الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبيةالجزء 2 · ص 498 - 505

الآيات

المتجلى في عموم المجالى بمقتضى أسمائه وصفاته إظهارا لقدرته الغالبة الكاملة الرَّحْمنِ للكل تتميما لتربيته الشاملة الرَّحِيمِ لنوع الإنسان تعظيما لحكمته المتقنة ومصلحته المستحسنة المودعة في نشأته

الآيات

سورة البروج (85): آية 1

سورة البروج (85): آية 2

سورة البروج (85): آية 3

سورة البروج (85): آية 4

سورة البروج (85): آية 5

سورة البروج (85): آية 6

سورة البروج (85): آية 7

سورة البروج (85): آية 8

سورة البروج (85): آية 9

سورة البروج (85): آية 10

وَالسَّماءِ اى بحق سماء الأسماء والصفات المتشعشعة المتجلية في عالم اللاهوت ذاتِ الْبُرُوجِ من النفوس القدسية القابلة لانعكاسها وتشعشعها المستعدة لفيضان أنوارها الذاتية

وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ للانجلاء الكامل والانكشاف التام المنعكس عن عالم العماء عند ارتفاع سدول الأسماء والصفات عن البين

وَاتحاد شاهِدٍ وَمَشْهُودٍ في العين انكم ايها المحجوبون عن الله المطرودون عن ساحة عز حضوره الملعونون المردودون من كنف قربه وجواره يعنى كفار مكة لعنهم الله لان السورة نازلة في تثبيت المؤمنين على أذاهم كما

قُتِلَ ولعن أَصْحابُ الْأُخْدُودِ الخد الشق في الأرض وغيرها روى انه كان لملك ساحر فلما كبر ضم اليه غلاما ليعلمه وكان في طريق الغلام راهب يستمع منه كلاما فرأى في طريقه يوما حية قد حبست الناس فأخذ الغلام حجرا فقال اللهم ان كان الراهب أحب إليك من الساحر فاقتلها فضربها فقتلها وكان بعد ذلك يبرئ الأكمه والأبرص ويشفى المريض فعمى جليس الملك فابرأه فاسلمه فسأله الملك من ابرأك فقال ربي فغضب الملك عليه فعذبه فدل على الغلام فعذبه فدل على الراهب فقده بالمنشار وذهب بالغلام الى جبل ليطرحه من أعلاه فرجف بالقوم فطاحوا ونجا الغلام وذهب به الى سفينة ليغرق فانكفأت السفينة بمن معه ونجا وقال الغلام للملك لست بقاتلي حتى تأخذ سهما من كنانتي وتقول بسم الله رب الغلام ثم ترميني به فرماه فقال بسم الله رب الغلام فأصاب صدغه فوضع عليه يده فمات فآمن الناس برب الغلام وقيل للملك نزل بك ما قد كنت تحذر فأمر بحفر أخاديد فأوقدت فيها النيران فمن لم يرجع منهم عن دين الغلام طرحه فيها حتى جاءت امرأة معها صبي رضيع فتقاعست فقال الرضيع بالهام إياه مع انه في غير أوان تكلمه مثل عيسى النبي ﷺ يا أماه اصبري فإنك على الحق فاقتحمت في

النَّارِ بدل من لفظة الأخدود بدل الاشتمال ذاتِ الْوَقُودِ والحطب الكثير تهويلا عليهم بشدة التهابها وسورتها لينزجروا عما اختاروا ويعودوا عن الإسلام والتوحيد ثم لما طرح المؤمنون فيها التهبت النار التهابا شديدا وخرجت على أطرافها فأحرقت كثيرا من صناديد أولئك الظلمة

إِذْ هُمْ عَلَيْها وفي أطرافها قُعُودٌ قاعدون على الكراسي حول النار

وَهُمْ اى رؤساؤهم عَلى ما يَفْعَلُونَ اى الموكلون بِالْمُؤْمِنِينَ من الأخذ والافناء شُهُودٌ وعدول مشرفون من قبل الملك أمناء من جانبه اقعدهم حوله لئلا يتهاون الأعونة في إهلاك المؤمنين وطرحهم في النار

وَبالجملة ما نَقَمُوا وما انتقموا أولئك الظالمون المنهمكون في بحر الغي والطغيان والعدوان مِنْهُمْ اى من المؤمنين بهذا الانتقام الصعب الهائل إِلَّا انهم كرهوا منهم واستنكروا عليهم أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الواحد الفرد الأحد الصمد الحي القيوم الحقيق بالإيمان والإطاعة الْعَزِيزِ الغالب القاهر على من دونه من السوى والأغيار مطلقا الْحَمِيدِ المستحق لأصناف الاثنية والمحامد استحقاقا ذاتيا ووصفيا وكيف لا يكون سبحانه عزيزا حميدا مع انه القادر

الَّذِي لَهُ وفي حيطة قدرته وارادته مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ اى مظاهر العلويات والسفليات وما بينهما من الممتزجات وَكيف لا هو اللَّهُ المستقل بالالوهية والربوبية عَلى كُلِّ شَيْءٍ مما لمع عليه برق وجوده شَهِيدٌ حاضر غير مغيب عنه وبالجملة

