حكاه هو قول السلف، وأما الأول فهو قول المؤولة من أشعرية وغيرهم، ولم يرجح ابن جرير قول السلف على غير عادته.

أما ابن عاشور فقد خالف القاعدة التي نص عليها حيث يقول في تفسير قوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ " وإذْ كانت حقيقة الغضب يستحيل اتصاف الله تعالى بها وإسنادُها إليه على الحقيقة، للأدلة القطعية الدالة على تنزيه الله تعالى عن التغيرات الذاتية والعرضية، فقد وجب على المؤمن صَرف إسناد الغضب إلى الله عن معناه الحقيقي، وطريقةُ أهل العلم والنظر في هذا الصرف أن يصرف اللفظ إلى المجاز بعلاقة اللزوم أو إلى الكناية باللفظ عن لازم معناه فالذي يكون صفة لله من معنى الغضب هو لازمه، أعني العقاب والإهانة يوم الجزاء واللعنة أي الإبعاد عن أهل الدين والصلاح في الدنيا أو هو

  • (1) جامع البيان / الطبري، ج 1، ص 93.
204

من قبيل التمثيلية " (1).

وما اختاره ابن عاشور هو قول الأشعرية، وقد سبقه إليه الطبري وابن عطية، والرازي والقرطبي، وأبو حيان، والشوكاني (2).

في حين وافق قول الألوسي ما ذهب إليه سلف الأمة من إثبات هذه الصفة لله تعالى كما يليق بجلاله وعظمته (3).

حجة من قال: إن غضب الله على من غضب عليه من خلقه، إحلالُ عقوبته بمن غَضبَ عليه:

حجتهم في ذلك أن الغضب حالة تعرض للنفس عند حصول مالا يلائمها من ثوران وغيره، والله تعالى منزّه عن مشابهة المخلوقين.

قال ابن عطية: "وغضب الله تعالى عبارة عن إظهاره عليهم محنًا وعقوبات وذلة ونحو ذلك، مما يدل على إنه قد أبعدهم عن رحمته بعدًا مؤكدًا مبالغًا فيه " (4).

وقال القرطبي: " ومعنى الغضب في صفة الله تعالى إرادة العقوبة، فهو صفة ذات، وإرادة الله تعالى من صفات ذاته؛ أو نفس العقوبة " (5).

  • (1) التحرير والتنوير، ج 1، ص 197.
  • (2) انظر المحرر الوجيز / ابن عطية، ج 1، ص 77، والتفسير الكبير / الرازي، ج 1، ص 224، والجامع لأحكام القرآن / القرطبي، ج 1، ص 166، والبحر المحيط / أبو حيان، ج 1، ص 152، وفتح القدير / الشوكاني، ج 1، ص 24.
  • (3) روح المعاني / الألوسي، ج 1، ص 98.
  • (4) المحرر الوجيز / ابن عطية، ج 1، ص 77.
  • (5) الجامع لأحكام القرآن / القرطبي، ج 1، ص 167.
205

قال ابن عاشور: " والغضب المتعلق بالمغضوب عليهم هو غضبُ اللَّهِ. وحقيقة الغضب المعروف في الناس أنه كيفية تعرض للنفس يتبعها حركة الروح إلى الخارج وثورانها فتطلب الانتقام، فالكيفيةُ سبب لطلب الانتقام وطلب الانتقام سبب لحصول الانتقام، والذي يظهر لي أن إرادة الانتقام ليست من لوازم ماهية الغضب بحيث لا تنفك عنه،ولكنها قد تكون من آثاره، وأن الغضب هو كيفية للنفس تعرض من حصول ما لا يلائمها فتترتب عليه كراهية الفعل المغضوب منه وكراهية فاعله، ويلازمه الإعراض عن المغضوب عليه ومعاملتُه بالعُنف وبقطع الإحسان وبالأذى وقد يفضى ذلك إلى طلب الانتقام منه فيختلف الحد الذي يثور عند الغضب في النفس باختلاف مراتب احتمال النفوس للمنافرات واختلاف العادات في اعتبار أسبابه، فلعل الذين جعلوا إرادة الانتقام لازمة للغضب بنَوا على القوانين العربية " (1).

