الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبيةالجزء 1 · ص 17 - 24

الجزء الأول

الجزء الأول

حكمه واسرار أحكامه. وبالجملة من استشعر بحكم القرآن واعتبر من عبره فقد استهدى منها الى معارفه وحقائقه ورموزه وإشاراته ومكاشفاته ومشاهداته التي ما نزل عموم ما نزل من عند الله الا لأجلها. وبالجملة من تشبث بالقرآن وامتثل بما فيه من الحكم والاحكام وتخلق بأخلاقه واتصف بآدابه فقد تحقق بمرتبة الإنسان الكامل الذي هو مرآة الحق يتراءى منه عموم أوصافه وأسمائه الذاتية جعلنا الله من زمرة من امتثل بأوامر القرآن واجتنب عن نواهيه واعتبر من عبره وأمثاله وتخلق بما فيه من أخلاقه المأمورة بها لخلص عباد الله ومن جملة من أطاع الله ورسوله واستن بسننه السنية وآدابه الرضية المرضية بمنه وجوده فها أنا اشرع فيما اقصد وافتتح ما أريد والله الموفق والملهم للخير والصواب وعنده أم الكتاب.

سورة الفاتحة

فاتحة سورة الفاتحة

فاتحة سورة الفاتحة «1»

الآيات

سورة الفاتحة (1): آية 1

لا يخفى على من أيقظه الله تعالى من منام الغفلة ونعاس النسيان ان العوالم وما فيها انما هي من آثار الأوصاف الإلهية المترتبة على الأسماء الذاتية إذ للذات في كل مرتبة من مراتب الوجود اسم خاص وصفة مخصوصة لها اثر مخصوص هكذا بالنسبة الى جميع مراتب الوجود ولو حبة وذرة وطرفة وخطرة والمرتبة المعبر عنها بالأحدية الغير العددية والعمآء الذي لاحظ لأولى البصائر والنهى منها الا الحسرة والحيرة والوله والهيمان وهي غاية معارج عروج الأنبياء ونهاية مراتب سلوك الأولياء فهم بعد ذلك يسيرون فيه لا به واليه الى ان يستغرقوا فيتحيروا الى ان يفنوا لا اله الا هو كل شيء هالك الا وجهه ثم لما أراد سبحانه ارشاد عباده الى تلك المرتبة ليتقربوا إليها ويتوجهوا نحوها حتى ينتهى توجههم وتقربهم الى العشق والمحبة الحقيقية الحقية المؤدية الى إسقاط الاضافة المشعرة للكثرة والاثنينية وبعد ذلك خلص نيتهم وصح طلبهم للفناء فيه نبه سبحانه الى طريقه إرشادا لهم وتعليما في ضمن الدعاء له والمناجاة معه متدرجا من نهاية الكثرة الى كمال الوحدة المفنية لها متيمنا بِسْمِ اللَّهِ المعبر به عن الذات الاحدية باعتبار تنزلها عن تلك المرتبة العمائية إذ لا يمكن التعبير عنها باعتبار

  • (1) اعلم ان كل امر من الأمور التي يبين بها شيء من الأشياء او يوضح بها حكم من الاحكام او ينسب إليها بداية لا بد وان يكون له فاتحة خاصة له حافظة لمرتبة بدايته وأوليته وخاتمة مخصوصة إياه حافظة لمرتبة نهايته وآخريته وامر ثالث بينهما يكون مرجع الحكمين ومآل الطرفين اليه يجمعهما ويتعين بهما ويتبين منهما ولا شك ان كل سورة من سور القرآن بل كل كتاب وصحف سماوية واسفار الهية نازلة على الأنبياء العظام والرسل الكرام صلوات الله عليهم ما نزلت ووردت حقيقة ومعنى من عنده سبحانه الا ليبين ويوضح به سبحانه لخلص عباده ظهور وحدته الذاتية وهويته الشخصية السارية في عموم الكوائن والفواسد غيبا وشهادة ظاهرا وباطنا الظاهرة في الأنفس والآفاق وفي جميع الأقطار والجهات بكمال الاستقلال والاستحقاق بلا شركة وكثرة أصلا وينبهها عليهم من كل منها بطريق مخصوص وطرز معين إذ زبدة عموم الكتب والصحف الإلهية ما هي الا هذا البيان والتبيان الا وهو العلة الغائية المترتبة على مطلق الإرسال والإنزال حقيقة وكذا على عموم مراتب الولاية المطلقة والنبوة والرسالة بل على بروز عموم الملل والنحل وجميع الأديان والمذاهب ومطلق الشرائع والاحكام الجارية على السنة الرسل الكرام والأنبياء الأمناء العظام عليهم التحية والسّلام فلا بد ان يكون لكل سورة من سور القرآن فاتحة مخصوصة وخاتمة معينة لتكون كل منها ممتازة عن صاحبتها إذ كل سورة من السور القرآنية انما هي رسالة مخصوصة مفرزة مستقلة وسفر مخصوص معين لبيان هذه المصلحة العلية المذكورة آنفا لذلك ما صدرنا كل سورة منها الا بفاتحة خاصة لها وما ختمناها ايضا الا بخاتمة معينة مخصوصة إياها مناسبة كل منهما لما فيها من الحكم والمصالح بتوفيق الله وتيسيره تأمل تفز بسرائرها والعلم عند الله والعالم هو الله هو يرشد نحوه وهو يهدى اليه وما توفيقي الا بالله عليه توكلت واليه أنيب
17

