الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبيةالجزء 2 · ص 410 - 417

سورة الصف (61): آية 6

سورة الصف (61): آية 6

سورة الصف (61): آية 7

سورة الصف (61): آية 8

هذه المفتريات الباطلة البعيدة بمراحل عن الصدق وَالحال انه قَدْ تَعْلَمُونَ أنتم يقينا بما جئت به من المعجزات الساطعة الدالة على صدقى في دعواي أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ المرسل من عنده بمقتضى وحيه إِلَيْكُمْ لأرشدكم الى سبيل الهداية الموصل الى معرفة الحق وتوحيده ومقتضى علمكم هذا ان لا تؤذوننى فلم تؤذوننى فَلَمَّا زاغُوا ومالوا عن الحق وانصرفوا عن مقتضى الفطرة الاصلية أَزاغَ اللَّهُ المقلب للقلوب قُلُوبَهُمْ وصرفها عن قبول الحق والميل اليه فانحرفوا نحو الباطل فضلوا عن سواء السبيل واستحقوا الويل العظيم والعذاب الأليم وَبالجملة اللَّهِ العليم الحكيم لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ الخارجين عن مقتضى الفطرة الاصلية التي هي التحقق بمقام المعرفة والتوحيد

وَاذكر لهم يا أكمل الرسل ايضا وقت إِذْ قالَ أخوك عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ مناديا لقومه يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ قد أرسلني نحوكم لأرشدكم الى طريقه وصراط توحيده ولأكون انا في نفسي مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ المنزل من عنده سبحانه لضبط ظواهر الاحكام والأخلاق المستتبعة لتهذيب الباطن عن مطلق الزيغ والضلال المنافى لصفاء مشرب التوحيد وَمُبَشِّرًا ايضا أبشركم بِرَسُولٍ اى ببعثة رسول كامل في الرسالة متمم لمكارم الأخلاق يَأْتِي مِنْ بَعْدِي مظهرا للتوحيد الذاتي خاتما لأمر النبوة والرسالة والتشريع اسْمُهُ أَحْمَدُ سمى به ﷺ لكون حمده أتم واشمل من حمد سائر الأنبياء والرسل إذ محامدهم لله انما هو بمقتضى توحيد الصفات والأفعال وحمده ﷺ انما هو بحسب توحيد الذات المستوعب لتوحيد الصفات والأفعال وبعد ما اظهر عيسى صلوات الله عليه وسلامه دعوته طالبوه بالبينة الدالة على صدقه فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ الواضحة والمعجزات الساطعة التي هي اكبر من معجزات موسى عليه السلام ورأوا منه الخوارق التي ما اظهر مثلها من سائر الأنبياء بادروا الى تكذيبه مكابرة وعنادا حيث قالُوا هذا اى عيسى او ما جاء به من المعجزات سِحْرٌ مُبِينٌ ظاهر كونه سحرا او كامل في السحر الى حيث كأنه قد تجسم منه وليس تكذيبهم إياه صلوات الله عليه سيما بعد وضوح البرهان ونسبته الى شيء لا يليق بشأنه الا خروج عن مقتضى الحدود الإلهية الموضوعة لأداء العبودية

وَمَنْ أَظْلَمُ وأشد خروجا عن مقتضى الحدود الإلهية مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الحكيم المتقن في أفعاله الْكَذِبَ ونسب ما أنزله سبحانه من المعجزات الدالة على صدق رسوله المؤيد من عنده بالنفس القدسية المبعوث الى الناس ليرشدهم الى طريق توحيده وَالحال انه هُوَ اى المفترى الظالم يُدْعى إِلَى الْإِسْلامِ المتقدس عن جميع الآثام لو قبله وصدقه وامتثل بما فيه من الأوامر والنواهي وهو من غاية عتوه وعناده في موضع الاجابة ومحل القبول يرده ويكذبه وينسب معجزات الداعي الى السحر والشعبذة مراء وافتراء عدوانا وظلما وَبالجملة اللَّهِ المطلع على ما في استعدادات عباده لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ الخارجين عن مقتضى الفطرة الاصلية الإلهية التي قد فطر الناس عليها ذلك الدين القيم ولكن اكثر الناس لا يعلمون لذلك يخرجون وبالجملة ليس غرضهم عن هذا الافتراء والتكذيب بعد ثبوت الحجج والبراهين القاطعة الا انهم