حجة من أثبت صفة الغضب لله تعالى:

حجتهم في ذلك أن القاعدة المتبعة في أسماء الله وصفاته كما نص على ذلك أئمة السلف إثباتها كما أثبتها الله لنفسه من غير تمثيل ولا تشبيه ولا تكييف ولا تعطيل.

قال الألوسي: " وأنا أقول كما قال سلف الأمة هو صفة لله تعالى لائقة بجلال ذاته لا أعلم حقيقتها ولا كيف هي،والعجز عن درك الإدراك إدراك " (2).

وقال شارح العقيدة الواسطية الشيخ زيد فياض في "الروضة الندية": " ومذهب السلف وسائر الأئمة إثبات صفة الغضب، والرضا والعداوة والولاية والحب، والبغض، ونحو ذلك من الصفات التي ورد بها الكتاب والسنة

  • (1) التحرير والتنوير، ج 1، ص 197.
  • (2) روح المعاني / الألوسي، ج 1، ص 98.
206

ومنع التأويل الذي يصرفها عن حقائقها اللائقة بالله تعالى كما يقولون مثل ذلك في السمع، والبصر، والكلام، وسائر الصفات، ولا يقال أن الرضا إرادة الإحسان والغضب إرادة الانتقام فإنه نفي للصفة ...

ويُقال لمن تأول الغضب والرضا لم تأولت ذلك؟

فلا بد أن يقول لأن الغضب غليان دم القلب والرضا والميل والشهوة، وذلك لا يليق بالله تعالى، فيُقال له: غليان دم القلب في الآدمي أمر ينشأ عن صفة الغضب، ويقال له أيضًا، وكذلك الإرادة والمشيئة فينا ميل الحي إلى الشيء أو إلى ما يلائمه ويناسبه، فالمعنى الذي صرفت إليه اللفظ كالمعنى الذي صرفته عنه سواء، فإن جاز هذا جاز ذلك وإن امتنع هذا امتنع ذاك فإن قالوا: الإرادة التي يوصف الله بها مخالفة للإرادة التي يوصف بها العبد وإن كان كل منهما حقيقة قيل له: إن الغضب والرضا الذي يوصف به الله مخالف لما يوصف به العبد، وإن كلًا منهما حقيقة، فإذا كان ما يقوله في الإرادة يمكن أن يقال في هذه الصفات لم يتعين التأويل، بل يجب تركه، وصفات الله تليق به، وصفات العبد تليق به، بل لو قيل غضب ملك خازن النار وغضب غيره من الملائكة لم يجب أن يكون مماثلًا لكيفية غضب الآدميين، فغضب الله أولى " (1).

القول الراجح:

هو إثبات صفة الغضب لله تعالى كما يليق بجلاله وعظمته من غير تكييف ولا تمثيل ولا تشبيه.

  • (1) الروضة الندية شرح العقيدة الواسطية / زيد بن فياض، ص 108 - 109.
207

قال الشيخ الهراس في شرح العقيدة الواسطية عند قول المصنف ابن تيمية ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (1) ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ (2): " تضمنت هذه الآيات إثبات بعض صفات الفعل لله من الرضا والغضب واللعن والكره والسخط والمقت والأسف، وهي عند أهل الحق صفات حقيقية لله عز وجل على ما يليق به، ولا تشبه ما يتصف به المخلوق من ذلك، ولا يلزم منها ما يلزم في المخلوق فلا حجة للأشاعرة والمعتزلة على نفيها، ولكنهم ظنوا أن اتصاف الله عز وجل بما يلزمه أن تكون هذه الصفات فيه على نحو ما هي في المخلوق،وهذا الظن الذي ظنوه في ربهم أرداهم فأوقعهم في حمأة النفي والتعطيل " (3).

