إيجاز البيان عن معاني القرآنالجزء 1 · ص 35 - 43

المطلب الثالث: مصادره

دخلت الباء في خبر «ما» مؤكدة للنفي، لأنه يستدل بها السامع على الجحد إذا غفل عن أول الكلام.

وعند قوله تعالى: وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ [البقرة: 14] قال «1»:

أبلغ من «خلوا بهم»، لأن فيه دلالة الابتداء والانتهاء، لأن أول لقائهم للمؤمنين، أي: إذا خلوا من المؤمنين إلى الشياطين.

وذكر فائدة «عشرة كاملة» في قوله تعالى: ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ [البقرة: 196] فقال «2»: المراد رفع الإبهام، فقد يتوهم في الواو أنها بمعنى «أو» .

المطلب الثالث: مصادره

إن كتاب إيجاز البيان لبيان الحق النيسابوري يعتمد على أصلين يكثر المؤلف النقل عنهما، وهما «جامع التأويل لمحكم التنزيل» لأبي مسلم محمد بن بحر الأصفهاني المتوفى سنة 322 هـ، و«النكت والعيون» للإمام علي بن حبيب الماوردي المتوفى سنة 450 هـ.

فقد أكثر من نقل أغلب فوائد هذين الكتابين، وتأثر بأقوالهما تأثرا واضحا، ونجده تارة يصرح بالنقل عن ابن بحر، وأحيانا كثيرة ينقل عنه دون الإشارة إليه، لكنه يصرح بذلك- أحيانا- في كتابه وضح البرهان. أما الماوردي فلم يصرح باسمه في هذا الكتاب «إيجاز البيان»، ويفعل ذلك عند ما ينقل عنه في وضح البرهان.

وقد أشرت أثناء التعليق على هذا الكتاب إلى المواضع التي تطابقت النصوص بألفاظها مع تفسير الماوردي.

ثم إن النيسابوري- في غالب نقوله- لا يشير إلى المصدر الذي ينقل

  • (1) إيجاز البيان: 69.
  • (2) إيجاز البيان: 142.
35

عنه، وإذا عزا النصوص إلى أصحابها فإنه في الغالب يذكر اسم المؤلف دون التصريح باسم كتابه. وبالرجوع إلى مصنفات المؤلفين الذين ذكرهم استطعت التأكد من مصادره تلك بمقارنة النصوص التي أوردها النيسابوري في كتابه عنها.

ثم إنه في كثير من الأحيان يسرد الأقوال دون عزوها إلى أصحابها وقائليها، وأجدها منسوبة في كتبه الأخرى مثل وضح البرهان في مشكلات القرآن، وجمل الغرائب في غريب الحديث، فيمكن التعرف عليها وتوثيقها من تلك المصادر، وقد أشرت إلى ذلك عند ورودها أثناء التعليق على هذه الأقوال.

أما أهم الكتب التي يمكن أن تعدّ من مصادره المباشرة فهي:

1- الكتاب لأبي بشر عمرو بن عثمان بن قنبر المعروف ب «سيبويه» (ت 180 هـ) .

2- معاني القرآن لأبي الحسن علي بن حمزة الكسائي (ت 189 هـ) .

3- معاني القرآن لأبي زكريا يحيى بن زياد الفراء (ت 207 هـ) .

4- مجاز القرآن لأبي عبيدة معمر بن المثنى (ت 210 هـ) .

5- معاني القرآن لأبي الحسن سعيد بن مسعدة الأخفش (ت 215 هـ) .

6- صحيح البخاري لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري (ت 256 هـ) .

7- صحيح مسلم لأبي الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري (ت 261 هـ) .

8- تأويل مشكل القرآن لأبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة (ت 276 هـ) .

9- تفسير غريب القرآن لابن قتيبة أيضا.

36

10- الكامل لأبي العباس محمد بن يزيد بن عبد الأكبر المبرد (ت 285 هـ) .

11- المقتضب للمبرد أيضا.

12- معاني القرآن وإعرابه لأبي إسحاق إبراهيم بن السري الزّجّاج (ت 311 هـ) .

13- الزاهر لأبي بكر محمد بن القاسم الأنباري (ت 328 هـ) .

14- تاج المعاني في تفسير السبع المثاني لأبي نصر منصور بن سعيد بن أحمد بن الحسن.