يُرِيدُونَ بفتنتهم هذه لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ الواحد الأحد الفرد الصمد المتشعشع نوره من مطالع عموم الكائنات ومشارق جميع الذرات ألا وهو دين الإسلام المنزل على خير الأنام ليبين لهم توحيد الذات بِأَفْواهِهِمْ اى بمجرد قولهم الباطل الرهق الزائل بلا مستند عقل

410

سورة الصف (61): آية 9

سورة الصف (61): آية 10

سورة الصف (61): آية 11

سورة الصف (61): آية 12

سورة الصف (61): آية 13

سورة الصف (61): آية 14

او نقلي فكيف عن كشفى وشهودي وَاللَّهُ المتعزز برداء العظمة والكبرياء مُتِمُّ نُورِهِ مبالغ في اشاعة شرعه واذاعة دينه واشراقه غايتها وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ ظهوره وشيوعه ارغاما لهم وإذلالا وكيف لا يتم سبحانه شيوع نور وحدته الذاتية مع انه

هُوَ سبحانه المدبر الحكيم الَّذِي قد أَرْسَلَ رَسُولَهُ محمدا ﷺ لمصلحة هذا التتميم والتكميل وأيده بِالْهُدى والقرآن العظيم وَدِينِ الْحَقِّ القويم والملة الحنيفية السمحة البيضاء الموروثة له من جده ابراهيم الخليل الجليل صلوات الله عليهما وعلى اخوانهما من النبيين والصديقين والصالحين وانما أيده لِيُظْهِرَهُ ويغلبه اى الدين القويم المبين لصراط الحق وطريق توحيده الذاتي عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ اى على عموم الملل والأديان الواردة لبيان توحيد الصفات والأفعال وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ظهور توحيد الحق على هذا الوجه لما فيه من قطع عرق الشرك مطلقا عن أصله جليا كان او خفيا. ثم قال سبحانه بعد ما أشار الى ظهور دين الإسلام وإعلاء كلمة التوحيد حثا على المؤمنين وترغيبا لهم الى ترويج الدين القويم الذي هو الصراط المستقيم الموصل الى مرتبة حق اليقين

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ كأنه قيل ما التجارة المنقذة المنجية قال سبحانه لبيانه

تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مع اعداء الله سيما مع أعدى عدوكم الذي هو جنود امارتكم لترويج دينه وإعلاء كلمة توحيده بِأَمْوالِكُمْ اى ببذلها في الخطوب والملمات وَأَنْفُسِكُمْ بالاقتحام على الحروب في المقاتلات ذلِكُمْ الذي ذكر من الايمان والجهاد خَيْرٌ لَكُمْ ونفعه عائد إليكم إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ما هو أصلح لكم وانفع في نشأتكم الاولى والاخرى وان تؤمنوا بالله وتصدقوا رسله وتجاهدوا في سبيله

يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ التي صدرت عنكم قبل ذلكم وَبعد ما غفر سبحانه ذنوبكم يُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ متنزهات العلم والعين والحق تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ اى انهار المعارف والحقائق المترشحة من بحر الحياة التي هي حضرة العلم المحيط الإلهي وَمَساكِنَ طَيِّبَةً من الحالات والمقامات السنية والدرجات العلية فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ التي هي المعرفة واليقين مصونة عن شوب الشك وريب التخمين ذلِكَ الستر والإدخال هو الْفَوْزُ الْعَظِيمُ والفضل الكريم على ارباب المعرفة واليقين من الله العزيز العليم

وَلكم ايضا ايها المعتبرون المجاهدون في ترويج دين الحق عنده سبحانه نعمة أُخْرى من النعم التي تُحِبُّونَها أنتم ألا وهي نَصْرٌ نازل مِنَ اللَّهِ العزيز الحكيم عليكم بحيث يغلبكم على عموم أعدائكم وَفَتْحٌ قَرِيبٌ في العاجل وَبالجملة بَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ المجاهدين يا أكمل الرسل بأنواع البشارة الدنيوية والاخروية. ثم قال سبحانه

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مقتضى ايمانكم نصرة دين الله وتقوية رسوله كُونُوا بأموالكم وانفسكم أَنْصارَ اللَّهِ وأنصار رسول الله وقولوا في مقابلة النبي عليه السلام كما قال الحواريون في مقابلة عيسى عليه السلام وحكاه الله عنهم بقوله كَما قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مختبرا إخلاصهم واختصاصهم ومحبتهم ونهاية مرتبتهم في اليقين ودرجتهم في أعلى عليين مَنْ أَنْصارِي وأعواني في توجهي إِلَى اللَّهِ والى انتشار توحيده بين اظلاله المستمدين من اظلال أوصافه وأسمائه وبعد ما سمعوا قالَ الْحَوارِيُّونَ من كمال انكشافهم بالله وبتوحيده ومن تحققهم في مقام الشهود وتمكنهم فيه نَحْنُ الفانون في الله الباقون ببقائه المستغرقون بمطالعة لقائه أَنْصارَ اللَّهِ واحباؤه إذ لا مرجع لنا سواه ولا مقصد الا إياه والحواريون

