قواعد الترجيح المتعلقة بالنص عندالجزء 1 · ص 853 - 868

الأمثلة التطبيقية على القاعدة (1 من 2)

" المعنى أن يعطوا الجزية عن قوة، ويدا بيد؛ لأن لدينا قاعدة في التفسير وهي متى احتملت الآية معنيين لا يتنافيان وجب حملها عليهما جميعا؛ لأن ذلك أعم، وكلما عمت دلالة الآية كان أولى" (1).

الأمثلة التطبيقية على القاعدة

1 - مثال التهلكة:

قال تعالى ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (2).

اختلف المفسرون في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ على عدة أقوال، حصرها الماوردي في ستة أقوال (3).

وذكرها ابن عاشور في تفسيره فقال: " وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ عطف غرض على غرض، عُقِّب الأمر بالإنفاق في سبيل الله بالنهي عن الأعمال التي لها عواقب ضارة إبلاغًا للنصيحة والإرشاد، لئلا يدفع بهم يقينهم بتأييد الله إياهم إلى التفريط في وسائل الحذر من غلبَة العدو، فالنهي عن الإلقاء بالنفوس إلى التهلكة يجمع معنى الأمر بالإنفاق وغيره

  • (1) الشرح الممتع على زاد المستقنع / الشيخ محمد بن صالح العثيمين، ج 8، ص 73.
  • (2) سورة البقرة، الآية، 195.
  • (3) انظر النكت والعيون / الماوردي، ج 1، ص 253.
853

من تصاريف الحرب وحفظ النفوس، ولذلك فالجملة فيها معنى التذييل وإنما عطفت ولم تفصل باعتبار أنها غرض آخر من أغراض الإرشاد.

ومعنى النهي عن الإلقاء باليد إلى التهلكة النهي عن التسبب في إتلاف النفس أو القوم عن تحقق الهلاك بدون أن يجتنَى منه المقصودُ.

وعُطِف على الأمر بالإنفاق للإشارة إلى علة مشروعية الإنفاق وإلى سبب الأمر به فإنَّ ترك الإنفاق في سبيل الله والخروجَ بدون عُدة إلقاءٌ باليد للهلاك كما قيل: ...

كساعٍ إلى الهَيْجَا بغير سِلاَح.

ثم ذكر ابن عاشور خلاصة الأقوال فيها فقال:

وقد قيل في تفسير ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ أقوال:

الأول: إنَّ (أنفقوا) أمرٌ بالنفقة على العيال، والتهلكة: الإسراف فيها أو البخل الشديد رواه البخاري عن حذيفة.

الثاني: إنها النفقة على الفقراء؛ أي الصدقة، والتهلكة الإمساك.

الثالث: الإنفاق في الجهاد، والإلقاء إلى التهلكة الخروج بغير زاد.

الرابع: الإلقاء باليد إلى التهلكة: الاستسلام في الحرب أي لا تستسلموا للأسر.

الخامس: إنه الاشتغال عن الجهاد وعن الإنفاق فيه بإصلاح أموالهم (1).

وقد رجح ابن عاشور كل تلك الأقوال ماعدا القول الأول والثاني. فقال: والآية

  • (1) التحرير والتنوير / ابن عاشور، ج 2، ص 215.
854

تتحمل جميع المعاني المقبولة يعني بقية الأقوال الثالث والرابع والخامس (1).

وممن ذهب إلى ما ذهب إليه ابن عاشور في كون المعاني معظمها مرادة: الطبري، وابن عطية والرازي، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير، والشوكاني، والألوسي، والقاسمي (2)، ورجح الشنقيطي أن المراد من قوله: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ أن الإلقاء إلى التهلكة هو: ترك الجهاد، والإقبال على الدنيا وعمارتها (3).

حجة من قال: إن المراد لا تتركوا النفقة على العيال فتهلكوا:

استدل أصحاب هذا القول بما جاء في صحيح البخاري عن حذيفة ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ قال: نزلت في النفقة " (4).

