الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبيةالجزء 2 · ص 354 - 361

سورة الذاريات (51): آية 30

سورة الذاريات (51): آية 30

سورة الذاريات (51): آية 31

سورة الذاريات (51): آية 32

سورة الذاريات (51): آية 33

سورة الذاريات (51): آية 34

سورة الذاريات (51): آية 35

سورة الذاريات (51): آية 36

سورة الذاريات (51): آية 37

سورة الذاريات (51): آية 38

سورة الذاريات (51): آية 39

سورة الذاريات (51): آية 40

سورة الذاريات (51): آية 41

سورة الذاريات (51): آية 42

سورة الذاريات (51): آية 43

وَجْهَها بأطراف أصابعها على ما هو عادة النسوان في إلمام الخطوب وَقالَتْ مشتكية انا عَجُوزٌ عَقِيمٌ عاقر كيف ألدا بنا بعد انقضاء أوانه وانصرام زمانه ثم لما شاهدوا منها ما شاهدوا

قالُوا لها كَذلِكَ اى مثل الذي نخبرك ونبشرك قالَ رَبُّكِ وما علينا الا البلاغ والأمر بيد الله إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ في عموم أفعاله وآثاره الْعَلِيمُ بمطلق تدابيره وتقاديره وبعد ما جرى منهم ما جرى أخذ ابراهيم عليه السلام يسأل عن سبب نزولهم وارسالهم حيت

قالَ فَما خَطْبُكُمْ اى أمركم وشأنكم الذي جئتم لأجله أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ

قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ أقبح الجرائم وافحش المنكرات يعنون قوم لوط المبالغين في الفعلة الشنيعة والديدنة القبيحة المتناهية في القبح والفحش وانما أرسلنا إليهم

لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً متحجرة مِنْ طِينٍ يريد بها السجيل المركب من الحجر المسحوق مع الطين

مُسَوَّمَةً اى معلمة كل منها باسم من رمى بها عِنْدَ رَبِّكَ ليكون جزاء لِلْمُسْرِفِينَ الذين قد أسرفوا في الخروج عن مقتضى الحدود الإلهية سيما عن الطريق المعتاد لحكمة الإيلاد والاستيلاد ثم لما أردنا رجمهم وإهلاكهم

فَأَخْرَجْنا باذن ربنا مَنْ كانَ فِيها اى في تلك القرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ المصدقين بنبوة لوط ودينه الممتثلين بالأوامر والنواهي الإلهية الجارية على لسانه

فَما وَجَدْنا وصادفنا فِيها اى تلك القرى بعد ما فتشنا وكشفنا عن أهلها غَيْرَ بَيْتٍ اى سوى اهل بيت فقط مِنَ الْمُسْلِمِينَ المتصفين الجامعين بين الايمان والتسليم وهو اهل بيت لوط عليه السلام

وَبالجملة أهلكنا الكل وتَرَكْنا آثار هلاكهم واستئصالهم فِيها اى في الأرض التي تلك القرى فيها آيَةً امارة وعلامة مستمرة الى يوم القيامة لِلَّذِينَ يَخافُونَ الْعَذابَ الْأَلِيمَ يعنى للقوم الذين يلونهم ويرون آثار العذاب النازل على اهل الجرائم والآثام فيمتنعون عنها ويعتبرون بها

وَكذا قد تركنا ايضا فِي إهلاك مكذبي مُوسى الكليم آية عظيمة للمتذكرين المعتبرين اذكر يا أكمل الرسل وقت إِذْ أَرْسَلْناهُ اى موسى اصالة وأخاه هارون معه تبعا له إِلى فِرْعَوْنَ الطاغي الباغي المبالغ في العتو والعناد وقد أيدناه وقويناه عناية منابه بِسُلْطانٍ مُبِينٍ وحجة واضحة ظاهرة وبرهان لائح

فَتَوَلَّى فرعون واعرض عن دعوته الى الايمان مستظهرا بِرُكْنِهِ اى بملائه وجنوده الذين يتقوى بهم ويركن إليهم في الخطوب والملمات وَقالَ في جوابه من كمال بطره وعناده هو ساحِرٌ في عموم ما اتى من الخوارق أَوْ مَجْنُونٌ يعمل له الجن جميع ما يظهر منه من الارهاصات الخارقة للعادات وبالجملة قد كذب وأنكر عليه ونسب معجزاته الى السحر واعمال الجن

َخَذْناهُ

غيرة منا عليه وتقوية وتأييدا لرسولنا جُنُودَهُ

المظاهرين له نَبَذْناهُمْ

وأغرقناهم ي الْيَمِّ وَهُوَ

اى فرعون حينئذلِيمٌ

نفسه بما يلام هو عليه من الكفر والعناد وانواع العتو والفساد نادم عن جميع ما صدر عنه وما ينفعه الندم حينئذ

وَقد تركنا ايضا آية عظيمة للمعتبرين فِي إهلاك قوم عادٍ اذكر وقت إِذْ أَرْسَلْنا وسلطنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ لا يثمر نفعا سوى العقم والهلاك على وجه الاستئصال مع انهم قد أملوا نفعا عظيما فيها إذ