411

هم أول من آمن بعيسى عليه السلام من الحور وهو البياض وهم اثنا عشر سموا به لصفاء عقائدهم عن التردد والتلوين وبعد ما اظهر عيسى عليه السلام دعوته بين الأنام فَآمَنَتْ به عليه السلام طائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ وَكَفَرَتْ به عليه السلام طائِفَةٌ اخرى منهم وبعد وقوع الخلاف والاختلاف فَأَيَّدْنَا وغلبنا الطائفة الَّذِينَ آمَنُوا منهم عَلى عَدُوِّهِمْ يعنى الطائفة الذين كفروا به عليه السلام فَأَصْبَحُوا وصاروا اى الطائفة المؤمنون ظاهِرِينَ غالبين على الطائفة الكفرة بالحراب والزام الحجة ألا ان حزب الله هم الغالبون

خاتمة سورة الصف

عليك ايها الموحد المحمدي المنجذب نحو الحق المنخرط في سلك ارباب التوحيد الملقبين بأنصار الله المهاجرين عن كورة بقعة الناسوت نحو مدينة الوحدة اللاهوتية وسواد أعظم الفقراء اعانك الله الى ان تصل أقصى مرامك وأعلى مطلبك ومقامك ان تجمع همك وتشمر ذيلك لسلوك سبيل الفناء من طريق الموت الإرادي المثمر للفناء المطلق عن الفناء ايضا لتفوز بالبقاء الأزلي السرمدي ألا وهي طريقة الحضرة الختمية المحمدية المبعوث الى كافة البرية لبيان طريق التوحيد الذاتي المسقط بجميع الكثرات والإضافات مطلقا فلك ان تصفى سرك وضميرك عن نقوش مطلق المعتقدات وصور عموم الرسوم والعادات المنافية لصرافة الوحدة الذاتية وتقتفى اثر نبيك ﷺ أمثال الحواريين اثر نبيهم عليه السلام بلا شوب شك وريب وتقليد وتخمين لينكشف لك طريق المعرفة واليقين بعد توفيق الله وجذب من جانبه وطول خدمته الشريفة النبوية والنواميس المصطفوية وإياك إياك الالتفات الى الدنيا الدنية وما فيها من اللذات البهية البهيمية ليمكن لك التصفية والتخلية التي هي مقدمة الكشف والشهود. هدانا الله الى سبيل توحيده بمنه وجوده

سورة الجمعة

فاتحة سورة الجمعة

لا يخفى على من انكشف له سرائر مرتبتي النبوة والولاية المنشعبتين عن حضرة العلم ولوح قضائه المشتمل على عموم ما كان ويكون وقلم تقديره المصور لنقوش عموم العكوس والاظلال الظاهرة على مرآة العدم حسب الارادة الكاملة والحكمة البالغة الباهرة الإلهية المقتضية لها ان ظهور هاتين المرتبتين انما هو بالوهب الإلهي وبمقتضى الفضل والعطاء بلا وسائل الاكتساب بالآلات والأسباب على مقتضى جرى العادة في تحصيل العلوم الرسمية الحاصلة باستعمال القوى المدركة الانسانية لذلك اخبر سبحانه عن كمال قدرته على بعث الرسول الأمي الأكمل من جميع الرسل على الأميين بلا وسائل الإملاء والإنشاء وختم ببعثته ﷺ امر الإرشاد والتكميل الذي هو المقصود الأصلي من مرتبة النبوة والرسالة. فقال سبحانه بعد ما نبه على اهل التوحيد برجوع عموم الكائنات نحوه سبحانه بكمال التسبيح والتقديس عما لا يليق بشأنه بعد التيمن بِسْمِ اللَّهِ الذي اظهر جميع الأشياء بكمال قدرته من كتم العدم بلا سبق مادة ومدة الرَّحْمنِ على عموم الأكوان ببعث الرسل من نوع الإنسان المصور بصورة الرحمن الرَّحِيمِ لهم يهديهم الى روض الجنان ويشوقهم بلقاء الحنان المنان لذلك

الآيات

سورة الجمعة (62): آية 1

يُسَبِّحُ ويقدس لِلَّهِ الواحد الأحد المنزه عن مطلق التعدد والتحديد مظاهر ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ

412

سورة الجمعة (62): آية 2

سورة الجمعة (62): آية 3

سورة الجمعة (62): آية 4

سورة الجمعة (62): آية 5

سورة الجمعة (62): آية 6

تسبيحا مقرونا بكمال التذلل والخضوع الْمَلِكِ المتسلط بالاستيلاء التام والسلطنة القاهرة الغالبة على مملكة الوجود الْقُدُّوسِ المطهر المنزه ذاته عن سمة الحدوث ووصمة الإمكان الْعَزِيزِ الغالب على عموم المقدورات بكمال الاستيلاء والاستقلال الْحَكِيمِ المتقن في مطلق التدابير الجارية في عالم التصاوير بلا فتور وقصور

هُوَ الَّذِي بَعَثَ حسب قدرته الكاملة وحكمته البالغة فِي الْأُمِّيِّينَ المنسلخين عن مطلق الإملاء والإنشاء المشعر بالتدبر والتفكر بمقتضى العقل الفطري الموهوب لهم من لدن حكيم عليم رَسُولًا اميا أمثالهم منتشأ مِنْهُمْ وأيده بروح القدس بعد ما صفاه عن دنس الجهل واصطفاه من بين الملل وفضله على عموم ارباب النحل وكمله في المعارف والحقائق الإلهية بحيث يَتْلُوا عَلَيْهِمْ عموم آياتِهِ الدالة على وحدة ذاته وعلى كمالات أسمائه وصفاته وَيُزَكِّيهِمْ عن مطلق النقائض والآثام المنافية لدين الإسلام المبين للتوحيد الذاتي وَبالجملة يُعَلِّمُهُمُ بمقتضى الوحى الإلهي الْكِتابَ اى القرآن الجامع لما في الكتب السالفة من الحكم والاحكام على ابلغ بيان وأبدع نظام وَالْحِكْمَةَ اى الاحكام الشرعية المنتشئة من الحكمة المتقنة الإلهية المنزلة من عند الحكيم العلام وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ اى وانهم قد كانوا قبل بعثته ﷺ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ وغواية ظاهرة لأنهم كانوا على فترة من الرسل

وَلم يختص بعثته ﷺ بالأميين من الاعراب الموجودين عند مبعثه ﷺ بل تعم آخَرِينَ مِنْهُمْ اى عموم المكلفين لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ حين يتبعون بالأولين هكذا واقتفوا أثرهم الى يوم القيامة إذ قد ختم ببعثته ﷺ امر البعثة وكمل عند ظهوره ﷺ بنيان الدين القويم الذي هو صراط التوحيد الذاتي وَهُوَ سبحانه الْعَزِيزُ الغالب على عموم التقادير الْحَكِيمُ المطلق في جميع الأفعال والتدابير

ذلِكَ اى التوحيد الذاتي الذي ظهر به ﷺ رحمة للعالمين فَضْلُ اللَّهِ العزيز الحكيم يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ من عباده بلا سبق الوسائل والأسباب العادية وَبالجملة اللَّهِ المتعزز برداء العظمة والكبرياء ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ الذي لا يكتنه وصف فضله وطوله أصلا. ثم قال سبحانه تعريضا على الكفرة المنكرين لنبوة محمد ﷺ مع انه قد ورد في كتبهم المنزلة عليهم حليته ﷺ وهم مؤمنون بها مصدقون بجميع ما فيها سوى بعثته ﷺ وما جاء فيها من أوصافه ﷺ الدالة على علو شأنه ورفعة قدره ومكانه وبالجملة

مَثَلُ القوم الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ اى علموها وكلفوا بما فيها من الأوامر والنواهي ومطلق الاحكام والمعتقدات المذكورة فيها ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها ولم ينتفعوا بها ولم يصدقوا بما فيها سيما نعوت الحضرة الختمية الخاتمية المحمدية مثلهم في حمل التوراة وعدم امتثالهم بما فيها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفارًا كتبا من العلم يجهلها ويتعب بثقلها ولا ينتفع بها أصلا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ الدالة على عظمة ذاته ومتانة حكمه وحكمته في عموم مأموراته ومنهياته وَبالجملة اللَّهِ العليم الحكيم المتقن في عموم أفعاله لا يَهْدِي الى توحيده الذاتي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ الخارجين عن عروة عبوديته بمتابعة شياطين اماراته

قُلْ يا أكمل الرسل على سبيل التبكيت والإلزام نيابة عنا لليهود الذين يدعون محبته وولايته بقولهم نحن اولياء الله واحباؤه مناديا لهم متهكما معهم يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا وتهودوا إِنْ زَعَمْتُمْ وظننتم أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ

413

سورة الجمعة (62): آية 7

سورة الجمعة (62): آية 8

سورة الجمعة (62): آية 9

سورة الجمعة (62): آية 10

سورة الجمعة (62): آية 11

فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ

المقرب لكم الى الله إذ الانتقال من دار الغرور الى دار السرور يقرب العباد الى الرحيم الغفور إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في دعوى المحبة والولاية فتمنوه

وَالله يا أكمل الرسل لا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا اى لا يتمنى احد منهم الموت أصلا وما سبب اعراضهم وانصرافهم عن الموت المقرب منه تعالى الا بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ اى بشؤم ما قدموا واقترفوا بأنفسهم من الكفر والعصيان وانواع الفسوق والطغيان وَبالجملة اللَّهُ المطلع بما في استعدادات عباده عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ منهم وبما في ضمائرهم من محبة الحياة والقساوة المفرطة يجازيهم على مقتضى علمه

قُلْ لهم يا أكمل الرسل بعد ما قد اعرضوا عن تمنى الموت وابتغائه طلبا لمرضاة الله وشوقا اليه سبحانه ايضا على وجه التبكيت والإلزام إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ وتخافون ان تمنوه بألسنتكم مخافة ان لا يلحقكم بل تفرون عن مجرد التلفظ به فكيف عن لحوقه فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ وملاصقكم ولاحق بكم حتما إذ كل نفس ذائقة كأس الموت وكل حي بالحياة لا بد وان يموت سوى الحي الحقيقي الذي لا يموت ولا يفوت ثُمَّ بعد ما تموتون تُرَدُّونَ تحشرون وتساقون نحو المحشر وتعرضون إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ بعلمه الحضوري يعنى بما صدر منكم وما خفى في ضمائركم ونياتكم فَيُنَبِّئُكُمْ ويخبركم يومئذ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ من خير وشر فيجازيكم عليه. ثم لما تهاون المسلمون في امر الجمعة وتكاسلوا في الاجتماع قبل الصلاة بل انفضوا وانصرفوا عن الجامع حين خطب رسول الله ﷺ لما سمعوا صدا الملاهي المعهودة لمجيء العير على ما هو عادتهم دائما عاتبهم الله سبحانه وانزل عليهم الآية وناداهم نداء عتاب وخطاب حيث قال

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مقتضى ايمانكم المبادرة الى مطلق الطاعات والعبادات سيما إِذا نُودِيَ واذن لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ اى في يوم الجمعة الا وهو الأذان المعهود قبيل الخطبة فَاسْعَوْا مجيبين مسرعين إِلى سماع ذِكْرِ اللَّهِ في الخطبة والتذكيرات الواردة فيها وَذَرُوا الْبَيْعَ واتركوا المبايعة بعد سماع الأذان ذلِكُمْ اى ترك البيع والسعى نحو المسجد والانصراف اليه خَيْرٌ لَكُمْ وانفع في عقباكم إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ صلاحكم وفسادكم في اولاكم واخراكم

فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ المكتوبة لكم يوم الجمعة مع الامام وأديت على وجهها فَانْتَشِرُوا فِي اقطار الْأَرْضِ وَابْتَغُوا واطلبوا حوائجكم مِنْ فَضْلِ اللَّهِ المنعم المتفضل يعطكموها حسب إحسانه وسعة جوده وانعامه وَاذْكُرُوا اللَّهَ ذكرا كَثِيرًا في عموم أحوالكم وأعمالكم ولا تحصروا ولا تقصروا ذكره سبحانه في الصلاة المفروضة فقط بل اشتغلوا بذكره وشكره في عموم الأوقات والحالات بالقلب واللسان وسائر الجوارح والأركان إذ ما من شيء الا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم الا قليلا وواظبوا عليه لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وتفوزون بخير الدارين وصلاح النشأتين

وَهم من غاية حرصهم على مقتضيات القوى البهيمية بعد ما كانوا في الجامع والخطيب على المنبر إِذا رَأَوْا وسمعوا تِجارَةً حاضرة يدور الناس حولها أَوْ سمعوا لَهْوًا طبلا مخبرا لهم عن مجيء العير انْفَضُّوا إِلَيْها اى مالوا وانصرفوا نحوها مسرعين فخرجوا من الجامع سوى اثنى عشر رجلا وامرأة وَتَرَكُوكَ يا أكمل الرسل قائِمًا على المنبر وبالجملة ما هي الا ثلمة قد حدثت في الدين المبين موجبة مقتضية للتهاون باحكام الشرع المتين قُلْ لهم يا أكمل الرسل ازالة لها ولما يتفرع عليها ما عِنْدَ اللَّهِ من المثوبات الاخروية الموجبة للدرجات العلية والمقامات السنية خَيْرٌ لكم