إِنَّ المسرفين المفسدين الَّذِينَ فَتَنُوا واحرقوا

498

سورة البروج (85): آية 12

سورة البروج (85): آية 13

سورة البروج (85): آية 14

سورة البروج (85): آية 15

سورة البروج (85): آية 16

سورة البروج (85): آية 17

سورة البروج (85): آية 18

سورة البروج (85): آية 19

الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ظلما وعدوانا كراهة هدايتهم وايمانهم ثُمَّ بعد ما فعلوا من الإفراط والإسراف لَمْ يَتُوبُوا الى الله ولم يرجعوا نحوه سبحانه عن ظلمهم ولم يستغفروا نحوه نادمين منه فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ الطرد والحرمان عن حضور الحنان المنان وَلَهُمْ ولحق بهم بسبب كفرهم بالله وانكارهم توحيده عَذابُ الْحَرِيقِ بدل ما فعلوا بالمؤمنين من إحراقهم في الأخاديد. ثم عقب سبحانه وعيدهم بوعد المؤمنين فقال إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بوحدة الحق وَأكدوا ايمانهم حيث عَمِلُوا الصَّالِحاتِ المقرونة بالإخلاص في القصد والنيات لَهُمْ عند ربهم جزاء لإيمانهم وأعمالهم تفضلا عليهم جَنَّاتٌ متنزهات العلم والعين والحق تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ اى جداول المعارف والحقائق المنتشئة من بحر الحقيقة وبالجملة ذلِكَ الْفَوْزُ العظيم الشأن البعيد رفعة مكانته عن افهام الأنام هو الفوز الْكَبِيرُ والفضل العظيم الذي لا فوز أعظم منه وارفع. ثم أشار سبحانه الى تهديد اصحاب الضلال المنحرفين عن جادة الاعتدال مخاطبا لحبيبه ﷺ فقال

إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ يا أكمل الرسل واخذه بالعنف لعصاة عباده المائلين عن سبيل سداده وجادة رشاده لَشَدِيدٌ بحيث لا يقاس على شدة بطشه ومضاعف عذابه وانتقامه وكيف يطلق بطشه ويقاوم اخذه

وإِنَّهُ سبحانه هُوَ القادر الغالب الذي يُبْدِئُ ويظهر عموم المظاهر والموجودات من كتم العدم بالقدرة الكاملة الغالبة ثم يخفيها ويعدمها كلها ايضا بكمال قدرته وَيُعِيدُ ويخرجها في فضاء الظهور مرة بعد اخرى بمقتضى قدرته واختياره فكيف يقاوم ويقاس شيء مع قدرته سبحانه هذه وكيف يطيق احد ان يقوم بمعارضته تعالى شأنه في حكمه وينازع سلطانه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا يسئل عن فعله انه حكيم مجيد

وَهُوَ سبحانه ايضا بمقتضى سعة جوده ورحمته الْغَفُورُ الستار المحاء لذنوب من تاب ورجع نحوه مخلصا نادما وان كبرت وكثرت فان رحمته أوسع منها واشمل الْوَدُودُ المحب لإخلاص المذنبين وتوبة المستغفرين وفراغة الخائبين المخبتين المستحيين من الله النادمين على ما صدر عنهم وقت الغفلة والغرور وكيف لا يود ولا يغفر سبحانه مع انه

ذُو الْعَرْشِ إذ هو المستوي على عروش عموم ما ظهر وبطن بالاستيلاء التام والاستقلال الكامل الْمَجِيدُ العظيم في ذاته وصفاته وأسمائه وأفعاله إذ لا وجود سواه ولا كون لغيره فظهر انه

فَعَّالٌ بالاستقلال والاختيار لِما يُرِيدُ إذ جميع الأفعال الجارية في ملكه وملكوته صادر عنه باختياره بلا شركة فيها ومظاهرة إذ لا يجرى في ملكه الا ما يشاء بمقتضى علمه الشامل وحكمه الكامل سواء كان انعاما او انتقاما. ثم أشار سبحانه الى تسلية حبيبه ﷺ وحثه على الصبر على اذيات قومه وتكذيبهم إياه مكابرة فقال

هَلْ أَتاكَ اى قد أتاك ووصل إليك وثبت ذلك عندك يا أكمل الرسل بالتواتر حَدِيثُ الْجُنُودِ اى اخبار الأمم السالفة وقصة تكذيبهم للرسل السابقة والكتب السالفة وانتقامنا منهم بعد ما بلغت اذياتهم للرسل غايتها سيما حديث

