الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبيةالجزء 2 · ص 282 - 289

سورة فصلت (41): آية 47

سورة فصلت (41): آية 47

سورة فصلت (41): آية 48

سورة فصلت (41): آية 49

سورة فصلت (41): آية 50

نفسه راجع الى إصلاح حاله في معاشه ومعاده وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها اى رجع وبال اساءتها ايضا على نفسها وَبالجملة ما رَبُّكَ المنزه في ذاته عن اطاعة المطيع وعصيان العاصي بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ اى لا ينقص من أجور المطيعين ولا يزيد على جزاء العاصين بل يتفضل على اهل الطاعة فوق ما استحقوا بأعمالهم أضعافا وآلافا عناية منه وفضلا ويقتصر على اصحاب المعصية والضلال بجزاء ما اقترفوا لأنفسهم عدلا منه وقهرا وكيف لا يتفضل سبحانه على ارباب العناية ولا يعدل على اصحاب الغواية إذ إِلَيْهِ لا الى غيره من اظلال الوسائل والأسباب

يُرَدُّ ويرجع عِلْمُ السَّاعَةِ اى العلم المتعلق بوقت قيامها وكيفية ما جرى فيها من الأهوال والافزاع إذ هي من جملة الغيوب التي قد استأثر الله بها ولم يطلع أحدا عليها وَايضا يرجع على علمه سبحانه ما تَخْرُجُ مِنْ ثَمَراتٍ اى أجناس الثمار مع اختلاف أنواعها وأصنافها حتى تخرج مِنْ أَكْمامِها اى أوعيتها التي فيها أنوارها وازهارها الحاصلة منها الأثمار إذ هي ايضا من جملة الأمور الغيبية المستأثر بها سبحانه وَكذا ما تَحْمِلُ وتحبل مِنْ أُنْثى اى قوابل الحمل والحبل وَلا تَضَعُ حملها بمكان من الأمكنة إِلَّا بِعِلْمِهِ سبحانه وحضوره إذ هو العالم لا غيره بما في الأرحام وبمدة بقائه فيها وخروجه منها لا اطلاع لاحد عليها وَاذكر يا أكمل الرسل لمن أشرك بالله واثبت الوجود لغيره وأجاز الشركة في ألوهيته وربوبيته عدوانا وظلما يَوْمَ يُنادِيهِمْ الله حين أراد الانتقام عنهم موبخا لهم ومقرعا إياهم أَيْنَ شُرَكائِي الذين تزعمون أنتم شركتهم معى وشفاعتهم لدى احضروهم لينجوكم من عذابي ويشفعوا لكم عندي وبعد ما سمعوا النداء الهائل المهول قالُوا متأسفين متحزنين آذَنَّاكَ وقد أعلمناك يا مولانا اليوم وان كنت أنت اعلم منا بحالنا انا ما مِنَّا اى ما احد منا اليوم مِنْ شَهِيدٍ ليشهد على شركة شركائنا الذين قد ادعينا شركتهم معك ظلما وزورا

وَبعد ما تقولوا من شدة الأسف ونهاية الحسرة والضجرة قد ضَلَّ عَنْهُمْ وغاب عن بصائرهم وأبصارهم ما كانُوا يَدْعُونَ ويعبدون اليه مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا بل تيقنوا حينئذ ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ مهرب ومخلص من عذاب الله وبالجملة تندموا وما ينفعهم الندم ورجعوا الى الله حينئذ وما يفيدهم رجوعهم لانقضاء نشأة التدارك والاختبار ومن العادة القديمة والديدنة المستمرة انه

لا يَسْأَمُ اى لا يمل ولا يفتر الْإِنْسانُ المجبول على جلب الإحسان مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ لنفسه وجذب المنفعة نحو ذاته بل صار ابدا حريصا عليها مولعا لاقتنائها وجمعها وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ ولحق به الضر في حين من الأحيان فَيَؤُسٌ من قدرة الله على رفع الضر عنه وجلب النفع إياه مع انه قد أزال عنه مرارا قَنُوطٌ من فضل الله ومن سعة رحمته وجوده

وَمن غاية يأس الإنسان وشدة قنوطه عن مقتضى فضلنا وجودنا لَئِنْ أَذَقْناهُ رَحْمَةً ووفرناها عليه بحيث تسرى في جميع اجزائه مع كونها تفضلا مِنَّا إياه بلا استحقاق من جانبه واقتراف من لدنه غاية ما في الباب انها فائضة عليه موهوبة إياه مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ ولحقت إياه اوائلها إذ المساس يحصل بمجرد الملاقاة لَيَقُولَنَّ معرضا عن الله هذا لِي وانا استحق بها لاحتمالى الشدائد ولكمال فضلي ووفور عملي او هذالى بمقتضى ذاتى وَبالجملة ما أَظُنُّ السَّاعَةَ الموهومة الموعودة قائِمَةً آتية وَلَئِنْ فرضت وقوعها وقيامها على الوجه الذي زعم الرسل المدعون ونطقت به الكتب المزورة المفتراة ورُجِعْتُ إِلى رَبِّي كما زعموا إِنَّ لِي قد حق وثبت لي عِنْدَهُ