وقد استبعد ابن عاشور هذا القول فقال: " وهذا القول يبعده قوله " في سبيل

  • (1) التحرير والتنوير / ابن عاشور، ج 245.
  • (2) انظر جامع البيان / الطبري، ج 2، ص 246.، والمحرر الوجيز / ابن عطية، ج 1، ص 264، والتفسير الكبير / الرازي، ج 2، ص 294، والجامع لأحكام القرآن / القرطبي، ج 2، ص 360، والبحر المحيط / أبو حيان، ج 2، ص 78 - 79، وتفسير القرآن العظيم / ابن كثير، ج 2، ص 223، وفتح القدير / الشوكاني، ج 1، ص 193، وروح المعاني الألوسي، ج 1، ص 474، ومحاسن التأويل / القاسمي، ج 2، ص 100.
  • (3) أضواء البيان / الشنقيطي، ص 880.
  • (4) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب: " ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة " ج 4، ص 1642، ح- 4244.
855

الله" وإن إطلاق التهلكة على السرف بعيد وعلى البخل أبعد.

وذكر ابن عاشور قولًا آخر يشبه القول السابق وهو: أن المقصود بالتهلكة الإمساك من النفقة على الفقراء، وكذلك استبعده ابن عاشور لعدم مناسبة العطف وإطلاق التهلكة على الإمساك (1).

حجة من قال: إن المراد بالتهلكة الخروج بغير زاد:

دليلهم أن ذلك قد كان فعله قوم فأداهم ذلك إلى الانقطاع في الطريق، أو يكون عالة على الناس (2).وهو من قول زيد بن أسلم (3)، والمعنى لا تسافروا في الجهاد بغير زاد.

حجة من قال: إن المراد بالتهلكة الاستسلام في الحرب:

استدلوا بقول البراء بن عازب - رضي الله عنه -: أي لا تقتحموا في الحرب بحيث لا ترجون النفع، ولا يكون لكم فيه إلا قتل أنفسكم فإن ذلك لا يحل، وإنما يجب أن يقتحم إذا طمع في النكاية وإن خاف القتل، فأما إذا كان آيسًا من النكاية وكان الأغلب أنه مقتول فليس له أن يقدم عليه (4)، ونقل عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال في هذه الآية: هو الرجل يستقل بين الصفين (5).

وقد ردّ قوم هذا القول.

  • (1) التحرير والتنوير، ج 2، ص 215.
  • (2) الجامع لأحكام القرآن / القرطبي، ج 2، ص 360.
  • (3) أخرج روايته الطبري في تفسيره، ج 2، ص 243.
  • (4) لم أقف على تخريجه. انظر التفسير الكبير/ الرازي، ج 2، ص 295.
  • (5) لم أقف عليه في كتب الأحاديث والمصنفات.
856

قال الرازي: " ومن الناس من طعن في هذا التأويل وقال: هذا القتل غير محرم واحتج عليه بوجوه:

الأول: روي أن رجلًا من المهاجرين حمل على صف العدو، فصاح به الناس، فألقى بيده إلى التهلكة، فقال أبو أيوب الأنصاري - رضي الله عنه -: نحن أعلم بهذه الآية وإنما نزلت فينا: صحبنا رسول الله - ﷺ - ونصرناه وشهدنا معه المشاهد فلما قوي الإسلام وكثر أهله رجعنا إلى أهالينا وأموالنا وتصالحنا، فكانت التهلكة الإقامة في الأهل والمال وترك الجهاد " (1)

والثاني: روى الشافعي أن رسول الله - ﷺ - ذكر الجنة، فقال له رجل من الأنصار: أرأيت يا رسول الله إن قُتِلتُ صابرًا محتسبًا؟ قال - ﷺ -: «لك الجنة» فانغمس في جماعة العدو فقتلوه بين يدي رسول الله - ﷺ -، وأن رجلًا من الأنصار ألقى درعًا كانت عليه حين ذكر النبي - ﷺ - الجنة ثم انغمس في العدو فقتلوه (2).