تلك المرتبة أصلا وباعتبار شمولها واحاطتها جميع الأسماء والصفات الإلهية المستندة إليها المظاهر كلها المعبر عنها عند ارباب المكاشفة بالأعيان الثابتة وفي لسان الشرع باللوح المحفوظ والكتاب المبين" الرَّحْمنِ". المعبر به عن الذات الاحدية باعتبار تجلياتها على صفحات الأكوان وتطوراتها في ملابس الوجوب والإمكان وتنزلاتها عن المرتبة الاحدية الى المراتب العددية وتعيناتها بالتشخصات العلمية والعينية وانصباغها بالصبغ الكيانية والكونية الرَّحِيمِ المعبر به عن الذات الاحدية باعتبار توحيدها بعد تكثيرها وجمعها بعد تفريقها وطيها بعد نشرها ورفعها بعد خفضها وتجريدها بعد تقييدها

الْحَمْدُ والثناء الشامل لجميع الاثنية والمحامد الصادرة عن السنة ذرائر الكائنات المتوجهة نحو مبدعها طوعا المعترفة بشكر منعمها حالا ومقالا ازلا وابدا ثابتة مختصة لِلَّهِ اى للذات المستجمع لجميع الأسماء والصفات المظهرة المربية للعوالم وما فيها بأسرها رَبِّ الْعالَمِينَ ولولا تربيته إياها وإمداده لها طرفة لفنى العالم دفعة

الرَّحْمنِ المبدأ المبدع لها في النشأة الاولى بامتداد اظلال أسمائه الحسنى وصفاته العليا على مرآة العدم المنعكس منها العالم كله وجزؤه شهادته وغيبه أولاه وأخراه بلا تفاوت الرَّحِيمِ المعيد للكل في النشأة الاخرى بطى سماء الأسماء وارض الطبيعة السفلى الى ما منه الابتداء واليه الانتهاء

مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ والجزاء المسمى في الشرع بيوم القيامة والطامة الكبرى المندكة فيها الأرض والسماء المطوية عند قيامها سجلات الاولى والاخرى إذ فيها ارتجت الآراء والأفكار وارتفعت الحجب والأستار واضمحلت اعيان السوى والأغيار ولم يبق الا الله الواحد القهار ثم لما تحقق العبد وتمكن في هذا المقام ووصل الى هذا المرام وفوض أموره كلها الى الملك العلام القدوس السّلام حق له ان يلازم ربه ويخاطب معه بلا ستر ولا حجاب تتميما لمرتبة العبودية الى ان يرتفع كاف الخطاب عن البين وينكشف الغين عن العين وعند ذلك قال لسان مقاله مطابقا بلسان حاله

إِيَّاكَ لا الى غيرك إذ لا غير في الوجود معك نَعْبُدُ نتوجه ونسئلك على وجه التذلل والخضوع إذ لا معبود لنا سواك ولا مقصد الا إياك وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ اى ما نطلب الإعانة والأقدار على العبادة لك الا منك إذ لا مرجع لنا غيرك

اهْدِنَا بلطفك الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ الذي يوصلنا الى ذروة توحيدك

صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ من المترددين الشاكين المنصرفين بمتابعة العقل المشوب بالوهم عن الطريق المستبين وَلَا الضَّالِّينَ بتغريرات الدنيا الدنية وتسويلات الشياطين عن منهج الحق ومحجة اليقين آمِّينَ اجابة منك يا ارحم الراحمين

سورة الفاتحة (1): آية 2

سورة الفاتحة (1): آية 3

سورة الفاتحة (1): آية 4

سورة الفاتحة (1): آية 5

سورة الفاتحة (1): آية 6

سورة الفاتحة (1): آية 7

خاتمة سورة الفاتحة

عليك ايها المحمدي المتوجه نحو توحيد الذات يسر الله أمرك وبلغك املك ان تتأمل في الأبحر السبعة المشتملة عليها هذه السبع المثاني من القرآن العظيم المتفرعة على الصفات السبع الذاتية الإلهية الموافقة للسماوات السبع والكواكب السبعة الكونية وتتدبر فيها حق التدبر وتتصف بما رمز فيها من الأخلاق المرضية حتى تتخلص من الأودية السبعة الجهنمية المانعة من الوصول الى جنة الذات المستهلكة عندها جميع الإضافات والكثرات ولا يتيسر لك هذا التأمل والتدبر الا بعد تصفية ظاهرك بالشرائع النبوية والنواميس المصطفوية المستنبطة من الكلم القرآنية وباطنك بعزائمه وأخلاقه ﷺ المقتبسة من حكمها المودعة فيها فيكون القرآن الجامع لهما خلق النبي ﷺ