282

سورة فصلت (41): آية 51

سورة فصلت (41): آية 52

سورة فصلت (41): آية 53

سورة فصلت (41): آية 54

سبحانه لَلْحُسْنى اى الحالة التي هي احسن الحالات وأكرم الكرامات لاستحقاقى بها واقتضاء ذاتى إياها وبالجملة انما يقول على سبيل الاستهزاء والتهكم فَلَنُنَبِّئَنَّ ولنخبرن حين الجزاء الكافرين الَّذِينَ كَفَرُوا بوفور قدرتنا وقوتنا على وجوه الأخذ والانتقام بِما عَمِلُوا من الجرائم العظام وكبائر الآثام وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ مؤلم فظيع فجيع لا يمكنهم الخلاص عنه

وَمن شدة طغيان الإنسان ونهاية كفرانه وعدوانه إِذا أَنْعَمْنا وأكرمنا من مقام جودنا عَلَى الْإِنْسانِ المجبول على الكفران والنسيان أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ اى تباعد عنا ولم يشكر على نعمنا ولم يلتفت الى موائد كرمنا وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ ولحقه الضر فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ كثير ممتد عرضا وطولا وهو كناية عن الحاحهم ولجاجهم في طلب الكشف والتفريج من الله عند نزول البلاء وإلمام المصيبة

قُلْ يا أكمل الرسل لمنكري القرآن والقادحين فيه على سبيل الظلم والعدوان أَرَأَيْتُمْ أخبروني إِنْ كانَ القرآن منزلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ بحسب الواقع مع انه لا شك في نزوله من عنده ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ بلا تأمل وتدبر في دلائل صدقه وبراهين اعجازه لفظا ومعنى مَنْ أَضَلُّ سبيلا ورأيا وطريقا مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ وخلاف شديد عن الحق وقبوله وبالجملة من أضل منكم حينئذ ايها القادحون الطاعنون المنكرون له مع وضوح محجته وسطوع برهانه. ثم أشار سبحانه الى وحدة ذاته وكمال ظهوره حسب أسمائه وصفاته في عموم مظاهره ومصنوعاته وحيطته عليها وشموله إياها ليكون دليلا على حقية كتابه وصدوره منه فقال

سَنُرِيهِمْ اى المجبولين على فطرة التوحيد المخلوقين على نشأة الايمان والعرفان الموفقين على كمال الكشف والعيان آياتِنا اى دلائل توحيدنا الدالة على وحدة ذاتنا الظاهرة فِي الْآفاقِ اى ذرات الأكوان الخارجة عن نفوسهم المدركة بآلاتهم وحواسهم سميت بها لطلوع شمس الحقيقة منها وظهورها عليها وَفِي أَنْفُسِهِمْ اى ذواتهم التي هي أدل دليل على معرفة الحق ووحدته لذلك قال اصدق القائلين وأكمل الكاملين من عرف نفسه فقد عرف ربه وانما نريهم ما نريهم حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ ويظهر دونهم وينكشف عليهم أَنَّهُ اى الأمر الظاهر والشأن المحقق المتحقق في الأنفس والآفاق هو الْحَقُّ الحقيق بالتحقق والثبوت بالاستقلال والاستحقاق بمقتضى صرافة وحدته الذاتية والقرآن المعجز ايضا من جملة مظاهره وآثار صفاته الذاتية. ثم لما أشار سبحانه الى وحدة ذاته بالنسبة الى عموم عباده أراد ان ينبه على المستكشفين من ارباب المحبة والولاء الوالهين بمطالعة وجهه الكريم فخاطب لحبيبه ﷺ إذ هو الحرى بأمثال هذه الخطابات العلية فقال مستفهما على سبيل التعجب والاستبعاد إذ هو ادخل في التنبيه والتنوير أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ اى أيشكون أولئك المكلفون الشاكون في وجود مربيك الذي هو مربيهم ايضا يا أكمل الرسل ويترددون في تحققه وظهوره ولم يكف لهم دليلا أَنَّهُ بذاته وبعموم أسمائه وصفاته عَلى كُلِّ شَيْءٍ مما لاح عليه برق وجوده ورشاشة نوره شَهِيدٌ حاضر غير مغيب عنه وبالجملة او لم يكف لهم دليلا على تحقق الحق حضوره مع كل شيء من مظاهره ثم نور سبحانه ما نبه عليه على سبيل التعجب والتلويح تأكيدا ومبالغة وزيادة إيضاح وتوضيح فقال