414

وأصلح بحالكم وأعظم نفعا وأبقى فائدة مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ إذ لا نفع لهما عند اهل الحق وان فرض فهو متاه زائل عن قريب بخلاف الكرامة الاخروية فإنها تدوم ابدا وَان عللوا انفضاضهم وخروجهم بتحصيل الرزق الصوري قل لهم يا أكمل الرسل اللَّهِ المظهر لكم من كتم العدم المدبر المربى لأشباحكم بما ليس في وسعكم خَيْرُ الرَّازِقِينَ يرزقكم من حيث لا تحسبون ان توكلتم عليه مخلصين وفوضتم أموركم كلها اليه سبحانه واثقين بكرمه العميم وجوده العظيم

خاتمة سورة الجمعة

عليك ايها الموحد الخائض في لجج بحر الوجود المتحقق بمقام الكشف والشهود مكنك الله في مقر عز الوحدة وجنبك عن الزيغ والضلال ان تتوكل على الله وتتخذه وكيلا وتفوض أمورك كلها اليه وتجعله حسيبا وكفيلا فعليك ان لا تشتغل في آن وشأن ولا تغفل عنه في حين من الأحيان سيما في امر الرزق الصوري المقدر من عند الله المدبر الحكيم لكل من دخل في حيطة الوجود وظهر على صورة الموجود فانه يصل على من يصل حسب ارادة الله ومشيته وإياك إياك ان تطلبه وتعتقده بالتجارة او السؤال بل لك ان تستعمل آلاتك الموهوبة لك من الله العليم الحكيم الى ما قد جبلت لأجله لتكون من زمرة الشاكرين المتوكلين وبالجملة الرزق على الله ولا تكن من القانطين واعبد ربك واشكره على آلائه ونعمائه حتى يأتيك اليقين وكن في عموم احوالك من الشاكرين المتوكلين

سورة المنافقين

فاتحة سورة المنافقين

لا يخفى على من وصل الى مرتبة حق اليقين وتمكن في مقعد الصدق مع الموقنين الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين ان الكذب والافتراء والجدال والمراء الواقع بين اصحاب الضلال والآراء الفاسدة الحادثة في عالم الكون والفساد انما هو من عدم الوصول الى كعبة الوجود وقبلة الواجد والموجود ومن عدم التمكن والتحقق والرسوخ التام في مقام الرضاء والتسليم الحاصل من كمال المعرفة واليقين والا فلا يصدر من ارباب الوصول واليقين أمثال هذه الجرائم المنبئة عن النفاق والشقاق المستلزم للجهل والغفلة عن الله الظاهر المتجلى في الأنفس والآفاق بكمال الاستقلال والاستحقاق ولهذا اخبر سبحانه حبيبه ﷺ بما اخبر من اخبار اهل النفاق ونبهه على ما نبه عليه من ضلالهم فقال بعد ما تيمن بِسْمِ اللَّهِ الذي قد أحاط علمه بما لا يتناهى من المعلومات الرَّحْمنِ على عموم عباده بأمر المعروف ونهى المنكرات الرَّحِيمِ لهم يهديهم الى سبيل السلامة وطريق النجاة

الآيات

سورة المنافقون (63): آية 1

إِذا جاءَكَ يا أكمل الرسل الْمُنافِقُونَ على وجه الملاينة والخداع تغريرا لك ولمن تبعك من المؤمنين حيث قالُوا مبالغين في اظهار الايمان مؤكدين نَشْهَدُ نقر ونعترف عن محض الوداد وصميم الفؤاد إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ قد أرسلك الحق على الحق بالحق لتبيين الحق وَبعد ما قد أكدوا شهادتهم بأنواع التواكيد بالغوا ايضا في التأكيد لتشييد تغريرهم وتزويرهم حيث قالوا اللَّهِ المطلع على عموم السرائر والخفايا يَعْلَمُ ويشهد إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَبالجملة هم وان بالغوا في شهادتهم الكاذبة على سبيل التلبيس والتزوير اللَّهِ المطلع على ما في ضمائرهم من النفاق والشقاق