18

ظاهرا وباطنا الموروث له من ربه المستخلف له فالقرآن خلق الله المنزل على نبيه من تخلق به فاز بما فاز. لذلك قال النبي ﷺ تخلقوا بأخلاق الله التي هي القرآن والفاتحة منتخبة من جميع القرآن على ابلغ وجه وأوضح بيان من تأمل فيها نال بما نال من جميع القرآن لذلك فرض قراءتها عند الميل والتوجه الى الذات الاحدية المعبر عنه بلسان الشرع بالصلوة التي هي معراج اهل الايمان كما قال ﷺ الصلاة معراج المؤمن وقال ايضا لا صلاة الا بفاتحة الكتاب فعليك ايها المصلى المتوجه الى الكعبة الحقيقية الحقية والقبلة الاصلية الاحدية الصمدية ان تواظب على الصلوات المفروضة المقربة إليها وتلازم الحكم والأسرار المودعة في تشريعها بحيث إذا أردت الميل الى جنابه والتوجه نحو بابه لا بد لك أولا من التوضى والتطهر من الخبائث الظاهرة والباطنة كلها والتخلي عن اللذات والشهوات برمتها بحيث يتيسر لك التحريمة بلا وسوسة شياطين الأهواء المضلة فإذا قلت مكبرا لله محرما على نفسك جميع حظوظك من دنياك (الله اكبر) لا بد لك ان تلاحظ معناه بانه الذات الأعظم الأكبر في ذاته لا بالنسبة الى الغير إذ لا غير معه وافعل هذا للصفة لا للتفضيل وتجعلها نصب عينك وعين مطلبك ومقصدك وإذا قلت متيمنا متبركا بسم الله انبعثت رغبتك نحوه ومحبتك اليه وإذا قلت الرّحمن استنشقت من النفس الرحمانى ما يعينك على الترقي نحو جنابه وإذا قلت الرّحيم استروحت من نفحات لطفه ونسمات رحمته وجئت بمقام الاستيناس معه سبحانه بتعديد نعمه على نفسك وإذا قلت مثنيا عليه شاكرا لنعمه الحمد لله توسلت بشكر نعمه اليه وإذا قلت رب العالمين تحققت بمقام التوحيد وانكشفت باحاطته وشموله سبحانه وتربيته على عموم الأكوان وإذا قلت الرّحمن رجوت من سعة رحمته وعموم اشفاقه ومرحمته وإذا قلت الرّحيم نجوت من العذاب الأليم الذي هو الالتفات الى غير الحق ووصلت اليه بعد ما فصلت عنه بل اتصلت وإذا قلت مالك يوم الدين قطعت سلسلة الأسباب مطلقا وتحققت بمقام الكشف والشهود فحينئذ ظهر لك ولاح عليك ما ظهر فلك ان تقول في تلك الحالة بلسان الجمع إياك نعبد بك مخاطبين لك وإياك نستعين بإعانتك مستعينين منك وإذا قلت اهدنا الصراط المستقيم تمكنت بمقام العبودية وإذا قلت صراط الذين أنعمت عليهم تحققت بمقام الجمع وإذا قلت غير المغضوب عليهم استوحشت عن سطوة سلطة صفاته الجلالية وإذا قلت ولا الضالين خفت من الرجوع بعد الوصول فإذا قلت مستجيبا راجيا آمين أمنت من الشيطان الرجيم فلك ان تصلى على الوجه الذي تلى حتى تكون لك صلاتك معراجا الى ذروة الذات الاحدية ومرقاة الى السماء السرمدية ومفتاحا للخزائن الازلية والابدية وذلك لا يتيسر الا بعد الموت الإرادي عن مقتضيات الأوصاف البشرية والتخلق بالأخلاق المرضية والخصائل السنية الإلهية ولا يحصل لك هذا عند الميل الا بالعزلة والفرار عن الناس المنهمكين في الغفلة والانقطاع عنهم وعن رسومهم وعاداتهم بالمرة والا فالطبيعة سارقة والأمراض سارية والنفوس آمرة بالهوى مائلة عن المولى عصمنا الله من شرورها وخلصنا من غرورها بمنه وجوده

سورة البقرة

فاتحة سورة البقرة

لا يخفى على السالكين المتدرجين في مسالك التحقيق المتعطشين بزلال التوحيد ان الطرق الى الله بعدد أنفاس الخلائق إذ ما من ذرة من ذرائر العالم الا وله طريق منها وأقوم الطرق وأحسنها وأوضح السبل وأبينها هو الذي اختاره الله سبحانه لحبيبه ﷺ ولورثته من الأولياء زاد الله فتوحهم في كتابه