"وما ذكره ابن عاشور هنا وغيره من المفسرين من قبله تأويلات أشعرية قد خالف فيها القاعدة، والصواب إثبات الصفة لله تعالى على ما يليق بجلال الله تعالى، والداعي إلى تصورهم هذا في حق الله تعالى ليس إلا توهم التشبيه بغضب الآدمي. فالله تبارك وتعالى له غضب وحياء ومكر واستهزاء يليق بجلاله وعظمته، يغضب متى شاء ويرضى متى شاء كما يليق به فإرجاع هذه الصفة إلى الإرادة أو إيقاع الفعل خطأ ظاهر، وخلاف مذهب

  • (1) سورة المجادلة، الآية (22).
  • (2) سورة النساء، الآية (93).
  • (3) شرح العقيدة الواسطية / محمد خليل هراس، ج 1، ص 111.
208

السلف الصالح " (1).

2 - مثال الإيمان في نسخ القبلة:

قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (2).

اختلف المفسرون في المراد بالإيمان من قوله ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ فمنهم من فسّره على ظاهره، ومنهم من فسره بالصلاة، وقد ذكر هذه الأقوال ابن عاشور في تفسيره فقال: " فإن فُسِّر الإيمان على ظاهره كان التقدير ليضيع حق إيمانكم حين لم تزلزله وسَاوس الشيطان عند الاستقبال إلى قبلة لا تَودونها، وإن فُسِّر الإيمانُ بالصلاة كان التقدير ما كان الله ليضيع فضل صلاتكم أو ثوابها " ورجّح ابن عاشور أن المراد بالإيمان في هذه الآية الصلاة وفي ذلك يقول: " وفي إطلاق اسم الإيمان على الصلاة تنويه بالصلاة لأنها أعظم أركان الإيمان (3).

ثم ساق ابن عاشور سبب نزول هذه الآية، والتي تدل على أن المراد بالإيمان في هذه الآية الصلاة.

  • (1) انظر المفسرون بين التأويل والإثبات في آيات الصفات / محمد المغراوي، ج 2، ص 54.
  • (2) سورة البقرة، الآية (143)
  • (3) انظر التحرير والتنوير / ابن عاشور، ج 2، ص 25.
209

وترجيح ابن عاشور هنا لايعني مخالفته للقاعدة التي نصّ عليها، وذلك أن القاعدة ضابطها: أن الأصل إطلاق اللفظ على ظاهره مالم يرد دليل يصرفه عن ظاهره وقد تظاهرت الأدلة على أن المراد بالإيمان في هذه الآية هو الصلاة.

وكذلك رجّح الطبري أيضًا أن المراد بـ " إِيمَانَكُمْ " في هذه الآية صلاتكم وكذلك ابن عطية والرازي، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير، والشوكاني، والألوسي، والقاسمي، والشنقيطي (1).

حجة من قال: إن المراد بـ " إِيمَانَكُمْ " صلاتكم:

استدلوا على ذلك بما جاء في السنة في سبب نزول هذه الآية.

روى الطبري بسنده عن السدي قال: " لما وُجِّه رسول الله - ﷺ - قبَل المسجد الحرام، قال المسلمون: ليتَ شِعْرنا عن إخواننا الذين مَاتوا وهم يصلون قبل بيت المقدس! هل تقبَّل الله منا ومنهم أو لا؟ فأنزل الله جل ثناؤه فيهم: "وما كان الله ليضيع إيمانكم" قال، صلاتكم قبَلَ بيت المقدس: يقول: إنّ تلك طاعة وهذه طاعة " (2).

قال ابن عطية: " وسمى الصلاة إيمانًا لما كانت صادرة عن الإيمان والتصديق

  • (1) انظر جامع البيان / الطبري، ج 2، ص 263، والمحرر الوجيز / ابن عطية، ج 1، ص 221، والتفسير الكبير / الرازي، ج 2، ص 93، والجامع لأحكام القرآن / القرطبي، ج 2، ص 162، والبحر المحيط / أبوحيان، ج 1، ص 600، وتفسير القرآن العظيم / ابن كثير، ج 2، ص 115، وفتح القدير / الشوكاني، ج 1، ص 152، وروح المعاني / الألوسي، ج 1، ص 406، ومحاسن التأويل / القاسمي، ج 1، ص 468، وأضواء البيان / الشنقيطي، ج 1، ص 40.
  • (2) جامع البيان / الطبري، ج 2، ص 23.
210

في وقت بيت المقدس وفي وقت التحويل، ولما كان الإيمان قطبًا عليه تدور الأعمال وكان ثابتًا في حال التوجه هنا وهنا ذكره، إذ هو الأصل الذي به يرجع في الصلاة وغيرها إلى الأمر والنهي " (1).