ما تَذَرُ وتترك مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ وهبت عَلَيْهِ من الأنفس والماشي إِلَّا جَعَلَتْهُ وصيرته كَالرَّمِيمِ اى اليابس البالي من النبات وأوراق الأشجار وبالجملة قد صيرتهم هباء منثورا تذروه الرياح حيث شاءت

وَكذا فِي ثَمُودَ وإهلاكهم قد تركنا آية عظيمة

354

سورة الذاريات (51): آية 44

سورة الذاريات (51): آية 45

سورة الذاريات (51): آية 46

سورة الذاريات (51): آية 47

سورة الذاريات (51): آية 48

سورة الذاريات (51): آية 49

سورة الذاريات (51): آية 50

سورة الذاريات (51): آية 51

سورة الذاريات (51): آية 52

سورة الذاريات (51): آية 53

لأهل العبرة والاستبصار اذكر يا أكمل الرسل وقت إِذْ قِيلَ لَهُمْ على لسان نبيهم حين أردنا أخذهم وإهلاكهم تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ اى تمتعوا وترفهوا ثلاثة ايام فكذبوا المخبر وأنكروا عليه خبره

فَعَتَوْا واستكبروا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وما تندموا وما تضرعوا مع ان المناسب لهم حينئذ هذا فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ الهائلة المهولة صبيحة اليوم الرابع وَهُمْ يَنْظُرُونَ إتيانها عيانا ولا يقدرون على دفعها بل

فَمَا اسْتَطاعُوا وما قدروا مِنْ قِيامٍ ونهوض وحركة عن أمكنتهم التي كانوا متمكنين فيها عند ظهورها وَبالجملة ما كانُوا مُنْتَصِرِينَ ممتنعين من عذابنا منتقمين منا أصلا

وَمثل ما أهلكنا المذكورين قد أهلكنا ايضا قَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ اى قبل إهلاك هؤلاء الهلكى إِنَّهُمْ ايضا أمثال هؤلاء الطغاة البغاة الهالكين في تيه العتو والعناد قد كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ خارجين عن مقتضيات الحدود الإلهية بأنواع الكفر والفسوق والعصيان لذلك أهلكناهم بالطوفان وما كانوا منتصرين. ثم قال سبحانه إظهارا لكمال قدرته على انواع الانعام والانتقام

وَالسَّماءَ بَنَيْناها يعنى كيف يسع لهم الآباء والامتناع عن مقتضيات قدرتنا والخروج عن ربقة انقيادنا واطاعتنا ومطلق عبوديتنا مع انا قد بنينا السماء المرفوعة المحفوظة بِأَيْدٍ غالبة وقدرة كاملة وَبالجملة إِنَّا لَمُوسِعُونَ قادرون غالبون بالاستقلال والاختيار على عموم الأفعال بحيث لا يعارض فعلنا ولا ينازع أمرنا وحكمنا مطلقا

وَالْأَرْضَ ايضا قد فَرَشْناها ومهدناها بالاستقلال والاستيلاء التام فَنِعْمَ الْماهِدُونَ الباسطون نحن بلا مشاركة ومظاهرة

وَمثل ما خلقنا العلويات فواعل مؤثرات والسفليات قوابل متأثرات مِنْ كُلِّ شَيْءٍ من الأشياء الظاهرة الكائنة في بقعة الإمكان وعرصة الأزمان والمكان قد خَلَقْنا زَوْجَيْنِ صنفين مزدوجين لَعَلَّكُمْ ايها المجبولون في فطرة المعرفة والتوحيد المؤيدون بالعقل المفاض المنشعب من العقل الكل تَذَكَّرُونَ فتعلمون وتنكشفون ان الكل منا بدا وإلينا يعود ولا شيء سوانا موجود وبعد ما قد ثبت عندكم ايها الموحدون المحققون ان ظهور الكل منه ورجوعه اليه سبحانه

فَفِرُّوا ايها العارفون الموحدون إِلَى اللَّهِ المسقط لعموم الإضافات عن مقتضيات عالم الناسوت وانخلعوا وتجردوا عن لوازم هوياتكم الباطلة وانانياتكم العاطلة وقل لهم يا أكمل الرسل على مقتضى شفقة النبوة إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ سبحانه نَذِيرٌ أنذركم عما يعوقكم من سلوك طريق توحيده مُبِينٌ مظهر لكم آداب الطريقة الموصلة الى مقصد الحقيقة التي هي الوحدة الذاتية الإلهية

وَبالجملة لا تَجْعَلُوا اى لا تتخذوا ولا تعتقدوا مَعَ اللَّهِ الواحد الأحد الفرد الصمد المنزه عن الكثرة والتعدد مطلقا إِلهًا آخَرَ مستحقا للاطاعة والرجوع مستقلا في الوجود وما يترتب عليه من الآثار إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ أنذركم من الوعيدات الهائلة العاجلة والآجلة اللاحقة عليكم بالشرك والإشراك وانواع الفسوق والعصيان

كَذلِكَ اى الأمر والحكم مثل ذلك يا أكمل الرسل انذرهم وبلغهم على وجهه بلا مبالاة باعراضهم واستهزائهم إذ ما أَتَى الضالين المسرفين الَّذِينَ مضوا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ من الرسل الكرام إِلَّا قالُوا لهم وفي حقهم حين دعوتهم الى الايمان والتوحيد ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ مثل ما يقول هؤلاء الحمقى في شأنك يا أكمل الرسل.