والثالث: روي أن رجلًا من الأنصار تخلف عن بني معاوية فرأى الطير عكوفًا على من قتل من أصحابه، فقال لبعض من معه: سأتقدم إلى العدو فيقتلونني، ولا أتخلف عن مشهد قتل فيه أصحابي، ففعل ذلك فذكروا ذلك للنبي - ﷺ -، فقال فيه قولا حسنًا (3) (4)

  • (1) أخرجه الترمذي في سننه، كتاب تفسير القرآن عن رسول الله، باب ومن سورة البقرة، ج 5، ص 212، ح- 2972، وقال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح غريب.
  • (2) أخرجه الشافعي في الأم، ج 4، ص 242.
  • (3) أخرجه البيهقي في الكبرى، باب جواز انفراد الرجل والرجال بالغزو، ج 9، ص 100، ح- 17979.
  • (4) انظر التفسير الكبير/ الرازي، ج 2، ص 295.
857

حجة من قال: إن المراد بالتهلكة الاشتغال عن الجهاد وعن الإنفاق فيه بإصلاح أموالهم:

استدلوا بما رواه الترمذي عن أسلم أبي عمران قال: كنا بمدينة الروم (القسطنطينية) فأخرجوا إلينا صفًا عظيمًا من الروم فخرج إليهم من المسلمين مثلهم فحمل رجل من المسلمين على صف للروم حتى دخل فيهم، فصاح الناس وقالوا: سبحان الله يلقي بيديه إلى التهلكة، فقام أبو أيوب الأنصاري فقال: يا أيها الناس إنكم تتأوّلون هذه الآية هذا التأويل وإنما أنزلت فينا معاشر الأنصار لما أعزّ الله الإسلام وكثر ناصروه قال بعضنا لبعض سرًا دون رسول الله: إن أموالنا قد ضاعت وإن الله قد أعز الإسلام وكثر ناصروه فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها فأنزل الله على نبيه يرد علينا ما قلنا ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ فكانت التهلكة الإقامة على الأموال وإصلاحها وتركنا الغزو" (1).

وهناك قول آخر في معنى التهلكة لم يذكره ابن عاشور وهو أن المراد بالآية: أي لا تيأسوا من المغفرة عند ارتكاب المعاصي فلا تتوبوا:

استدلوا بقول عبيدة السلماني يقول: هو الرجل يذنب الذنب فيستسلم ويلقي بيده إلى التهلكة، ويقول لا توبة له يعني قوله: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ﴾

  • (1) أخرجه الترمذي في سننه، كتاب تفسير القرآن، باب ومن البقرة،ج 5، ص 212، ح- 2972.
858

﴿إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (1).

القول الراجح

هو ما ذهب إليه ابن عاشور مستندًا في ذلك إلى القاعدة الترجيحية وهي: (إذا احتمل اللفظ معان عدة ولم يمتنع إرادة الجميع حمل عليها).

وفي ذلك يقول الطبري: " فإذ كانت هذه المعاني كلها يحتملها قوله: "ولا تُلقوا بأيديكم إلى التهلكة" ولم يكن الله عز وجل خصَّ منها شيئًا دون شيء، فالصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله نهى عن الإلقاء بأيدينا لما فيه هلاكنا، والاستسلام للهلكة - وهي العذاب - بترك ما لزمنا من فرائضه، فغيرُ جائز لأحد منا الدخول في شيء يكرهه الله منا، مما نستوجب بدخولنا فيه عَذابَه. غير أن الأمر وإن كان كذلك، فإن الأغلب من تأويل الآية: وأنفقوا أيها المؤمنون في سبيل الله، ولا تتركوا النفقة فيها، فتهلكوا باستحقاقكم (2)

وفي ذلك يقول الجصاص: " وليس يمتنع أن يكون جميع هذه المعاني مرادة بالآية لاحتمال اللفظ لها وجواز اجتماعها من غير تضاد ولا تناف " (3).

