مدخل إلى التفسير وعلوم القرآنالجزء 1 · ص 73 - 80

مطلب فى: شروط المفسر، وآدابه

وهذا التقسيم الأخير هو ما يجرى عليه العمل فى الأوساط التعليمية، لأنه أقرب تفريعا إلى النواحى العلمية المتعلقة بالدراسات الجامعية والمدرسية.

وسنتحدث عن كل نوع أو قسم، أو لون من هذه الألوان الثلاثة الأخيرة أيضا فى مباحث مستقلة إن شاء الله تعالى.

مطلب فى: شروط المفسر، وآدابه

أولا: شروط المفسر

ينبغى ألا يتصدى للتفسير من لم يحط بمجمل الشروط التى حددها العلماء لمن يتصدى للبيان عن مراد الله- تعالى- وأهمها:

1 - أن يكون المفسّر صحيح الاعتقاد بالله تعالى، فإن صحة العقيدة تقى المفسّر من تحريف النصوص، وخيانة الآيات، والوقاية من الزلل فيها.

2 - التخلى عن الأهواء المذهبية، والتحلى بالحق لوجه الحق دون لىّ أعناق الآيات لمذهب يروج له، أو عقيدة خاصة ينحرف بالقرآن إليها.

3 - ألا يخوض فى التفسير الاجتهادى حتى يتم له النظر والإثبات فى التفسير بالمأثور على النحو التالى:

أ- أن يطلب التفسير من القرآن نفسه، فإن القرآن يشرح بعضه بعضا فى آيات مختلفة.

ب- ثم إن لم يجد: طلب التفسير من السنّة فإن النبى ﷺ هو المبين الحقيقى عن الله- تعالى- وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ (1).

ج- ثم إن لم يجد: طلب التفسير فى أقوال الصحابة، فهم أقرب الناس

  • (1) النحل: 44.
73

جميعا إلى رؤية الوحى، ومعرفة الوقائع، وأقرب إلى التقوى وسمت النبى ﷺ، واقرب الأجيال جميعا إلى الملكة اللغوية التى نزل بها القرآن الكريم.

د- ثم إن لم يجد: اجتهد فى تفسير آيات الذكر الحكيم بما حصّل من الأدوات الضرورية واللازمة لكل مفسر وهى تحصيل العلوم المعينة على التفسير والبيان وأهمها:

1 - العلم باللغة العربية

2 - العلم بالنحو

3 - العلم بالاشتقاق

4 - علم الأبنية.

5 - علوم البلاغة الثلاثة: المعانى، والبيان، والبديع

6 - علم القراءات.

7 - علم الكلام.

8 - علم أصول الفقه.

9 - علم أصول الدين

10 - علم السيرة والقصص.

11 - علم الناسخ والمنسوخ.

12 - علم الحديث.

13 - علم الموهبة.

ثانيا: آداب المفسّر

1 - حسن النية، وسلامة القصد لله تعالى.

2 - حسن الخلق

3 - الورع والتقوى.

4 - تحرى الصدق والضبط فى النقل

5 - عزّة النفس.

6 - التواضع ولين الجانب.

7 - الجهر بالحق.

8 - التروى والأناة فى سر التفسير.

9 - حسن الإعداد وطريقة الأداء.

10 - تقديم من هو فى العلم أولى منه.

والله أعلم

74

مبحث فى الأربعة المكثرون فى التفسير من الصحابة

رأينا أن التفسير، قام فى باكورته الطاهرة الأولى على جهود خمسة عشر صحابيا، شاركتهم أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها.

فكان لجهود هؤلاء الستة عشر فضل السبق فى خدمة القرآن الكريم، وإرساء المادة العلمية القيمة لعلم التفسير الذى هو الغرض الأول من انزاله ليكون عقيدة، وتشريعا، وأخلاقا وارساء لدعائم الحضارة الإسلامية.

