الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبيةالجزء 2 · ص 2 - 9

الجزء الثاني

الجزء الثاني

بسم الله الرّحمن الرّحيم

سورة النور

فاتحة سورة النور

لا يخفى على من تنور قلبه بنور الكشف والشهود واكتحل عينه بمشاهدة آثار وجود الحق عن مظاهر الوجود ان انبساط نور الحق على ذرائر الأكوان وفيضان اظلال وجوده على صفائح الأعيان حسب جوده انما هو لإظهار الكمالات المندرجة في الذات الاحدية باعتبار الأوصاف والأسماء الذاتية المندمجة فيها حسب التجليات الحبية والتجددات الشوقية المنعثة من المحبة الذاتية الموجبة للجلاء والانجلاء وذلك لا يحصل الا بالتنزلات والهبوطات الى الشئون المتنوعة والتطورات المتلونة المترتبة على الأسماء والصفات المستلزمة للاضافات والكثرات لتعين مراتب الحب والمحبوب والمحبة والطالب والمطلوب والطلب والسير والسلوك والصعود والعروج والوصول والاتصال وبعد حصول التنزلات قد حدثت الإضافات والاختلافات وتفاوتت تشتت الأعمال والأحوال وظهرت الآراء والمذاهب وبرزت الأهواء والمشارب فاقتضت الحكمة الإلهية وضع الحدود والآداب بين المظاهر المختلفة والآراء المتفاوتة ليعتدل امر الأنام ولا يختل النظام واستقام السل وتميزت طرق السعادة والشقاوة والهداية والضلال لذلك أشار سبحانه الى وضع الحدود أولا بين الأنام ومن أهمها محافظة امر التناسل والتناكح من الزنا والسفاح المفضى الى سد باب المعرفة التي هي الحكمة العلية والمصلحة السنية من إيجاد نوع الإنسان وإظهاره إذ لهذا النوع مرتبة الخلافة والنيابة من الله الرحيم الرحمن فالخلطة في حصول هذا النوع مخل بصرافة الوحدة الذاتية إذ لا بد من المناسبة بين المستخلف والمستخلف عنه فقال سبحانه متيمنا متبركا باسمه الجامع بجميع الأسماء والأوصاف بِسْمِ اللَّهِ الذي اظهر نوع

2

الإنسان بخلافته وأنعم عليهم التخلق بأخلاقه والاتصاف بأوصافه الرَّحْمنِ عليهم حيث أظهرهم بأحسن التقويم واعدله الرَّحِيمِ لهم بإصلاح مفاسدهم وتحسين مقابحهم لئلا ينحطوا عن رتبة خلافته ونيابته هذه

الآيات

سورة النور (24): آية 1

سورة النور (24): آية 2

سورة النور (24): آية 2

سورة النور (24): آية 3

سورة النور (24): آية 4

سُورَةٌ عظيمة وسفر جليل وآيات كريمة قد أَنْزَلْناها من مقام فضلنا وجودنا عليك يا أكمل الرسل تأييدا لنبوتك ورسالتك وترويجا لدينك وملتك وَفَرَضْناها اى قد أوجبنا الاحكام التي ذكرنا فيها وقدرنا الحدود المقررة في ضمنها والزمناها عليك وعلى من تبعك من المؤمنين تهذيبا لظواهرهم وبواطنهم وَبالجملة أَنْزَلْنا فِيها آياتٍ عظاما دالة على وحدة ذاتنا وكمال اقتدارنا على وجوه الانعام والانتقام مع كونها بَيِّناتٍ واضحة الدلالات لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ وتتعظون بها فتتركون ما يوجب مقتكم وهلاككم وتتوجهون الى ما جبلتم لأجله

ثم أخذ سبحانه بتطهير المؤمنين وتهذيبهم عما لا يليق بشأنهم سيما في افحش الفواحش وأقبح الآثام فقال

الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي اى حكمهما وحدهما فيما فرضناها وقدرناها لكم حتما ايها المؤمنون الجلد قدم سبحانه الزانية لان وقوع الزنا في الأعم الأغلب انما يحصل من جانبهن ومن عرضهن النفس والزنية على الرجال وبعد ما سمعتم ايها الحكام الحد والحكم فيهما فَاجْلِدُوا بعد ثبوت الزنا بينهما على الوجه المفصل في علم الاحكام وهما غير محصنين إذ حكم المحصنين مطلقا بالإجماع رجم كل منهما ان كانا محصنين او رجم أحدهما ان كان الآخر غير محصن والمحصن هو المسلم الحر العاقل البالغ الذي قد وقع منه الوقاع بنكاح صحيح كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ اى مائة ضربة بسوط مؤلم بجلدة أشد إيلام بدل ضرابات قد استلذ بها حال الوقاع وزاد الامام الشافعى رحمه الله على جلد المائة تغريب العام إذ هو احوط وادخل في الانزجار لقوله عليه السلام البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام وَلا تَأْخُذْكُمْ ايها الحكام سيما وقت اجرائكم الحدود والاحكام بِهِما رَأْفَةٌ رقة ورحمة تضيعون بها حكمة الحد إذ لا رأفة فِي دِينِ اللَّهِ وفي تنفيذ أحكامه وحدوده على من خرج عن مقتضى العدل القويم والشرع المستقيم الإلهي إِنْ كُنْتُمْ ايها الحكام المقيمون للحدود والاحكام بين الأنام تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وبعموم ما جاء من عند الله سبحانه من الأوامر والنواهي وجميع الحدود والاحكام الموضوعة من لدنه على مقتضى الحكمة المتقنة وَالْيَوْمِ الْآخِرِ الذي فيه تبلى السرائر وتكشف الضمائر فلكم ان تقيموا حدود الله على الوجه الذي أمرتم بها لئلا تؤاخذوا في يوم الجزاء وَلْيَشْهَدْ وليحضر وليبصر حين اجراء الحد عليهما عَذابَهُما طائِفَةٌ وجمع كثير مِنَ الْمُؤْمِنِينَ المعتبرين تفضيحا لهما وتشهيرا لامرهما لينزجر مما جرى عليهما من في قلبه ميل الى ما أتيا به من الفعلة القبيحة والديدنة الشنيعة

ثم أشار سبحانه الى قبح مناكحتهما وشناعة الفتهما ومواصلتهما على وجه المبالغة في النهى والكراهة فقال الزَّانِي اى الذي يرغب ويميل الى عورات المسلمين بلا رخصة شرعية متعديا عن حدود الله وهتكا لستره وحرمته لا يَنْكِحُ ان نكح إِلَّا زانِيَةً مثله مناسبة له مشاكلة إياه إذ الجنسية علة الالفة والتضامّ أَوْ مُشْرِكَةً هي اخس وأخبث وأشد قبحا وشناعة منها وَالزَّانِيَةُ الراغبة للأجانب المائلة إليهم بلا طريق شرعي لا يَنْكِحُها ايضا إِلَّا زانٍ كذلك لكمال الملايمة والمشابهة أَوْ مُشْرِكٌ هو أخبث وأقبح منه وَبالجملة قد حُرِّمَ ذلِكَ الفعل القبيح والخصلة الذميمة الشنيعة حرمة مؤبدة عَلَى الْمُؤْمِنِينَ الموقنين المخلصين من ارباب العزائم ونهى عن اهل الرخص منهم نهيا متناهيا الى حد النفي والحرمة

ثم قال سبحانه

3

سورة النور (24): آية 5

سورة النور (24): آية 6

سورة النور (24): آية 7

سورة النور (24): آية 8

سورة النور (24): آية 9

سورة النور (24): آية 10

وَالَّذِينَ يَرْمُونَ بالزنا الْمُحْصَناتِ الحرائر العاقلات البالغات العفائف من المسلمات سواء كان الرامي أزواجهن او غيرهم وحكم المحصنين ايضا كذلك وانما خصهن بالذكر لكثرة ورود الرمي في حقهن وكون رميهن سببا لنزول الآية الكريمة ثُمَّ بعد ما رموا لَمْ يَأْتُوا لإثباته بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ ذوى عدل وامانة ومروة بحيث لم يكونوا متجسسين عن احوال الزانيين البغيين ولا مستورين منتظرين لاطلاع ما يأتيان به من الفعلة الشنيعة بل قد وقع نظرهم عليهما بغتة فرأوا قبح صنيعهما العياذ بالله كالميل في المكحلة فان أتوا باربعة شهداء على الوجه المذكور فقد اثبتوا الزنا وان لم يأتوا فَاجْلِدُوهُمْ ايها الحكام الرامين القاذفين ثَمانِينَ جَلْدَةً لا كجلدة الزنا بل أخف منها كما هي اقل عددا وَبعد ما جلدتم ايها الحكام المقيمون لحدود الله لا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَدًا في حال من الأحوال ودعوى من الدعاوى الى انقراض حياتهم وَبالجملة أُولئِكَ الأشقياء المفترون المردودون هُمُ الْفاسِقُونَ الخارجون عن مقتضى العقل والشرع المسقطون للمروءة والعدالة التاركون طريق الإنصاف والانتصاف لا يرجى نجاتهم من عذاب الله أصلا