أَلا إِنَّهُمْ بعد ما أضاء لهم شمس الذات من مرايا الكائنات فِي مِرْيَةٍ شك وارتياب مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ فيها ومن مطالعة وجهه الكريم أَلا إِنَّهُ بذاته حسب شئونه وتطوراته المتفرعة على أسمائه وصفاته بِكُلِّ شَيْءٍ من مظاهره ومصنوعاته مُحِيطٌ بالاستقلال والانفراد احاطة ذاتية بلا شوب شركة وشين كثرة إذ لا وجود سواه ولا موجود غيره ولا اله الا هو

283

خاتمة سورة فصلت

عليك ايها السالك المترقب لشهود الحق من ذرائر عموم المجالى والمظاهر الظاهرة في الأنفس والآفاق ان تصفى سرك وضميرك أولا من وساوس مطلق الأوهام والخيالات العائقة عن التوجه الى صرافة الوحدة الذاتية وتخلى خلدك عن مطلق الإضافات الصارفة عن ذلك بان تكون في نفسك متوجها الى ربك الذي هو عبارة عن حصة لاهوتك ونشأة جبروتك خاليا عنك وعن لوازم ناسوتك وعوارض بشريتك بالمرة بحيث لا شعور لك بما جرى على هويتك أصلا وبالجملة كن فانيا في الله باقيا ببقائه ناظرا بنوره الى وجهه الكريم تفز بنعيم الجنات وعظيم اللذات مما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر

سورة الشورى

فاتحة سورة الشورى

لا يخفى عليك وعلى من تحقق بمرتبة التوحيد وتمكن عليها بلا تردد وتلون ان عموم مراتب الأنبياء والرسل ومشارب الأولياء التابعين لهم المقتفين أثرهم انما هي على صرافة الوحدة الذاتية المسقطة لعموم الكثرات والإضافات وان ما انزل الله على سبيل الوحى والإلهام من الكتب والصحف انما هو لبيان الطرق الموصلة إليها ولهذا نبه سبحانه حبيبه على طريق توحيده بعد ما خاطبه متيمنا باسمه العظيم بِسْمِ اللَّهِ الذي به ظهر على ما ظهر وبطن بصرافة وحدته الذاتية المحيطة بالكل الرَّحْمنِ على عموم الكائنات بافاضة الوجود الذي هو منشأ جميع الكمالات الرَّحِيمِ على خواصها وخلاصتها بالإيصال الى منبع ماء الحياة الذي هو وحدة الذات المسقطة لمطلق الإضافات

الآيات

سورة الشورى (42): آية 1

سورة الشورى (42): آية 2

سورة الشورى (42): آية 3

سورة الشورى (42): آية 4

سورة الشورى (42): آية 5

حم

عسق يا حامل وحى الله وما حي الوجود عن غيره وعالم سرائر قدره وعارف سر سريان وحدته الذاتية على قلوب خلص عباده من الأنبياء والأولياء

كَذلِكَ اى مثل ما ذكر في هذه السورة من سرائر التوحيد والأخلاق المرضية يُوحِي إِلَيْكَ يا أكمل الرسل في كتابك هذا وَكذا إِلَى الَّذِينَ مضوا مِنْ قَبْلِكَ من الأنبياء والرسل في كتبهم وصحفهم اللَّهُ المتوحد بذاته المحيط بعموم مظاهره ومصنوعاته المستقل بأمر الإرسال والإنزال والوحى والإلهام الْعَزِيزُ الغالب في امره وشأنه الْحَكِيمُ المتقن في أفعاله وتدبيراته الجارية في ملكه وملكوته إذ

لَهُ مظاهر ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ملكا وتصرفا إيجادا واعداما إبداء واعادة وَبالجملة هُوَ الْعَلِيُّ المستقل بالعلو في مطلق ملكه وملكوته الْعَظِيمُ في شأنه وامره لا عظمة ولا علو الا له ولا حول ولا قوة الا به ولا حكم ولا حكمة الا منه ومن كمال عزته وعظمته

تَكادُ السَّماواتُ السبع يَتَفَطَّرْنَ بالياء التحتاني والتاء الفوقاني او بالياء التحتاني والنون معناه على كلتا القرائتين يتشققن مِنْ فَوْقِهِنَّ اى من فوق السموات ومن فوق الأرضين السبع من كمال خشية الله ورهبته خوفا من تجليه عليهن باسمه القهار المفنى لعموم الأغيار مطلقا وَالْمَلائِكَةُ ايضا من خشيتهم عن قهر الله وغضبه يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ تعديدا لنعمه المتوالية المترادفة إليهم مع اضافة الشعور والإدراك وأداء لحقوق ربوبيته ومقتضيات ألوهيته وشكرا على إعطاء التمكن والاقتدار على مواظبة عبوديته ومشاهدة آثار سلطنته وعظمته وَيَسْتَغْفِرُونَ ايضا باذنه وبمقتضى امره لِمَنْ فِي الْأَرْضِ من خلص عباده الموحدين المجبولين على صورته المجعولين