كما ذكر القرطبي أن اللفظ يتناول جميع سبله (4) وكذلك يرى الألوسي أن ظاهر اللفظ العموم (5).

  • (1) أخرج روايته الطبري في تفسيره، ج 2، ص 244.
  • (2) جامع البيان / الطبري، ج 2، ص 246.
  • (3) أحكام القرآن / الجصاص، ج 1، ص 163.
  • (4) انظر الجامع لأحكام القرآن / القرطبي، ج 2، ص 360.
  • (5) انظر روح المعاني / الألوسي، ج 1، ص 474.
859

وقال السعدي: " والإلقاء باليد إلى التهلكة يرجع إلى أمرين: ترك ما أمر به العبد، إذا كان تركه موجبا أو مقاربا لهلاك البدن أو الروح، وفعل ما هو سبب موصل إلى تلف النفس أو الروح، فيدخل تحت ذلك أمور كثيرة، فمن ذلك، ترك الجهاد في سبيل الله، أو النفقة فيه، الموجب لتسلط الأعداء، ومن ذلك تغرير الإنسان بنفسه في مقاتلة أو سفر مخوف، أو محل مسبعة أو حيات، أو يصعد شجرا أو بنيانا خطرا، أو يدخل تحت شيء فيه خطر ونحو ذلك، فهذا ونحوه، ممن ألقى بيده إلى التهلكة.

ومن الإلقاء باليد إلى التهلكة: الإقامة على معاصي الله، واليأس من التوبة، ومنها: ترك ما أمر الله به من الفرائض، التي في تركها هلاك للروح والدين " (1).

وأختم بقول ابن عاشور: " والآية تتحمل جميع المعاني المقبولة، ووقوع فعل (تلقوا) في سياق النهي يقتضي عموم كل إلقاء باليد للتهلكة أي كل تسبب في الهلاك عن عمد فيكون منهيًا عنه محرمًا ما لم يوجد مقتض لإزالة ذلك التحريم وهو ما يكون حفظه مقدمًا على حفظ النفس مع تحقق حصول حفظه بسبب الإلقاء بالنفس إلى الهلاك أو حفظ بعضه بسبب ذلك " (2).

2 - مثال الأنعام:

قال تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ﴾

  • (1) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان / السعدي، ج 1، ص 153.
  • (2) التحرير والتنوير، ج 2، ص 215.
860

﴿اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (1).

اختلف المفسرون في تفسير الفرش في هذه الآية، وقد ذكر هذا الخلاف ابن عاشور في تفسيره فقال: " الفرش ما لا يُطيق الحَمل من الإبل أي فهو يركب كما يُفرش الفَرش، وهذا قول الراغب.

وقيل: الفَرش الصّغار من الإبل أو من الأنعام كلّها، لأنَّها قريبة من الأرض فهي كالفرش، وقيل: الفرش ما يذبح لأنّه يفرش على الأرض حين الذبح أو بعده، أي فهو الضان والمعز والبقر لأنَّها تذبح.

وفي «اللّسان» عن أبي إسحاق: أجمع أهل اللّغة على أنّ الفرش هو صغار الإبل " وزاد في «الكشاف»: «أو الفَرْش: ما يُنْسَج من وبره وصوفه وشَعْره الفرْش» يريد أنه كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ (2) ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (5) وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ (3)، ولأنَّهم كانوا يفترشون جلود الغنم والمعز للجلوس عليها " (4).

ورجّح ابن عاشور جميع تلك المعاني في معنى الفرش لكونها جميعًا محتملة فقال: " ولفظ (فرشا) صالح لهذه المعاني كلّها، ومحامله كلّها مناسبة للمقام،

  • (1) سورة الأنعام، الآية (142).
  • (2) سورة النحل، الآية (80).
  • (3) سورة النحل، الآية (5 - 6).
  • (4) التحرير والتنوير، ج 5، ص 125.
861

فينبغي أن تكون مقصودة من الآية، وكأنّ لفظ الفرش لا يوازنه غيره في جمع هذه المعاني، وهذا من إعجاز القرآن من جانب فصاحته، فالحمولة الإبل خاصّة، والفَرش يكون من الإبل والبقر والغنم على اختلاف معاني اسم الفرش الصّالحة لكلّ نوع مع ضميمته إلى كلمة (من) الصالحة للابتداء.

