الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبيةالجزء 1 · ص 25 - 32

سورة البقرة (2): آية 25

سورة البقرة (2): آية 25

سورة البقرة (2): آية 26

انقادوا وامتثلوا بأوامر الكتاب المنزل على عبدنا واجتنبوا عن نواهيه فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي قد اخبر الله في الكتاب المنزل مكررا بانه وَقُودُهَا اى ما يتقد به النَّاسُ الذي نسوا الله ويعبدون غيره وَالْحِجارَةُ التي هي معبوداتهم الباطلة التي قد نحتوها بأيديهم وما أُعِدَّتْ وهيئت هذه النار الموصوفة بهذه الصفة الا لِلْكافِرِينَ الجاهلين الجاحدين طريق توحيد الحق والمنكرين المكذبين كتاب الله ورسوله

وَبَشِّرِ المؤمنين الموقنين الموحدين الَّذِينَ آمَنُوا بالكتاب المنزل على عبدنا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ المأمورة لهم فيه واجتنبوا عن الفاسدات المنهية عنها فيه أَنَّ اى قد حق وثبت لَهُمْ بعد رفع القيود وإسقاط الإضافات جَنَّاتٍ متنزهات العلم والعين والحق التي هي المعارف الكلية المخلصة عن جميع القيود المنافية لصرافة التوحيد الذاتي تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ اى انهار المعارف الجزئية المترتبة على تلك المعارف الكلية وهم كُلَّما رُزِقُوا وحظوا مِنْها اى من تلك المعارف الكلية اللدنية مِنْ ثَمَرَةٍ حاصلة من شجرة اليقين المغروسة في قلوبهم رِزْقًا حظا كاملا ونصيبا شاملا يخلصهم من ربقة الإمكان قالُوا متذكرين العهود السابقة هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ في الأعيان الثابتة او في عالم الأسماء والصفات او في اللوح المحفوظ او في عالم الأرواح الى غير ذلك من العبارات وَمن غاية التذاذهم ونهاية شوقهم واحتظاظهم بالثمرة المحظوظ بها أُتُوا بِهِ متماثلا مُتَشابِهًا متجددا بتجدد الأمثال وَلَهُمْ فِيها اى في تلك المراتب الكلية اللدنية أَزْواجٌ اعمال صالحة ونيات خالصة مُطَهَّرَةٌ عن شوائب العوائق المانعة عن الوصول الى دار القرار وَهُمْ فِيها اى تلك المراتب الجنانية خالِدُونَ دائمون بدوامه باقون ببقائه مستغرقون بمشاهدة لقائه سبحانه اللهم أذقنا بلطفك حلاوة التحقيق وبرد اليقين ثم لما طعن الكفار من غاية استكبارهم وعتوهم ونهاية استعظامهم في نفوسهم واعتقادهم الاصالة في الوجود والاستقلال بالآثار المترتبة عليه الصادرة منهم ظاهرا على هذا الكتاب والرسول المنزل عليه قائلين بان ما جئت به وسميته وحيا نازلا إليك من عند الله الحكيم لا يدل على انه كلام من يعتد به ويعتمد عليه فضلا عن ان يدل على انه كلام الحكيم المتصف بجميع أوصاف الكمال المستحق للعبادة لان ما مثل به فيه هي الأشياء الخسيسة الخبيثة والضعيفة الحقيرة مثل الكلب والحمار والذباب والنحل والنمل والعنكبوت وغيرها

والكلام المشتمل على أمثال هذه الأمثال لا يصدر من الكبير المتعال رد الله عليهم وروج امر نبيه صلوات الله عليه فقال إِنَّ اللَّهَ المستجمع لجميع الأوصاف والأسماء المقتضية لظواهر الكائنات المربية لمراتب الموجودات الظاهر على جميع المظاهر بلا تفاوت كظهور الشمس وإشراقها على جميع الآفاق وسريان الروح في جميع الأعضاء لا يَسْتَحْيِي استحياء من في فعله ضعف وله عاقبة وخيمة بل له سبحانه أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا بمظهر ما من المظاهر الغير المتفاوتة في المظهرية اذله سبحانه بذاته ومع جميع أوصافه وأسمائه ظهور في كل ذرة من ذرائر العالم بلا اضافة فلا تفاوت في المظاهر بالنسبة الى ظهوره سبحانه إذ ما ترى في خلق الرّحمن من تفاوت سواء كانت بَعُوضَةً مستحقرة عندكم او احقر منها فَما فَوْقَها في الحقارة والخساسة كالبق والذباب والنمل فلا يبالى الله في تمثيلها إذ عنده الكل على السواء فَأَمَّا الَّذِينَ صدقوا النبي ﷺ الأمي حيث آمَنُوا بجميع ما جاء به من عند ربه فَيَعْلَمُونَ علما يقينيا أَنَّهُ اى التمثيل بهذه الأمثال الْحَقُّ الثابت الصادر مِنْ رَبِّهِمْ الذي رباهم بكشف الأمور على ما هي عليه وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا واعرضوا عن تصديق الحق ورسوله