غير آن ثمة أربعة منهم قامت على أكتافهم مهمة التفسير فى جيلهم، ثم تواصلت مهمتهم الطيبة المشكورة حتى امتدت فيما بعد إلى الأمصار الإسلامية، فيما سنعرفه عند الحديث عن مدارس التفسير فى عصر التابعين، وهؤلاء الأربعة هم: ابن عباس، وابن مسعود، وعلى وأبىّ رضي الله عنهم جميعا، وسنوجز الكلام عنهم فيما يأتى:-

(1) عبد الله بن عباسرضي الله عنه

التعريف به

* هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم القرشى، الهاشمى ابن عم رسول الله ﷺ.

* ولد قبل الهجرة بثلاث سنوات، والنبى ﷺ محصور بالشعب بمكة.

* توفى رسول الله ﷺ وعمر ابن عباس ثلاث عشرة سنة وقيل: خمس عشرة سنة

* لازم النبىّ ﷺ لقرابته منه عليه الصلاة والسلام، ولأن خالته ميمونة أم المؤمنين زوج النبى ﷺ.

* ماترضي الله عنه- بالطائف ودفن بها سنة (69 هـ) وله من العمر سبعون سنة.

75

علم ابن عباسرضي الله عنه

حظى ابن عباس بموهبة علمية فذّة جعلته على درجة عالية من الاجتهاد، ومعرفة تامة بالفقه ومعانى كتاب الله العزيز مما جعل شخصية عظيمة مثل شخصية عمر بن الخطاب الخليفة الثانىرضي الله عنه- يرفع منزلته عنده ويدنيه منه ويقربه من مجالس كبار الصحابة ومتقدميهم فى السن والمنزلة، حتى أن ابن عباسرضي الله عنه- يقدم لنا بنفسه هذه الصورة فى بيانه التالى الذى نقله البخارى إلينا.

«كان عمر يدخلنى مع أشياخ بدر، فكأن بعضهم وجد فى نفسه، وقال: لم تدخل هذا معنا وإن لنا أبناء مثله؟ فقال عمر: إنه من أعلمكم فدعاهم ذات يوم، فأدخلنى معهم، فما رأيت أنه دعانى يومئذ إلا ليريهم، فقال: ما تقولون فى قول الله تعالى: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ؟ فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم فلم يقل شيئا: فقال لى: أكذلك تقول يا ابن عباس؟ فقلت: لا. فقال: ما تقول؟ قلت: هو أجل رسول الله ﷺ أعلمه الله فقال إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وذلك علامة أجلك فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّابًا فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تقول» (1).

لم يصل ابن عباس إلى هذه المنزلة إلا بشيئين هامين:

الأول: دعاء النبى ﷺ له: «اللهم فقهه فى الدين وعلمه التأويل» (2).

الثانى: دأبه على تحصيل العلم فقد مكث يعقل النبوة والوحى ثمانى سنوات على الأقل فى بيت رسول الله ﷺ عند خالته أم المؤمنين «ميمونة» فنهل من بيت النبوة فى تلك الفترة ما شاء الله له أن ينهل (3).

وبعد أن لحق رسول الله ﷺ بربه انصرف ابن عباس إلى كبار الصحابة يستزيد

  • (1) من صحيح البخارى بحاشية السندى 3/ 222، الإتقان للسيوطى 4/ 206.
  • (2) صحيح البخارى بشرح فتح البارى 1/ 138.
  • (3) التفسير والمفسرون لمحمد حسين الذهبى 1/ 68.
76

من علمهم، ويتزود من معارفهم، منهم الخلفاء الأربعة، وزيد بن ثابت وأبىّ بن كعب، وعبد الله بن مسعود وغيرهم، فأدرك ما فاته فى صغره منهم، ولحقت به دعوة رسول الله ﷺ له: «اللهم فقهه فى الدين، وعلمه التأويل» «اللهم آته الحكمة» (1).

تقريظ عمر له رضي الله عنهما

1 - «إنك لأصبح فتياننا وجها، وأحسنهم خلقا، وأفقههم فى دين الله».

2 - ذاكم فتى الكهول: «إن له لسانا سئولا، وقلبا عقولا».

3 - يا ابن عباس: «إنها قد طرأت علينا أقضية وعضل، فأنت لها ولأمثالها» (2).

* شهادة عبد الله بن مسعود:

1 - «نعم ترجمان القرآن ابن عباس».