ثم قال سبحانه على سبيل التعجب والإنكار

أَتَواصَوْا بِهِ أي أوصى بعضهم بعضا اى أسلافهم لا خلافهم بهذا القول والتكذيب فتواطؤوا عليه جميعا مع انه لا يمكنهم هذه التوصية في الازمنة

355

الطويلة بَلْ هُمْ اى هؤلاء الأخلاف قَوْمٌ طاغُونَ مشاركون في البغي والطغيان والضلال والعدوان مع أسلافهم في مقتضيات فطرتهم ولوازم جبلتهم لذلك اتصفوا بما اتصفوا لاشتراك أسبابهم وبعد ما قد أصروا على ما هم عليه من العناد ولم ينفعهم الآيات والنذر

فَتَوَلَّ عَنْهُمْ واعرض يا أكمل الرسل بعد ما بذلت وسعك في هدايتهم وإرشادهم فان لم يهتدوا فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ على اعراضك عنهم وانصرافك عن إرشادهم ودعوتهم بعد التبليغ

وَذَكِّرْ للقابلين المستحقين فَإِنَّ الذِّكْرى والعظة تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ الموفقين من لدنا على الايمان المجبولين على فطرة اليقين والعرفان

وَاعلم يا أكمل الرسل انى بمقتضى حكمتى ومصلحتي ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ وما أظهرت أشباحهم واظلالهم على هذه الهياكل والهويات وما صورتهم على هذه الصور البديعة وما أودعت فيهم ما أودعت من جوهر العقل المفاض إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ويعرفوني ويتحققوا بوحدة ذاتى وكمالات أسمائي وصفاتي وباستقلالى في وجودى وفي عموم تصرفاتي في ملكي وملكوتي وباستحقاقى للاطاعة والعبودية مطلقا بلا شوب شركة ومظاهرة من احد والا

ما أُرِيدُ وما اطلب مِنْهُمْ بخلقهم واظهارهم مِنْ رِزْقٍ اى تحصيل رزق صورى او معنوي ارزق به عبادي إذ خزائن ارزاقى مملوة وذخائر رحمتي متسعة وَما أُرِيدُ ايضا منهم أَنْ يُطْعِمُونِ الأعلى الفقراء الذين هم عيالي طلبا لمرضاتى كما جاء في الحديث صلوات الله على قائله يقول الله سبحانه استطعمتك فلم تطعمني اى لم تطعم عبدى الجائع وكيف يريد منهم سبحانه أمثال هذا

إِنَّ اللَّهَ المتوحد بالالوهية والربوبية هُوَ الرَّزَّاقُ المنحصر المخصوص في ترزيق عموم العباد إذ لا رازق لهم سواه وهو ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ والطول العظيم وهو الحاكم المقتدر الغالب على عموم مراداته ومقدوراته على وجه الاحكام من الانعام والانتقام وبالجملة

فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا رسول الله ﷺ بأنواع التكذيب والإنكار والاستهزاء والاستحقار ذَنُوبًا اى حظا وافرا ونصيبا كاملا من العذاب العاجل والآجل مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ اى مثل نصيب أسلافهم من الكفرة المكذبين للرسل الماضين وسيلحقهم مثل ما لحقهم بل أضعافه وآلافه فَلا يَسْتَعْجِلُونِ لحوقه وحلوله أولئك المنكرون وبالجملة

فَوَيْلٌ عظيم وعذاب شديد هائل نازل لِلَّذِينَ كَفَرُوا ستروا الحق واعرضوا عنه وأظهروا الباطل وأصروا عليه عنادا مِنْ يَوْمِهِمُ الفظيع الفجيع الَّذِي قد كانوا يُوعَدُونَ به في النشأة الاولى ألا وهو يوم القيامة والطامة الكبرى المعدة لتعذيب العصاة الغواة وتفضيحهم فيها. جعلنا الله من الآمنين الناجين من عذابه بفضله ولطفه

سورة الذاريات (51): آية 54

سورة الذاريات (51): آية 55

سورة الذاريات (51): آية 56

سورة الذاريات (51): آية 57

سورة الذاريات (51): آية 58

سورة الذاريات (51): آية 59

سورة الذاريات (51): آية 60

خاتمة سورة الذاريات

عليك ايها الموحد المجبول على فطرة المعرفة والتوحيد واليقين ان تتفكر في حكمة ظهورك ومصلحة بروزك من كتم العدم وتتدبر في معرفة نفسك في عموم احوالك لينكشف لك من التأمل فيها الاطلاع على موجدها ومظهرها وعلى اتصافه بالأوصاف الكاملة والأسماء الشاملة ثم منها الى توحيده واستقلاله في الوجود وعموم الآثار المترتبة عليه حتى تفوز الى غاية قصواك ونهاية مبتغاك من اليقين والايمان وكمال ما يترتب على ظهورك من التوحيد والعرفان والله المستعان وعليه التكلان