25

سورة البقرة (2): آية 27

سورة البقرة (2): آية 28

سورة البقرة (2): آية 29

فَيَقُولُونَ مستهزئين متهكمين على سبيل الاستفهام ماذا أَرادَ اللَّهُ المقدس عن جميع الرذائل المتصف بجميع الأوصاف الحميدة على زعمهم بِهذا الدنى الحقير الخسيس بان يضرب مَثَلًا هذا تعريض على رسول الله ﷺ بأبلغ وجه وآكده يعنى جميع ما جئت به كلمات مفتريات بعضها فوق بعض وانما نسبته بالوحي وأسندته الى الله لتروجها على ذوى الأحلام الضعيفة ومن غاية استكبارهم ونهاية جهلهم المقتضى لعمى القلب لم يروا الحكمة في تمثيله ولم يعلموا انه سبحانه يُضِلُّ بِهِ اى بإنكار هذا التمثيل بمقتضى اسمه المنتقم كَثِيرًا من المستكبرين المستحقرين بعض المظاهر وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا من الموحدين الموقنين الذين لا يرون في عموم المظاهر الا الله الظاهر إذ في هذا المشهد العظيم لا تسع الإضافات المستلزمة للاستعظام والاستحقار بل سقط هناك عموم الاضافة والاعتبار ثم بين سبحانه سبب إضلاله

فقال وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ الَّذِينَ يخرجون عن طريق التوحيد باستحقار بعض المظاهر حيث يَنْقُضُونَ اى يفصمون ويقطعون عَهْدَ اللَّهِ الذي هو حبله الممدود من أزل الذات الى ابد الأسماء والصفات سيما مِنْ بَعْدِ توكيده بذكر مِيثاقِهِ الموثق به بقوله الست بربكم وقولهم بلى وَبعد ما نقضوا العهد الوثيق الذي من شانه ان لا ينقض لم يفزعوا ولم يتوجهوا الى جبره ووصله بل يَقْطَعُونَ التوجه عن امتثال ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ في كتابه المنزل أَنْ يُوصَلَ اى لان يوصل به ما نقض من عهده وَمع ذلك لا يقنعون ولا يقتصرون بنقض العهد وقطع الوصل المختصين بهم بل يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ بأنواع الفسادات السارية في أقطارها من إفساد عقائد الضعفاء والبغض مع العرفاء الأمناء والمخاصمة مع الأنبياء والأولياء وبالجملة أُولئِكَ البعداء الضالون عن منهج التوحيد هُمُ الْخاسِرُونَ المقصورون على الخسران الكلى الذي لا خسران أعظم منه أعاذنا الله وعموم عباده من ذلك

ثم استفهم سبحانه مخاطبا لهم مستبعدا لما صدر عنهم من الكفر والطغيان على سبيل الكناية تحريكا لحمية الفطرة الاصلية التي فطر الناس عليها وتذكيرا لهم عن العهد الوثيق الذي عهدوا مع الله في مبدأ فطرتهم بقوله كَيْفَ تَكْفُرُونَ وتشركون بِاللَّهِ الذي قدر وجودكم في علمه السابق وَكُنْتُمْ أَمْواتًا اعداما صرفا لا امتياز لها ولم تكونوا مذكورين وبعد ما قدر وجودكم أراد ايجادكم فَأَحْياكُمْ وأظهركم من كتم العدم بمد ظله عليكم وبعد ما أظهركم أنعم عليكم ورباكم في النشأة الاولى بأنواع النعم لتعرفوا المنعم وتشكروا له في مقابلتها ثُمَّ بعد ما رباكم بأنواع النعم يُمِيتُكُمْ ويخرجكم من النشأة الاولى إظهارا لقدرته وقهره ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ايضا في النشأة الاخرى لتجزى كل نفس بما كسبت في النشأة الاولى ثُمَّ بعد ما قطعتم المنازل وطويتم المراتب والمراحل إِلَيْهِ لا الى غيره من العكوس والاظلال تُرْجَعُونَ إذ لا وجود لغيره ليرجع اليه فثبت ان لا مبدأ سوى الله ولا منتهى ولا مرجع الا هو ولا رجوع الا اليه لا اله الا هو كل شيء هالك الا وجهه له الحكم واليه ترجعون

وبالجملة هُوَ الَّذِي جعلكم خلائف في الأرض وصوركم على صورته وصيركم مظاهر جميع أوصافه وأسمائه وكرمكم على عموم مظاهره ومصنوعاته حيث خَلَقَ اى قدر ودبر لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا يعنى قد سخر لكم جميع ما في العالم السفلى من آثار الأسماء والصفات تتميما لجسمانيتكم وحصة ناسوتكم لتتصرفوا فيها وتنتفعوا بها متى شئتم ثُمَّ لما تم تقدير ما في العالم السفلى ترقى عنه حيث اسْتَوى وتوجه إِلَى السَّماءِ اى الى تقدير ما في العالم العلوي تتميما لحصة لاهوتكم فَسَوَّاهُنَّ وعدلهن وهيأهن سَبْعَ