* شهادة أقرانه: يقول فيه ابن عمر رضي الله عنهما:

1 - «ابن عباس أعلم أمة محمد بما نزل على محمد».

* شهادة تلاميذه (3):

1 - روى الأعمش عن أبى وائل قال: «استخلف «علىّ» عبد الله بن عباس على الموسم فقرأ فى خطبته سورة البقرة- أو قال: سورة النور- ففسرها تفسيرا لو سمعته الروم، والترك، والديلم لأسلموا.

2 - قيل لطاوس: «لزمت هذا الغلام- أى ابن عباس- وتركت أكابر الصحابة! فقال: «إنى رأيت سبعين رجلا من أصحاب النبى ﷺ إذا تدارءوا- أى

  • (1) الإتقان للسيوطى 4/ 206.
  • (2) التفسير والمفسرون لمحمد حسين الذهبى 1/ 67.
  • (3) المرجع السابق.
77

اختلفوا- فى أمر صاروا إلى قول ابن عباس».

3 - وقال عطاء: «ما رأيت أكرم من مجلس ابن عباس: أصحاب الفقه عنده، وأصحاب القرآن عنده، وأصحاب الشعر عنده، يصدرهم كلهم من واد واحد».

4 - وقال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: «كان ابن عباس قد فات الناس بخصال: بعلم ما سبقه، وفقه فيما احتيج إليه من رأيه، وحلم ونسب، وتأويل، وما رأيت أحدا كان أعلم بمن سبقه من حديث رسول الله ﷺ منه، ولا بقضاء أبى بكر، وعمر، وعثمان منه، ولا أفقه فى رأى منه، ولا أثقب رأيا فيما احتيج إليه منه.

ولقد كان يجلس يوما ولا يذكر فيه إلا الفقه، ويوما التأويل، ويوما المغازى، ويوما الشعر، ويوما أيام العرب، ولا رأيت عالما قط جلس إليه إلا خضع له، وما رأيت سائلا قط سأله إلا وجد عنده علما».

فلا غرابة بعد ذلك أن يكون علم ابن عباسرضي الله عنه- فى مقام رفيع بين أصحاب النبى ﷺ، وأن يلقبه محمد بن الحنفية ب «حبر الأمة»، بعد أن دفنه بيده فى الطائف قال «مات والله اليوم حبر هذه الأمة».

ولعل أصدق عبارة تشرح منزلة ابن عباسرضي الله عنه- فى وضوح لا لبس فيه ولا غموض تلك الجملة الفائقة العظيمة للإمام عليّ- كرم الله وجهه- يقرظ علم ابن عباس فى التفسير فيقول: «كأنما ينظر إلى الغيب من ستر رقيق».

منزلة ابن عباس فى التفسير

إنك لتستطيع أن تتبين منزلة ابن عباس فيما أثر عنه من روايات توضح مدى اجتهاده فى تقريب المعنى المراد من كلام الله تعالى بقلب مؤمن؛ وعقل واع رشيد، وذاكرة حافظة لشعر العرب ولغاتهم.

* أخرج البخارى عن ابن عباس: قال: قال عمر يوما لأصحاب النبى ﷺ:

«فيمن ترون هذه الآية نزلت أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ (1). قالوا: الله أعلم، فغضب عمر، فقال: قولوا نعلم أو لا نعلم، فقال

  • (1) البقرة: 266.
78

ابن عباس: فى نفسى منها شىء، فقال: يا ابن أخى، قل ولا تحقر نفسك، قال ابن عباس: ضربت مثلا لعمل، فقال عمر: أى عمل؟ قال ابن عباس: لرجل يعمل بطاعة الله، ثم بعث له الشيطان فعمل بالمعاصى حتى أغرق أعماله.