إِلَّا الَّذِينَ تابُوا منهم ورجعوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ الرمي والافتراء وَأَصْلَحُوا ما أفسدوا على أنفسهم بالتوبة والندامة عن ظهر القلب فَإِنَّ اللَّهَ المطلع لضمائرهم غَفُورٌ يعفو عنهم جريمتهم ويستر زلتهم رَحِيمٌ يرحمهم ويقبل توبتهم ان أخلصوا فيها

وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ بالزنا وَان لَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ حضراء عندهم إِلَّا أَنْفُسُهُمْ اى غير أنفسهم فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ فالواجب عليهم لإسقاط حد القذف عنهم في هذه الصورة ان يشهد أحدهم أَرْبَعُ شَهاداتٍ مؤديا في اربع كرات مؤكدات بالقسم بِاللَّهِ إِنَّهُ اى الزوج المدعى لَمِنَ الصَّادِقِينَ في هذه الدعوى لا من الكاذبين المفترين

وَالْخامِسَةُ يعنى بعد ما ادى اربع شهادات مؤكدات بالقسم على عدد شهود الزنا اتى ايضا بالشهادة الخامسة المؤكدة للاربعة وايدها بالقسم ايضا على وجه التغليظ بان قال هكذا أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ اى طرده وتبعيده عن ساحة عز قبوله وسعة رحمته عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ في هذه الدعوى

وَبعد أداء الشهادات الأربع على وجهها وتأكيدها بالخامسة المؤكدة باللعنة فقط سقط عنه حد القذف وثبت حد الزنا على المرأة ووقع التفريق المؤبد بينهما بالفسخ او بالطلاق على اختلاف الرأيين ونفى الولد ايضا ان تعرض له فيها لكن يَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ اى يسقط عن المرأة حد الزنا بعد أَنْ تَشْهَدَ المرأة ايضا أَرْبَعَ شَهاداتٍ مؤكدات بالقسم بِاللَّهِ في كل مرة وشهادة إِنَّهُ اى الزوج لَمِنَ الْكاذِبِينَ المفترين فيما رمانى به وانا بريئة عنه

وَالْخامِسَةَ يعنى بعد أداء الاربعة المؤكدات بالقسم أتت ايضا بالشهادة الخامسة المؤكدة للاربعة وأيدتها بالقسم ايضا على وجه التغليظ والمبالغة بان قالت هكذا أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ وقهره وتبعيده عن رحمته عَلَيْها إِنْ كانَ زوجها مِنَ الصَّادِقِينَ في هذا الرمي الشنيع وبعد ما أدتها ايضا على وجهها فقد سقط الحد عنها ايضا ووقع التفريق المؤبد بينهما لقوله عليه السلام. المتلاعنان لا يجتمعان ابدا. ثم قال سبحانه

وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ المطلع على سرائر عباده عَلَيْكُمْ ايها المجترؤون بالحلف الكاذب وبأداء الشهادات الكاذبة الباطلة وكذا تحمل لعنة الله وغضبه في تغليظ الحلف الجاري في ثبوت الوقائع والخطوب وَرَحْمَتُهُ اى مرحمته وشفقته بالسر والإخفاء عليكم لفضحكم واظهر شنيعتكم البتة ولكن قد أمهلكم وستر عليكم رجاء ان تتوبوا عن هتك محارم الله والخروج عن

4

سورة النور (24): آية 11

سورة النور (24): آية 12

سورة النور (24): آية 13

سورة النور (24): آية 14

سورة النور (24): آية 15

سورة النور (24): آية 16

مقتضى حدوده وَاعلموا ايها المؤمنون أَنَّ اللَّهَ المصلح لأحوالكم تَوَّابٌ لكم يوفقكم على التوبة حَكِيمٌ في عموم أفعاله لا يعاجلكم بالعقوبات كي تتنبهوا عن قبح صنيعكم وترجعوا عن سوء فعالكم لتفوزوا الى ما جبلتم لأجله.