26

سورة البقرة (2): آية 30

سورة البقرة (2): آية 31

سورة البقرة (2): آية 32

سَماواتٍ مطبقات مشتملات على ملائكة ذوى علوم وإدراكات واعمال ومعاملات وعلى كواكب ذوى خواص وآثار كثيرة كلها من مقتضيات أسمائه وأوصافه ومظاهر لهما وَبالجملة لا يخفى عليه تعالى شيء مما في العالمين إذ هُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ثم لما قدر سبحانه لنوع الإنسان جميع ما في العالم العلوي والسفلى أشار الى اصطفاء شخص من هذا النوع وانتخابه من بين عموم الأشخاص الانسانية ليكون مظهرا جامعا لائقا لأمر الخلافة والنيابة الإلهية فقال مخاطبا لنبيه وحبيبه ﷺ لاستعداده ومرتبته الجامعة لعموم المراتب مذكرا له محضرا إياه

وَإِذْ قالَ رَبُّكَ استحضر أنت يا أكمل الرسل وذكر لمن تبعك وقت قول ربك على طريق المشورة لِلْمَلائِكَةِ الذين هم مظاهر لطفه ومجالي جماله بحيث لا يظهر عليهم اثر من آثار الجلال والقهر الإلهي إِنِّي أريد ان اطالع ذاتى وألاحظ عموم أسمائي وأوصافي على التفصيل فانا جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ اى العالم السفلى خَلِيفَةً مرآة مجلوة عن صدأ الإمكان ورين التعلق لا تجلى فيها بجميع أوصافي وأسمائي ليصلح خليفتي هذا مفاسد عموم عبادي ويحسن أخلاقهم نيابة عنى وبعد ما شاور سبحانه معهم قالُوا في الجواب بمقتضى علمهم من العالم السفلى الذي هو عالم الكون والفساد ومحل الجدال والعناد ما نرى في العالم السفلى الا اللدد والفساد والخصومة المستمرة بين العباد والخروج من حدودك من سفك الدماء ونهب الأموال وسبى الذراري وبالجملة أَتَجْعَلُ يعنى أنسلم ونجوز بعد ما شاورت معنا يا ربنا ان تجعل وتخلق بمقتضى عزك وجلالك خليفة لك نائبا عنك فِيها اى في الأرض سيما مَنْ يُفْسِدُ فِيها بأنواع الفسادات مع انا ننزهك ونقدسك من مطلق الرذائل وَلا سيما من يَسْفِكُ الدِّماءَ المحرمة وبالجملة ليس من وسعنا هذا التسليم ولا نرى هذا الأمر لائقا بعظمتك وجلالك يا مولانا وَان شئت بمقتضى فضلك وجودك ان تصلح بين عبادك وتدبر أمورهم نَحْنُ اولى باصلاحهم وتدبيرهم وحفظ حدودك فيهم إذ نُسَبِّحُ ونشتغل دائما بِحَمْدِكَ وثنائك ونشكرك مستمرا على آلائك ونعمائك وَنُقَدِّسُ لَكَ اى ننزه ذاتك عن جميع ما يشعر بالعلل والأغراض فنحن اولى بخلافتك وبعد ما بسطوا ما بسطوا من الكلام قالَ سبحانه بلسان الجمع في جوابهم إرشادا لهم وامتنانا على آدم إِنِّي أَعْلَمُ من آدم الذي هو مظهر ذاتى وعموم أسمائي وصفاتي ما لا تَعْلَمُونَ أنتم اى من الجمعية التي أنتم لا تشعرون بها لعدم جامعيتكم

ثم لما علم سبحانه استحقاق آدم للنيابة ولياقته للخلافة وأجاب عن شبههم التي قد أوردوها حين المشورة اجمالا أشار الى تفصيل ما أجمل عليهم إرشادا لهم على مرتبة الجمع وتنبيها على جلالة قدر المظهر الجامع فقال وَعَلَّمَ الأسماء آدَمَ اى ذكر سبحانه وفصل له الْأَسْماءَ التي قد اودعها في ذاته وأظهره بمقتضاها وأوجد بها ايضا ما في العالم من الآثار البديعة كُلَّها بحيث لم يبق من الأوصاف المتقابلة والأسماء المتخالفة المتضادة شيء الا ما استأثر الله به في غيبه ثُمَّ عَرَضَهُمْ اى الأسماء المودعة باعتبار مسمياتها وآثارها الظاهرة في الآفاق عَلَى الْمَلائِكَةِ الذين هم يدعون الأولوية لأنفسهم في امر الخلافة فَقالَ سبحانه مخاطبا لهم على سبيل الإسكات والتبكيت أَنْبِئُونِي وأخبروني عن روية صائبة وبصيرة تامة بِأَسْماءِ هؤُلاءِ المسميات وبأسباب هؤلاء الآثار والمسببات إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في دعوى الأولوية والأحقية للنيابة محقين في الاعتراض على آدم لا عن علم بحاله