قال القرطبي: " اتفق العلماء على أنها نزلت فيمن مات وهو يصلي إلى بيت المقدس " (2).

وقال القاسمي: " وإنما عدل إلى لفظ الإيمان، الذي هو عام في الصلاة وغيرها ليفيدهم أنه لم يضع شيئًا مما عملوه ...، وذكر بلفظ الخطاب دون الغائب، ليتناول الماضين والباقين (3).

حجة من قال أن المراد بقوله بـ " إِيمَانَكُمْ " أي الإيمان على ظاهره:

حجتهم في ذلك أن الأصل في اللفظ أن يطلق على ظاهره،

قال ابن عاشور: " فإن فسر الإيمان على ظاهره كان التقدير ليضيع حق إيمانكم حين لم تزلزله وساوس الشيطان عند الاستقبال إلى قبلة لا تودونها " (4).

وبذلك فسّره الزمخشري، وأبو السعود.

قال الزمخشري: " أي ثباتكم على الإيمان وأنكم لم تزلّوا ولم ترتابوا، بل شكر صنيعكم وأعدّ لكم الثواب العظيم " (5).

  • (1) المحرر الوجيز / ابن عطية، ج 1، ص 221.
  • (2) الجامع لأحكام القرآن القرطبي، ج 2، ص 162.
  • (3) محاسن التأويل / القاسمي، ج 1، ص 468.
  • (4) التحرير والتنوير، ج 2، ص 25.
  • (5) الكشاف / الزمخشري، ج 1، ص 340.
211

وقال أبو السعود: " ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ أي ما صحَّ وما استقام له أن يُضيعَ ثباتَكم على الإيمان بل شكرَ صنيعَكم وأعدَّ لكم الثوابَ العظيمَ (1) ".

القول الراجح:

إن المراد بـ " إِيمَانَكُمْ " في هذه الآية صلاتكم، وهذا اختيار جميع المفسرين من بينهم ابن عاشور.

وإنما عبَّر في هذه الآية عن الصلاة بالإيمان؛ لأنها العمدة والذي تصح به الأعمال، بل إن ذكر الإيمان هنا أولى من ذكر الصلاة لئلا يتوهم اندراج صلاة المنافقين إلى بيت المقدس (2)

ومما يعضد هذه القول ويجليه القاعدة الترجيحية: (أن القول الذي يدل عليه السياق أولى من غيره)، وقد تنبه إلى ذلك الشنقيطي حيث يقول في تفسيره لهذه الآية: " إيمانكم أي صلاتكم بالبيت على الأصح، ويستروح ذلك قوله قبله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾ (3) ولا سيما على القول بدلالة الاقتران " (4) ... .

كما يعضد هذا القول أيضًا قاعدة ترجيحية أخرى وهي: (إذا صح سبب

  • (1) إرشاد العقل السليم / أبو السعود، ج 1، ص 220.
  • (2) انظر البحر المحيط / أبو حيان، ج 1، ص 600.
  • (3) محاسن التأويل / القاسمي، ج 1، ص 468.
  • (4) أضواء البيان / الشنقيطي، ص 40.
212

النزول فهو مرجح لما وافقه) (1).

وقد أخرج البخاري وابن جرير عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: " وكان الذي مات على القبلة قبل أن تُحَوَّل قِبل البيت رجال قُتلوا لم نَدْر ما نقول فيهم فأنزل الله تعالى: " ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (2).

ويشهد له ما أخرجه أحمد والترمذي عن ابن عباس قال لما وُجِّه النبي إلى الكعبة قالوا يا رسول الله كيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس؟؟ فأنزل الله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ الآية. صححه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح (3).

3 - مثال إتيان الله تعالى:

قال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ (4).

اختلف المفسرون في صفة إتيان الله تبارك وتعالى الذي ورد في قوله: ﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله﴾.

