قواعد الترجيح المتعلقة بالنص عندالجزء 1 · ص 62 - 69

المطلب الثاني موقف ابن عاشور من أنواع التفسير

المطلب الثاني موقف ابن عاشور من أنواع التفسير

أولًا: موقفه من التفسير بالمأثور

اعتمد في تفسيره على التفسير بالمأثور، كركيزة ينطلق منها إلى التفسير بالرأي بما يؤدي إليه اجتهاده من المعاني التي يعضدها الدليل، وتشهد لها اللغة والعقل الصحيح.

، ولقد بين ذلك الشيخ ابن عاشور في مقدمته الثالثة التي عنون لها بـ:

صحة التفسير بغير المأثور ومعنى التفسير بالرأي.

حيث قال: "أما الذين جمدوا على القول بأن تفسير القرآن يجب أن لا يعدو ما هو مأثور فهم رموا هذه الكلمة على عواهنها ولم يضبطوا مرادهم من المأثور عمن يؤثر فإن أرادوا به ما روى عن النبي - ﷺ - من تفسير بعض آيات إن كان مرويًا بسند مقبول من صحيح أو حسن، فإن التزموا هذا الظن بهم فقد ضيقوا سعة معاني القرآن وينابيع ما يستنبط من علومه، وناقضوا أنفسهم فيما دونوه من التفاسير، وغلطوا سلفهم فيما تأولوه، إذ لا ملجأ لهم من الاعتراف بأن أئمة المسلمين من الصحابة فمن بعدهم لم يقصروا أنفسهم على أن يرووا ما بلغهم من تفسير عن النبي - ﷺ -، وقد سأل عمر بن الخطاب أهل العلم عن معاني آيات كثيرة ولم يشترط عليهم أن يرووا ما بلغهم من تفسير عن النبي - ﷺ - ... " (1)

  • (1) التحرير والتنوير، ج 1، ص 32.
62

وسأبين أولا في هذا المطلب اعتماده على التفسير بالأثر من خلال الأمور التالية:

- تفسير القرآن بالقرآن.

- تفسير القرآن بالسنة.

- تفسير القرآن بأقوال الصحابة والتابعين.

- موقفه من الإسرائيليات.

• تفسير القرآن بالقرآن:

لم يغفل ابن عاشور هذا الجانب المهم من التفسير بالمأثور، بل إنه يرد على بعض التفاسير لمخالفتها للمأثور ويرجح بعضها على بعض بدلالة القرآن.

أما طريقته في تناوله لتفسير القرآن بالقرآن فهي لا تخرج عن طريقين:

الأول: عنايته بتوضيح المعنى بمعنى آخر من آية أخرى توضحه.

الثاني: تفسير مجمل الآية بآية أخرى من باب حمل المطلق على المقيد.

ومثال الأول قوله عند تفسير قوله تعالى: ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ (1): " ومعنى إجابة الدعوة إعطاء ما سأله موسى ربّه أن يسلب عن فرعون وملائه النعم، ويواليَ عليهم المصائب حتى يسأموا مقاومةَ دعوة موسى وتنحطّ غلواؤهم، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ (2) وقال: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ﴾

  • (1) سورة يونس، الآية (89).
  • (2) سورة الأعراف، الآية (130).
63

﴿وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ﴾ (1) " (2).

ومثال الثاني قوله عند تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا ..﴾ (3): " والمجعول حرامًا هو ما حكى الله بعضه عنهم في قوله: ﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا﴾ (4)، وقوله: ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا ..﴾ (5) " (6) ففسر هذه الآية بما ورد في الآيات الأخرى.

تفسير القرآن بالسنة

لم يغفل الشيخ ابن عاشور هذا الجانب بل نجده كثيرًا ما يستشهد بقول النبي - ﷺ - في تفسير الآية وترجيح بعض المعاني على غيرها، قال ابن عاشور: " فاستمداد علم التفسير للمفسر العربي والمولد من المجموع الملتئم من علم العربية

  • (1) سورة الأعراف، الآية (133).
  • (2) التحرير والتنوير، ج 6، ص 273.
  • (3) سورة يونس، الآية (59).
  • (4) سورة الأنعام، الآية (138).
  • (5) سورة الأنعام، الآية (139).
  • (6) التحرير والتنوير، ج 6، ص 209.
64

وعلم الآثار، وأما الآثار فالمعني بها ما نقل عن النبي - ﷺ - من بيان المراد من بعض القرآن في موضع الإشكال والإجمال " (1).

ولقد تميز منهج ابن عاشور في تناول الحديث الشريف بملامح متباينة أبرزها من خلال عدة أمور: الأول: طريقته في إيراد الأحاديث.

الثاني: طريقته في عزو الأحاديث.

الثالث: الحكم على الأحاديث.

أولًا: طريقته في إيراد الأحاديث

منهجه فيها على النحو الآتي:

أولًا: إنه أحيانًا يورد الحديث المفسِّر للآية مباشرة من تفسير النبي - ﷺ -، ومنه ما ذكره عند قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (2)، قال ابن عاشور: " وقد ورد تفسير الظلم في هذه الآية بالشرك. في الحديث الصحيح عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه " لمّا نزلت: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ شَقّ ذلك على المسلمين وقالوا: أيّنا لم يظلم نفسه؟ " فقال لهم رسول الله - ﷺ -: " ليس كما تَظُنّون إنَّما هو كما قال لقمان

  • (1) التحرير والتنوير، ج 1، ص 18.
  • (2) سورة الأنعام، الآية (82).
65

لابنه: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (1) اهـ " (2).