قالُوا مستوحشين من هذه الكلمات الهائلة المهولة معتذرين متذللين خائفين

27

سورة البقرة (2): آية 33

سورة البقرة (2): آية 34

من عتابه سبحانه وجلين من سوء الأدب مع الله مستحيين عن سؤالهم من فعله الذي لا يسأل عنه مطلقا قائلين سُبْحانَكَ ننزهك ان نعترض عليك ونسأل عن فعلك نحن او غيرنا من المظاهر والمصنوعات فلك الحكم في ملكك وملكوتك والتصرف في مقتضيات أسمائك وصفاتك يا مولانا وانما بسطنا الكلام معك يا ربنا لانبساطك بنا إذ لا عِلْمَ لَنا منها إِلَّا ما عَلَّمْتَنا حسب استعداداتنا وقابلياتنا الفائضة منك علينا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ بجميع القابليات الْحَكِيمُ بافاضة ما ينبغي لمن ينبغي بلا علل وأغراض وبعد ما اعترفوا بذنوبهم واعتذروا عن قصورهم واجترائهم قبل الله عنهم عذرهم وتوبتهم

ثم اظهر عليهم الحكمة المقتضية لخلافة آدم صلوات الله عليه جبرا لانكسارهم ورفعا لحجابهم امتنانا عليهم حيث قالَ يا آدَمُ المستجمع لآثار عموم الأسماء المتخالفة أَنْبِئْهُمْ عن خبرة وحضور تام بِأَسْمائِهِمْ المركوزة في هويتك عن هؤلاء المسميات والمسببات المعروضة عليك المعبر عنها بالعالم ثم لما سمع آدم نداء ربه بادر الى الجواب بمقتضى الوحى والإلهام الإلهي وأجاب بما أجاب فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بتوفيق الله بِأَسْمائِهِمْ على التفصيل الذي أودعه الحق فيه لان المرآة تظهر وتحاكى جميع ما في الرائي ثم لما سمع الملائكة منه ما سمعوا من تفصيل الأسماء المعروضة عليه استحيوا من انبائه وندموا عما صدر عنهم في حقه وزادوا الاستحياء من الله وتوجهوا نحوه ساكتين لائمين أنفسهم حتى لطف سبحانه معهم وأدركتهم العناية الشاملة وشملتهم الرحمة الواسعة حيث تكلم سبحانه معهم وخاطبهم مذكرا لهم عما جرى بينه سبحانه وبينهم مستفهما لهم على وجه التأديب لئلا يصدر عنهم أمثاله ولئلا يغتروا بعلومهم ومعاملاتهم ولا يستحقروا مظاهر الحق مطلقا ولا ينظروا إليها بنظر الاهانة والاستحقار بل بنظر العبرة والاعتبار ولا يتوهموا إخفاء شيء من الله المحيط لعموم الأشياء احاطة حضور وشهود حيث قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ أولا اجمالا إِنِّي أَعْلَمُ منكم غَيْبَ السَّماواتِ اى عالم الأسباب التي قد ادعيتم العلم بتفاصيل أحوالها وَغيب الْأَرْضِ اى عالم المسببات التي قلتم فيها كلاما على التخمين والحسبان وبحسب الظاهر وَأَعْلَمُ ايضا ما تُبْدُونَ وتظهرون في حق آدم باللسان من الاستحقار والاستكسار وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ في سرائركم وضمائركم من المراقبة له وافراط المحبة معى ودعوى الاستقلال فيها والانحصار عليها. ثم لما اعترفوا بذنوبهم وأقروا قصورهم وتضرعوا نحو الحق تائبين نادمين عن اجترائهم ومجادلتهم معه سبحانه مستحيين عنه سبحانه وعمن استخلفه عن نفسه يعنى آدم بنسبة انواع المكاره اليه خائبين عما نووا في نفوسهم من الأولوية في الاستحقاق تقبل الله سبحانه منهم عذرهم وأسقط حق آدم عنهم ثم أمرهم بسجوده استحلالا منه وتكريما له وإيفاء لحقه ليسقط عن ذممهم

فقال وَإِذْ قُلْنا اى اذكر يا أكمل الرسل وقت قولنا لِلْمَلائِكَةِ النادمين عن الجرأة التي صدرت عنهم في حق آدم اسْجُدُوا تذللوا وتواضعوا تكريما لِآدَمَ وامتثالا لأمرنا فَسَجَدُوا له مجتمعين متذللين واضعين جباههم على تراب المذلة والندامة إِلَّا إِبْلِيسَ منهم قد أَبى اى امتنع عن السجود وَاسْتَكْبَرَ عن الانقياد له وأصر على ما هو عليه من العناد والجحود وَكانَ بعدم امتثال الأمر الوجوبي مِنَ الْكافِرِينَ المطرودين عن ساحة الحضور والسر في استثنائه سبحانه إبليس عن هذا الحكم وعدم توفيقه واقداره إياه على السجود ان يظهر سر الظهور والإظهار والربوبية والعبودية والايمان والكفر والجنة والنار وجميع المعتقدات الشرعية والتكاليف الإلهية إذ بسببه يظهر الاثنينية ويتعدد الطرق وتتفاوت الآراء والمقالات وتتبين المخالفات