فِرْعَوْنَ الطاغي الباغي وملائه كيف كذبوا أخاك موسى الكليم عليه السلام وكيف قصدوا مقته وإهلاكه مرارا وكيف انتقمنا منهم واستأصلناهم وَثَمُودَ المردود كيف كذبوا أخاك صالحا عليه السلام وكيف انتقمنا منهم تذكر يا أكمل الرسل قصصهم مع رسلهم وما جرى عليهم من لدنا وبالجملة فاصبر يا أكمل الرسل على ما اصابك من قومك فان ذلك من عزم الأمور فسننتقم منهم ايضا مثل ما انتقمنا من الأمم السالفة الهالكة

بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا بك وبكتابك فِي

499

تَكْذِيبٍ

عظيم من تكذيب الماضين لأنهم قد سمعوا قصصهم وما جرى عليهم بشؤم تكذيبهم فلم يعتبروا ولم ينزجروا فسيلحقهم أشد مما لحقهم من العذاب عاجلا وآجلا

وَبالجملة اللَّهُ المطلع بعموم ما جرى في ضمائرهم من الكفر والشقاق مِنْ وَرائِهِمْ اى وراء هوياتهم الباطلة وتعيناتهم العاطلة مُحِيطٌ بهم بالاحاطة الذاتية بحيث لا يفوته سبحانه شيء من جرائمهم وآثامهم فسيجازيهم عليها حسب احاطته وخبرته وهم ينكرون احاطته ولذلك ينكرون كتابه الجامع لجميع الكمالات الدنيوية والاخروية الغيبية والشهادية ويسبونه الى الشعر والكهانة وانواع التزويرات والمفتريات الباطلة عنادا ومكابرة مع انه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه

بَلْ هُوَ قُرْآنٌ فرقان بين الحق والباطل والهداية والضلال مَجِيدٌ عظيم عند الله مبين مبين لأحكام الدين المستبين مثبت مركوز

فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ ألا وهو حضرة العلم المحيط الإلهي ولوح قضائه المصون عن مطلق التحريف والتغيير. جعلنا الله ممن فاز بنور الايمان وانكشف بحقية القرآن الفرقان بمنه وجوده

سورة البروج (85): آية 20

سورة البروج (85): آية 21

سورة البروج (85): آية 22

خاتمة سورة البروج

عليك ايها الموحد المحمدي المنكشف بحقية القرآن هداك الله الى حقيقته ان تعتقد ان مطلق الحوادث الجارية في عالم الكون والفساد انما هو مثبت في لوح القضاء المصون عن سمة التبديل والتغيير إذ ما يبدل القول والحكم لدى القادر الحكيم العليم والتصرفات الواقعة في عالم الملك والملكوت انما هي مرقومة مرسومة فيه على وجهها بحيث لا يشذ شيء منها عنه والقرآن المجيد منتخب منه وحاو عموم ما ثبت فيه اجمالا ومن أدركته العناية السرمدية وجذبته الجذبة الاحدية يصل من رموز القرآن الى كنوز الأسرار والمعارف التي فصلها الحق في لوح قضائه وحضرة علمه لكن الواصل الى هذه المرتبة العلية أقل من القليل فكن راجيا من الله الجميل ولا تيأس من روح الله انه لا ييأس من روح الله الا القوم الخاسرون

سورة الطارق

فاتحة سورة الطارق

لا يخفى على من تحقق بحيطة الحق وحفظه ورقابته لعموم مظاهره ومجاليه ان كل ما صدر عن من صدر وعلى اى وجه صدر فان الله عليه رقيب عتيد يحافظه ويراقبه سواء كان خيرا او شرا نفعا او ضرا عملا او اعتقادا حالا او مقالا والسر في ذلك ان لا يغفل العبد عن الله بحال من الأحوال ولا في شأن من الشئون وكيف يغفل عنه سبحانه فانه دائما مستمد منه سبحانه في عموم حالاته حسب أنفاسه ولحظاته وخطراته لذلك اقسم سبحانه لإثبات هذا المطلب العظيم العزيز بما اقسم ليكون العبد على ذكر من ربه وحضور عنده بحيث لا يغيب عنه سبحانه لمحة وطرفة حتى لا يصدر عنه ما لا يرضى به سبحانه بمتابعة شياطين القوى الامارة الناسوتية فقال سبحانه متيمنا بِسْمِ اللَّهِ المراقب لأحوال عباده كيلا يوسوس في صدورهم الشيطان الرَّحْمنِ عليهم يحفظهم عن موجبات الندامة والخذلان الرَّحِيمِ لهم يهديهم الى طريق الجنان

الآيات

سورة الطارق (86): آية 1

وَالسَّماءِ اى بحق سماء الأسماء اللاهوتية المصونة عن مطلق التغيير والزوال المتعالية عن مدارك الوهم ومشاعر الخيال وَبحق الطَّارِقِ الذي يتخطف منها على آحاد الرجال بعد ما هاجروا عن بقعة الناسوت متشمرين بالعزيمة الخالصة نحو فضاء اللاهوت بمقتضى الجذب الجبلي والميل الفطري المعنوي ثم أبهمه سبحانه