15- تهذيب اللغة لأبي منصور محمد بن أحمد الأزهري (ت 370 هـ) .

16- أحكام القرآن لأبي بكر أحمد بن علي الرازي المعروف ب «الجصاص» (ت 370 هـ) .

17- الحجة في علل القراءات السبع لأبي علي الحسن بن عبد الغفار الفارسي (ت 377 هـ) .

18- غريب الحديث لأبي سليمان حمد بن محمد الخطّابي (ت 388 هـ) .

19- مجمل اللغة لأبي الحسين أحمد بن فارس (ت 395 هـ) .

20- تفسير أبي القاسم الحسن بن محمد بن الحسن بن حبيب النيسابوري (ت 406 هـ) .

21- الكشف والبيان في تفسير القرآن لأحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي (ت 427 هـ) .

22- شروح المتفق، والمتفق كتاب في فروع الحنفية لأبي بكر محمد بن عبد الله الجوزقي المتوفى سنة 388 هـ.

المطلب الرابع: قيمة الكتاب العلمية

إن أهمية كتاب إيجاز البيان تتجلى في الفوائد الكثيرة التي ضمنها النيسابوري هذا الكتاب على رغم صغر حجمه.

37

فقد أورد المؤلف فيه فوائد متنوعة أشار إليها في مقدمته، فحوى كتابه فوائد تفسيرية، وحديثية، وغريب لغة، ووجوه إعراب، وأحكام فقه ...

وغير ذلك.

ومن أهم الفوائد التي لاحظتها في كتابه ما يأتي:

1- كثرة الأحاديث والآثار التي وردت في الكتاب، الضعيف منها قليل جدا.

2- إعراضه عما لا فائدة فيه من ذكر الأخبار الإسرائيلية، وسرد القصص والحكايات الغريبة.

3- عنايته بالمسائل العقدية خاصة فيما يتعلق منها بعصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وقد حرص المؤلف رحمه الله - على الدفاع عنهم، رادا للشبه التي أثيرت حولهم والتي تنافي عصمتهم، موردا الدليل على بطلان تلك الشبه.

ومن ذلك رده لما أثير حول إبراهيم عليه الصلاة والسلام - من شبهة في قوله «1»: فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا قالَ هذا رَبِّي ... فقال: هو على وجه تمهيد الحجة، وتقرير الإلزام، ويسميه أصحاب القياس: القياس الخلفي، وهو أن تفرض الأمر الواجب على وجوه لا يمكن ليجب به الممكن «2» .

وكذلك تفسيره لقوله تعالى «3»: وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها ... بما يتفق مع عصمة يوسف عليه الصلاة والسلام، فقال: ولقد همت به

  • (1) سورة الأنعام: آية: 76.
  • (2) إيجاز البيان: 299، وانظر توجيه المؤلف﵀- لقوله تعالى: رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ... وَتُبْ عَلَيْنا البقرة: 128، وتوجيهه لقول النبي ﷺ: «أنا أحق بالشك منه» ص (168، 169)، وتوجيهه لقوله تعالى: إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ (581، 582) . [.....]
  • (3) سورة يوسف: آية: 24.
38

تقديره: ولولا أن رأى برهان ربه همّ بها، بدليل صرف السوء والفحشاء عنه، ولأن «لولا أن رأى» شرط، فلا يجب الكلام مطلقا «1» ....

ومن ردود المؤلف على المعتزلة ما أورده من قولهم في قوله تعالى: زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا [البقرة: 212] حيث قالت المعتزلة: المزين هو الشيطان، وعقب عليه المؤلف بقوله: بل الله يفعل ذلك ليصح التكليف وليعظم الثواب «2» .

4- اعتمد المؤلف في هذا الكتاب على مصادر أصلية، فقد أكثر من النقل عن أئمة القراءات، واللغة، والنحو المتقدمين وقد احتوى هذا الكتاب على نصوص لغوية ونحوية من كتب الأئمة المتقدمين مثل الكسائي، والأخفش، والمبرد ... وغيرهم.

وقد فقد بعض مصنّفات هؤلاء، فحفظ المؤلف بذلك نصوصا مهمة في هذا الجانب.