28

سورة البقرة (2): آية 35

سورة البقرة (2): آية 36

سورة البقرة (2): آية 37

والمنازعات وبتغريره وتضليله يستتر الحق ويظهر الباطل وبالجملة هو الرقيب الحاجب الحافظ المحافظ لآدابه سبحانه والمعتكف ببابه حتى لا يكون شرعة لكل وارد او يتوجه اليه واحد بعد واحد غيرة منه على الله وحمية لحمى قدس ذاته وفضاء لاهوته ولهذا قد تمنى كثير من المحققين مرتبته ومن كمال غيرته على ربه الهاء بنى آدم واغرارهم بالمستلذات والمزخرفات التي مالت إليها نفوسهم بالطبع ليشغلهم ويلهيهم بها عن التوجه الى جنابه والعكوف حول بابه والسرفى طرده ولعنه وابعاده عن ساحة عز الحضور تحذيرهم من الانقياد له والاقتداء به على ابلغ وجه وآكده وتمرين لعداوته لهم ورقابته معهم في نفوسهم لئلا يغفلوا عنه ومع ذلك لم يتركوا متابعته ولم يجتنبوا من اقطاعه الملهية نعوذ بالله من شرور أنفسنا وبعد ما جعلنا آدم خليفة في الأرض أزلنا عنه قوادح القادحين وأمرنا جميع خصمائه بتعظيمه وسجوده وامتثلوا بالمأمور به جميعا الا إبليس من بينهم قد تركه للحكمة المذكورة آنفا ولئلا يتكبر آدم ويتجبر بسبب انقياد جميعهم كما تجبر كثير من ابنائه في الأرض بانقياد الشرذمة القليلة الى ان ادعوا الألوهية لأنفسهم

وَقُلْنا له على سبيل الشفقة والنصيحة يا آدَمُ المستخلف المختار لازم العبودية ولا تغتر بالخلافة وداوم على التوجه ولا تغفل عن المعاتبة واعلم ان العبودية انما تحصل بامتثال أوامرنا واجتناب نواهينا وبعد قبولك الامتثال والاجتناب اسْكُنْ أَنْتَ ايها الخليفة اصالة وَزَوْجُكَ تبعا لك الْجَنَّةَ التي هي دار السرور ومنزل الفراغ والحضور ومقام الانس مع الرب الغفور وبعد سكونكما فيها وَكُلا مِنْها اى من جميع محظوظاتها ومستلذاتها الروحانية والجسمانية رَغَدًا واسعا كثيرا بلا مقدار وعدد حَيْثُ شِئْتُما بلا مزاحمة ضد ومنازعة احد وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ المخصوصة المعينة حتى لا تخرجا من ربقة العبودية وان تخرجا فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ الخارجين عن مقتضى الحدود الإلهية بارتكاب المنهي عنه ثم لما استشعر إبليس بالتوصية والمعاهدة المذكورة المنبئة عن كمال العناية الإلهية بالنسبة الى آدم وبنيه بادر الى دفعها ونقضها فوسوس لهما بان القى في قلبهما الدغدغة في تخصيص هذه الشجرة المعينة المعنية بالنهى وبالغ في وسوستهما الى حيث انساهما الوصية الإلهية والمعاهدة المذكورة في العبودية

وبالجملة فَأَزَلَّهُمَا والجأهما الى ارتكاب الزلة بالوسوسة الشَّيْطانُ المضل المغوى فتناولا عَنْها اى عن الشجرة المنهية فَأَخْرَجَهُما الحق بسبب تلك التناول مِمَّا كانا فِيهِ اى من الحضور الذي كانا فيه في دار السرور وَبعد ظهور زلتهما قُلْنَا لهما ولناصحهما اهْبِطُوا من دار السرور الى دار الحزن والغرور ومن دار الكرامة الى دار الابتلاء والملامة وعيشوا فيها مع انواع النزاع والخصومة إذ فيها بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ينتهز الفرصة لمقته وَلَكُمْ بعد هبوطكم فِي الْأَرْضِ التي هي محل التفرقة وموطن الفتن والمحن مُسْتَقَرٌّ موضع قرار وَمَتاعٌ اى استمتاع بمزخرفاتها ومستلذاتها الغير القارة التي ألهاكم الشيطان بها عن النعيم الدائم إِلى حِينٍ اى الى قيام الساعة التي هي الطَّامَّةُ الْكُبْرى.