500

سورة الطارق (86): آية 2

سورة الطارق (86): آية 3

سورة الطارق (86): آية 4

سورة الطارق (86): آية 5

سورة الطارق (86): آية 6

سورة الطارق (86): آية 7

سورة الطارق (86): آية 9

سورة الطارق (86): آية 9

سورة الطارق (86): آية 10

سورة الطارق (86): آية 12

سورة الطارق (86): آية 13

على حبيبه تعظيما وتفخيما فقال

وَما أَدْراكَ ايها المظهر الكامل اللائق لفيضان الطوارق اللاهوتية مَا الطَّارِقُ حين كنت مقيدا في عالم الناسوت حسب هويتك وبعد ما أطلقك الحق عن قيود عالم الناسوت عرفت ان الطارق الذي يطرقك من عالم اللاهوت وفضاء الجبروت انما هو

النَّجْمُ الثَّاقِبُ اى الجذبة الاحدية المضيئة اللامعة المتشعشعة الناشئة البارقة من عالم العماء الذي هو محل كمال الجلاء والانجلاء الذاتي والجذوة المتشعشعة المشتعلة الساطعة من نار العشق والمحبة المفرطة الإلهية الى شجرة ناسوتك القابلة ذلك بعد ما أمرك بالتجرد عن كسوة ناسوتك أنا الله لا اله الا أنا فاخلع نعليك واطرح لوازم نشأتك بعد ما سمعت يا أكمل الرسل فاسترح في مقعد صدقك عند ربك انك بالوادي المقدس عن رذائل لواحق نشأة الناسوت طوى أى قد طويت دونك العوائق البشرية مطلقا وأنا اخترتك لمظهرية المعارف والحقائق المستلزمة لرتبة الخلافة والنيابة فاستمع لما يوحى إليك من الآيات البينات لمراسم التوحيد واليقين وبالجملة وبحق هذين القسمين العظيمين

إِنْ كُلُّ نَفْسٍ اى ما كل نفس من النفوس الطيبة والخبيثة الكائنة في عالم الكون والفساد لَمَّا اى الا عَلَيْها حافِظٌ من قبل الحق يحفظ لها أقوالها وافعالها وحالاتها حتى يدفعها ويسلمها الى المقادير التي حصلت عنها وصدرت على طبقها حتى جوزيت على مقتضاها وبعد ما سمع الإنسان ما سمع من الحكمة العلية الإلهية

فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ المركب من الجهل والنسيان وليتأمل في منشئه مِمَّ خُلِقَ يعنى فليراجع وجدانه ولينظر مبدأه ومنشأه حتى يظهر له من أى شيء قدر وجوده فيعرف قدره ولم يتعد طوره مع انه انما

خُلِقَ وقدر مِنْ ماءٍ مهين مسترذل دافِقٍ مدفوق مصبوب في الرحم على وجه التلذذ والاضطراب من كلا الجانبين مع انه

يَخْرُجُ ذلك الماء المهين مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ اى من ظهر الرجل وصدر المرأة وبعد ما تأمل الإنسان في مبدئه وعرف اصل نشأته تفطن منه ان وفقه الحق الى قدرة الصانع الحكيم العليم الذي خلقه من هاتين الفضلتين الخبيثتين ورباه الى ان صار بشرا سويا قابلا لفيضان انواع المعارف والحقائق لائقا للخلافة الإلهية مهبطا للوحى والإلهام من لدنه سبحانه وتفطن ايضا بل جزم وتيقن ان من قدر خلقه وإيجاده ابتداء

إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ وإعادته وبعثه من القبور لَقادِرٌ البتة فكيف ينكر قدرته سبحانه على البعث والحشر مع ان الإعادة أهون عنده من الإبداء تأملوا ايها المجبولون على فطرة العبرة والتكليف

يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ وتكشف الستائر ويظهر ما خفى من الضمائر من الإنكار والإصرار وفواسد النيات والأعمال

فَما لَهُ اى للإنسان حينئذ مِنْ قُوَّةٍ يدفع بها عن نفسه ما يترتب على اعماله وأحواله من العذاب والعقاب على وجه الجزاء وَلا ناصِرٍ يدفعه وينصره إذ كل نفس يومئذ رهينة بما كسبت مشغولة بجزاء ما جرت عليه خيرا كان او شرا. ثم اقسم سبحانه بما اقسم لإثبات حقية القرآن وفضله وكونه برئيا عن قدح القادحين وطعن الطاعنين فقال وَالسَّماءِ اى وحق سماء الأسماء اللاهوتية الإلهية التي هي في أعلى درجات الارتفاع ذاتِ الرَّجْعِ والعود إذ تدور على هياكل عالم الناسوت طرفة وترجع في الحال الى عالمها دفعة كالبرق الخاطف ولا تدوم ولا تستقر آثارها الا لأرباب العناية من البدلاء الذين قد بدلت لوازم ناسوتهم بالمرة بخواص اللاهوت وارتفعت البشرية عنهم مطلقا

وَالْأَرْضِ اى ارض الطبيعة والهيولى القابلة لانعكاس ما لمع عليه سماء الأسماء ذاتِ الصَّدْعِ اى التأثر والتشقق بقبول اثر مؤثرات عالم اللاهوت يعنى وبحق هذين القسمين العظيمين