المطلب الخامس: فيما يؤخذ عليه

ويمكن تلخيص تلك المؤاخذات التي مرت بي أثناء دراسة هذا الكتاب في أمور منها:

1- أنه يورد- أحيانا- بعض القراءات الشاذة، وهو قليل جدا. مثال ذلك ما ذكره «3» في قوله تعالى: وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ

  • (1) إيجاز البيان: 433، وانظر توجيه المؤلف﵀- لقوله تعالى حكاية عن إبراهيم ﵇: وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ [الشعراء: 82] .
  • (2) كما نقد المؤلف قول المعتزلة بالصرفة في المشيئة.
    ينظر إيجاز البيان: 164.
  • (3) إيجاز البيان: 99.
    وانظر بعض الأمثلة على ذلك في الصفحات التالية: (136، 189، 197، 210، 271) .
39

[البقرة: 58]، حيث ذكر قراءة «حطة» بالنصب، ووجّهها.

2- ورود الأحاديث الضعيفة والموضوعة «1»، وهي قليلة جدا بالنسبة إلى عدد الأحاديث التي وردت في الكتاب.

3- إنه يذكر- أحيانا- قولا ضعيفا في الآية رغم ورود الصحيح في ذلك كما فعل في سبب نزول قوله تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ ... [التوبة: 58] قال «2»: وهو ثعلبة بن حاطب، قال:

إنما يعطي محمد من يحب. اهـ. والصحيح أنه ذو الخويصرة التميمي.

4- إنه- في الغالب- ينقل نصوصا كاملة دون الإشارة إلى مصدره في ذلك وأكثر هذه النقول كانت عن تفسير الماوردي، ومعاني القرآن لأبي إسحاق الزجاج.

5- يلجأ- أحيانا- إلى تأويل بعض الآيات وصرفها عن الظاهر دون الحاجة إلى ذلك حيث فسر «الغضب» في قوله تعالى: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ بقوله «3»: والغضب من الله إرادة المضار بمن عصاه، وكذلك عامة الصفات تفسر على أحوالنا بما هو أغراضها في التمام لا أغراضها في الابتداء.

6- إيراده لبعض أقوال المعتزلة دون تعقيب على تلك الأقوال وبيان فسادها. مثال ذلك ما ذكره من قول أبي علي الجبائي عند قوله تعالى:

وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ ... [الأنعام: 110]، حيث قال «4»: في جهنم على لهب النار.

  • (1) ينظر إيجاز البيان: (213، 214، 429، 477) .
  • (2) إيجاز البيان: (381، 382) .
  • (3) إيجاز البيان: 61، وانظر بعض الأمثلة الدالة على ذلك في الصفحات التالية:
    (78، 181، 333، 453) .
  • (4) إيجاز البيان: 308، وانظر آراء المعتزلة التي أوردها في المواضع التالية: (518، 612) .
40

7- ذكر بعض الأقوال الغريبة، وهي نادرة جدا، كالذي ذكره عند تفسير قوله تعالى: وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى [البقرة: 57] حيث قال «1»: والسلوان تراب قبر النبي ﷺ ينقع في الماء فيشرب للتسلي.

8- الإخلال بترتيب الآيات في السورة الواحدة من حيث التقديم والتأخير، وقد تكرر ذلك في بعض المواضع «2»، وإن كان المؤلف رحمه الله - جاريا على ترتيب الآيات حسب ورودها في المصحف في الغالب.

المبحث الثاني: عملي في التحقيق، ويشتمل على المطالب الآتية

المطلب الأول: عنوان الكتاب والتحقيق فيه

عرّف المؤلف رحمه الله - باسم كتابه في مقدمته «3»، وذكر في هذه المقدمة أهم الفوائد التي أوردها في هذا الكتاب.

ونصّ المؤلف على التسمية- أيضا- في كتابه جمل الغرائب «4» فقال- حكاية عن نفسه-: «وقد وفقه الله تبارك وتعالى - منة في تفسير كتابه لغير واحد، حتى استوى من مطولاته التي صنفها على كتاب «إيجاز البيان في معاني القرآن» أوجز كتاب لفظا وأطوله وأبسطه معنى، يشتمل على أكثر من عشرة آلاف فائدة ...» .

كما نص على هذه التسمية كل من ياقوت في معجم الأدباء:

19/ 124، والسيوطي في بغية الوعاة: 2/ 277، والداودي في طبقات المفسرين: 2/ 311، وحاجي خليفة في كشف الظنون: 1/ 205.