ثم لما لم يكن زلة آدم من نفسه وبمقتضى طبعه بل بتغرير عدوه وبمقتضى اغرائه ووسوسته اشفق سبحانه عليه وتلطف معه فَتَلَقَّى واستفاد آدَمُ المذنب العاصي مِنْ رَبِّهِ المستخلف له المستقبل عليه كَلِماتٍ مشتملات على الرجوع والانابة عما صدر عنه من الزلة وهي قوله بإلقاء الله إياه ربنا ظلمنا أنفسنا وان لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين وبعد ما تلقى ما تلقى من الكلمات التامات واستغفر بها ورجع عن إتيان أمثال ما صدر فَتابَ الله عَلَيْهِ ترحما وقبل توبته تفضلا وكيف لا إِنَّهُ سبحانه

29

سورة البقرة (2): آية 38

سورة البقرة (2): آية 39

سورة البقرة (2): آية 40

سورة البقرة (2): آية 41

هُوَ التَّوَّابُ الرجاء للمذنبين المنهمكين في المعاصي بالإنابة اليه عن ظهر الجنان الرَّحِيمُ لهم عما صدر عنهم من المعاصي والآثام بلا عتاب وانتقام

ثم لما لقناه الكلمات التي تاب بها وقبلنا عنه توبته أخرجناه من اليأس والقنوط واطمعناه الرجوع الى الجنة بان قُلْنَا له ولذريته المتفرعة عليه منبهين عليهم طريق الرجوع والانابة اهْبِطُوا والزموا مكان الهبوط واستقروا عليها حال كونكم خارجين مِنْها جَمِيعًا اى من الجنة وترقبوا دخولها باذن منا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ ايها المترقبون مِنِّي هُدىً من وحى والهام فهو علامة إذني ودليل رضائى برجوعكم فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ ورجع بمقتضاه فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ حين المراجعة الى المقام الأصلي والموطن الحقيقي وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ بعد رجوعهم اليه بل كما بدأكم تعودون

وَالَّذِينَ لم يترقبوا الرجوع ونسوا ما هم عليه في الجنة ولم يلتفتوا الى الهدى المؤتى به بل كَفَرُوا به وأنكروا به وَكَذَّبُوا بِآياتِنا وبرسلنا الذين أتوا بها وكذا بعموم دلائلنا الدالة على صدقهم من المعجزات الظاهرة والآيات الباهرة أُولئِكَ الهابطون الناسون الموطن الأصلي والمقام الحقيقي المستبدلون الجنة الباقية بعرض هذا الأدنى الفاني الكافرون بطريق الحق المكذبون بالرسل الهادين هم أَصْحابُ النَّارِ التي هي محل البعد والخذلان ومنزل الطرد والحرمان هُمْ فِيها خالِدُونَ بسبب نسيانهم وتكذيبهم الى ما شاء الله ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة انك أنت الوهاب

ثم لما بين سبحانه طريق الهداية والضلال ونبه على جزاء كل منهما اجمالا أشار الى تفصيله وتوضيحه بإيراد قصص القرون الماضية والأمم السالفة ليعتبر المؤمنون منها ومن جملتها قصة ندائه سبحانه بنى إسرائيل يعنى أولاد يعقوب مخاطبا لهم آمرا بتذكرهم بالنعم التي أنعمها عليهم ليكونوا من الشاكرين لنعمه الموقنين بعهود كرمه بقوله يا بَنِي إِسْرائِيلَ المتنعمين بالنعم الجليلة اذْكُرُوا واشكروا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وعلى من استخلفكم من اسلافكم وَأَوْفُوا بعد اعداد النعم وتعديدها على انفسكم بِعَهْدِي الذي قد عهدتم معى من متابعة الهدى النازل منى على السنة انبيائى ورسلي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ ايضا بارجاعكم وايصالكم الى مقامكم الأصلي الذي كنتم فيها قبل هبوطكم الى دار المحن وبعد رجوعكم إليها في النشأة الاخرى لا يبقى لكم خوف من الأغيار بل لا بد لكم حينئذ ان ترهبوا من سطوة سلطتى وقهري حسب جلالي وَإِيَّايَ عند عروض تلك الرهبة فَارْهَبُونِ وارجعوا الى وتحننوا نحوي لأؤانس معكم وازيل رهبتكم عنكم

وَاعلموا ان علامة وفائكم بعهدي هي الايمان فأذعنوا وآمِنُوا على وجه الإخلاص والإيقان بِما أَنْزَلْتُ بمقتضى فضلي وطولى على عموم رسلي سيما بالقرآن المنزل على الحضرة الختمية الخاتمية المؤيد بالدلائل القاطعة والحجج الساطعة والمعجزات الباهرة والآيات الظاهرة مع كونه مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ من الكتب المنزلة على الأنبياء الماضين مشتملا على عموم ما في الكتب السالفة من الاحكام والقصص والمواعظ والحقائق مع لطائف أخر قد خلت عنها جميعها وَبعد ظهور المنزل به وادعاء من انزل عليه الرسالة والهدى لا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ اى لا تكونوا مبادرين على الكفر بالهادي وما هدى به بل كونوا أول من آمن وصدق بعموم ما جاء به من عند ربه وانتهزوا الفرصة للايمان ولا تغفلوا عنه وَبعد نزوله وظهوره لا تَشْتَرُوا ولا تستبدلوا بِآياتِي المنزلة على رسلي ثَمَنًا قَلِيلًا من المزخرفات الفانية وَان عسر عليكم ترك هذا الاستبدال بميل نفوسكم اليه بالطبع إِيَّايَ فَاتَّقُونِ عند عروض ذلك لأحفظكم