إِنَّهُ

501

اى القرآن لَقَوْلٌ فَصْلٌ فاصل فارق بين الحق والباطل والهداية والضلالة

وَما هُوَ بِالْهَزْلِ كما زعمه المسرفون المفرطون في شأنه بل هو جد كله صدر عن حكمة متقنة بالغة الهية لمصلحة الهداية والإرشاد لعموم العباد وبالجملة إِنَّهُمْ يعنى طغاة مكة خذ لهم الله يَكِيدُونَ كَيْدًا ويمكرون في ابطال القرآن واطفاء نوره الفائض على عموم الأعيان فيرمونه بأنواع القدح والطعن مراء ومكابرة وينسبونه الى ما لا يليق بشأنه عنادا

وَأَكِيدُ انا ايضا في أخذهم وانتقامهم بعد ما استحقوا الأخذ والانتقام كَيْدًا على سبيل الاستدراج والاستمهال بحيث لا يحتسبون بل يحملون امهالنا إياهم على الإهمال لذلك يغترون ويجترءون في قدحه وطعنه وبعد ما سمعت يا أكمل الرسل

فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أنت ايضا ولا تستعجل بانتقامهم ولا تشتغل بالدعاء عليهم سريعا إذ امهالنا ابتلاء منا لهم وفتنة جالبة لمصيبة عظيمة ومتى تحققت يا أكمل الرسل ما قلنا لك أَمْهِلْهُمْ واعرض عن المراء والمجادلة معهم وانتظر لمقتهم وترقب لهلاكهم رُوَيْدًا امهالا يسيرا في زمان قليل وسيظهر عن قريب دينك على عموم الأديان وهم يقهرون ويستأصلون. جعلنا الله ممن صبر وظفر بمبتغاه بمنه وجوده

سورة الطارق (86): آية 14

سورة الطارق (86): آية 16

سورة الطارق (86): آية 17

خاتمة سورة الطارق

عليك ايها المتوكل على الحق المتبتل نحوه بالعزيمة الخالصة ان تفوض عموم أمورك الى ربك بحيث لا يحظر ببالك ان تلتفت الى تحصيلها باستبدادك وتتخذه كفيلا حسيبا كافيا لجميع حوائجك واشغالك وبالجملة كن فانيا في الله يكفك جميع مؤنك إذ الكل بالله ومن الله وفي الله بل أنت ما أنت بل أنت هو بل هو هو لا حول ولا قوة الا بالله العلى العظيم كل شيء هالك الا وجهه له الحكم واليه ترجعون

سورة الأعلى

فاتحة سورة الأعلى

لا يخفى على المحمديين الموحدين الواصلين الى مقام التمكين بلا تلعثم وتلوين ان العارف المحقق بعد ما قد وصل الى مقام الفناء في الله وحصل له ذوق التوحيد الذاتي والبقاء السرمدي لم يبق في بصر شعوره من مشهوده سوى الوحدة الذاتية الصرفة الخالية عن تعدد الأسماء والصفات مطلقا إذ تلون الأوصاف وتعدد الأسماء من جملة الحجب والغطاء عند ارباب المحبة والولاء المتحققين بعالم العماء الذي لا يمكن التعبير عنه مطلقا لاضمحلال الحجب والآلات التي بها يتوسل الى التعبير والإشارة والرمز والغمز والإيماء وبالجملة لا يسع حينئذ سوى التقديس والتسبيح إذ لا يحتاج المسبح المقدس الى التوسل مطلقا لذلك امر سبحانه حبيبه ﷺ بعد ما وصل الى ما وصل من القرب والشهود بالتسبيح ولقنه بالتقديس المقارن لاسمه الأعلى لا على وجه الاسمية والاضافة ولا على وجه الوصفية إذ الاسم والوصف وسائر الاعتبارات المسبوقة بالشعور والإدراك لا يسعه في ذلك المقام ولا على معنى التفضيل ايضا فانه مسبوق بالإدراك والحضور بل على وجه العجز والقصور عن الإدراك والتعبير والإشارة وعن مطلق الوسائل والأسباب المؤدية الى الاخبار عنه سبحانه إذ قد كلت حينئذ ألسنة الاستعدادات عن مطلق الإيماء والإشارات وانحسرت المدارك والعقول عن عموم الإدراكات والشعور فصار الكل مبهوتا حائرا هائما بل فانيا مضمحلا بحيث لم يبق له لا اسم ولا رسم ولا خبر ولا اثر وبعد ما وقع ما وقع ووصل الى ما وصل فقد وقع

502

على الله فأمره بمقتضى علمه وحكمته حسب ارادته ومشيته فقال بعد التيمن بِسْمِ اللَّهِ الى ذاته عن احلام الأنام وافهام الخواص والعوام الرَّحْمنِ لعموم عباده يدعوهم الى دار السلام الرَّحِيمِ لخواصهم يهديهم الى ارفع المكانة وأعلى المقام