فالمعنى: وأنشأ من الأنعام ما تحملون عليه وتركبونه، وهو الإبل الكبيرة والإبل الصّغيرة، وما تأكلونه وهو البقر والغنم، وما هو فرش لكم وهو ما يُجزّ منها، وجلودها " (1).

وقد وافق قول ابن عاشور قول القرطبي حيث وصف هذا اللفظ بأنه لفظ مشترك، كما حسّن قول من قال أن الفرش ما خلقه الله من الجلود والصوف مما يجلس عليه ويتمهد (2)

ورجّح ابن جرير أن الفرش كل ما قرب جسمه من الأرض، وقريب منه قول ابن عطية، والرازي، والقرطبي (3).

وساق أبو حيان، والشوكاني، والألوسي، والقاسمي معظم الأقوال الواردة في الفرش ولم يرجّحوا أحدها (4).

  • (1) التحرير والتنوير، ج 5، ص 126.
  • (2) انظرالجامع لاحكام القرآن / القرطبي، ج 7، ص 112.
  • (3) انظر جامع البيان / الطبري، ج 8، ص 78.، والمحرر الوجيز / ابن عطية، ج 2، ص 354.، والتفسير الكبير / الرازي، ج 5، ص 165، والجامع لأحكام القرآن / القرطبي، ج 7، ص 112.
  • (4) انظر البحر المحيط / أبو حيان، ج 4، ص 241، وفتح القدير / الشوكاني، ج 2، ص 169، وروح المعاني / الألوسي، ج 4، ص 282، ومحاسن التأويل / القاسمي، ج 4، ص 521.
862

وحسّن ابن كثير قول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في أن الفرش ما تأكلون وتحلبون، شاة لا تحمل تأكلون لحمها، وتتخذون من صوفها لحافًا وفراشًا (1)، وهو قريب من ترجيح الطبري.

وإليك الآن حجة أصحاب كل قول، وإن كان بين الأقوال تداخل:

حجة من قال: إن الفرش كل ما قرب من الأرض جسمه:

حجتهم في ذلك: أن الفرش صفة لما قرب جسمها من الأرض كا لأغنام.

قال الطبري: " والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: أن "الفرش"، إنما هو صفة لما لطف فقرب من الأرض جسمه، ويقال له: "الفرش"، وأحسبها سميت بذلك تمثيلا لها في استواء أسنانها ولطفها بالفَرْش من الأرض، وهي الأرض المستوية التي يتوطَّؤُها الناس " (2).

وقال الخازن: " الفرش مالا يصلح للحمل سمي فرشًا لأنه يفرش للذبح ولأن قريب من الأرض لصغره " (3).

حجة من قال: إن الفرش صغار الإبل:

احتج أصحاب هذا القول بأن الأنعام تطلق على الإبل وحدها، وبذلك يكون قوله: ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾ أي من الإبل حمولة وفرشًا.

قال مجاهد: الحمولة ما قد حمل من الإبل، والفرش صغار الإبل التي لم

  • (1) انظر تفسير القرآن العظيم / ابن كثير، ج 6، ص 192.
  • (2) جامع البيان / الطبري، ج 8، ص 78.
  • (3) لباب التأويل في معاني التنزيل / الخازن، ج 2، ص 165.
863

تحمل (1).

وقال ابن بحر (2): الافتراش الإضجاع للنحر، فتكون الحمولة كبارها، والفرش صغارها، قال الراجز:

أورثني حمولة وفرشًا ...... أمشها في كل يوم مشًا (3).

وقال الزجاج: أجمع أهل اللغة على أن الفرش هو صغار الإبل (4).