30

سورة البقرة (2): آية 42

سورة البقرة (2): آية 43

سورة البقرة (2): آية 44

سورة البقرة (2): آية 45

سورة البقرة (2): آية 46

سورة البقرة (2): آية 47

سورة البقرة (2): آية 48

منه وأسهله عليكم

وَبالجملة لا تَلْبِسُوا الْحَقَّ الظاهر الثابت بِالْباطِلِ الموهوم المزخرف للضعفاء الذين لا تمييز لهم وَلا تَكْتُمُوا الْحَقَّ ايضا في نفوسكم وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ حقيقته عقلا وسمعا

وَبعد ما آمنتم بالله وكتبه المنزلة على رسله واجتنبتم عما نهيتم عنه أَقِيمُوا الصَّلاةَ اى داوموا على الميل والتقرب الى جنابه والتوجه نحو بابه بجميع الأعضاء والجوارح قاصدين فيه تخلية الظاهر والباطن عن الشواغل النفسية والعوائق البدنية المانعة من الميل الحقيقي وَآتُوا الزَّكاةَ المطهرة لنفوسكم عن العلائق الخارجة والعوارض اللاحقة المثمرة لانواع الأمراض في الباطن من البخل والحسد والحقد وغير ذلك وَان قصدتم التقرب والتوجه على الوجه الأتم الأكمل ارْكَعُوا اى تذللوا وتضرعوا نحوه سبحانه مَعَ الرَّاكِعِينَ الذين قد خرجوا عن هوياتهم الباطلة بالموت الإرادي ووصلوا الى ما وصلوا بل اتصلوا لا مع الذين يراؤن الناس ويقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم

لذلك خاطبهم سبحانه على سبيل التوبيخ والتقريع فقال أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ ايها المراؤون المدعون لليقين والعرفان على سبيل النصح والتذكير بِالْبِرِّ المقرب الى الله وَتَنْسَوْنَ أنتم أَنْفُسَكُمْ من امتثال ما قلتم وَالحال انه أَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ المشتمل على الأوامر والنواهي وتدعون علمه فحقكم ان تمتثلوا به أولا أَتلتزمون تذكير الغير وأنتم منهمكون في الغفلة والضلال فَلا تَعْقِلُونَ ولا تفهمون قبح صنيعكم هذا ايها المسرفون المفرطون

وَبعد ما أمرتم بعد الايمان بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة المطهرتين لنفوسكم ظاهرا وباطنا فعليكم الإتيان والامتثال بالمأمور على الوجه الأتم الأكمل ولا يتيسر لكم هذا على الوجه الذي ذكر الا بادامة الاستقامة والاستعانة والمظاهرة من الخصلتين الكريمتين لذلك أمركم سبحانه باستعانتهما بقوله اسْتَعِينُوا في التوجه والتقرب الى الله بِالصَّبْرِ عن المستلذات الجسمانية والمشتهيات النفسانية وَالصَّلاةِ الميل الى الله والاعراض عن ما سوى الله ولا تستحقروا امر هذه الاستعانة ولا تخففوها وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ شاقة ثقيلة على كل احد إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ الخاضعين الموقنين

الَّذِينَ يرفعون رين الغيرية عن العين ويسقطون شين الاثنينية عن البين بل يَظُنُّونَ ويعتقدون أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ في هذه النشأة لأنهم يعبدون الله كأنهم يرونه وَهم يعلمون يقينا أَنَّهُمْ إِلَيْهِ سبحانه لا الى غيره من الوسائل والأسباب راجِعُونَ عائدون صائرون في النشأة الاخرى اللهم اجعلنا منهم ومن متابعيهم ومحبيهم

ثم لما من سبحانه عليهم بالنعم التي يظهر آثارها وثمراتها في العالم الروحاني بحسب النشأة الاخرى من عليهم ايضا بالنعم التي ظهرت آثارها عليهم في العالم الجسماني بحسب النشأة الاولى فناداهم ايضا مبتدئا مذكرا بقوله يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا واشكروا ولا تكفروا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وعلى اسلافكم وَاعلموا أَنِّي بمقتضى كمال حولي وقوتي قد فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ من أبناء نوعكم بفضائل قد اغنت شهرتها عن الإحصاء والتعديد وبعد ما ذكرتم النعمة وعرفتم المنعم المفضل لا تغتروا بفضلي ولطفي بل احذروا عن قهري وبطشى

وَاتَّقُوا يَوْمًا واى يوم يوما تحشرون الى للجزاء والحساب وفي ذلك اليوم لا تَجْزِي ولا تسقط نَفْسٌ مطيعة كانت او عاصية عَنْ نَفْسٍ عاصية شَيْئًا من جزائها وعذابها وَلا يُقْبَلُ ايضا فيه مِنْها اى من النفس العاصية شَفاعَةٌ من شافع ولا صديق حميم وَكذا لا يُؤْخَذُ مِنْها فيه كفيل عَدْلٌ لتمهل مدة وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ فيه