الآيات

سورة الأعلى (87): آية 1

سورة الأعلى (87): آية 2

سورة الأعلى (87): آية 3

سورة الأعلى (87): آية 4

سورة الأعلى (87): آية 5

سورة الأعلى (87): آية 6

سورة الأعلى (87): آية 7

سورة الأعلى (87): آية 8

سورة الأعلى (87): آية 9

سَبِّحِ لله يا من غرق في تيار البحر الزخار للوجود وتلاشى في لمعات شمس الشهود اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى وان لم يبق لك التوسل بمطلق الأسماء بعد ما فنيت في المسمى ثم تذكر بمقتضى حصة عبوديتك نعمه الواصلة إليك بعد ان فزت بحلل البقاء استحضارا وتذكيرا لما جرى عليك من الشئون والأطوار في نشأة ناسوتك إذ هو سبحانه القادر المقتدر

الَّذِي خَلَقَ وأوجد عموم ما خلق واظهر فَسَوَّى خلق الكل بحوله وقوته واختياره مع ما يتعلق به ويترتب عليه في معايشه ومعاده

وَهو الحكيم العليم القدير الَّذِي قَدَّرَ المقادير ودبر التدابير واحسن التصاوير وأودع فيها ما أودع من الاستعدادات والقابليات الجالبة لانواع الكمالات وبعد ما هيأها وعدلها فَهَدى اى هدى الكل الى ما جبلوا لأجله بوضع التكاليف المشتملة على الأوامر والنواهي والاحكام الواجبة والمندوبة والأخلاق المرضية والآداب السنية ليتمرنوا على الأمور المذكورة ويترسخوا فيها بالعزيمة الخالصة والجزم التام حتى يستعدوا لان تفيض عليهم طلائع سلطان الوحدة الذاتية المنقذة لهم عن ورطة الناسوت الموصلة لهم الى فضاء اللاهوت

وَهو سبحانه القادر المقتدر الَّذِي أَخْرَجَ بكمال قدرته واثبت واظهر الْمَرْعى الحاصل في مرتع الدنيا باجناسها وأصنافها تتميما لتربية دواب الطبائع وحوامل الأركان القابلة لتأثيرات عالم الأسماء والصفات ليتقوموا بها ويستعدوا لفيضان المعارف والحقائق وانواع الكمالات اللائقة التي هم جبلوا لأجلها وبعد ما حصل من الكمالات المنتظرة في نشأة الناسوت

فَجَعَلَهُ سبحانه مرعى العالم مع كمال نضارتها وبهائها في نظر شهود اولى الألباب الناظرين بنور الله من وراء سدول الأسماء والصفات غُثاءً يابسا بل سرابا باطلا عاطلا وبعد ما تحققوا بمقر التوحيد ورفعوا وسائل الأوصاف والأسماء من البين فصار الكل حينئذ هباء أَحْوى بل عدما لا يبقى اسود موحشا بعد ما كان اخضر مفرحا ثم التفت سبحانه نحو حبيبه ﷺ على سبيل التفضل والامتنان فقال على طريق الوصاية والتذكير

سَنُقْرِئُكَ ونجعلك قارئا يا أكمل الرسل مراقبا على وجوه الوحى والإلهام النازل من لدنا عليك مع انك أمي لم يعهد من مثلك أمثالها فَلا تَنْسى يعنى عليك ان تضبط هذه النعمة وتحفظها على وجهها وتواظب على أداء شكرها بلا فوت شيء منها بزيادة عليها او تحريف فيها

إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ العليم الحكيم نسيانه منك بان نسخ تلاوته او حكمه او كلاهما على مقتضى حكمته المتقنة ومصلحة عباده المستحكمة وبعد ما سمعت يا أكمل الرسل ما سمعت فدم عليها ولا تغفل عنها سرا وجهرا حالا ومقالا إِنَّهُ سبحانه يَعْلَمُ منك الْجَهْرَ وَما يَخْفى يعنى ظاهرك وباطنك اى يعلم سبحانه منك جميع ما امتثلت بظاهرك من مقتضيات الوحى والإلهام وبباطنك من الإخلاص في النيات والحالات والخلوص في العزائم والمقامات

وَاعلم يا أكمل الرسل انا بمقتضى عظيم جودنا معك مراقبون لك في عموم شئونك واطوارك نُيَسِّرُكَ ونوفقك على التدين والتحفظ بمقتضيات الوحى لِلْيُسْرى اى الطريقة والشريعة السهلة السمحة البيضاء وبعد ما يسرنا لك وسهلنا عليك طريق الهداية والإرشاد

فَذَكِّرْ بالقرآن وبين الاحكام الموردة فيه للناس إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى اى سواء نفعت عظتك وتذكيرك إياهم او لم تنفع

503

إذ ما عليك الا البلاغ وعلينا الحساب ولا تيأس يا أكمل الرسل من مبالغتهم في الاعراض والانصراف عنك وعن تذكيرك واعلم انه