356

سورة الطور

فاتحة سورة الطور

لا يخفى على من تحقق بمقام القلب وتمكن في مقعد صدق المغرفة والتوحيد ان ذات الحق وحيطة حضرة علمه وسعة لوح قضائه وشمول قلم تقديره وتدبيره مما لا يكتنه مطلقا لا ذاته ولا أوصافه وأسماؤه بل لا نهاية لحيطتها ولا غاية لحصرها وشمولها لذلك اقسم سبحانه بذاته العظيم وعلمه العميم ووصفه القديم تعليما لعباده وتنبيها لهم نحو مبدئهم ومعادهم فقال بعد ما تيمن بِسْمِ اللَّهِ الذي تجلى في عموم ما تجلى حسب أسمائه الحسنى وأوصافه العليا الرَّحْمنِ عليهم بالرزق الأوفى الرَّحِيمِ لهم يوصلهم الى سدرة المنتهى

الآيات

سورة الطور (52): آية 1

سورة الطور (52): آية 2

سورة الطور (52): آية 3

سورة الطور (52): آية 4

سورة الطور (52): آية 5

سورة الطور (52): آية 6

سورة الطور (52): آية 7

سورة الطور (52): آية 8

سورة الطور (52): آية 9

سورة الطور (52): آية 10

سورة الطور (52): آية 11

سورة الطور (52): آية 12

سورة الطور (52): آية 13

سورة الطور (52): آية 14

سورة الطور (52): آية 15

سورة الطور (52): آية 16

وَالطُّورِ اى وحق الذات المقدس في ذاته عن الظهور والبطون المنزه في تحققه وثبوته عن البروز والكمون

وَكِتابٍ مَسْطُورٍ الذي هو حضرة العلم الإلهي الذي قد سطر بالقلم الأعلى

فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ هو لوح القضاء المحفوظ عن التناهى والانقضاء المحروس عن مطلق التغير والانمحاء

وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ الإلهي الذي هو عبارة عن قلب العارف المحقق المتحقق بمقام الفناء عن الفناء الواصل بدوام التحقق والبقاء ببقاء ذي العظمة والكبرياء المعبر بها عن عالم العماء اللاهوتى الذي هو سواد أعظم الفقر وبيت الله الأعظم الأكبر

وَحق السَّقْفِ الْمَرْفُوعِ الذي هو سماء الأسماء الإلهية والصفات المقدسة المنزهة عن مطلق التعديد والإحصاء إذ الكمالات المترتبة على نشأة الوجود وتجليات الذات غير متناهية وغير منقطعة وغير متكررة قطعا

وَحق الْبَحْرِ الْمَسْجُورِ الذي هو كناية عن مطلق الوجود البحت المحيط بالكل بمقتضى الجود

إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ يا أكمل الرسل لعصاة عباده لَواقِعٌ نازل عليهم في يوم الحشر والجزاء

ما لَهُ مِنْ دافِعٍ لان من قدر على أمثال هذه المقدورات واتصف بهذه الأسماء والصفات بالأصالة والاستحقاق لا يعارض حكمه ولا يدفع قضاؤه اذكر يا أكمل الرسل للمكذبين المنكرين للحشر والنشر كيف حالهم

يَوْمَ تَمُورُ تتحرك وتضطرب السَّماءُ مَوْرًا اضطرابا غريبا وتحركا بديعا لا على الوجه المعتاد الى حيث قد طويت ولفت كطي السجل للكتاب

وَتَسِيرُ الْجِبالُ الرواسي الرواسخ سَيْرًا عجيبا غريبا بحيث قد تفتتت وتلاشت اجزاؤها ولم يبق سمكها ورفعتها مطلقا وتصير الأرض قاعا صفصفا بحيث لا ترى فيها عوجا ولا امتا

فَوَيْلٌ عظيم وعذاب شديد يَوْمَئِذٍ واقع لِلْمُكَذِّبِينَ المسرفين المصرين

الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ في الأباطيل الزائغة يَلْعَبُونَ بآيات الله الدالة على وحدة ذاته وكمالات أسمائه وصفاته اذكر لهم يا أكمل الرسل

يَوْمَ يُدَعُّونَ يطرحون ويدفعون إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا طرحا ودفعا على وجه العنف والزجر المفرط مشدودى الأيدي والأعناق بالسلاسل والأغلال فيقول لهم حينئذ تفضيحا وتوبيخا

هذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ وتنكرون الآيات والنذر الواردة في شأنها وتنسبونها الى السحر والكهانة وغير ذلك من الخرافات وأنتم ايها المنهمكون في الضلال والطغيان والكفر والكفران في سالف الزمان قد كنتم نسبتم الوحى والإلهام الى السحر والأوهام تأملوا الآن