284

سورة الشورى (42): آية 6

سورة الشورى (42): آية 7

سورة الشورى (42): آية 8

سورة الشورى (42): آية 9

سورة الشورى (42): آية 10

لمصلحة خلافته ونيابته أَلا اى تنبهوا ايها الاظلال المنهمكون في بحر الحيرة والضلال إِنَّ اللَّهَ الذي أظهركم من كتم العدم ورباكم بأنواع اللطف والكرم هُوَ الْغَفُورُ الستار لذنوب انانياتكم المحاء لآثام هوياتكم ان تبتم واخلصتم فيها الرَّحِيمُ بكم يقبل منكم توبتكم ويغفر زلتكم ويوصلكم الى ما جبلتم لأجله. ثم قال سبحانه تهديدا على المشركين المتخذين لله المتوحد في ذاته المستقل في وجوده أندادا

وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ سبحانه أَوْلِياءَ يوالونهم كولايته سبحانه ويتوجهون نحوهم مثل توجهه لا تلتفت يا أكمل الرسل إليهم ولا تبال بشأنهم إذ اللَّهُ المحيط بذواتهم وأفعالهم وصفاتهم حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ عليم بأعمالهم ونياتهم فيحاسبهم عليها ويجازيهم بمقتضاها وَبالجملة ما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ كفيل تخلصهم عن مفاسد أعمالهم ومقابح أفعالهم بل ما أنت الا مبلغ ونذير وبعد ما بلغت وأنذرت لم يبق من أمرك شيء

وَكَذلِكَ اى مثل ما أوحينا وأنزلنا الى من قبلك من الأنبياء والرسل كتبا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ يا أكمل الرسل ايضا قُرْآنًا عَرَبِيًّا نظما وأسلوبا لِتُنْذِرَ بانذاراته أُمَّ الْقُرى يعنى اهل مكة شرفها الله وَمَنْ حَوْلَها من أقطارها وانحائها كما انذر الأنبياء الماضون اقوامهم عن مطلق الأمور المنافية لسلوك طريق التوحيد وسبيل الهداية والرشد وَتُنْذِرَ خاصة عن الأهوال والأحزان الحاصلة لهم يَوْمَ الْجَمْعِ والحشر والاجتماع على المحشر والموقف بين يدي الله الذي لا رَيْبَ فِيهِ اى في إتيانه ووقوعه وبعد ما اجتمعوا فيه حيارى وسكارى تائهين هائمين يساقون بعد ما يحاسبون نحو الجنة والنار فَرِيقٌ منهم فِي الْجَنَّةِ مسرورون مقبولون وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ محزونون مطرودون

وَلَوْ شاءَ اللَّهُ الهادي لعباده وأراد هدايتهم جميعا لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً مقتصدة معتدلة على مقتضى صرافة الوحدة الذاتية واعتدالها الحقيقي وَلكِنْ راعى سبحانه مقتضيات أوصافه وأسمائه المتقابلة وشئونه المتخالفة لذلك يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ ويوصله الى فضاء وحدته حسب جوده وحكمته عناية منه وفضلا وولاية لهم ونصرا وَالظَّالِمُونَ الخارجون عن مقتضى العناية الإلهية وولايته حسب قهره وانتقامه إياهم إظهارا لكمال قدرته ما لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ يواليهم ويشفع لهم عنده سبحانه وَلا نَصِيرٍ ينقذهم من عذابه فظهر ان لا ولاية ولا نصرة الا لله ولا غالب الا هو وان زعموا آلهة سواه

أَمِ اتَّخَذُوا بل أخذوا واثبتوا مِنْ دُونِهِ سبحانه أَوْلِياءَ واعتقدوهم شركاء له سبحانه او شفعاء لهم عنده سبحانه فانه لا تنفعهم موالاتهم واتخاذهم هذا بل تضرهم وتغويهم فَاللَّهُ المستقل بالالوهية والربوبية هُوَ الْوَلِيُّ المقصور على الولاية لأولى في الوجود سواه وَهُوَ بكمال قدرته يُحْيِ الْمَوْتى ويميت الأحياء بالإرادة والاختيار لا فاعل في الوجود الا هو وَبالجملة هُوَ باستقلاله واختياره عَلى كُلِّ شَيْءٍ من مقدوراته ومراداته قَدِيرٌ بلا فتور وقصور

وَبعد ما ثبت ان الولاية المطلقة والقدرة المحققة ثابتة لله منحصرة له لا فاعل في الوجود سواه فاعلموا ايها المكلفون بسلوك طريق الحق وتوحيده ان مَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ اى من شعائر الدين ومعالم التوحيد واليقين واختلافكم فيه انه هل هو مفيد لكم في سلوككم أم مفسد فَحُكْمُهُ مفوض إِلَى اللَّهِ وامره موكول الى كتبه ورسله فعليكم التعبد والامتثال بما أمرتم به ونهيتهم عنه على ألسنة الكتب والرسل إذ لا مدبر لأموركم سواه ولا متصرف في الوجود الا هو ذلِكُمُ اللَّهُ الذي سمعتم نبذا من وصفه واستقلاله في ملكه وملكوته رَبِّي وربكم فاعبدوه حق عبادته وفوضوا أموركم كلها اليه وان خوفتمونى بغيره مع انه لا غير في الوجود معه فانا عَلَيْهِ