سَيَذَّكَّرُ ويتعظ بتذكيرك مَنْ يَخْشى من بطش الله ومن كمال قدرته على وجوه الانتقام سيما بعد التأمل في معاني القرآن مرارا والتدبر في فحاويه تكرارا قد تنبه على حقيته فتذكر به وامتثل بما فيه

يَتَجَنَّبُهَا

اى يعرض عنها وعن سماعها يعنى سماع الذكرى والعظة التي هي القرآنْ َشْقَى

اى الكافر الذي جبل على فطرة الشقاوة وجبلة الجهل والغباوة

الَّذِي يَصْلَى ويدخل في النشأة الاخرى النَّارَ الْكُبْرى التي هي أضعاف نار الدنيا في الحرارة والحروقة لذلك قال كبرى او في الدرك الأسفل منها وهو أكبرها

ثُمَّ لما دخل في نار القطيعة والحرمان بأنواع الخيبة والخذلان لا يَمُوتُ فِيها حتى يستريح ويخلص وَلا يَحْيى حياة نافعة طيبة كسكان بقعة الإمكان الداخلين في نيران الشهوات ودركات الأماني والآمال بحيث لا يموتون حتى يستريحون ولا يحيون بلا منية الامنية وغل الأمل وسلسلة الحرص والطمع وبالجملة هم معذبون في عموم الأوقات والأحوال لا نجاة لهم فيها ما داموا في قيد الحياة وبعد ما ماتوا بأنواع الحسرات سيصلون في أسفل الدركات وأصعب العقبات. هب لنا جذوة من نار المحبة تنجينا من نيران الإمكان في النشأة الاولى والاخرى. ثم قال سبحانه على سبيل التنبيه

قَدْ أَفْلَحَ وفاز بالدرجة القصوى والمرتبة العليا مَنْ تَزَكَّى وتطهر عن ادناس الطبائع وإكدار الهيولى من الميل الى الدنيا وما فيها من اللذات الفانية والشهوات الغير الباقية وتوجه نحو المولى بالعزيمة الخالصة

وَذَكَرَ في أوائل الطلب ومبادي الارادة اسْمَ رَبِّهِ اى جنس الأسماء الإلهية متفطنا بمعناها يقظانا بفحواها فرحانا بمضمونها متشوقا الى لقياه سبحانه فَصَلَّى ومال نحوه سبحانه في الأوقات المحفوظة المأمور بالأداء فيها محرما على نفسه عموم مبتغاه من دنياه

بَلْ هؤلاء الحمقى الهلكى التائهون في تيه الغفلة والضلال المغلولون بأغلال الأماني والآمال تُؤْثِرُونَ وتختارون الْحَياةَ الدُّنْيا المستعارة الفانية على الحياة الحقيقية الاخروية الباقية وكذلك تجمعون اسباب الفساد والإفساد ولا تتزودون ليوم المعاد

وَالْآخِرَةُ اى والحال ان الآخرة وما وعد فيها من اللذات الروحانية الباقية خَيْرٌ مما في الدنيا وأمانيها وَأَبْقى وأدوم بحيث لا انقطاع لها ولا نهاية للذاتها وبالجملة

إِنَّ هذا الذي وعظك الحق به يا أكمل الرسل ووصاك بحفظه وبالامتثال به والاتصاف بمضمونه لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى اى مثبت مسطور فيها على وجهه وتلك الصحف هي

صُحُفِ جدك يا أكمل الرسل إِبْراهِيمَ الخليل الفائق في الخلة والفلاح على عموم ارباب الصلاح والنجاح وَصحف أخيك مُوسى الكليم الفائز من عند الله بالفوز العظيم ألا وهو مرتبة التكلم والتكليم مع الله العليم. جعلنا الله من خدامهم وتراب اقدامهم

سورة الأعلى (87): آية 10

سورة الأعلى (87): آية 11

سورة الأعلى (87): آية 12

سورة الأعلى (87): آية 13

سورة الأعلى (87): آية 14

سورة الأعلى (87): آية 15

سورة الأعلى (87): آية 16

سورة الأعلى (87): آية 17

سورة الأعلى (87): آية 18

سورة الأعلى (87): آية 19

خاتمة سورة الأعلى

عليك ايها الطالب للفلاح الأخروي الحقيقي والنجاح المعنوي ان تزكى أولا نفسك عن مطلق الرذائل العائقة عن التوجه الحقيقي نحو الحق وتصفى سرك عن الميل الى مزخرفات الدنيا الدنية وأمانيها الغير المريئة الهنيئة فعليك ان ترغب نفسك عن مقتضيات الإمكان ولا تغريها الى لذاتها وشهواتها فعليك ان تلازم الخلوة والخمول وتجتنب عن اصحاب الثروة والفضول حتى يعينك الحق

504

على التلقي بالقبول ويوفقك على ما يوصلك الى الفوز والفلاح ويرشدك الى سبيل النجاة والنجاح. ربنا افتح لنا أبواب رحمتك انك أنت الكريم الفتاح