فقال بعضهم: لا صفة لذلك غير الذي وصَف به نفسه عز وجل من

  • (1) قواعد الترجيح / حسين الحربي، ج 2، ص 241.
  • (2) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب " سيقول السفهاء من الناس ... "، ج 4، ص 1631، ح- 4216، والطبري في تفسيره، ج 2، ص 23.
  • (3) أخرجه الترمذي في سننه، كتاب التفسير، باب من سورة فاتحة الكتاب، ج 5، ص 208، ح - 2964، وأحمد في المسند، ج 1، ص 304، ح- 2776.
  • (4) سورة البقرة، الآية (210).
213

المجيء والإتيان والنزول، وغيرُ جائز تكلُّف القول في ذلك لأحد إلا بخبر من الله ﷻ، أو من رسول مرسل.

وقال آخرون: معنى قوله: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله: هل ينظرون إلا أن يأتيهم أمرُ الله (1).

وهذه الأقوال ذكرها ابن عاشور في تفسيره وذكر قول السلف ولكن بخلط وضعف، ومال إلى التأويل، حيث يقول: "والإتيان حضور الذات في موضع من موضع آخر سبق حصولها فيه، وأسند الإتيان إلى الله تعالى في هذه الآية على وجه الإثبات فاقتضى ظاهره اتصاف الله تعالى به، ولما كان الإتيان يستلزم التنقل أو التمدد ليكون حالًا في مكان بعد أن لم يكن به حتى يصح الإتيان، وكان ذلك يستلزم التنقل والجسم والله منزه عنه، تعين صرف اللفظ عن ظاهره بالدليل العقلي، فإن كان الكلام خبرًا أو تهكمًا فلا حاجة للتأويل، لأن اعتقادهم ذلك مدفوع بالأدلة وإن كان الكلام وعيدًا من الله لزم التأويل، لأن الله تعالى موجود في نفس الأمر لكنه لا يتصف بما هو من صفات الحوادث كالتنقل والتمدد لما علمت، فلا بد من تأويل هذا عندنا على أصل الأشعري في تأويل المتشابه " (2).

وبقول ابن عاشور قال ابن عطية من قبله حيث تأول إتيان الله تعالى بحكمه وأمره ونهيه وعقابه، وكذلك الرازي فقد أخذ بمذهب المعطلة والمؤولة، ولم يتورع في إنكار هذه الصفة فحسب بل حكى إجماع العقلاء على نفيها.

  • (1) انظر جامع البيان / الطبري، ج 2، ص 398.
  • (2) التحرير والتنوير، ج 2، ص 284.
214

كما ذهب إلى ذلك القرطبي، وأبو حيان، والشوكاني (1).

أما الطبري، وابن كثير، والألوسي، والقاسمي أجمعين فقد أثبتوا لله تعالى هذه الصفة كما أثبتها لنفسه سبحانه وأثبتها له رسوله - ﷺ - (2).

حجة من قال: إن إتيان الله حقيقي كما ينبغي لجلال الله وعظمته:

حجتهم في ذلك إجماع أهل السنة على أن صفات الله تجري على ظاهرها مع نفي التشبيه والكيفية عنها.

قال ابن القيم: " وبإثبات أفعاله وقيامها به تزول عنك جميع الإشكالات، وتصدق النصوص بعضها بعضًا، وتعلم مطابقتها للعقل الصريح، وإن أَنْكَرت حقيقة الأفعال وقيامها به سبحانه اضطرب عليك هذا الباب أعظم اضطراب، وبقيت حائرًا في التوفيق بين النصوص وبين أصول النفاة، وهيهات لك بالتوفيق بين النقيضين، والجمع بين الضدين يوضحه أن الأوهام الباطلة والعقول الفاسدة لما فهمت من نزول الرب ومجيئه وإتيانه، وهبوطه، ودنوه، وهو أن يفرغ مكانًا ويشغل مكانًا، نفت حقيقة ذلك فوقعت في محذورين، محذور التشبيه ومحذور التعطيل ولو علمت هذه العقول الضعيفة أن نزوله سبحانه ومجيئه وإتيانه لا يشبه نزول المخلوق وإتيانه ومجيئه، كما أن سمعه وبصره وعلمه وحياته كذلك بل يده