ثم أشار سبحانه الى طهارة ذيل عائشة رضى الله تعالى عنها عما رماها وافتراها اهل الزيغ والضلال جهلا بجلالة قدرها وعلو شأنها وكمال عصمتها وعفتها فقال إِنَّ المسرفين المفسدين الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ اى بالكذب المنصرف عن الحق بمراحل عُصْبَةٌ اى فرقة وعصابة معدودة مِنْكُمْ ظاهرا يريد عبد الله بن ابى وزيد بن رفاعة واحسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش ومن ساعدهم فعليكم ايها المؤمنون المقذوفون انه لا تَحْسَبُوهُ ولا تظنوه اى الإفك الذي قد جاءوا به شَرًّا لَكُمْ ولحوق عار عليكم منه بَلْ هُوَ اى إفكهم هذا خَيْرٌ لَكُمْ وثواب عظيم واجر جزيل جميل وظهور كرامة ونزول آيات عظام كرام في برائتكم وطهارتكم وتهويل شأنكم وقد حق وثبت عند الله المنتقم الغيور لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ اى من القاذفين المفترين جزاء مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالإفك الَّذِي قد جاءوا به أولئك المفسدون المفرطون ظلما وزورا ولا سيما المفسد المنافق الذي قد تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ اى معظم الآفكين ورئيسهم وهو ابن ابى الذي تحمل كبره وعظمه وهو القيام الى اذاعته وإشاعته إذ هو بنفسه قد أخذ في افشائه وإشاعته أولا عداوة مع رسول الله ومع اهل بيته لذلك لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ في الدنيا والآخرة إذ هو مهان مطرود بين المؤمنين مشهور بالنفاق والشقاوة وله في الآخرة أشد العذاب

ثم وبخ سبحانه على الآفكين وقرعهم حيث قال لَوْلا وهلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ اى الإفك ايها الآفكون المسرفون لم تظنوا بالمقذوفين خيرا كما ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَلم لم تقولوا مثل ما قالُوا اى المؤمنون المنزهون المطهرون أمثال هذا عن إخوانهم سيما عن اهل بيت العصمة والعفاف هذا إِفْكٌ مُبِينٌ وكذب عظيم وفرية بلا مرية إذ ساحة عصمتها وطهارة ذيلها ونجابة طينتها أجل وأعلى من ان يفترى عليها سيما بأمثال هذه المفتريات الباطلة عصمنا الله عما لا يرضى عنه

لَوْلا جاؤُ اى الآفكون المسرفون وأقاموا عَلَيْهِ اى على إفكهم هذا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ عدولا ثقات يصدقون فيما قالوا فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ الأربع العدول فَأُولئِكَ الآفكون المفترون عِنْدَ اللَّهِ المطلع على ضمائرهم ومخايلهم فيها هُمُ الْكاذِبُونَ المقصورون على الكذب يجازيهم سبحانه بمقتضى ما اقترفوا من الكذب والبهتان سيما مع اهل بيت العصمة والكرامة

وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ايها الباهتون المفترون بتوفيقكم على الانابة والرجوع من هذه الفرية العظيمة وَرَحْمَتُهُ الشاملة لكم فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ وأحاط بكم فِيما أَفَضْتُمْ فِيهِ وخضتم في إشاعته واذاعته عَذابٌ عَظِيمٌ عاجلا وآجلا

وكيف لا إِذْ تَلَقَّوْنَهُ أنتم مع نهاية كراهته وسماجته بِأَلْسِنَتِكُمْ سائلا بعضكم بعضا متلقيا على قبوله وسماعه وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ لا ظن ولا يقين بل جهل وتخمين وَمع عظم هذا الجرم عند الله تَحْسَبُونَهُ أنتم ايها الحمقى المفرطون المسرفون هَيِّنًا سهلا يسيرا لا يترتب عليه شيء من العذاب والعقاب وَالحال انه هُوَ اى رمى تلك البريئة العفيفة عِنْدَ اللَّهِ المطلع لعفتها وكمال عصمتها عَظِيمٌ فظيع في غاية العظمة والفظاعة مستجلب لانواع العذاب وأشد النكال إذ الافتراء بآحاد الناس يوجب أشد العذاب وأسوأ العقاب فكيف بأفضلهم وأشرفهم

وَلَوْلا وهلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ أولا ايها

5

سورة النور (24): آية 17

سورة النور (24): آية 18

سورة النور (24): آية 19

سورة النور (24): آية 20

سورة النور (24): آية 21

الآفكون المفترون قُلْتُمْ ما يَكُونُ اى ما يصح وما يجوز لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا الفحش الباطل والكذب الصريح العاطل سُبْحانَكَ نقدسك وننزهك من ان تمكن أنت أحدا يفعل ويقول سبا وقولا سهلا سمجا خصوصا في حق حليلة حبيبك سيما أمثال هذا الافتراء إذ ما هذا الا بُهْتانٌ عَظِيمٌ تبهت وتتحير منه العقول وتضطرب الأسماع وتتقلقل القلوب

وبالجملة انما يَعِظُكُمُ اللَّهُ المصلح لمفاسدكم ويبالغ في وعظكم وتذكيركم كراهة أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا مادمتم احياء إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بالله مصدقين لنبيه إذ أمثال هذه الخرافات بالنسبة الى بيت النبوة من امارات الكفر والتكذيب وعلامات سوء الأدب مع الله ورسوله

وَبعد صدور أمثال هذه الخرافات من اصحاب الإسراف والإفساد يُبَيِّنُ اللَّهُ المدبر لمصالحكم لَكُمُ الْآياتِ الدالة على الصفح والاعراض عن أمثال هذه الافتراءات الهاتكة لأستار محارم الله سيما مع أكرم عترة حبيبه ﷺ وَاللَّهُ المصلح لمفاسد أحوالكم عَلِيمٌ بما في ضمائركم وخواطركم حَكِيمٌ في ازالة ما يؤذيكم ويغويكم.