285

سورة الشورى (42): آية 11

سورة الشورى (42): آية 12

سورة الشورى (42): آية 13

لا على غيره من الوسائل والأسباب العادية تَوَكَّلْتُ واتخذته وكيلا يدفع عنى مؤنة جميع من عاداني وَإِلَيْهِ لا الى الوسائل والأسباب أُنِيبُ وارجع في مطلق الخطوب والملمات وكيف لا أتوكل عليه ولا أنيب نحوه إذ هو بذاته حسب شئونه وتطوراته

فاطِرُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ اى مظهرهما وموجدهما من كتم العدم ومدبر ما يتكون بينهما من الطبائع والهيولى وصور المواليد والأركان ومن جملة تدبيراته سبحانه انه جَعَلَ وخلق لَكُمْ ايها المجبولون على فطرة التوحيد إبقاء لتناسلكم وتوالدكم مِنْ أَنْفُسِكُمْ ومن بنى نوعكم أَزْواجًا من جنسكم وصنفكم وجعل بينكم مودة ورحمة إبقاء لنسلكم وَمِنَ الْأَنْعامِ ايضا أَزْواجًا تربية لكم وتتميما لمعاشكم وبالجملة يَذْرَؤُكُمْ يبثكم ويكثركم فِيهِ اى في عالم الظهور ونشأة الشهادة بهذا التدبير البديع كل ذلك لتعلموا وتعرفوا يقينا انه لَيْسَ كَمِثْلِهِ اى ليس مثله سبحانه شَيْءٌ يناسبه في الوجود ويماثله في التحقق والثبوت والمراد بالمثل المنفي هو ذاته اى لا يماثله ذاته فكيف غيره مثل قولهم مثلك لا يبخل بمعنى أنت لا تبخل والمراد به نفى التعدد عنه سبحانه مطلقا على سبيل المبالغة والتأكيد فثبت حينئذ ان لا موجود سواه ولا تحقق لغيره وَمتى ثبت هذا ظهر انه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ اى هو بذاته المنحصر على صفتي السمع والبصر وجميع الأوصاف الذاتية الكاملة الشاملة آثارها في عالمي الغيب والشهادة ونشأتى الاولى والاخرى إذ

لَهُ لا لغيره من الوسائل والأسباب العادية الظاهرة في اظلال المظاهر والمجالى مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ اى مفاتيح خزائن العلويات من الأسماء والصفات وكذا مفاتيح السفليات من مظاهر الطبائع ومرايا الاعدام القابلة لانعكاس اشعة شمس الذات من مشكاة الأسماء والصفات إذ هو بذاته يَبْسُطُ ويفيض الرِّزْقَ الصوري والمعنوي لِمَنْ يَشاءُ من ظلاله وعكوسه وَيَقْدِرُ يقبض عن من يشاء منهم وبالجملة إِنَّهُ سبحانه بذاته وبمقتضى أسمائه وصفاته بِكُلِّ شَيْءٍ دخل تحت ظل وجوده حسب فضله وجوده عَلِيمٌ بعلمه الحضوري لا يعزب عن حضوره شيء مما ظهر وبطن وغاب وشهد ومن كمال توحده واستقلاله في تدبير ملكه وملكوته وحيطة علمه وشمول قدرته

شَرَعَ لَكُمْ اى قد قضى ووضع لكم ايها الاظلال المنهمكون في بحر الحيرة والضلال مِنَ الدِّينِ القويم والطريق المستقيم الموصل الى توحيده ما وَصَّى بِهِ نُوحًا اى دينا قد شرعه ووضعه سبحانه على نوح إذ هو أول من ظهر على نشأة التدين والتشرع في طريق التوحيد ألا وهو توحيد الأفعال وَهذا الدين الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ يا أكمل الرسل هو الدين الموصل الى توحيد الذات لذلك ختم ببعثك امر الرسالة والتشريع وبعد ما عين سبحانه مبدأ التوحيد ومنتهاه أشار الى ما بينهما من المراتب فقال وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى اى الأديان التي قد وضعناها على هؤلاء المشاهير وغيرهم من جماهير الأنبياء والرسل المتشرعين هي الأديان الموصلة الى توحيد الصفات وبالجملة قد وصينا لعموم ذوى الأديان أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ المنزل إليهم واستقيموا في الإطاعة والامتثال بأوامر الأديان ونواهيها وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ اى لا تختلفوا في اصل الدين الذي هو التوحيد الإلهي بحال وان كانت الطرق والمناهيج نحوه مختلفة باختلاف ذوى المراتب المترتبة بحسب اختلافاتهم في شئون الحق وتجلياته فلك يا أكمل الرسل ان تدعو الناس الى توحيد الذات المتضمن المستلزم لتوحيد الصفات والأفعال وان كان كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ اى قد شق وعظم عليهم ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اى دعوتك إياهم الى التوحيد الذاتي