19

المسور بالسور المفصلة بالآيات المنقسمة بالمحكمات والمتشابهات المشتملة كل سورة منها على احكام الشريعة وآداب الطريقة واسرار الحقيقة فلا بد للخصائص في لجج بحار القرآن. والغائص فيها لاستخراج فرائد اليقين والعرفان. ان يتأمل في كل سورة منها على وجه ينكشف له ما فيه من الأسرار بقدر استعداده وقابليته والا فغوره بعيد وقعره عميق منها سورة البقرة المشتملة اوائلها على الاحكام الشرعية المهذبة للظاهر عن الرذائل الردية والخصال الغير المرضية وأواسطها على آداب الطريقة من الشيم الجميلة والأخلاق الحميدة المصفية للباطن عن الكدورات البشرية وأواخرها على التوحيد الصرف الذاتي الخالص عن شوب الكثرة وشين الثنوية قطعا وانما خصص ﷺ بأواخر هذه السورة لأنه ﷺ هو المظهر للتوحيد الذاتي بخلاف الأنبياء السالفة صلوات الله عليهم فإنهم لم يظهروه لذلك ختم ببعثته ﷺ امر النبوة والرسالة وانسد طريق الوحى والإنزال ثم لما أراد سبحانه ارشاد عباده الى سبيل الهداية وابعادهم عن طريق الضلال انزل عليهم هذه السورة الجامعة لهما فقال متيمنا متبركا على وجه التعليم مخاطبا لنبيه المبعوث على الخلق العظيم بِسْمِ اللَّهِ المتوحد المتفرد المستغنى بذاته عن جميع الأكوان المتلبس بواسطة أسمائه وصفاته ملابس الحدوث والإمكان الرَّحْمنِ لعباده الذين هم مظاهر أسمائه وصفاته برش نوره عليهم ومد ظله إليهم في معاشهم الرَّحِيمِ لهم في معادهم ينجيهم عن ظلمة الإمكان المعبر عنها بلسان الشرع بالسعير والجحيم ويهديهم الى روضة الرضى وجنة التسليم

الآيات

سورة البقرة (2): آية 1

سورة البقرة (2): آية 2

سورة البقرة (2): آية 3

الم ايها الإنسان الكامل اللائق لخلافتنا الملازم لاستكشاف اسرار ربوبيتنا وكيفية سريان هويتنا الذاتية السارية على صفحات المكونات المداوم للاستفادة والاستنباط من حضرة علمنا المحيط المنتزع عنها والمأخوذ منها

ذلِكَ الْكِتابُ الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه البعيدة درجة كماله عن افهام البشر الجامع لجميع مراتب الأسماء والصفات في عالم الغيب والشهادة المنزل على مرتبتك الجامعة لجميع مراتب الكائنات من الأزل الى الأبد بحيث لا يشذ عنها مرتبة أصلا لا رَيْبَ فِيهِ بانه منزل من عندنا لفظا ومعنى اما لفظا فلعجز جماهير البلغاء ومشاهير الفصحاء عن معارضة اقصر آية منه مع وفور دواعيهم واما معنى فلاشتماله على جميع احوال الحقائق العينية والأسرار الغيبية مما كان وسيكون في النشأتين ولا يتيسر الاطلاع عليها والإتيان بها على هذا النمط البديع الا لمن هو علام الغيوب وانما أنزلناه إليك ايها اللائق لأمر الرسالة والنيابة لتهتدى به أنت الى بحر الحقيقة وتهدى به ايضا من تبعك من التابعين في بيداء الضلالة. إذ فيه هُدىً عظيم لِلْمُتَّقِينَ

الَّذِينَ يحفظون بامتثال أوامره واجتناب نواهيه نفوسهم عن خبائث المعاصي المانعة عن الطهارة الحقيقية ومن الوصول الى المرتبة الاصلية التي هي الوحدة الذاتية والذين يُؤْمِنُونَ يوقنون ويذعنون باسراره ومعارفه بِالْغَيْبِ اى غيب الهوية الوحدانية التي هي ينبوع بحر الحقيقة وإليها منتهى الكل وبعد ذلك يتوجهون بمقتضيات أحكامها نحوها ويهتدون إليها بسببها وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ اى يديمون الميل بجميع الأعضاء والجوارح على وجه الخضوع والتذلل الى جنابه إذ هو المقصد للكل اجمالا وتفصيلا ولكل عضو وجارحة تذلل خاص وله طريق مخصوص يناسبه يرشدك الى تفاصيل الطرق فعله ﷺ في صلاته على الوجه الذي وصل إلينا من الرواة المجتهدين رضوان الله عليهم أجمعين وَلما تنبهوا له بمتابعته ومالوا نحو جنابه سبحانه بالميل الحقيقي بالكلية لم يبق لهم ميل الى ما سواه من المزخرفات الفانية بل الى أنفسهم ايضا لذلك مِمَّا رَزَقْناهُمْ وسقنا إليهم ليكون مبقيا لحياتهم ومقوما لمزاجهم يُنْفِقُونَ في سبيلنا طلبا لمرضاتنا وهربا عما يشغلهم عنا فكيف