  • (1) انظر التفسير الكبير الرازي، ج 2، ص 356 - 357. المحرر الوجيز / ابن عطية، ج 1، ص 283، والجامع لأحكام القرآن / القرطبي، ج 2، ص 29، والبحر المحيط / أبو حيان، ج 2، ص 133، وفتح القدير / الشوكاني، ج 1، ص 211.
  • (2) انظر جامع البيان / الطبري، ج 2، ص 398، وتفسير القرآن العظيم / ابن كثير، ج 2، ص 276، وروح المعاني / الألوسي، ج ص 493، ومحاسن التأويل / القاسمي، ج 2، ص 127.
215

الكريمة، ووجهه الكريم كذلك، وإذا كان نزولًا ليس كمثله نزول، فكيف تنفى حقيقته، فإن لم تنف المعطلة حقيقة ذاته وصفاته، وأفعاله بالكلية، وإلا تناقضوا فإنهم أي معنى أثبتوه لزمهم في نفيه ما ألزموا به أهل السنة المثبتين لله ما أثبته لنفسه ولا يجدون إلى الفرق سبيلًا، فلو كان الرب سبحانه مماثلًا لخلقه لزمه في نزول خصائص نزولهم ضرورة ثبوت أحد المثلين للآخر " (1).

وكذلك قال الألوسي في تفسير قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ﴾: " بالمعنى اللائق به جل شؤونه منزهًا عن مشابهة المحدثات والتقيد بصفات الممكنات " (2).

وقال عند تفسيره لقوله تعالى ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ (3): " وأنت تعلم أن المشهور من مذهب السلف عدم تأويل مثل ذلك بتقدير مضاف ونحوه، بل تفويض المراد منه إلى اللطيف الخبير مع الجزم بعدم إرادة الظاهر، ومنهم من يبقيه على الظاهر إلا أنه يدعي أن الإتيان الذي ينسب إليه تعالى ليس الإتيان الذي يتصف به الحادث، وحاصل ذلك أنه يقول بالظواهر وينفي اللوازم ويدعي أنها لوازم في الشاهد، وأين التراب من رب الأرباب " (4).

وقال القاسمي: " وصفه تعالى بالإتيان في ظلل من الغمام كوصفه بالمجيء في

  • (1) الصواعق المرسلة / ابن القيم، ص 369.
  • (2) روح المعاني / الألوسي، ج 1، ص 493.
  • (3) سورة الأنعام، الآية (158).
  • (4) روح المعاني / الألوسي، ج 4، ص 307.
216

آيات أخر ونحوهما مما وصف به نفسه في كتابه أو صح عن رسوله - ﷺ -.والقول في جميع ذلك من جنس واحد، وهو مذهب السلف وأئمتها: إنهم يصفونه سبحانه بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله - ﷺ - من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، والقول في صفاته كالقول في ذاته، والله تعالى ليس كمثله شيء لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله

فلو سأل سائل: كيف يجيء سبحانه أو كيف يأتي ..؟ فليقل له: كيف هو في نفسه؟ فإذا قال: لا أعلم كيف ذاته! فليقل له: وكذلك لا تعلم كيفية صفاته .. ! فإن العلم بكيفية الصفة يتبع العلم بكيفية الموصوف " (1).

حجة من قال: إن المراد يأتيهم حكم الله وأمره، أونهيه وعقابه:

حجتهم في ذلك تمسكهم ببعض الشبه التي ألجأتهم إلى تأويل هذه الصفة. ومن ذلك ظنهم أن إثبات هذه الصفات فيها مشابهة الله تعالى بالمخلوقين.

قال ابن عطية: " وهذا الكلام على كل تأويل فإنما هو بحذف مضاف تقديره أمر ربك، أو بطش ربك، أو حساب ربك، وإلا فالإتيان المفهوم من اللغة مستحيل في حق الله تعالى " (2).