حجة من قال: إن الفرش ما خلق لكم من أصوافها وجلودها:

قال النحاس: "ومن أحسن ما قيل فيها أن الفرش ما خلقه الله عز وجل من الجلود والصوف مما يجلس عليه ويتمهد" (5). وهذا القول حسنه ابن كثير كما تقدم.

القول الراجح

والذي يظهر والله أعلم صحة ما ذهب إليه ابن عاشور من كون المعاني كلها محتملة، وذلك بناء على قاعدة المبحث بأنه (إذا احتمل اللفظ معان عدة ولم يمتنع إرادة الجميع حمل عليها).

  • (1) تفسير مجاهد، ص 330.
  • (2) هو محمد تقي بن السيد رضا بن بحر العلوم الطباطبائي النجفي، من فقهاء ية، من أهل النجف، له القواعد في أصول الفقه، توفي سنة 1289 م. (انظر الذريعة إلى تصانيف الشيعة / الطهراني، ج 2، ص 204، والإعلام / الزركلي، ج 6، ص 63).
  • (3) النكت والعيون / الماوردي، ج 2، ص 179.
  • (4) معاني القرآن / الزجاج، ج 2، ص 298.
  • (5) معاني القرآن / النحاس، ج 2، ص 503.
864

وردّ القرطبي قول من قال: إن الأنعام المراد بها الإبل وحدها فقال: " وكذلك البقر والغنم فهي أنعام أيضًا وذكر في ذلك قول أحمد بن يحيى (1) ووصفه بأنه أصحها حيث قال: الأنعام كل ما أحله الله عز وجل من الحيوان، ويدل على صحة هذا قوله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ (2) " (3).

ومما يعضد هذا القول، ويرد القول بأن المقصود بها صغار الإبل فقط سياق الآية بعدها حيث جاء بعدها ذكر الأصناف كلها: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (143) وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (4) فجاءت هذه الآية بدلًا من قوله عز وجل ﴿حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾ جعله للبقر والغنم مع الإبل (5).

  • (1) هو: أبو العباس أ. حمد بن يحيى بن زيد بن سيّار الشيباني، المعروف بثعلب، إمام الكوفيين في النحو واللغة، كان راوية للشعر، محدثا مشهورا بالحفظ، من كتبه: الفصيح، وقواعد الشعر، ومجالس ثعلب، ومعاني القرآن، مات عام (291 هـ). (انظر تبصير المنتبه بتحرير المشتبه / ابن حجر،ج 1، ص 198، والأعلام / الزركلي، ج 1، ص 267.
  • (2) سورة المائدة، الآية (4).
  • (3) الجامع لأحكام القرآن / القرطبي، ج 7، ص 112.
  • (4) سورة الأنعام، الآية (143).
  • (5) انظر معاني القرآن / الأخفش، ج 1، ص 315.
865

3 - مثال الضمير في السميع والبصير:

قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (1).

اختلف المفسرون في مرجع الضمير في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾

فمعظمهم ذهب إلى أن الضمير يعود إلى الله تعالى، وقلة منهم ذهبت إلى أنه يعود إلى الرسول - ﷺ -، وقد مال ابن عاشور إلى أن الضمير يعود إلى الرسول - ﷺ -، وإن كان لا يستبعد القول الآخر بل يراه محتملًا تكثيرًا لمعاني الآية وهذا قوله:

" فقوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ الأظهرُ أن الضميرين عائدان إلى النبي - ﷺ - وقاله بعض المفسرين، ولكن جمهرة المفسرين على أنه عائد إلى الله تعالى.، ولعل احتماله للمعنيين مقصود، وقد تجيء الآيات محتملة عدّةَ معان، واحتمالها مقصود تكثيرًا لمعاني القرآن، ليأخذ كل منه على مقدار فهمه كما ذكرنا في المقدمة التاسعة. وأياما كان فموقع (إنّ) التوكيد والتعليل كما يؤذن به فصل الجملة عما قبلها.