20

سورة البقرة (2): آية 4

سورة البقرة (2): آية 5

سورة البقرة (2): آية 6

سورة البقرة (2): آية 7

سورة البقرة (2): آية 8

سورة البقرة (2): آية 9

سورة البقرة (2): آية 10

سورة البقرة (2): آية 11

انفاق الفواضل منه

وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ ينقادون ويمتثلون بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ من الكتاب الجامع اسرار جميع ما انزل من الكتب السالفة على الوجه الأحسن الأبلغ ومن السنن والأخلاق الملهمة إليك وَمع ذلك يعتقدون صريحا ما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ من الكتب المنزلة على الأنبياء الماضين وَمع الايمان بجميع الكتب المنزلة وان كان كل كتاب متضمنا للايمان بالنشأة الآخرة بل هو المقصد الأقصى من جميعها بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أفردها بالذكر اهتماما بشأنها لكثرة المرتابين فيها

وبالجملة أُولئِكَ المؤمنون المعتقدون بجميع الكتب المنزلة على الرسل والموقنون المذعنون بالنشأة الآخرة خاصة عَلى هُدىً عظيم مِنْ رَبِّهِمْ الذي رباهم بأنواع اللطف والكرم الى ان يبلغوا الى هذه المرتبة التي هي الاهتداء الى جناب قدسه وَمع ذلك الجزاء العظيم والنفع الجسيم أُولئِكَ السعداء المقبولون هُمُ الْمُفْلِحُونَ الفائزون الى فضاء الوجوب الناجون عن مضائق الإمكان رزقنا الله النجاة عنه والوصول اليه

ثم قال سبحانه على مقتضى سنته السنية في كتابه هذا من تعقيب الوعد بالوعيد إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اى ستروا الحق واعرضوا عنه وأظهروا الباطل وأصروا عليه عنادا واستكبارا لا ينفعهم إنذارك يا أكمل الرسل وعدمه بل سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ بك وبكتابك

لأنهم قد خَتَمَ اللَّهُ المحيط بذواتهم واوصافهم وأفعالهم عَلى قُلُوبِهِمْ كيلا يكونوا من ارباب المكاشفة وَعَلى سَمْعِهِمْ كيلا يصيروا من اصحاب المجاهدة وَعَلى أَبْصارِهِمْ كيلا يكونوا من ارباب المشاهدة غِشاوَةٌ ستر عظيم وغطاء كثيف لا يمكنك رفعها بل وَلَهُمْ فيها عَذابٌ عَظِيمٌ هو عذاب الطرد والبعد عن ساحة عز الحضور في مقعد الصدق ولا عذاب أعظم منه وبالجملة أولئك الأشقياء المردودون هم الضالون في تيه الحرمان الباقون في ظلمة الإمكان بأنواع الخيبة والخذلان أعاذنا الله من ذلك

وَمِنَ النَّاسِ الذين نسوا العهود السابقة التي عهدوها مع الله في مبدأ الفطرة مَنْ يَقُولُ قولا لا يوافق اعتقادهم وهو انهم يقولون تزويرا وتلبيسا آمَنَّا واذعنا بِاللَّهِ الذي انزل علينا الكتاب والرسول وَقد أيقنا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ الموعود به لجزاء الأعمال وَالحال انه ما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ موقنين بهما في بواطنهم

بل ما غرضهم من هذا التلبيس والتزوير الا انهم يظنون انهم يُخادِعُونَ اللَّهَ المحيط بجميع أحوالهم وأفعالهم مخادعتهم مع آحاد الناس تعالى عن ذلك وَايضا يخادعون الموحدين الَّذِينَ آمَنُوا باحاطة الله بتوفيقه والهامه وانما خادعوا بما خادعوا وقالوا ما قالوا حفظا لدمائهم وأموالهم منهم وَهم لم يعلموا انهم ما يَخْدَعُونَ بهذا الخداع إِلَّا أَنْفُسَهُمْ لان الله سبحانه ومن هو في حمايته من المؤمنين أجل وأعلى من ان ينخدعوا منهم فثبت انهم ما يخدعون بهذا الخداع الا أنفسهم وَما يَشْعُرُونَ بخداعهم وانخداعهم

لأنه كان فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ اى غشاوة وغطاء مختوم على قلوبهم لا ينكشف الا بكتاب الله المنزل على رسوله ﷺ ولما لم يؤمنوا به ولم يلتفتوا اليه عن ظهر القلب بل كذبوا رسوله المنزل عليه كتابه فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا غشاوة وغطاء لأجل ذلك احكاما لختمه وتأكيدا لحكمه وَلَهُمْ مع ذلك في يوم الجزاء عَذابٌ أَلِيمٌ مؤلم وهو ابعادهم وطردهم عن ساحة عز الحضور كل ذلك جزاء بِما كانُوا يَكْذِبُونَ ويقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم تغريرا وخداعا

وَمع ظهور حالهم وخداعهم عند الله وعند المؤمنين إِذا قِيلَ لَهُمْ امحاضا للنصح لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بتكذيب كتاب الله ورسوله المنزل عليه حتى لا تخرجوا من مرتبة الخلافة لان خلافة