وقال الرازي: " أجمع المعتبرون من العقلاء على أنه سبحانه وتعالى منزه عن المجيء والذهاب ويدل عليه وجوه:

أحدها: ما ثبت في علم الأصول أن كل ما يصح عليه المجيء والذهاب لا

  • (1) محاسن التأويل / القاسمي، ج 2، ص 128.
  • (2) المحرر الوجيز / ابن عطية ج 2، ص 366.
217

ينفك عن الحركة والسكون، وهما محدثان، وما لا ينفك عن المحدث فهو محدث، فيلزم أن كل ما يصح عليه المجيء والذهاب يجب أن يكون محدثًا مخلوقًا، والإله القديم يستحيل أن يكون كذلك.

وثانيها: إن كل ما يصح عليه الانتقال من مكان إلى مكان، فأما أن يكون في الصغر والحقارة كالجزء الذي لا يتجزأ وذلك باطل باتفاق العقلاء، وإما أن لا يكون كذلك بل يكون شيئًا كبيرًا فيكون أحد جانبيه مغايرًا للآخر فيكون مركبًا من الأجزاء والأبعاض وكل ما كان مركبًا، فإن ذلك المركب يكون مفتقرًا في تحققه إلى تحقق كل واحد من أجزائه، وكل واحد من أجزائه غيره فكل مركب هو مفتقر إلى غيره، وكل مفتقر إلى غيره فهو ممكن لذاته، وكل ممكن لذاته فهو محتاج في وجوده إلى المرجح والموجد، فكل ما كان كذلك فهو محدث مخلوق مسبوق بالعدم، والإله القديم يمتنع أن يكون كذلك.

وثالثها: إن كل ما يصح عليه الانتقال من مكان إلى مكان فهو محدود ومنته فيكون مختصًا بمقدار معين، مع أنه كان يجوز في العقل وقوعه على مقدار أزيد منه أو أنقص فاختصاصه بذلك القدر المعين لا بد وأن يكون لترجيح مرجح، وتخصيص مخصص، وكل ما كان كذلك كان فعلًا لفاعل مختار، وكل ما كان كذلك فهو محدث مخلوق، فالإله القديم الأزلي يمتنع أن يكون كذلك.

ورابعها: أنا متى جوزنا في الشيء الذي يصح عليه المجيء والذهاب أن يكون إلهًا قديمًا أزليًا فحينئذ لا يمكننا أن نحكم بنفي الإلهية عن الشمس والقمر، وكان بعض الأذكياء من أصحابنا يقول: الشمس والقمر لا عيب فيهما يمنع من القول بإلهيتهما سوى أنهم جسم يجوز عليه الغيبة والحضور، فمن جوز المجيء

218

والذهاب على الله تعالى فلم لا يحكم بإلهية الشمس، وما الذي أوجب عليه الحكم بإثبات موجود آخر يزعم أنه إله.

وخامسها: إن الله تعالى حكى عن الخليل عليه الصلاة والسلام أنه طعن في إلهية الكواكب والقمر والشمس بقوله: ﴿لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ (1) ولا معنى للأفول إلا الغيبة والحضور فمن جوز الغيبة والحضور على الله تعالى، فقد طعن في دليل الخليل عليه السلام، وكذب الله في تصديق الخليل عليه السلام في ذلك " (2).

القول الراجح:

الواجب أن نصف الله كما وصف به نفسه من غير تكييف ولا تمثيل ولا تعطيل فهو يأتي إتيانا يليق بجلاله وعظمته.

وأما ما ذهب إليه ابن عاشور وغيره فقد خالف فيه القاعدة التي نصّ عليها في مواضع من تفسيره، والذي دعاه إلى ذلك عقيدته الأشعرية.

قال السعدي: " وهذه الآية وما أشبهها دليل لمذهب أهل السنة والجماعة، المثبتين للصفات الاختيارية، كالاستواء، والنزول، والمجيء، ونحو ذلك من الصفات التي أخبر بها تعالى، عن نفسه، أو أخبر بها عنه رسوله - ﷺ -، فيثبتونها على وجه يليق بجلال الله وعظمته، من غير تشبيه ولا تحريف، خلافًا للمعطلة على اختلاف أنواعهم، من الجهمية، والمعتزلة، والأشعرية ونحوهم، ممن ينفي

  • (1) سورة الأنعام، الآية (76).
  • (2) التفسير الكبير / الرازي، ج 2، ص 356 - 357.
219