أَفَسِحْرٌ هذا الذي أنتم تطرحون فيها وتعذبون بها كما زعمتم فيما مضى أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ ولا تشعرون بها وبحرها وحرقها كما قد كنتم لا تشعرون بالآيات الواردة في شأنها حينئذ وبالجملة

اصْلَوْها وادخلوا فيها وبعد دخولكم فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا وعلى أى وجه تصيرون وتكونون لا مخلص لكم عنها ولا مخرج منها بل

357

سورة الطور (52): آية 17

سورة الطور (52): آية 18

سورة الطور (52): آية 19

سورة الطور (52): آية 20

سورة الطور (52): آية 21

سورة الطور (52): آية 22

سورة الطور (52): آية 23

سورة الطور (52): آية 24

سورة الطور (52): آية 25

سورة الطور (52): آية 26

سَواءٌ عَلَيْكُمْ الصبر وعدمه اى في عدم النفع والدفع إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ اى ما تجزون بهذا الجزاء الا بما كسبتم لأنفسكم واعددتم فيلحقكم الآن وبال ما اقترفتم فيما مضى حتما على مقتضى العدل الإلهي فلا ينفعكم الصبر والاضطراب. ثم قال سبحانه على مقتضى سنته المستمرة في كتابه من تعقيب الوعيد بالوعد

إِنَّ الْمُتَّقِينَ المتحفظين في النشأة الاولى نفوسهم عن محارم الله المحترزين عن انكار آياته الواردة في الوعد والوعيد متلذذون في النشأة الاخرى فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ أية جنات وأى نعيم رياض الرضاء ونعيم التسليم

فاكِهِينَ مترفهين مسرورين فيها مطمئنين راضين بِما آتاهُمْ رَبُّهُمْ بمقتضى فضله وسعة جوده ولطفه وَبما وَقاهُمْ وحفظهم رَبُّهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ اى عن أهوالها وافزاعها فيقال لهم فيها على سبيل التبشير والتفريح

كُلُوا وَاشْرَبُوا من الرزق الصوري والمعنوي هَنِيئًا بلا تنقيص وتكليف بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ اى بسبب صالحات أعمالكم وحسنات أفعالكم

مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ معدة لهم مَصْفُوفَةٍ منضودة وفق أعمالهم وأحوالهم ومواجيدهم ومقاماتهم وَبعد ما تمكنوا على السرر مسرورين زَوَّجْناهُمْ وقرناهم استيناسا منا إياهم بِحُورٍ عِينٍ مصورة من المعارف والحقائق المنكشفة لهم المشهودة بعيون بصائرهم

وَقرناهم ايضا عناية منا لهم مع إخوانهم ورفقائهم من الموحدين الَّذِينَ آمَنُوا بالله وانكشفوا بتوحيده وَاتَّبَعَتْهُمْ ايضا ولحقت معهم ذُرِّيَّتُهُمْ اى جميع ما تشعب وتفرع من أولادهم وأعمالهم الصادرة عنهم حال كونهم متصفين بِإِيمانٍ يقيني وتصديق قلبي قبل وصولهم الى اليقين العيني والحقي بل قد أَلْحَقْنا بِهِمْ ايضا ذُرِّيَّتُهُمْ اى مشاهداتهم ومكاشفاتهم الواردة عليهم حسب مواجيدهم ومقاماتهم وحالاتهم بعد اتصافهم باليقين العيني والحقي وَبالجملة ما أَلَتْناهُمْ وما نقصنا عنهم مِنْ جزاء عَمَلِهِمْ الناشئ منهم الصادر عنهم في طريق الهداية والرشد مِنْ شَيْءٍ قليل نزر يسير بل قد وفرنا عليهم جزاء الكل مع مزيد عليهم تفضلا منا وإحسانا من لدنا إذ كُلُّ امْرِئٍ ذي هوية شخصية مجبولة لحكمة المعرفة ومصلحة التوحيد بِما كَسَبَ ومع ما اقترف من الأسباب والوسائل الى درجات الجنان او الى دركات النيران رَهِينٌ مرهون مقرون لا ينفصل عنها ولا ينقطع امدادنا إياهم بل

وَأَمْدَدْناهُمْ تفضلا منا عليهم وتكريما لهم بِفاكِهَةٍ من المعارف والحقائق الواردة المتجددة آنا فآنا حسب الشئون الإلهية وتجلياته الجمالية والجلالية وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ ومما يتقتون لتقوى به أشباحهم وأرواحهم

يَتَنازَعُونَ ويتجاذبون على سبيل الملاطفة والملاينة فِيها كَأْسًا من رحيق التحقيق مع انه لا لَغْوٌ فِيها من فضول الكلام وَلا تَأْثِيمٌ من قبح الأفعال المستلزمة لانواع الآثام كما هو عادة الشاربين في الدنيا

وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ بكأس التحقيق ورحيق اليقين غِلْمانٌ متعلقة لَهُمْ مصورة من قواهم المدركة المملوكة لهم المسخرة لنفوسهم المطمئنة الراضية المرضية بمقتضيات القضاء الإلهي كَأَنَّهُمْ من غاية الصفاء عن كدر الهوى ورعونات الرياء لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ مصون محفوظ في أصداف أشباحهم عن التلطخ بقاذورات الدنيا الدنية وعن التلوث بخبائث الآراء والأهواء الفاسدة

وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ بطريق المسرة والانبساط يَتَساءَلُونَ عن أعمالهم وأحوالهم ومواجيدهم ومقاماتهم التي كانوا عليها في نشأة الابتلاء حيث

قالُوا اى بعضهم في جواب بعض على وجه المذاكرة والمواساة

358

سورة الطور (52): آية 27

سورة الطور (52): آية 28

سورة الطور (52): آية 29

سورة الطور (52): آية 30

سورة الطور (52): آية 31

سورة الطور (52): آية 32

سورة الطور (52): آية 33

سورة الطور (52): آية 34

إِنَّا كُنَّا قَبْلُ اى قبل انكشافنا بسرائر التوحيد فِي أَهْلِنا اى بين أبناء الدنيا مُشْفِقِينَ خائفين عن غضب الله محترزين عن عصيانه وطغيانه مشتغلين بطاعته وجلين عن بطشه وسخطه وعن سطوة سلطنة قهره وجلاله راجين من سعة رحمته وموائد جوده وكرمه

فَمَنَّ اللَّهُ المكرم المتفضل عَلَيْنا وهدانا الى طريق التوحيد ووفقنا للعروج الى معارج العناية والتحقيق وَوَقانا بلطفه عَذابَ السَّمُومِ اى عن عذاب النار المحرقة النافذة في عموم المسامات مثل السموم

إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ في دار الدنيا قبل حلول الساعة وقيام القيامة نَدْعُوهُ سبحانه ونتضرع نحوه ونسأل منه الحفظ والوقاية من عذابه ونكاله سبحانه في هذا اليوم الهائل الموعود وكيف لا نسأل منه إِنَّهُ سبحانه هُوَ الْبَرُّ المحسن المخصوص المنحصر على الإحسان والانعام الرَّحِيمُ كثير الرحمة والامتنان سيما على السائلين المؤملين المستحقين فأجاب سبحانه سؤالنا وأنجح آمالنا بمقتضى سعة رحمته وجوده وبعد ما قد سمعت يا أكمل الرسل ما سمعت من فضل الله ولطفه وسعة رحمته وجوده مع أوليائه

فَذَكِّرْ واثبت أنت على العظة والتذكير لعموم عباد الله وبلغهم عموم ما اوحى إليك من لدنا ولا تبال باعراضهم وانصرافهم عنك وبقولهم الباطل في حقك فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ التي هي الآيات المنزلة إليك الملهمة لك من ربك بِكاهِنٍ مبتدع مجترئ على الاخبار عن المغيبات بلا وحى من قبل الحق والهام من جانبه وَلا مَجْنُونٍ مختل العقل مخبط الرأى كما يزعم في شأنك المسرفون المفترون المفرطون

أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ يعنى بل لا تلتفت يا أكمل الرسل ايضا الى قولهم بانك شاعر فصيح بليغ قد بلغت الى درجة أعلى من البلاغة بحيث قد عجز عن معارضتك اقرانك من البلغاء فنحن نَتَرَبَّصُ وننتظر بِهِ اى بانقضائه وهلاكه رَيْبَ الْمَنُونِ اى مر الأيام وكر الشهور والأعوام الى ان يموت فنتخلص يومئذ من فتنته وشدته

قُلْ لهم يا أكمل الرسل على سبيل المجاراة بعد ما سمعت منهم ما سمعت تَرَبَّصُوا وانتظروا لمقتي وموتى ايها المفسدون المفرطون فَإِنِّي ايضا مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ المنتظرين لمقتكم وهلاككم والأمر بيد الله والحكم مفوض الى مشيته موكول الى ارادته يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد

أَمْ يكابرون في هذه الاحكام المتناقضة مجادلة ومراء إذ ينسبونك مرة الى الكهانة المتضمنة لكمال الفطانة ومرة الى الجنون المنبئ عن نهاية البلادة وتارة الى الشعر المستلزم لحفظ الوزن والقافية مع ان ما جئت به من الكلام عار عن الوزن خال عن القافية مطلقا بل تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ السخيفة المستمدة من اوهامهم الضعيفة بِهذا القول الباطل الزاهق الزائل أَمْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ باغون متناهون في العتو والفساد والعناد وقد صدر عنهم أمثال هذه الهذيانات بلا تأمل وتدبر بمقتضى عتوهم وثروتهم وكبرهم وخيلائهم كما هو عادة ارباب النخوة واصحاب الجاه والثروة خذلهم الله واهلكهم بها

أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ واختلقه من تلقاء نفسه ونسبه الى الوحى والإلهام تغريرا وتزويرا بَلْ معظم أمرهم وقصارى رأيهم ومآل شأنهم انهم لا يُؤْمِنُونَ لا به ولا بك يا أكمل الرسل لذلك يتفوهون بأمثال هذه المطاعن والقوادح من شدة شكيمتهم وغلظ غيظهم وضغينتهم معك وبعد ما قد بالغوا في القدح والطعن وبلغوا غاية الإنكار والإصرار قل لهم يا أكمل الرسل على وجه التعجيز والتبكيت

فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ أولئك المسرفون المفرطون إِنْ كانُوا صادِقِينَ في زعمهم ومفترياتهم مع انهم لم يأتوا بل لا يتأتى منهم الإتيان ايضا وان

359

سورة الطور (52): آية 35

سورة الطور (52): آية 36

سورة الطور (52): آية 37

سورة الطور (52): آية 38

سورة الطور (52): آية 39

سورة الطور (52): آية 40

سورة الطور (52): آية 41

سورة الطور (52): آية 42

سورة الطور (52): آية 43

سورة الطور (52): آية 44

سورة الطور (52): آية 45

تظاهروا وتعاونوا بعموم من في الأرض إذ هو خارج عن طور البشر ومشاعره مطلقا أيصرون أولئك الحمقى المصرون على انكار الخالق مع انهم مخلوقون

أَمْ اعتقدوا انهم قد خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ وبلا فاعل خارج موجد مؤثر أَمْ اعتقدوا نفوسهم انهم هُمُ الْخالِقُونَ المستقلون في إيجاد هياكلهم بلا مؤثر خارجى أيحصرون حينئذ خالقيتهم لأنفسهم فقط

أَمْ اعتقدوا انهم قد خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ اى العلويات والسفليات والممتزجات جميعا وبالجملة هم حينئذ لا ينكرون حدوث الأشياء واستنادها الى المحدث المؤثر إذ هي من اجلى البديهيات بَلْ لا يُوقِنُونَ ولا يتصفون باليقين في اثبات الموجد القويم وتوحيده أهم يثبتون مرتبة النبوة من تلقاء أنفسهم ويختارون لها من يريدون ويرجحون حسب آرائهم الباطلة العاطلة

أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ فيحكمون منها ما يحكمون أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ الغالبون المقتدرون على عموم مقاصدهم ومطالبهم فيفعلون عموم ما يأملون بالإرادة والاختيار

أَمْ ادعوا علم الغيب بالاستماع من الملاء الأعلى أم لَهُمْ سُلَّمٌ ومرقاة يصعدون بها الى مكان من السماء يَسْتَمِعُونَ فِيهِ من الملائكة ما يظهرون به على تكذيب الرسول وقدح القرآن وغير ذلك من مزخرفاتهم فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ وحجة واضحة ومعجزة ساطعة قاطعة كما اتى بها الرسول ﷺ أأنتم العقلاء المتصفون بكمال الرشد والرزانة ايها المسرفون المفرطون

أَمْ أنتم السفهاء المنحطون عن زمرة العقلاء مع ان دعواكم بانه لَهُ سبحانه الْبَناتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ تدل على سفاهتكم وانحطاطكم عن مقتضى العقل إذ اثبات الولد مطلقا للواحد الأحد الفرد الصمد المنزه عن الأهل والولد بعيد بمراحل عن مقتضى العقل فكيف اثبات اخس الأولاد له سبحانه تعالى عما يقولون علوا كبيرا فثبت ان أولئك الحمقى سفهاء ساقطون عن رتبة العقلاء وعن اهل العبرة والذكاء فلا يسمع منهم مطلق الدعوى سيما في الأمور الضرورية أينكرون رسالتك ويظنون لحقوق الضرر إياهم منك

أَمْ يظنون انك بسبب تبليغك إياهم الوحى والإلهام الإلهي تَسْئَلُهُمْ وتطلب منهم أَجْرًا جعلا عظيما فَهُمْ حينئذ مِنْ مَغْرَمٍ والتزام غرامة عظيمة مُثْقَلُونَ متحملون الثقل لذلك قد شق عليهم الأمر الى حيث انكروك وانصرفوا عن الايمان بك وعن تصديقك ليتخلصوا عنه وبالجملة أينكرون رسالتك يا أكمل الرسل من تلقاء أنفسهم وحسب قرائحهم الركيكة

أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ اى لوح القضاء المثبت فيه عموم الأشياء فَهُمْ يَكْتُبُونَ المغيبات منه ويظهرون بها

أَمْ يُرِيدُونَ ويقصدون كَيْدًا لرسول الله في دار الندوة فَالَّذِينَ كَفَرُوا وقصدوا مكرا عليه ﷺ هُمُ الْمَكِيدُونَ الممكورون المقصورون على كيدهم ومكرهم لا يتجاوز عنهم وباله وبالجملة أينكرون توحيد الحق مكابرة

أَمْ لَهُمْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يعبدونه كعبادته ويطيعون له مثل أطاعته ويستعينون منه في الخطوب والملمات مثل اسئلتهم من الله وبالجملة سُبْحانَ اللَّهِ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ له من أدون مخلوقاته واخس مصنوعاته