21

سورة البقرة (2): آية 12

سورة البقرة (2): آية 13

سورة البقرة (2): آية 14

سورة البقرة (2): آية 15

سورة البقرة (2): آية 16

البشر انما هي بالتوحيد وإسقاط الإضافات والتوحيد انما يحصل بالإيمان بالله وكتابه وبرسوله قالُوا في الجواب على وجه الحصر والقصر إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ لا نتجاوز عن الصلاح أصلا وما قالوا ذلك ايضا الا تتميما وتأكيدا لخداعهم الفاسد الكاسد وترويجا له على المؤمنين تغريرا وتلبيسا

أَلا تنبهوا ايها المؤمنون الموقنون بكتاب الله المصدقون لرسوله إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ المقصورون على الفساد لا يرجى منهم الصلاح والفلاح أصلا لكونهم مجبولون على الغواية الفطرية والفساد الجبلي وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ بمشاعرهم لغشاوة قلوبهم وأبصارهم واسماعهم

وَمن شدة قسوتهم ونهاية غفلتهم وسكرتهم إِذا قِيلَ لَهُمْ تلطفا ورفقا من جانب نبينا ﷺ او من جانب أصحابه الكرام آمِنُوا بالله وبكتابه ورسوله كَما آمَنَ النَّاسُ الذين نسوا مزخرفات آبائهم بالإيمان بالله وبكتابه ورسوله وفازوا في الدارين فوزا عظيما بسبب ايمانهم وعرفانهم قالُوا في الجواب توبيخا وتقريعا أَنُؤْمِنُ ونصدق بهذا الرجل الحقير الساقط عن أعيننا وبهذه الأساطير الكاذبة ونترك دين آبائنا وأسلافنا كَما آمَنَ السُّفَهاءُ منا التاركون دين آبائهم بتغرير هذا المدعى المفترى أَلا تنبه ايها المبعوث لإهداء المضلين المجبولين على فطرة الهداية إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ المجبولون المقصورون على الغواية في بدأ الفطرة لا يمكنك هدايتهم أصلا لعدم قابليتهم واستعدادهم للايمان وَان ظنوا في زعمهم الفاسد بأنهم من العقلاء لكِنْ لا يَعْلَمُونَ ولا يعقلون أصلا لتركب جهلهم في جبلتهم فيسلب قابليتهم الفطرية

وَمن امارات نفاق هؤلاء الضالين المخادعين انهم إِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا بالله وكتابه ورسوله قالُوا على طريق الاخبار عن الأمور المحققة ترويجا وتغريرا على المؤمنين آمَنَّا بالجملة الفعلية الماضوية بلا مبالغة وتأكيد لحكمهم وجزمهم بسفاهة المؤمنين واعتقادهم بان السفيه يقبل الاخبار بلا تأكيد لعدم تفطنه على انكار المتكلم فنزلوهم وان كان من حقهم الإنكار حقيقة منزلة خالي الذهن لسفاهتهم وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ اى بقوا خالين مع أصحابهم المستمرين على الكفر المجاهرين به بلا خداع ونفاق كالشيطان المصر على الضلال المستمر على الإضلال قالُوا على وجه المبالغة والتأكيد قلعا لما اعتقدوا من ظاهر حالهم ومقالهم موافقتهم مع المؤمنين سرا وجهرا وتحقيقا لمواخاتهم معهم حقيقة إِنَّا وان كنا في الظاهر مداهنون مع أولئك الحمقاء الجاهلين لمصلحة دنيوية متفقون مَعَكُمْ لفائدة دينية وقد أتوا بالجملة الاسمية المصدرة بان تحقيقا واهتماما واعلموا ان قولنا آمنا استهزاء منا إياهم لا تصديق لمدعاهم وبالجملة ما نحن مؤمنون لهم بمجرد هذا القول المزخرف بل إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ مستخفون بهم تجهيلا وتسفيها وتغريرا لهم بمجرد القول الكاذب الغير المطابق للاعتقاد والواقع وبالجملة هم من غاية انهماكهم في الغي والضلال مغرورون جازمون بأنهم مستهزؤن بل ما هم في الحقيقة الا مستهزؤن

إذ اللَّهُ المحيط بجميع مخايلهم الباطلة وافكارهم الفاسدة يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ في كل لحظة وطرفة آنا فآنا وَلم يشعرهم باستهزائه إياهم بل يَمُدُّهُمْ يمهلهم ويسوقهم فِي طُغْيانِهِمْ المتجاوز عن الحد في الضلالة بتلبيس الأمر على الله وعلى المؤمنين يَعْمَهُونَ يترددون اقداما واحجاما

وبالجملة أُولئِكَ البعداء الضالون عن طريق الهداية هم الَّذِينَ اشْتَرَوُا اى استبدلوا واختاروا الضَّلالَةَ المتقررة في نفوسهم بتقليد آبائهم بِالْهُدى المتفرع على الايمان بالله وبرسوله فَما رَبِحَتْ بهذا الاختيار والاستبدال تِجارَتُهُمْ اى ما يتجرون به وَما كانُوا مُهْتَدِينَ رابحين هادين بسبب هذا الاستبدال بل

22

سورة البقرة (2): آية 17

سورة البقرة (2): آية 18

سورة البقرة (2): آية 19

سورة البقرة (2): آية 20

خاسرين ضالين به او المعنى فما يثمر تجارتهم اى اتجارهم هذا الربح والهداية وما كانوا مهتدين بهذا الاتجار