ثم قال سبحانه تذكيرا لعموم عباده إِنَّ المفسدين المسرفين الَّذِينَ يُحِبُّونَ من خبث بواطنهم أَنْ تَشِيعَ تظهر وتنتشر الْفاحِشَةُ والخصلة المذمومة عقلا وشرعا فِي الَّذِينَ آمَنُوا اى بين عموم المؤمنين لَهُمْ جزاء لإشاعتهم واذاعتهم عَذابٌ أَلِيمٌ مؤلم مقرع فِي الدُّنْيا بالجلد والجلاء وَفي الْآخِرَةِ بالنار المحرقة الملتهبة وَاللَّهُ المطلع على عموم ما جرى في الغيب والشهادة يَعْلَمُ قبح ما في الاشاعة والشيوع من القباحة وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ قبحها لذلك تحبون الاشاعة والإذاعة بها

وَبالجملة لَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ بفتح باب التوبة والرجوع عن المعصية بالندامة الخالصة لفضحكم البتة وعذبكم بقبح صنعكم وشنعة خصلتكم هذه وَاعلموا أَنَّ اللَّهَ المراقب لعموم ما صدر عنكم رَؤُفٌ لكم يحفظكم عما يضركم رَحِيمٌ لكم يرحمكم بعد ما وفقكم على التوبة والندامة

ثم لما كان صدور أمثال هذه المعاصي والآثام انما هي بمتابعة الشيطان المضل المغوى نادى سبحانه عموم عباده المؤمنين ونهاهم عن متابعته والاقتداء به والاقتفاء باثره فقال يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا بوحدة الصانع وصفاته وصدقوا بالنبوة والرسالة والتشريع العام المفيد لاعتدال الأخلاق والأطوار بين عموم العباد مقتضى ايمانكم مخالفة النفس والهوى اللتين هما من جنود الشيطان المضل المغوى عن طريق الحق عليكم ان لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ ولا تقتفوا اثره في اشاعة الفاحشة وهتك الحرمة واستحباب المعصية وَمَنْ يَتَّبِعْ منكم ايها المؤمنون خُطُواتِ الشَّيْطانِ المضل المغوى فقد ضل وغوى وكيف لا فَإِنَّهُ اى الشيطان يَأْمُرُ عموم من يتابعه ويقتدى به بِالْفَحْشاءِ والمستقبح عقلا وشرعا وَالْمُنْكَرِ المردود مروءة ونقلا وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ المتكفل لإصلاح أحوالكم عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ الواسعة الشاملة لعموم عباده ما زَكى وما طهر وخلص مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ من متابعة الشيطان أَبَدًا ما دمتم احياء إذ متابعته مطبوع لكم مستحسن عندكم مقبول لأنفسكم وَلكِنَّ اللَّهَ المدبر لأمور عباده يُزَكِّي اى يخلص ويطهر من غوائل الشيطان ووساوسه مَنْ يَشاءُ من عباده رعاية لحكمته وضبطا لمصلحته التي قد جبل عباده عليها وَاللَّهُ المطلع على عموم ما ظهر وما بطن سَمِيعٌ لأقوالهم عَلِيمٌ بقصدهم ونياتهم فيها وبعد ما جاء من القاذفين الآفكين ما جاء

6

سورة النور (24): آية 22

سورة النور (24): آية 23

سورة النور (24): آية 26

انصرف عنهم المؤمنون واعرضوا عن انفاقهم ورعايتهم وحلفوا ان لا ينفقوا عليهم أصلا مع ان بعضهم في غاية الفاقة رد الله على المؤمنين