وَبعد ما قد الحوا واقترحوا بقولهم فاسقط علينا كسفا من السماء إِنْ يَرَوْا كِسْفًا قطعا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا عليهم حسب اقتراحهم يَقُولُوا من شدة عنادهم وفرط انكارهم وتركب جهلهم المركوز في جبلتهم ما هذا الا سَحابٌ مَرْكُومٌ قد تراكم بعضه على بعض فيسقط وبالجملة

فَذَرْهُمْ يا أكمل الرسل واتركهم على ما هم عليه من العدوان والطغيان حَتَّى يُلاقُوا ويصلوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ يموتون ويهلكون بالمرة وهو عند

360

النفخة الاولى ثم يحشرون ويعذبون

يَوْمَ اى يومئذ لا يُغْنِي عَنْهُمْ ولا يدفع كَيْدُهُمْ الذي أتوا به في دار الندوة والابتلاء شَيْئًا من الدفع والإغناء في رد عذاب الله وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ ولا يمنعون حينئذ من بطشه وعذابه بل هم مع ذلك لا يمهلون الى العذاب الآجل ايضا بل يعذبون في العاجل والبرزخ ايضا بأنواع العذاب والنكال كما قال سبحانه

وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذابًا دُونَ ذلِكَ العذاب الأخروي الموعود لهم ألا وهو وقوعهم في نيران الإمكان بأنواع الخيبة والخسران وتقيدهم فيها بسلاسل الآمال الطوال وأغلال الأماني وأنكال اللذات والشهوات المتواردة عليها والمصيبات المتعاقبة إياهم في عموم الأوقات والساعات بحيث لا يسع لهم التنفس لحظة خلصنا الله وعموم عباده عن أمثاله وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ولا يفهمون المها مع انها من أشد العذاب ايلاما وأصعب الوبال والنكال انتقاما أعاذنا الله وعموم عباده منها

وَبالجملة اصْبِرْ يا أكمل الرسل لِحُكْمِ رَبِّكَ بإمهالهم الى قيام الساعة وابقاءك فيما بينهم بأنواع التعب والعناء ولا تستعجل لمقتهم وهلاكهم ولا تخف من مكرهم وكيدهم معك وغدرهم عليك فَإِنَّكَ محفوظ بِأَعْيُنِنا وكنف حفظنا ووفور حراستنا وحضانتنا نكفيك ونكف عنك مؤنة شرورهم ولا تلتفت إليهم ولا تبال بمكرهم وكيدهم ولا تشتغل عنا بهم وبمخاصمتهم ونزاعهم وَسَبِّحْ اى نزه ربك عن ان يعجز عن أخذهم وانتقامهم او عن انجاز ما وعد لك من تعذيبهم وكن مشغولا بِحَمْدِ رَبِّكَ في عموم أوقاتك وحالاتك سيما حِينَ تَقُومُ من منامك

وَمِنَ اللَّيْلِ حين استراحتك فيه فَسَبِّحْهُ لتكون على ذكر من ربك حين رقودك وركود حواسك ليكون ذكرك حينئذ توصية منك بمتخيلتك وإرشادا لها وتعليما إياها وَسبحه ايضا إِدْبارَ النُّجُومِ اى وقت دبور النجوم وغبورها وظهور ضياء الشمس من الشرق وشروقها فان كلا الوقتين وقت فراغ البال عن مطلق التشتت والاشغال العائقة عن التوجه جعلنا الله ممن خفف أثقاله وقلل آماله بمنه وجوده

سورة الطور (52): آية 46

سورة الطور (52): آية 47

سورة الطور (52): آية 48

سورة الطور (52): آية 49

خاتمة سورة الطور

عليك ايها المحمدي المتوجه نحو المقام المحمود الذي هو مرتبة الكشف والشهود هداك الله الى سواء السبيل ووقاك عن مطلق التغير والتبديل ان تخلى خلدك عن الركون الى ما سوى الحق وعن الالتفات الى عموم ما يشغلك عن التوجه اليه والتحنن نحوه وعليك الاشتغال بالتسبيح والتقديس في عموم أوقاتك وحالاتك سيما في أثناء صلواتك وتهجداتك في خلال خلواتك وإياك إياك الميل الى مزخرفات الدنيا ولذاتها وشهواتها والاختلاط مع ابنائها المنغمسين بقاذوراتها فان التلطخ بزخرفة الدنيا يكل الأبصار ويعمى القلوب التي في الصدور. خفف عنا بلطفك ثقل الأوزار وارزقنا بفضلك وجودك عيشة الأبرار واصرف عنا بمقتضى كرمك شر الأشرار التي هي عبارة عن زخرفة الدنيا الغدار الغرار

سورة النجم

فاتحة سورة النجم

لا يخفى على المتحققين بمقام الكشف والشهود والمنجذبين نحو الحق بشراشرهم بلا تلعثم وتلوين ان من تمكن في مرتبة المعرفة وتقرر في مقر التوحيد مصفيا سره وسريرته عن مكدرات التخمين والتقليد بحيث قد صار فانيا في الله باقيا ببقائه متكلما بكلامه متخلقا بأخلاقه متصفا بأوصافه سبحانه

361