مَثَلُهُمْ اى شانهم وحالهم بهذا الاستبدال والاتجار في يوم الجزاء كَمَثَلِ اى كحال الشخص الَّذِي طلب شيأ في الظلمة وترقبه ولم يهتد اليه ولذلك اسْتَوْقَدَ نارًا ليستضيء بها للفوز بمبتغاه فَلَمَّا استوقد وأَضاءَتْ النار ما حَوْلَهُ اى حول المستوقد وترقب حينئذ وجدان مطلوبه ذهب ضوءها وسكن لهبها فضل عن مطلوبه وخسر خسرانا عظيما كما قال سبحانه ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ اى اطفأ الله شعل نيران المنافقين وأنوار سرجهم التي هي كفرهم ونفاقهم على زعمهم الفاسد وأفسد اضاءتها لهم في يوم الجزاء حين ترقبهم بوجدان مطالبهم بحيث لم يهتدوا بها بل قد عذبهم الله بسببها وَتَرَكَهُمْ لأجلها فِي ظُلُماتٍ ظلمة الضلالة المتقررة الراسخة في نفوسهم بتقليد آبائهم المنتجة للكفر والنفاق وظلمة فقدان المطلوب المترتب عليها في زعمهم مع ترقبهم والظلمة العارضة لهم بعد استضاءتهم وبسبب هذه الظلمات المتراكمة لا يُبْصِرُونَ سبيل الهداية ولا يرجى نجاتهم في عذاب الله بل قد صاروا مخلدين فيه ابدا وكيف لا يخلدون وهم في أنفسهم حين دعوة الرسل إياهم

صُمٌّ لعدم اصغائهم لقول الحق على السنة الرسل صلوات الله عليهم بُكْمٌ لعدم قولهم بالإيمان المقارن بالتصديق عُمْيٌ لعدم التفاتهم الى الدلائل الظاهرة والمعجزات الباهرة مع قابليتهم الفطرية واستعدادهم الجبلي فَهُمْ في هذه الحالة لا يَرْجِعُونَ اى لا يطمعون الرجوع الى الهداية بتذكرهم الإفراط والتفريط الذي قد صدر عنهم في النشأة الاولى المستتبع لهذا العذاب

أَوْ كَصَيِّبٍ اى مثلهم في هذا الاستبدال والا تجار كسحاب نازل مِنَ جانب السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ متوالية متتالية بعضها فوق بعض شدة وضعفا بحسب تخلخل السحب وتكاثفها وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ مستحدث من الابخرة والادخنة المحتبسة فيه متى أبصرها الناس وسمعوا أصوات بروقه ورعوده يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ اى انا ملها فِي آذانِهِمْ خوفا مِنَ الصَّواعِقِ النازلة منها المهلكة غالبا لمن أصيب بها وانما يجعلون ويفعلون ذلك كذلك حَذَرَ الْمَوْتِ اى حذر ان يموتوا من اصابتها يعنى انهم لما شبهوا في نفوسهم دين الإسلام بالصيب المذكور في ابتداء ظهوره من غير ترقب واشتماله في زعمهم على ظلمات التكاليف المتفاوتة المتنوعة ورعود الوعيدات الهائلة وبروق الاحكام الخاطفة وجب عليهم الاحتراز عن غوائله بمقتضى أحلامهم السخيفة لذلك مالوا عنه واعرضوا وانصرفوا مرعوبين فجعلوا أصابع أحلامهم وعقولهم في آذان قبولهم خوفا من الصواعق النازلة المصيبة المفنية ذواتهم في ذات الله حذر الموت الإرادي وهم بسبب هذا الميل والاعراض يعتقدون بل يظنون انهم قد خلصوا عن الفناء في ذاته وَلم يعلموا انهم هم المستهلكون فيها المقصورون على الاضمحلال والهلاك إذ اللَّهُ المتجلى في ذاته لذاته مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ الساترين بذواتهم الباطلة حسب زعمهم الفاسد ذات الله سبحانه غافلين عن شروق تجلياته الجمالية والجلالية عليهم وعلى غيرهم دائما وكيف يغفلون عنها أولئك الغافلون الجاهلون

مع انها يَكادُ ويقرب الْبَرْقُ اى برق التجلي اللطفى من غاية قربه يَخْطَفُ ويعمى أَبْصارَهُمْ التي يرون بها أنفسهم ذوات متأصلات في الوجود بل كُلَّما أَضاءَ وأشرق لَهُمْ التجلي اللطفى وأمد عليهم بحسب البسط والجمال مَشَوْا وساروا فِيهِ باقين ببقائه وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ وقبض ظله عنهم بمقتضى التجلي القهرى حسب القبض والجلال قامُوا سكنوا وبقوا على ما هم عليه من العدم وَبالجملة لَوْ شاءَ اللَّهُ المنتقم الغيور