415

سورة المنافقون (63): آية 2

سورة المنافقون (63): آية 3

سورة المنافقون (63): آية 4

سورة المنافقون (63): آية 5

سورة المنافقون (63): آية 6

سورة المنافقون (63): آية 7

يَشْهَدُ حتما إِنَّ الْمُنافِقِينَ المصرين على ما هم عليه من الكفر والإنكار لَكاذِبُونَ في شهادتهم المزورة الصادرة منهم على وجه المبالغة والتأكيد وبالجملة

اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ المغلظة الحاصلة من شهادتهم المؤكدة بها جُنَّةً وجعلوها وقاية لأموالهم وأنفسهم فَصَدُّوا وصرفوا غزاة المسلمين بسبب ذلك الحلف الكاذب عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ الذي هو قتالهم واسرهم ونهبهم وبالجملة إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ من الصد والنفاق والإصرار على الشقاق

ذلِكَ اى اجتراؤهم على تلك الشهادة على وجه المراء والنفاق وإصرارهم على الكفر والشقاق بِأَنَّهُمْ آمَنُوا اى بسبب انهم آمنوا أولا بالله ورسوله وأقروا بألسنتهم بما ليس في قلوبهم على وجه النفاق صونا لأموالهم ودمائهم ثُمَّ كَفَرُوا بعد ما أمنوا من مكر المؤمنين فَطُبِعَ الكفر حينئذ عَلى قُلُوبِهِمْ ورسخ فيها واستحكم وبعد الطبع والتمرن فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ ولا يفهمون حقية الايمان ولذته وصحته ولا باطلية الكفر وفساده

وَبالجملة هم من غاية غفلتهم عن الله ونهاية عرائهم وخلوهم عن نور الايمان إِذا رَأَيْتَهُمْ يا أكمل الرسل تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ اى سمنها وضخامتها وَإِنْ يَقُولُوا ايضا كلاما تَسْمَعْ أنت لِقَوْلِهِمْ لفصاحتهم وحلاوة نظمهم الا انهم لخلوهم عن العلم اللدني والرشد الجبلي والصفاء الفطري الذاتي الذي هي عبارة عن نقود ارباب المحبة والولاء كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ يابسة فاقدة للقابلية الفطرية مُسَنَّدَةٌ على جواهر الجهل والبلادة ومع ذلك يَحْسَبُونَ يظنون ويترقبون من شدة شكيمتهم وغيظهم على المؤمنين كُلَّ صَيْحَةٍ واقعة عَلَيْهِمْ مسموعة لهم هُمُ الْعَدُوُّ يصيح عليهم ليهلكهم وبعد ما صار بغضهم مع المؤمنين ووهمهم ومخافتهم من العدو بهذه الحيثية فَاحْذَرْهُمْ يا أكمل الرسل واترك مصاحبتهم واحترز من غيلتهم وطغيانهم إذ الخائن الخائف ربما يصول بلا سبب وداع عليه وقل في شأنهم دعاء عليهم قاتَلَهُمُ اللَّهُ المنتقم الغيور أَنَّى يُؤْفَكُونَ وكيف يصرفون ومن اين ينحرفون عن الحق الصريح الى الباطل الغير الصحيح مع انه لا ضرورة تلجئهم اليه

وَمن شدة بغضهم وضغينتهم مع المؤمنين المخلصين إِذا قِيلَ لَهُمْ امحاضا للنصح تَعالَوْا هلموا ايها المسرفون المفرطون الى مجلس رسول الله ﷺ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ ويطلب المغفرة لكم من العفو الغفور لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ وعطفوا أعناقهم عن القبول معتذرين باعذار كاذبة مخافة وصونا وَرَأَيْتَهُمْ ايها الرائي حينئذ في وجوههم التي هي عنوان بواطنهم وقلوبهم آثار الكفر والعناد ظاهرة لذلك يَصُدُّونَ ويعرضون عن المؤمنين مسرعين معتذرين وَهُمْ في أنفسهم مُسْتَكْبِرُونَ عن القبول والاعتذار وبالجملة

سَواءٌ عَلَيْهِمْ يا أكمل الرسل أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ من الله المنتقم الغيور أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ العليم الحكيم المتقن في عموم الأفعال ابدا إِنَّ اللَّهَ المطلع على ما في استعدادات عباده لا يَهْدِي ولا يرشد الى جادة توحيده الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ منهم الخارجين عن مقتضى الحدود الاسلامية وكيف يهديهم ويغفر لهم سبحانه مع انهم