ثانيا: وأحيانًا يورد الحديث في شرح المعنى والاستطراد في بيان معناه، ومن أمثلته ما ذكره عند قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (3) قال ابن عاشور: " وكان أهل الجاهلية لا يعاقبون على الزنى لأنه بالتراضي بين الرجل والمرأة إلا إذا كان للمرأة زوج أو ولي يذب عن عرضه بنفسه .. ولم تكن في ذلك عقوبة مقدرة ولكنه حكم السيف أو التصالح على ما يتراضيان عليه. وفي «الموطأ» عن أبي هريرة وزيد ابن خالد الجهني أن رجلين اختصما إلى رسول الله - ﷺ - فقال أحدهما: يا رسول الله اقض بيننا بكتاب الله. وقال الآخر وهو أفقههما: أجل يا رسول الله فاقض بيننا بكتاب الله وائذن لي أن أتكلم. فقال: تكلم. قال: إن ابني كان عسيفًا على هذا فزنى بامرأته فأخبروني أن على ابني الرجم فافتديت منه بمائة شاة وبجارية لي، ثم إني سألت أهل العلم فأخبروني أنما على ابني جلد مائة وتغريب عام وأخبروني أنما الرجم على امرأته، فقال رسول الله - ﷺ -: أما والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله، أما غنمك وجاريتك فردّ عليك. وجلد ابنه مائة،وغربه عامًا، وأمر أنيسًا الأسلمي أن يأتي امرأة

  • (1) سورة لقمان، الآية (13).
  • (2) التحرير والتنوير، ج 4، ص 332.
  • (3) سورة النور، الآية (2).
66

الآخر فإن اعترفت رَجمها،فاعترفت فرجمها. قال مالك: والعسيف الأجير اهـ.

فهذا الافتداء أثر مما كانوا عليه في الجاهلية، ثم فرض عقاب الزنى في الإسلام بما في سورة النساء وهو الأذى للرجل الزاني، أي بالعقاب الموجع، وحبس للمرأة الزانية مدة حياتها. وأشارت الآية إلى أن ذلك حكم مجمل بالنسبة للرجل لأن الأذى صالح لأن يبيّن بالضرب

أو بالرجم وهو حكم مؤقت بالنسبة إلى المرأة بقوله: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ (1) ثم فرض حد الزنى بما في هذه السورة.

ففرض حد الزنى بهذه الآية جلد مائة فعمّ المحصن وغيره، وخصصته السنة بغير المحصن من الرجال والنساء. فأما من أحصن منهما - أي تزوج بعقد صحيح ووقع الدخول - فإن الزاني المحصن حده الرجم بالحجارة حتى يموت. وكان ذلك سُنةً متواترةً في زمن النبي - ﷺ - ورجم ماعز بن مالك، وأجمع على ذلك العلماء، وكان ذلك الإجماع أثرًا من آثار تواترها " (2).

ثانيًا: طريقته في عزو الأحاديث

أ) أحيانًا يذكر الحديث النبوي الشريف دون الإشارة إلى راويه بل يقول: وفي الحديث كذا ولا ينسبه، وهذا كثير، ومن أمثلته ما أورده في معرض

  • (1) سورة النساء، الآية (15).
  • (2) التحرير والتنوير، ج 9، ص 148.
67

شرحه لقوله تعالى: ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ (1) قال ابن عاشور في مجال الاستشهاد بالحديث على ما يتعلق بحال الملائكة: " المستشار مؤتمن وهو بالخيار ما لم يتكلم " (2) ولم ينسبه.

ب) وأحيانًا أخرى يعزوها وينقسم عزوه لها إلى ثلاثة أقسام:

- أن يعزوها إلى مصادر أصلية من كتب السنة:

ومن ذلك ما ذكره عند قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ (3)

قال ابن عاشور: " وقد بيَّنت السنة أن المستأذن إن لم يؤذن له بالدخول يكرره ثلاث مرات فإذا لم يؤذن له انصرف، وورد في هذا حديث أبي موسى الأشعري مع عمر بن الخطاب رضي الله عليهما في «صحيح البخاري» وهو ما روي عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال كنت في مجلس من مجالس الأنصار إذ جاء أبو موسى - رضي الله عنه - كأنه مذعور فقال استأذنت على عمر ثلاثا فلم يؤذن لي فرجعت فقال ما منعك قلت استأذنت ثلاثا فلم يؤذن لي فرجعت وقال رسول الله - ﷺ - إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع فقال والله لتقيمن عليه بينة أَمِنْكُم أحد سمعه من النبي - ﷺ - فقال أبي بن كعب - رضي

  • (1) سورة البقرة، الآية (30).
  • (2) التحرير والتنوير، ج 1، ص 402.
  • (3) سورة النور، الآية (27).
68

الله عنه -والله لا يقوم معك إلا أصغر القوم فكنت أصغر القوم فقمت معه فأخبرت عمر أن النبي - ﷺ - قال ذلك " (1).

- ومنها ما يعزوها إلى مصادر ثانوية ككتب التفسير التي لا تروي بالسند:

ومن ذلك ما ذكره عند قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ (2) قال ابن عاشور: " وروى القرطبي أن أول من صلى نحو الكعبة من المسلمين أبو سعيد بن المعلى، وفي الحديث ضعف " (3).

- ومنها ما يعزوها عزوًا عامًا:

ومنه ما ذكره عند قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ﴾ (4) قال ابن عاشور: " وفي الحديث الصحيح أن رسول الله - ﷺ - قال: " ما من الأنبياء نبي إلا أوتي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر " الحديث. انتهى (5).

  • (1) التحرير والتنوير، ج 9، ص 199.
  • (2) سورة البقرة، الآية (142).
  • (3) التحرير والتنوير، ج 2، ص 12، وانظر الجامع لأحكام القرآن / القرطبي، ج 2، ص 154.
  • (4) سورة هود، الآية (53).
  • (5) التحرير والتنوير، ج 12، ص 98.
69