23

سورة البقرة (2): آية 21

سورة البقرة (2): آية 22

سورة البقرة (2): آية 23

سورة البقرة (2): آية 24

المتجلى عليهم بالقهر دائما لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ وبعموم تعيناتهم التي ظنوا أنفسهم بسببها انهم موجودات حقيقية وصيرهم فانين معدومين بحيث لا وجود لهم أصلا كما هم عليه حقيقة دائما عند العارف المحقق المتحقق بوحدة الوجود المسقطة لعموم الكثرات قل لهم يا أكمل الرسل بلسان الجمع إِنَّ اللَّهَ المتجلى بالتجلى اللطفى عَلى إبقاء كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وعلى افنائه ايضا بالتجلى القهرى إذ لا يجرى في ملكه الا ما يشاء

ثم نبه سبحانه على كيفية رجوعهم اليه سبحانه وتنبههم على تجلياته فناداهم إشفاقا لهم وامتنانا عليهم ليقبلوا منه ويتوجهوا نحوه فقال يا أَيُّهَا النَّاسُ الذين نسوا حقوق الله بمتابعة آبائهم اعْبُدُوا على وجه التذلل والتضرع وانقادوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ أخرجكم وأظهركم من كتم العدم باشراق تجلياته اللطفية الى فضاء الوجود وَايضا اخرج آباءكم واسلافكم الَّذِينَ مضوا مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ وتحذرون من تجلياته القهرية هذا في بدء الوجود

وفي المعاش اعبدوا ربكم الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشًا مبسوطا لتستقروا عليها وتسترزقوا فيها وَالسَّماءَ بِناءً وسقفا مرفوعا لترتقى الابخرة والادخنة المتصاعدة إليها وتتراكم السحب الماطرة منها فيها بمقتضى الحكمة المتقنة البالغة وَبعد إيجاد هذه الأسباب أَنْزَلَ بمحض فيضه وفضله مِنَ جانب السَّماءِ ماءً منبتا لكم الزروع والأثمار المقومة لا مزجتكم فَأَخْرَجَ بِهِ سبحانه بعد ما انزل أنواعا مِنَ الثَّمَراتِ لتكون رِزْقًا لَكُمْ مقوما لأمزجتكم كي تعيشوا بها وتتمكنوا بسببها الى الطاعة والعبادة والتوجه نحو توحيده وتفريده سبحانه الذي هو غاية ايجادكم والحكمة في وجودكم وخلقكم ومعظم ما يترتب على بدئكم وظهوركم وإذا كان الأمر كذلك فَلا تَجْعَلُوا ايها المنعمون بأنواع النعم لِلَّهِ الواحد الأحد القهار لعموم الأغيار أَنْدادًا اشباها وأمثالا في استحقاق العبادة والأقدار على الإيجاد والتكوين والترزيق والإنبات والأحياء وغير ذلك مما يتعلق بالالوهية وَأَنْتُمْ وصلتم الى مرتبة التوحيد الذاتي الذي هو المقصد الأقصى من ايجادكم ووجودكم تَعْلَمُونَ يقينا ان سلسلة الأسباب منتهية اليه سبحانه ولا موجد لها سواه بل لا موجود الا هو وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها الا هو والتحقق بهذا المقام والوصول الى هذا المرام لا يتيسر الا بعد التخلق بأخلاق الله والتخلق بأخلاقه سبحانه لا يحصل الا بمتابعة المتخلق الكامل وأكمل المتخلقين نبينا عليه السلام وتخلقه ﷺ انما يكون بالكتاب الجامع لجميع اخلاق الله المنزل على مرتبته الجامعة لجميع مراتب المظاهر

وَإِنْ كُنْتُمْ ايها المحجوبون بالأديان الباطلة فِي رَيْبٍ شك وارتياب مِمَّا نَزَّلْنا بمقتضى تربيتنا وإرشادنا عَلى عَبْدِنا الذي هو خليفتنا ومرآتنا ومظهر جميع اوصافنا وحامل وحينا من الكتاب المنزل عليه من لدنا المشتمل على جميع أخلاقنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ او جملة قصيرة مِنْ مِثْلِهِ في الاشتمال على الأخلاق الإلهية إذ من خواص هذا الكتاب ان مجموعه مشتمل على عموم الأخلاق الإلهية وكذا كل سورة منه ايضا مشتمل على ما اشتمل عليه المجموع اجمالا وتفصيلا تأمل تفز وَان عجزتم أنتم عن آياتنا ادْعُوا شُهَداءَكُمْ اى حضراءكم وظهراء كم التي أنتم تشهدون بالوهيتهم وترجعون في الخطوب والملمات نحوهم مِنْ دُونِ اللَّهِ المحيط بكم وبهم فأمروهم بإتيانها كذلك إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ انهم آلهة غير الله سبحانه تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا

فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا ولم تأتوا بها أنتم ايها الجاهلون المعاندون في حين التحدي والمعارضة وَلَنْ تَفْعَلُوا ايضا ابدا مع تلك التماثيل الباطلة العاطلة بعد ما رجعتم إليهم فلا تكابروا بعد ذلك ولا تنازعوا بل

24