286

سورة الشورى (42): آية 14

سورة الشورى (42): آية 15

سورة الشورى (42): آية 16

إذ لم يعهد هذا من غيرك من الأنبياء الماضين والرسل السابقين لذلك شق عليهم حسدا وغيظا فكيف يحسدون ويغيظون عليك وبشأنك يا أكمل الرسل إذ اللَّهُ العليم الحكيم المطلع على استعدادات العباد وقابلياتهم يَجْتَبِي إِلَيْهِ اى يختار ويجذب نحو التوحيد الذاتي مَنْ يَشاءُ من المجبولين على فطرة التوحيد وَيَهْدِي إِلَيْهِ ويوفق عليه ويرشد نحوه مَنْ يُنِيبُ اليه سبحانه انابة صادرة عن محض الإخلاص والتبتل والتفويض والتوكل

وَبعد ما ثبت ان اصل الأديان كلها هو التوحيد وان الأنبياء والرسل انما جاءوا بأجمعهم لإظهاره وتبيينه وإعلاء كلمته ظهر ان الأمم الهالكة ما تَفَرَّقُوا وما اختلفوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا واقعا بَيْنَهُمْ عدوانا وظلما اعراضا عن الحق واهله وبالجملة ما ظهر بينهم ما ظهر من العداوة والبغضاء الا على سبيل المراء والافتراء وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ يا أكمل الرسل وهي امهال انتقامهم وتأخيره إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى هو يوم القيامة لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وحكم عليهم حين اختلافهم ويوم تفرقهم فاستوصلوا فيه بالمرة حتما وَإِنَّ المختلفين المتفرقين الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ المنزل على أسلافهم مِنْ بَعْدِهِمْ اى من بعد انقراض أسلافهم لَفِي شَكٍّ مِنْهُ اى من الكتاب أمثال أولئك الاسلاف الضلال مُرِيبٍ موقع لهم في الريب والضلال لذلك اختلفوا معك يا أكمل الرسل وأنكروا على دينك وكتابك ولو كان لهم علم بكتابهم ما ظهروا عليك وما طعنوا في دينك وكتابك إذ الايمان والتصديق بكتاب من كتب الله ودين من اديانه ورسول من رسله يوجب الايمان بجميع الكتب والرسل والأديان بناء على الأصل الذي سمعت من التوحيد

فَلِذلِكَ الأصل الذي هو التوحيد الذاتي المسقط لعموم الاختلافات والإضافات فَادْعُ أنت يا أكمل الرسل من تدعوه من المجبولين على فطرة التوحيد والإسلام وَاسْتَقِمْ أنت في نفسك على جادة التوحيد كَما أُمِرْتَ من قبل ربك وثبت اقدام عزمك عليها معتدلا حنيفا مائلا عن كلا طرفي الإفراط والتفريط وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ اى اهوية اصحاب الخلاف والاختلاف الضالين المترددين في اودية الجهالات واغوار الأوهام والخيالات المنافية لصفاء فضاء التوحيد وَقُلْ يا أكمل الرسل بعد ما قد صفا سرك وخلا خلدك عن مطلق الأوساخ والاكدار الموجبة للاختلاف والخلاف آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ اى بجميع ما انزل الله مِنْ كِتابٍ مبين موضح لطريق الحق وتوحيده وَقل بعد ذلك ايضا إظهارا لدعوتك إياهم أُمِرْتَ من قبل ربي لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ وأبين لكم طريق العدالة الإلهية حسب وحى الله والهامه إياي وبالجملة أنا مأمور من عنده بتبليغه وتبيينه إياكم لتربيتكم وتكميلكم إذ اللَّهُ المدبر لأمور عموم عباده رَبُّنا الذي ربانا لمصلحة الإرشاد والتكميل وَرَبُّكُمْ أراد ان يربيكم بالهداية والرشد وان لم نكن نحن معاشر الرسل والأنبياء مأمورين من عنده سبحانه لإصلاحكم وإرشادكم ما لنا معكم إذ لَنا أَعْمالُنا اى جزاء صالحها وفاسدها وَلَكُمْ ايضا أَعْمالُكُمْ كذلك إذ كل منا ومنكم مجزىّ بما كسب وعمل لا حُجَّةَ اى لا غلبة ولا خصومة بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ بعد ما بلغناكم ما أمرنا بتبليغه وأوضحنا لكم سبيل الحق وصراطه السوى وبالجملة اللَّهُ اى الذات الجامع المستجمع لجميع الأسماء والصفات يَجْمَعُ بَيْنَنا وبينكم ان تعلق مشيته بجمعنا وَكيف لا يجمع بيننا سبحانه إذ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ اى رجوع الكل نحوه كما ان صدوره منه سبحانه

وَبعد وضوح محجة الحق ومنهج المعرفة واليقين الَّذِينَ يُحَاجُّونَ يجادلون ويخاصمون متشبثين بأذيال المجادلات والمغالطات الواهية