هذا وحثهم على الانفاق عليهم وأمرهم بالإحسان بدل الإساءة حيث قال وَلا يَأْتَلِ اى لا يحلف ولا يقصر أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ في الدين وَأولو السَّعَةِ في الرزق والمال أَنْ يُؤْتُوا اى من ان لا يؤتوا او على ان لا يؤتوا أُولِي الْقُرْبى الذين ينتمون إليكم ايها المؤمنون بالقرابة النسبية وَكذا الْمَساكِينَ الفاقدين لقوت يومهم وَلا سيما فقراء الْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الباذلين مهجهم في ترويج دينه بسبب انهم قد خاضوا في معصية الإفك والافتراء وجاءوا ببهتان عظيم وأحبوا ان يشيعوه ويتقولوا به ظلما وزورا وَبعد نزول آيات البراءة والتنزيه في شأن العفيفة رضي الله عنها لْيَعْفُوا اى جملة المؤمنين عن ذنوب القاذفين بعد ما تابوا وندموا وقبل الله منهم توبتهم وَلْيَصْفَحُوا وليعرضوا عن جريمتهم ويصافحوا معهم وليعطوا إليهم ما اعطوهم من قبل أَلا تُحِبُّونَ ايها المقذوفون المطهرون المنزهون أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ زلتكم وذنوبكم بسبب عفوكم عن القاذفين وصفحكم عما جاءوا به افتراء ومراء وَاللَّهُ المصلح لأحوال عباده غَفُورٌ لهم يغفر ذنوبهم بسبب عفوهم جرائم إخوانهم رَحِيمٌ يرحم عليهم تفضلا وامتنانا. روى انه عليه السلام قرأها على ابى بكر رضي الله عنه فقال بلى أحب وأعاد الى مسطح وهو احد القاذفين الآفكين وهو ابن خالة ابى بكر رضي الله عنه فقير ليس له شيء نفقته التي قد أنفق عليه دائما.

ثم قال سبحانه تذكيرا لعموم عباده ونهيا لهم عن الرمي بالزنا مطلقا إِنَّ المسرفين المفرطين الَّذِينَ يَرْمُونَ بالزنا الْمُحْصَناتِ المتعففات المستحفظات لحدود الله الْغافِلاتِ المبرءات المنزهات عما رموا به أولئك الغفلة الجهلة ظلما وزورا الْمُؤْمِناتِ الموقنات بالله وبما جاء من عنده من الحدود والاحكام الجارية على السنة رسله ولا سيما بيوم الجزاء المعد للكشف والتفضيح لُعِنُوا وطردوا عن روح الله وسعة رحمته لقصدهم بعرض العفائف وهتك حرماتهن وطعنهم فيهن افتراء ومراء فِي الدُّنْيا بإجراء الحد وانواع الشتم والطرد ورد شهادتهم مدة حياتهم وَالْآخِرَةِ بأنواع العذاب والنكال وَبالجملة هم بسبب قبح صنيعهم وسوء أفعالهم لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ لا عذاب أعظم منه لعظم جرمهم وعصيانهم اذكر لهم يا أكمل الرسل توبيخا لهم وعظة وتذكيرا لمن اعترض لهم من المؤمنين يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ بالهام الله واعلامه أَلْسِنَتُهُمْ اى القاذفين الباهتين وتقر بعموم ما صدر عنهم من الكذب ورمى المحصنات وقذف العفائف عمدا بلا علم لهم ولا شعور بحالهن وَأَيْدِيهِمْ بما اقترفوا من الأخذ والإعطاء لا على الوجه المشروع وَأَرْجُلُهُمْ بالسعي والتردد الى ما لا يرضى منه سبحانه ولا رسوله ولا المؤمنون وبالجملة يقر كل من أعضائهم وجوارحهم بِما كانُوا يكسبون ويَعْمَلُونَ به من المعاصي والآثام وبالجملة يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ المجازى لاعمالهم دِينَهُمُ وجزاءهم الْحَقَّ اى يوفى عليهم ما يستحقون من الجزاء بلا زيادة ولا نقصان عدلا منه سبحانه وَحينئذ يَعْلَمُونَ يقينا أَنَّ اللَّهَ القادر المقتدر على انواع الانعام والانتقام هُوَ الْحَقُّ المقصور على التحقق والثبوت بالقسط والعدل الْمُبِينُ الظاهر ألوهيته وربوبيته على الوجه الاقسط الأقوم بلا ميل منه وانحراف عن جادة الاستقامة والعدل الحقيقي

ومن جملة عدالته رعاية المناسبات بين المظاهر والمربوبات كما بينهما سبحانه بقوله الْخَبِيثاتُ من النساء المطعونات بأنواع الرذائل المنحرفات عن جادة السلامة