هُمُ القوم المسرفون الَّذِينَ يَقُولُونَ للأنصار من نهاية عداوتهم وبغضهم مع الرسول والمؤمنين لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ يعنون فقراء المهاجرين حَتَّى يَنْفَضُّوا وينتشروا بعد ما اضطروا من حوله وَلم يعلموا هؤلاء الغفلة الضالون والجهلة الهالكون في تيه الجهل والعناد ان لِلَّهِ وفي قبضة قدرته وتحت ضبطه وملكته خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ اى الكنوز المكنونة المطوية في ضمن العلويات

416

سورة المنافقون (63): آية 8

سورة المنافقون (63): آية 9

سورة المنافقون (63): آية 10

سورة المنافقون (63): آية 11

والمدفونة المخزونة في السفليات وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ المصرين على الكفر والعناد لا يَفْقَهُونَ كمال قدرة الله وسعة خزائن كرمه وجوده ومن نهاية غفلتهم عن الله وعداوتهم مع المؤمنين

يَقُولُونَ على سبيل التهور والتهديد لَئِنْ رَجَعْنا من سفرنا هذا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ يريدون أنفسهم مِنْهَا اى المدينة الْأَذَلَّ يريدون المؤمنين وذلك ان أعرابيا من المهاجرين نازع أنصاريا في بعض الغزوات على ماء فضرب الأعرابي رأسه بخشبة فشكى الى ابن ابى وملائه فقالوا حينئذ لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا وإذا رجعنا الى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل وَلم يعلموا أولئك الغواة الطغاة الضالون في تيه العتو والعناد انه لِلَّهِ الْعِزَّةُ والقوة والغلبة اصالة وَلِرَسُولِهِ تبعا وَلِلْمُؤْمِنِينَ بمتابعة الرسول وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ عزته وعزة اهل الله لفرط جهلهم وغرورهم بأموالهم وأولادهم لذلك يحصرون العزة والقوة لأنفسهم. ثم قال سبحانه تسلية للمؤمنين مشتملة على نوع من التعريض والحث والترغيب

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مقتضى ايمانكم ان لا تلتفتوا لعزة الدنيا ولا تغتروا بكثرة الأموال والأولاد فيها لا تُلْهِكُمْ ولا تشغلكم أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعن التوجه نحوه والركون اليه في مطلق الأحوال وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ والتفت الى مزخرفات الدنيا وشغل بها عن الله فَأُولئِكَ البعداء المشغولون بالخسيس الأدنى عن الشريف الأعلى هُمُ الْخاسِرُونَ المقصورون على الخسران الكلى والحرمان الحقيقي لاستبدالهم الباقي بالفاني والزاهق الزائل بالقار القديم

وَبعد ما سمعتم مآل أموالكم وما يتفرع عليها من الحرمان والخسران أَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ وسقنا نحوكم من اموال الدنيا وزخارفها مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ يعنى أنفقوا قبل حلول الأجل وظهور امارات الموت وعلامات الفزع فَيَقُولَ المحتضر منكم حينئذ متحسرا متمنيا رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي وهلا أمهلتني يا رب إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ وأمد غير بعيد فَأَصَّدَّقَ وأتصدق من مالي هذا على الوجه المأمور طلبا لمرضاتك وَبعد التصدق أَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ المنفقين الممتثلين لأمرك المقبولين عندك يا ربي

وَاعلموا ايها المؤمنون يقينا انه لَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ الحكيم العليم نَفْسًا ولن يمهلها ابدا إِذا جاءَ أَجَلُها وحل ما قدر لها من الوقت الذي قدر فيه رد الامانة وكذا لن يقدمها عليه أصلا فعليكم التدارك والتلافي قبل حلول الأجل وَبالجملة اللَّهُ المراقب عليكم في عموم أحوالكم خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ في ايام حياتكم من خير وشر فيجازيكم على مقتضى خبرته بلا فوت شيء من عملكم خيرا كان او شرا

خاتمة سورة المنافقين

عليك ايها المحمدي المنكشف برجوع العكوس والاظلال الظاهرة الحادثة الى ما منه بدت وظهرت ألا وهي شمس الوحدة الذاتية ان تعرف ان اظهار المظاهر وبسط الظل عليها وامتداده فيها انما هو بغتة بلا سبق مادة ومدة وآلة ومقدمة كذلك القبض والإخفاء انما يكون كذلك فلك ان تكون في مدة ظهورك على ذكر من ربك بحيث لا يشغلك عن ذكره شيء ساعة ولا تغفل عنه وعن التوجه نحوه لحظة وطرفة فإنك ما تدرى متى يحل الأجل فإذا حل لم يمكنك التدارك والتلافي. جعلنا الله من زمرة المستيقظين في عموم الأحوال بمنه وجوده

417