* وأخرج أبو نعيم فى «الحلية» (1): أن عمر بن الخطاب جلس فى رهط من المهاجرين من الصحابة، فذكروا ليلة القدر، فتكلم كل بما عنده، فقال عمر: مالك يا ابن عباس لا تتكلم! تكلم ولا تمنعك الحداثة، قال ابن عباس: يا أمير المؤمنين إن الله وتر يحب الوتر، فجعل أيام الدنيا تدور على السبع، وخلق الإنسان من سبع، وخلق فوقنا سماوات سبعا، وخلق تحتنا أرضين سبعا وأعطى المثانى سبعا، ونهى فى كتابه عن نكاح الأقربين عن سبع. وقسم الميراث فى كتابه على سبع، ونقّع فى السجود من أجسامنا على سبع وطاف رسول الله ﷺ بالكعبة سبعا، وبين الصفا والمروة سبعا، ورمى الجمار بسبع، فأراها فى السبع الأواخر من شهر رمضان، فتعجب عمر، وقال: ما وافقنى فيها أحد إلا هذا الغلام الذى لم تستو شئون رأسه، ثم قال: يا هؤلاء من يؤدينى فى هذا كابن عباس» (2).

* يقول سعيد بن جبير: سألنى يهودى بالكوفة وأنا أتجهز للحج: إنى أراك رجلا متتبع العلم، فأخبرنى أى الأجلين قضى موسى؟ قلت: لا أعلم، وأنا الآن قادم على حبر العرب- يعنى ابن عباس- فسائله عن ذلك، فلما قدمت مكة، سألت ابن عباس عن ذلك، وأخبرته بقول اليهودى، فقال ابن عباس: قضى أكثرهما وأطيبهما: إن النبى إذا وعد لم يخلف. قال سعيد: فقدمت العراق، فلقيت اليهودى فأخبرته، فقال: «صدق والذى أنزل على موسى» (3).

* وعند ما يسأل عن عدد أهل الكهف فيقول: (ما يعلمهم إلا قليل) وأنا من القليل الذين يعلمون عددهم، فيقولون: وكيف، فيقول: إن الله تعالى ذكر ثلاثة أقوال لأهل الكتاب فى عددهم فوصف القولين الأولين بأنهما رجم بالغيب (أى

  • (1) الإتقان للسيوطى 4/ 206.
  • (2) الإتقان للسيوطى 4/ 207.
  • (3) المصدر السابق.
79

كذب) وسكت عن الثالث وهو أنهم سبعة والثامن كلبهم، فدل على صحته لأنه لو كان باطلا لرده كما ردهما.

إذا فلقد عرف كبار الصحابة منزلة ابن عباس وقيمته فى التفسير لآيات الكتاب الحكيم وفى الفتيا رغم حداثة سنه بالنسبة لهم.

وهذا وحده يبين لك أن ابن عباس رضي الله عنه - هو أساس علم تفسير القرآن الكريم بلا مراء،- رضي الله عنه - وعن أبيه ونفعنا الله بعلمه.

أسباب نبوغ ابن عباس رضي الله عنه

لعل من أهم الأسباب التى ساعدت على بروز العلم فى شخص ابن عباس رضي الله عنه واحتلاله لمنزلة العالم الذى تتجه إليه الأنظار، وترشحه العقول للفتيا، وبيان آيات الله العزيز ترجع فى مجملها إلى مجموعة من العوامل أهمها:

أولا: بركة دعاء النبى ﷺ (1). وتفصيلها بعد الإجمال الذى ذكرناه على النحو التالى:

* اللهم فقهه فى الدين وعلمه التأويل.

* اللهم علمه الحكمة.

* اللهم آته الحكمة.

* اللهم بارك فيه وانشر منه.

* أخرج أبو نعيم فى «الحلية» عن ابن عباس قال: انتهيت إلى النبى ﷺ وعنده جبريل، فقال جبريل: إنه كائن حبر هذه الأمة فاستوصى به خيرا (2).

* وأخرج عنه أيضا أن النبى ﷺ قال لى: نعم ترجمان القرآن أنت.

ثانيا: نشأته فى بيت النبوة منذ عهد التمييز ووعيه للشيء الكثير فى وقت مبكر من حياته عن حياة النبى ﷺ بين أهله، وشهوده كثيرا من أحوال الوحى وهو ينزل بالقرآن.

  • (1) الإتقان للسيوطى 4/ 205.
  • (2) المصدر السابق.
80