7

سورة النور (24): آية 27

سورة النور (24): آية 28

سورة النور (24): آية 29

سورة النور (24): آية 30

والطهارة لِلْخَبِيثِينَ كذلك من الرجال يعنى لا يتزوجهن غير الخبيثين لحكم الكفاءة والمناسبة وَكذا الْخَبِيثُونَ من الرجال لِلْخَبِيثاتِ من النساء كل لنظيرتها بحكم المصلحة الإلهية وَكذا الطَّيِّباتُ الطاهرات العفائف لِلطَّيِّبِينَ ايضا كذلك وَكذا الطَّيِّبُونَ المستقيمون على جادة العدالة لِلطَّيِّباتِ ايضا كذلك إذ كل يميل بالطبع الى شاكلته بالميل المعنوي الموضوع بالوضع الإلهي المسمى بلسان الشرع بالكفاءة ومتى ثبت هذا الحكم من الله وتبين هذه المناسبة بتبيين الله أُولئِكَ العفائف المطهرون الطيبون مُبَرَّؤُنَ منزهون مِمَّا يَقُولُونَ أولئك الرماة المفترون والطغاة الخبيثون المنحرفون عن طريق الحق الناكبون عن الصراط المستقيم ولكمال براءتهم ونزاهتهم لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وعفو من الله المطلع لبراءتهم الشاهد عليها وَرِزْقٌ كَرِيمٌ الا وهو الرزق الصوري والمعنوي الذي يتلذذون به في الجنة عند كشف الغطاء ورفع الحجب عن وجه الله الكريم اللهم ارزقنا بلطفك من رزقك الكريم واجعلنا بجودك من ورثة جنة النعيم

ثم لما كان أمثال هذه الهذيانات الباطلة والمفتريات العاطلة من نتائج الخلطة والاستيناس مع اصحاب الغفلة وكشف الحجب والأستار الواقعة بين ذوى القدر والاعتبار واولى الخطر الكبار الى من هو من السفلة السافلين المنحطين عن درجة ارباب الاستبصار أشار سبحانه الى ان الاختلاط والاستيناس بين المؤمنين لا بد وان يكون مسبوقا بالاستيذان والاسترخاص حتى لا يؤدى الى أمثال هذه الخرافات فقال يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مقتضى ايمانكم محافظة آداب المحبة والإخلاص بينكم ومن جملتها انها لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ اى بيتا من بيوت إخوانكم بغتة بلا استيذان من أهلها ان تصبروا حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وتستأذنوا وتطلبوا رخصة الدخول وَبعد ما اذنتم ورخصتم لكم ان تُسَلِّمُوا أولا عَلى أَهْلِها بان تقولوا السلام عليكم أأدخل أم لا ثلاث مرات هكذا قد روى عن النبي ﷺ فان اذنتم بالدخول فادخلوا والا فارجعوا ذلِكُمْ الاستيذان والاستيناس خَيْرٌ لَكُمْ من المبادرة الى الدخول بغتة وانما انزل عليكم هذه الآية الكريمة المتعلقة بالأخلاق لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ وتتعظون بها وتحفظون حدود المصاحبة والمواخاة بينكم وتحافظون عليها ولا تجاوزون عن مقتضى المروءة والعدالة

فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها اى في البيوت أَحَدًا تستأذنون منه فَلا تَدْخُلُوها ابدا لئلا تتهموا بأنواع التهمة بل اصبروا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ اى لا تدخلوا حتى تجدوا من يأذن لكم وَبعد ما وجدتم إِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فالوقت لا يسع بالدخول فَارْجِعُوا على الفور بلا تفحص ولا تفتيش عن أسبابه على وجه الإلحاح والاقتراح كما يفعله الجهلة من الناس هُوَ اى الرجوع بلا تفحص أَزْكى لَكُمْ واطهر لنفوسكم من الإلحاح وَاللَّهُ المدبر لمصالحكم بِما تَعْمَلُونَ وتأملون في نفوسكم عَلِيمٌ يجازيكم بمقتضى علمه وخبرته

لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ اى ضيق ومنع أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ سيما قد كان فِيها مَتاعٌ لَكُمْ تستأجرونها وتستعيرونها للادخار والاستخزان وَبالجملة اللَّهُ المطلع على ضمائر عباده يَعْلَمُ منكم ما تُبْدُونَ وتظهرون وَما تَكْتُمُونَ وتخفون يجازيكم على مقتضى علمه.