287

سورة الشورى (42): آية 17

سورة الشورى (42): آية 18

سورة الشورى (42): آية 19

سورة الشورى (42): آية 20

الزائغة فِي توحيد اللَّهِ سيما مِنْ بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ اى قبله العقل والنقل والكشف الصريح والذوق الصحيح حُجَّتُهُمْ اى عموم حججهم وتمسكاتهم التي قد تمسكوا بها على وجه العناد والمكابرة كلها داحِضَةٌ زائلة باطلة عِنْدَ رَبِّهِمْ الذي رباهم لمصلحة المعرفة والتوحيد وَعَلَيْهِمْ بسبب عنادهم وجدالهم بالحق الصريح غَضَبٌ نازل من الله وَلَهُمْ في النشأة الاخرى عَذابٌ شَدِيدٌ لا عذاب أشد منه وأفزع وأفظع وبالجملة كيف يحاجون ويكابرون المعاندون في توحيده سبحانه مع انه هو

اللَّهُ المدبر المصلح لأمور عباده الَّذِي أَنْزَلَ لإصلاحهم وإرشادهم الْكِتابَ اى جنس الكتاب النازل من عنده لتبيين مناهيج توحيده كلها ملتبسة بِالْحَقِّ الصريح المعرى عن الباطل الزاهق الزائل مطلقا وَانزل ايضا على طبق الكتاب موافقا له الْمِيزانَ اى جنس الاحكام والشرائع والأديان التي توزن بها اعمال الأنام وإخلاصهم فيها وثباتهم بها على جادة التوحيد ومنهج الإسلام فعليك يا أكمل الرسل وعلى من تبعك في عموم الأحوال والأوقات وجميع الحالات والمقامات امتثال عموم ما امر ونهى من احكام كتابك وان تزن أنت ومن معك أعمالكم وأخلاقكم وأحوالكم واطواركم كلها بميزان الشرع القويم والدين المستقيم وَبالجملة ما يُدْرِيكَ وما يعلمك ايها المجبول على فطرة الدراية والشعور لَعَلَّ السَّاعَةَ الموعودة التي قد تعذر دونها التدارك والتلافي قَرِيبٌ إتيانها وقيامها وعند قيامها تتندمون وما ينفعكم الندم حينئذ وان كان

يَسْتَعْجِلُ بِهَا وبقيامها استهزاء ومراء المنكرون الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ولا يصدقون بِهَا عنادا ومكابرة ويزعمون انه لا يلحقهم ما يوعدون فيها من العذاب الروحاني والجسماني وَالمؤمنون الَّذِينَ آمَنُوا بها وبعموم ما فيها من المواعيد والوعيدات الهائلة هم مُشْفِقُونَ خائفون مِنْها ومن إلمامها بغتة قبل تهيئة الزاد والاعداد وَذلك انهم يَعْلَمُونَ يقينا أَنَّهَا الْحَقُّ المحقق إتيانها وقيامها بلا مرية وريب أَلا تنبهوا ايها المؤمنون بكمال قدرة الله ووفور حكمته إِنَّ المسرفين الَّذِينَ يُمارُونَ ويشكون فِي قيام السَّاعَةِ الموعود إتيانها من قبل الحق مراء ومجادلة لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ بمراحل عن الهداية الموصلة الى مقر التوحيد إذ هم محجوبون بالأغشية الكثيفة الامكانية والاغطية الغليظة الهيولانية عن سريان الهوية الإلهية في عموم الهويات الغيبية والشهادية عن تجلياتها اللطفية والقهرية والجمالية والجلالية على مطلق المظاهر والمجالى حضورا وشهودا مع انه

اللَّهُ المنزه ذاته عن سمة الحدوث والإمكان المقدس أسماؤه وصفاته عن وصمة العيب والنقصان لَطِيفٌ بِعِبادِهِ الخلص من رق الأكوان بحيث يصير سمعهم وبصرهم وعموم قواهم وآلاتهم الى حيث أفناهم في ذاته وأبقاهم ببقائه يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ منهم بالرزق المعنوي الموصل الى مبدئهم ومعادهم ترحما عليهم وتلطفا معهم وَكيف لا إذ هُوَ الْقَوِيُّ القادر القدير المقتدر على عموم مقدوراته الصادرة منه بمقتضى حكمته الْعَزِيزُ الغالب على مطلق مراداته الجارية منه حسب اختياره. ثم لما أشار سبحانه الى كمال تنزهه وتقدس ذاته عن وصمة النقصان مطلقا والى كمال ترحمه وتلطفه مع خلص عباده قال

مَنْ كانَ منهم يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ اى يزرع في النشأة الاولى بذور الأعمال الصالحة والأخلاق الحميدة ليحصد ما يترتب عليها من المثوبات والكرامات في النشأة الاخرى نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ونضاعف ثوابها لأجله ونعطه من اللذات الروحانية ما لا مزيد عليه تفضلا منا عليه وتكريما له وَمَنْ كانَ