وهي إما تعليل لإسناد فعل (نريه) إلى فاعله؛ وإما تعليل لتعليقه بمفعوله، فيفيد أن تلك الإراءة من باب الحكمة، وهي إعطاء ما ينبغي لمن ينبغي، فهو من

  • (1) سورة الإسراء، الآية (1).
866

إيتاء الحكمة من هو أهلها " (1).

وقد مال إلى هذا القول قبل ابن عاشور الألوسي حيث ذكر كلا القولين وذكر أن كون الضمير يعود إلى الله تعالى هو الأظهر، وعليه الأكثر، كما أنه لم يستبعد القول بأن الضمير يعود إلى الرسول - ﷺ - (2).

في حين ذهب معظم المفسرين منهم الطبري، وابن عطية، والرازي، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير، والشوكاني، والقاسمي إلى أن الضمير في الآية عائد إلى الله تعالى، ولم يذكروا قولًا آخر غيره (3).

حجة من قال: إن الضمير في قوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ يعود إلى الله تعالى:

دليلهم في ذلك: إن الله تعالى هو الموصوف وحده بالسميع والبصير، وفي ذلك يقول الطبري: " إن الذي أسرى بعبده هو السميع لما يقول هؤلاء المشركون من أهل مكة في مسرى محمد - ﷺ - من مكة إلى بيت المقدس، ولغير ذلك من قولهم وقول غيرهم، البصير بما يعملون من الأعمال، لا يخفى عليه شيء من ذلك، ولا يعزب عنه علم شيء منه، بل هو محيط بجميعه علما،

  • (1) التحرير والتنوير، ج 7، ص 22.
  • (2) انظر روح المعاني / الألوسي، ج 8، ص 15، والتحرير والتنوير، ج 7، ص 22.
  • (3) جامع البيان / الطبري، ج 15، ص 22، والمحرر الوجيز / ابن عطية، ج 3، ص 436، والتفسير الكبير / الرازي، ج 7، ص 293، والجامع لأحكام القرآن / القرطبي، ج 10، ص 218، والبحر المحيط / أبو حيان، ج 6، ص 7، وتفسير القرآن العظيم / ابن كثير، ج 8، ص 374، وفتح القدير / الشوكاني، ج 3، ص 207، ومحاسن التأويل / القاسمي، ج 6، ص 449.
867

ومحصيه عددا، وهو لهم بالمرصاد، ليجزي جميعهم بما هم أهله" (1).

حجة من قال: إن الضمير يعود إلى النبي - ﷺ - ويحتمل عوده إلى الله تعالى:

قالوا: إنه لا يبعد أن يتصف الرسول - ﷺ - بهذه الصفات،فهو السميع لأوامر الله تعالى البصير المعتبر بمخلوقاته.

قال الألوسي: " إنه لا يبعد، والمعنى عليه إن عبدي الذي شرفته بهذا التشريف هو المستأهل له فإنه السميع لأوامري ونواهي العامل بهما البصير الذي ينظر بنظرة العبرة في مخلوقاتي فيعتبر، أو البصير بالآيات التي أريناه إياها كقوله تعالى: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ (2) " (3).

وذهب البقاعي إلى أن المقصود بالضمير هنا هو الرسول - ﷺ - فقال: " أي هذا العبد الذي اختصصناه بالإسراء هو (السميع) أي: أذنًا وقلبًا بالإجابة لنا والإذعان لأوامرنا، (البصير): بصرًا وبصيرة بدليل ما أخبر به من الآيات، وصدقه من الدلالات، حين نعت ما سألوه عنه من بيت المقدس ومن أمر عيرهم وغيرهما مما هو مشهور في قصة الإسراء مما كان يراه وهو ينعت لهم وهم لا يرونه ولا يقاربون ذلك ولا يطمعون فيه، وقال من كان دخل منهم إلى بيت المقدس: أما النعت والله فقد أصاب، أخبرنا عن عيرنا، فأخبرهم بعدد جمالها،

  • (1) جامع البيان / الطبري، ج 15، ص 22.
  • (2) سورة النجم، الآية (17).
  • (3) روح المعاني / الألوسي، ج 8، ص 15.
868