ثم امر سبحانه لحبيبه ﷺ بتذكير عباده وتهذيب أخلاقهم سيما في حفظ المحارم والحدود فقال قُلْ يا أكمل الرسل لِلْمُؤْمِنِينَ المصدقين لحدود الله الممتثلين بأوامره يَغُضُّوا وينقصوا مِنْ أَبْصارِهِمْ دائما حتى لا يقع نظرهم بغتة الى المحارم

8

سورة النور (24): آية 31

سورة النور (24): آية 32

سورة النور (24): آية 33

والمكاره بل لهم ان يديموا النظر الى الطريق الذي مشوا عليها حتى يسلموا من شرور اماراتهم ومن صولة جنود الشهوات عليهم وَقل لهم ايضا يَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ عن امارات الزنا وعلامات السفاح ومقدماته ويتقوا عن مواضع التهم ومظان الرمي والقذف مطلقا ذلِكَ الغض والحفظ أَزْكى لَهُمْ واطهر وأليق لنفوسهم وقلوبهم إِنَّ اللَّهَ المراقب على عموم حالاتهم خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ من التغامز والترامز واجالة النظر وتحريك الحدقة وسائر الأعضاء نحو ما تشتهون من المحرمات

وَقُلْ ايضا يا أكمل الرسل لِلْمُؤْمِناتِ المقيمات لحدود الله المحترزات عن محارمه يَغْضُضْنَ وينقصن مِنْ أَبْصارِهِنَّ ويقصرن نظرهن الى أزواجهن وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ من الميل الى المحارم ولهن ان لا يعرضن انفسهن الى غير أزواجهن وَلا يُبْدِينَ ولا يظهرن زِينَتَهُنَّ لغيرهم إِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها من الثياب التي يلبسن وَمن كمال تحفظهن وتسترهن لْيَضْرِبْنَ وليسترن بِخُمُرِهِنَّ ومقانعهن عَلى جُيُوبِهِنَّ اى نحورهن وصدورهن مبالغة في التستر والتحفظ وَبالجملة لا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ اى الأشياء التي يتزين بها لازدياد الحسن إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ اى لأزواجهن إذ الزينة انما هي لأجلهم ولازدياد ميلهم إليهن أَوْ آبائِهِنَّ إذ هم الأولياء لهن أَوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ لحفظهم محارم أبنائهم وحرمتهن عليهم مطلقا أَوْ أَبْنائِهِنَّ لأنهم أمناء على أمهاتهم أَوْ أَبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ إذ هم يحفظون حمية آبائهم وحرمة محارمهم أَوْ إِخْوانِهِنَّ إذ هم احفظ عليهن من أنفسهم لخوف لحوق العار عليهم حمية وغيرة أَوْ بَنِي إِخْوانِهِنَّ إذ هم مثل آبائهم في المحافظة أَوْ بَنِي أَخَواتِهِنَّ لان نسبتهم إليهن كنسبتهم الى أمهاتهم أَوْ نِسائِهِنَّ اى المسلمات مطلقا إذ لا يتصور منهن الضرر سوى المساحقة والايمان يمنع عنها أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ إذ الاحتراز عنهم موجب للحرج لأنهم من اهل الخدمة أَوِ التَّابِعِينَ لهن غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ وذوى الحاجة والشهوة مِنَ الرِّجالِ إليهن إذ هم الهرمى الذين لا يرجى منهم الشهوة قطعا أَوِ الطِّفْلِ وهم الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ لعدم بلوغهم أوان الحلم وثوران الشهوة وَقل لهن ايضا يا أكمل الرسل لا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ ولا يترقصن ولا يتبخترن على العادة الجاهلية لِيُعْلَمَ ويظهر ما يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَبالجملة تُوبُوا وارجعوا رجالا ونساء إِلَى اللَّهِ المبدئ المبدع لكم من كتم العدم جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ بالله وبوحدة ذاته والمصدقون بكتبه ورسله لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وتفوزون بالفلاح والنجاح من عند الله الملك التواب الفتاح.

ثم لما أشار سبحانه الى محافظة الحدود وآداب الالفة والمصاحبة بين المؤمنين ونهاهم عن امارات السفاح ومقدمات الزنا مطلقا لئلا يختل النسب ولا يختلط النطف وقدمها اهتماما بشأنها أراد ان يشير الى ضبط النكاح الصوري المنبئ عن النكاح المعنوي فقال وَأَنْكِحُوا ايها الأولياء السادة المتولون لأمور من في حفظكم وحضانتكم الْأَيامى مِنْكُمْ وهي جمع الايم والايم العزب سواء كان ذكرا او أنثى وبكرا او ثيبا وَانكحوا ايضا الصَّالِحِينَ للنكاح والتزويج مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ فعليكم ايها الولاة تزويج العباد والإماء ولا تبالوا بفقرهم وفاقتهم إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ عند العقد والنكاح يُغْنِهِمُ اللَّهُ المدبر المصلح لأحوالهم مِنْ فَضْلِهِ وسعة جوده ورحمته لعباده بعد النكاح وَاللَّهُ المتكفل لأرزاق عباده واسِعٌ يوسع عليهم من رزقه عَلِيمٌ برثاثة حالهم مغن علمه بهم عن سؤالهم

وَلْيَسْتَعْفِفِ

9