  • (1) إيجاز البيان: 97، وانظر نحو تلك الأقوال في (213، 214، 678) .
  • (2) إيجاز البيان: (356، 479، 772) .
  • (3) إيجاز البيان: 57.
  • (4) . 2/ ب.
41

المطلب الثاني: توثيق نسبته إلى المؤلف

أجمعت الأدلة على ثبوت نسبة كتاب «إيجاز البيان عن معاني القرآن» إلى النيسابوري، من ذلك.

1- ما جاء في مقدمة الكتاب ونصه: «قال الشيخ الإمام السيد بيان الحق فخر الخطباء أبو القاسم محمود بن أبي الحسن بن الحسين النيسابوري: بعد حمد الله كفاء حقه، والصلاة على نبيه محمد خير خلقه ... افتتاح كتاب إيجاز البيان عن معاني القرآن» .

2- ما صرح به المؤلف رحمه الله - في كتابه جمل الغرائب، وقد تقدم ذكر نصه قبل قليل.

3- ما كتب على غلاف النسخة الأصلية المعتمدة في هذا التحقيق، وكذلك نسخة كوبرلي.

4- كتب التراجم التي ترجمت للنيسابوري ذكرت هذا الكتاب في مصنفاته.

المطلب الثالث: وصف النسخ الخطية

بعون من الله سبحانه وتعالى - وحسن وتوفيقه عثرت على ثلاث نسخ خطية للكتاب، نسخة مصورة بمكتبة مركز البحث العلمي بجامعة أم القرى بمكة المكرمة عن مكتبة شورى ملي بإيران ونسختين بتركيا، ووصف هذه النسخ كالآتي:

1- نسخة الأصل: وهي النسخة المحفوظة في مكتبة شورى ملي بطهران رقم (4240) مصورتها في مكتبة مركز البحث العلمي بجامعة أم القرى رقم (362) ويبدو أن هذه النسخة أقدم النسخ الثلاث، ويرجح أن تكون من خطوط القرن السادس الهجري. ليس فيها تاريخ النسخ أو اسم الناسخ.

وهي نسخة كاملة للكتاب تقع في (108) ورقات، قياسها (20 22 سم)، وعدد أسطر كل صفحة (21 سطرا) في كل سطر اثنتا عشرة

42

كلمة تقريبا مكتوبة بخط نسخي مضبوط بالشكل في الغالب.

كما أن هذه النسخة تمتاز- أيضا- بقلة وجود التصحيف والتحريف بها ويبدو أن ناسخها كان متقنا متمرسا.

وقد قوبلت هذه النسخة بنسخة أخرى أشار الناسخ إلى الفروق بينهما في الحاشية، ورمز لذلك ب «خ» .

وورد في الحاشية- أيضا- شرح لبعض الألفاظ الغريبة، وبيان للمبهم من المواضع ... وغير ذلك من الفوائد.

2- نسخة ك: وهي النسخة المحفوظة في مكتبة كوبرلي باسطنبول بتركيا، رقم (1589)، عندي مصورتها، وهذه كاملة تشمل جميع سور القرآن، تقع في (37) ورقة، قياسها (11 22 سم)، وعدد أسطر كل صفحة (37) سطرا، في كل سطر عشرون كلمة تقريبا، مكتوبة بخط نسخي جميل دقيق، كتبت الآيات فيها باللون المذهب، يكثر فيها التصحيف والتحريف، لذا لم أفد منها فائدة كبيرة.

وجاء في آخر هذه النسخة اسم ناسخها، وهو عبد العزيز الملقب ب «ركن عدل»، وتاريخ نسخها: في عشرين من شهر محرم الحرام لسنة أربع وخمسين وسبع مائة بدار الملك شيراز ...

3- نسخة ج: وهي النسخة المحفوظة بمكتبة جامعة اسطنبول بتركيا.

تقع هذه النسخة في (80) ورقة، وهناك سقط في هذه النسخة أقدره بسبع ورقات، يبدأ هذا السّقط من الآية 12 من سورة طه حتى الآية 45 من سورة النور.

وجاء في آخر هذه النسخة اسم ناسخها، وهو محمد بن فضل الله الملقب بالضياء في عام 783 هـ.

وقد ذكر بروكلمان في تاريخ الأدب العربي: (الذيل: 1/ 733) نسخة من كتاب «إيجاز البيان» نسبها إلى النيسابوري، وأشار إلى

43