سورة الغاشية

فاتحة سورة الغاشية

لا يخفى على المحققين المنكشفين بالنشأة الاخروية المتحققين بظهور الحق حسب النشأتين ان وقوف العباد بين يدي الله وعرض الأعمال عليه سبحانه والحساب عليها والجزاء على مقتضاها مشهودة للعارف المحقق مكشوفة عنده في كل آن وزمان وبعد الحساب والجزاء فرقة منهم رابحون مقبولون عند الله وفرقة خاسرون مردودون فالمقبولون في كنف جوار الله مسرورون متنعمون والمردودون في نار القطيعة والحرمان محزومون مطرودون لذلك اخبر سبحانه في هذه السورة على سبيل المبالغة والتأكيد مخاطبا لحبيبه ﷺ فقال بعد ما تيمن بِسْمِ اللَّهِ القادر المقتدر على عموم مقدوراته حسب النشأتين الرَّحْمنِ على عموم عباده ينبههم نحو المرجع والمعاد الرَّحِيمِ لخواصهم يهديهم الى سبيل الرشاد

الآيات

سورة الغاشية (88): آية 1

سورة الغاشية (88): آية 2

سورة الغاشية (88): آية 3

سورة الغاشية (88): آية 4

سورة الغاشية (88): آية 5

سورة الغاشية (88): آية 6

سورة الغاشية (88): آية 7

سورة الغاشية (88): آية 8

سورة الغاشية (88): آية 9

سورة الغاشية (88): آية 10

سورة الغاشية (88): آية 11

سورة الغاشية (88): آية 12

سورة الغاشية (88): آية 13

سورة الغاشية (88): آية 14

سورة الغاشية (88): آية 15

سورة الغاشية (88): آية 16

سورة الغاشية (88): آية 17

هَلْ أَتاكَ اى قد أتيك ووصل إليك وانكشف لك يا أكمل الرسل حَدِيثُ الْغاشِيَةِ اى الداهية العظيمة التي تغشى الناس وتحيط بهم يوم القيامة بشدائدها حين وقفوا بين يدي الله للعرض والجزاء وهم حينئذ من شدة الهول والفزع حيارى سكارى تائهون هائمون مرعوبون ما يفعل بهم وكيف يحكم عليهم وبعد ما أخذوا للحساب وحوسبوا

وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ ذليلة شاخصة منكوسة

عامِلَةٌ يومئذ باعمال لا تنفعها كالتوبة والتوجه وطلب العفو والمغفرة بعد مضى أوانها ناصِبَةٌ مبالغة في تحمل التعب والمشقة رجاء ان يعفى عنها ويغفر لها مع انها لا ينفعها حينئذ عملها وان اتعب نفسها لانقضاء نشأة الاختبار المأمورة فيها الأعمال بل

تَصْلى بالطرح حينئذ نارًا حامِيَةً في نهاية الحر والحرقة تأكيدا وتشديدا لعذابها

تُسْقى عند الأشراف على الهلاك عن غاية العطش مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ متناهية في الحرارة والسخونة المفرطة وكيف لا وقد أوقدت حولها نار جهنم منذ خلقت هذا شرابهم

ولَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ اى شبرق يابس امر من الصبر وابشع من جميع الأشياء البشيعة ومع نهاية بشاعته ومرارته وشدة حرارته

لا يُسْمِنُ حتى يزيد في قوتهم وَلا يُغْنِي ولا يدفع مِنْ جُوعٍ وبالجملة لا يفيدهم أصلا

ووُجُوهٌ أخر يَوْمَئِذٍ على عكس ذلك إذ هي ناعِمَةٌ متنعمة مبتهجة مسرورة

لِسَعْيِها الذي قد تحملته من انواع المتاعب والمشاق في نشأة الدنيا راضِيَةٌ سيما بعد ما رأت ما ترتب على سعيها من الجزاء وكيف لا ترضى وهي متنعمة يومئذ بسبب ذلك السعى وبالجملة هي متمكنة يومئذ

فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ متعالية أوصاف نزاهتها ونضارتها عن مدارك العقول ومشاعر الخواص مصفاة عن مطلق المكاره بحيث

لا تَسْمَعُ فِيها كلمة لاغِيَةً لا فائدة لها ولتتميم نزاهتها ونضارتها

فِيها عَيْنٌ ماؤها في غاية البياض والصفاء جارِيَةٌ في خلالها وكذلك أنهارها ابدا ولتكميل ترفههم وتنعمهم

فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ مرتفعة عن الأرض على قوائم طوال

وَأَكْوابٌ أوان لا عروة لها مَوْضُوعَةٌ بين أيديهم

وَنَمارِقُ وسائد في غاية الصفاء والبهاء متلونة بألوان مطبوعة مَصْفُوفَةٌ مفروش بعضها في جنب بعض

وَزَرابِيُّ بسط أخر فاخرة متلونة مَبْثُوثَةٌ مبسوطة مفروشة وبالجملة لا تستبعدوا ولا تستغربوا عن قدرة الله أمثال هذا

أَ

505