288

سورة الشورى (42): آية 22

سورة الشورى (42): آية 23

منهم يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا ونوى نماء بزوره فيها نُؤْتِهِ مِنْها كمال مبتغاء ومتمناه فيها إذ لكل امرئ ما نوى وَلكن ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ من اللذات الجسمانية والروحانية الباقية مِنْ نَصِيبٍ لاختياره لذات الدنيا وشهواتها الفانية على ما في الآخرة من اللذات الروحانية الباقية لذلك ما له حظ في الآخرة من لذاتها أهم بأنفسهم وعلى خيالهم يحرمون نفوسهم من اللذات الاخروية والفتوحات الروحانية أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ من شياطين الجن والانس قد ظاهروهم عليه وصرفوهم نحوه حيث شَرَعُوا وزينوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ الباطل والديدنة الزائغة ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ الحكيم المتقن في أفعاله المدبر لعموم مصالح عباده على مقتضى حكمته ومراده ولم يأمر بوضعه واتخاذه لا بالوحي ولا بالإلهام بل انما أخذوا ما أخذوا من تلقاء أنفسهم وعلى مقتضى اهويتهم الباطلة ظلما وعدوانا لذلك لم يثمر لهم سوى الخيبة والخذلان والحسرة والحرمان وَبالجملة لَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ والقضاء صادرة عن الله بتأخير أخذهم بظلمهم وامهال انتقامهم الى يوم الجزاء لَقُضِيَ وحكم اليوم بَيْنَهُمْ اى بين اهل الهداية والضلال فيلحق لكل منهم جزاء ما اقترفوا من الحسنات والسيئات وَبالجملة إِنَّ الظَّالِمِينَ الخارجين عن مقتضى الحدود الإلهية بمتابعة آرائهم وإخوانهم من الشياطين لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ في النشأة الاخرى ألا وهو حرمانهم عما أعد لنوع الإنسان المصور على صورة الرحمن من الكرامات السنية والمقامات العلية لا عذاب أشد منه وأفزع ومن كمال حرمانهم وخسرانهم حينئذ

تَرَى الظَّالِمِينَ الخارجين عن مقتضى الحدود الإلهية عدوانا وظلما مُشْفِقِينَ خائفين مرعوبين مِمَّا كَسَبُوا اى من لحقوق وبال ما اكتسبوا من المعاصي والآثام وَالحال انه هُوَ واقِعٌ بِهِمْ لاحق لهم وما ينفعهم الإشفاق وعدمه لانقضاء نشأة التدارك وزمان التلافي. ثم قال سبحانه على مقتضى سنته السنية المستمرة وَترى ايضا ايها المعتبر الرائي المؤمنين الَّذِينَ آمَنُوا بوحدة الحق حين أخبرهم الرسل ودعاهم اليه حسب استعداداتهم الفطرية وقابلياتهم الجبلية وَمع ايمانهم بالله قد عَمِلُوا الصَّالِحاتِ اى قد أكدوا ايمانهم وتوحيدهم الذاتي بصوالح الأعمال والأخلاق ليدل ايضا على توحيد الصفات والأفعال هم في النشأة الاخرى لكمال اطاعتهم وانقيادهم متنعمون فِي رَوْضاتِ الْجَنَّاتِ اى متنزهات اليقين العلمي والعيني والحقي ولهذا قد حصل وحضر لَهُمْ ما يَشاؤُنَ من اللذات المتجددة والفيوضات المترادفة وانواع الفتوحات والكرامات عِنْدَ رَبِّهِمْ الذي أوصلهم الى كنف قربه وجواره وبالجملة ذلِكَ الفضل الذي أعد لأرباب العناية والتوحيد هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ والفوز العظيم الذي يستحقر دونه عموم اللذات والكرامات وبالجملة

ذلِكَ المذكور من الفوز والفضل هو الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ المنعم المفضل به عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا بوحدة ذاته وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ المفضية الموصلة لهم الى توحيد الأفعال والصفات قُلْ يا أكمل الرسل بعد ما بينت لهم طريق الهداية والضلال وبلغت ما يوحى إليك للإرشاد والتكميل إياهم لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ اى على تبليغى وتبشيرى إياكم أَجْرًا جعلا منكم ونفعا دنيويا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى اى ما اطلب منكم نفعا دنيويا بل ما اطلب منكم الا محبة اهل بيتي ومودتهم ليدوم لكم طريق الاستفادة والاسترشاد منهم إذ هم مجبولون على فطرة التوحيد الذاتي وفطنة المعرفة الذاتية مثلي روى انها لما نزلت قيل يا رسول الله من قرابتك قال على وفاطمة وابناهما وكفاك شاهدا على ذلك ظهور الائمة الذين هم من أكابر اولى العزائم في طريق الحق وتوحيده صلوات الله وسلامه على أسلافهم

289