31

سورة البقرة (2): آية 49

سورة البقرة (2): آية 50

سورة البقرة (2): آية 51

سورة البقرة (2): آية 52

سورة البقرة (2): آية 53

سورة البقرة (2): آية 54

بالأنصار والأعوان بل كل نفس يومئذ رهينة بما كسبت ضمينة بما اقترفت

وبعد ما أمرهم سبحانه بتذكر النعم اجمالا وحذرهم عن جزاء الكفران أشار الى تعداد النعم العظام التي هم مختصون بها امتنانا عليهم فقال وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ اى اذكروا وقت انجائنا إياكم مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ الذين يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ اى يكلمونكم ويفضحونكم بسوء العذاب الذي لا عذاب أسوأ منه وهو انهم يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ لئلا يبقى ذكركم في الدنيا إذ بالابن يذكر الأب ويحيى اسمه لأنه سره وَاشنع من ذلك انهم يَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وبناتكم باستبقائهن ليلحق العار عليكم بتزويجهم اياهن بلا نكاح ولا عار اشنع من ذلك ولذلك عد موت البنات من المكرمات وَفِي ذلِكُمْ يعنى واعلموا ان في هذه المحن المشار إليها بَلاءٌ واختبار لكم مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ليجزيكم بنعم هي أعظم منها وهي انجاءكم عنهم واستيلاءكم عليهم

وَبعد ما ابتليناكم باحتمال الشدائد والمتاعب ومقاساة الأحزان أردنا انجاءكم من عذابهم وإهلاكهم بالمرة فامرناكم بالسير والفرار من العدو ففررتم ليلا فأصبحتم مصادفين البحر والعدو ايضا قد صادفكم اذكروا إِذْ فَرَقْنا بِكُمُ اى وقت تفريقنا بالفرق الكثيرة الْبَحْرَ المتصل في نفسه ليسهل عبوركم منه ونجاتكم منهم وبالجملة فَأَنْجَيْناكُمْ من أيديهم وعبرناكم سالمين وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ المقتحمين بالفور خلفكم باجتماع تلك الفرق واتصال البحر على ما هو عليه في نفسه وَأَنْتُمْ حينئذ تَنْظُرُونَ الافتراق والاجتماع المتعاقب وكيف لا تذكرون هذه النعم الجليلة ولا تشكرون لها

وَبعد ما قد أنجيناكم من البحر سالمين وأغرقنا عدوكم بالمرة واورثناكم ارضهم وديارهم وأموالهم اذكروا وقت إِذْ واعَدْنا مُوسى المتحير في ضبط المملكة في أول استيلائه حيث قلنا له على سبيل التوصية والمعاهدة ان أخلصت التوجه والميل إلينا مدة أَرْبَعِينَ لَيْلَةً متوالية خصصها سبحانه لخلوها عن الشواغل المانعة من الإخلاص قد أنزلنا عليك تأييدا لأمرك كتابا جامعا لمرتبتى الايمان والعمل حاويا على جميع التدابير والحكم المتعلقة بالظاهر والباطن ثُمَّ لما اشتغل موسى بإنجاز الوعد وإيفاء العهد فذهب الى الميقات مخلصا قد اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ الذي صوغتهم أنتم بأيديكم من حليكم بتعليم السامري المضل إياكم بسبب صدور الخوار الذي ظهر منه ابتلاء لكم وفتنة الها من دون الله وادعيتم شركته معه سبحانه مكابرة بل قد حصرتم الألوهية له بقولكم هذا إلهكم واله موسى وبالجملة قد أخلفتم الوعد والعهد جميعا مِنْ بَعْدِهِ اى من بعد ذهاب موسى الى الميقات وقبل رجوعه منه وَأَنْتُمْ بسبب خلف الموعود والاتخاذ المذكور ظالِمُونَ خارجون عن ربقة الايمان والتوحيد العياذ بالله من ذلك

ثُمَّ لما تبتم ورجعتهم نحونا نادمين عَفَوْنا عَنْكُمْ وأزلنا عن ذممكم جزاء ذلك الظلم الذي ظلمتم مِنْ بَعْدِ ذلِكَ الاجتراء لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ رجاء ان تواظبوا على أداء شكر نعمه بالعفو الذي هو من آثار اللطف والجمال بعد ظلم المعفو عنه الذي هو من آثار القهر والجلال حتى تكونوا من زمرة الشاكرين الذين يشكرون الله في السراء والضراء

وَبعد اخلافكم الوعد قبل تمامها وظلمكم لأنفسكم باتخاذكم العجل لم نهمل امر موسى ولم نخلف الوعد الذي قد واعدناه به واذكروا وقت إِذْ آتَيْنا مُوسَى انجازا لوعدنا إياه الْكِتابَ الموعود الجامع لأسرار الربوبية وَالْفُرْقانَ الفارق بين الحق والباطل وبين الهداية والضلال لَعَلَّكُمْ تقتدون له وتَهْتَدُونَ به الى طريق التوحيد وتجاهدون فيه الى ان تتخلصوا عن مطلق الشواغل المانعة عنا

وَبعد ما أنجزنا وعد موسى

32