الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبيةالجزء 2 · ص 34 - 41

سورة الفرقان (25): آية 62

سورة الفرقان (25): آية 62

سورة الفرقان (25): آية 63

سورة الفرقان (25): آية 64

سورة الفرقان (25): آية 65

سورة الفرقان (25): آية 67

سورة الفرقان (25): آية 68

ليحصل من دورانهما وانقلاباتهما الفصول الاربعة المصلحة لأحوال ما في السفليات من المواليد الثلاثة

وَكيف تغفلون عن الصانع الحكيم ايها الضالون المكابرون مع انه سبحانه هُوَ الحكيم العليم المدبر العظيم الَّذِي جَعَلَ لكم اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً متعاقبة متجددة مخلفا أحدهما بالآخر ليكونا مرصدا وميقاتا لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ يتذكر لآلاء الله المتوالية المتتالية عليه الفائضة من عنده على تعاقب الأوقات والآنات وتتابع الازمنة والساعات أَوْ أَرادَ شُكُورًا اى أراد ان يشكر على نعمائه الواصلة اليه في خلالهما

وَالمتذكرون لآلاء الله المواظبون لأداء حقوقها حسب طاقتهم وقدر قوتهم هم عِبادُ الرَّحْمنِ الواصلون الى مرتبة الرضوان الفائزون بلقاء الحنان المنان اللائح على صفائح الأكوان وعلامتهم انهم الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى وجه الْأَرْضِ التي هي محل انواع الفتن والفسادات هَوْنًا هينين لينين بلا منازعة وجدال مع احد من بنى نوعهم وبلا سوء خصال وقبح فعال معهم من كبر وخيلاء وعجب ورياء وَهم من كمال سكينتهم ووقارهم وتلطفهم لعباد الله إِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ بعلو شأنهم ورفعة مكانتهم ومكانهم سيما بما يكرهون من الشتم والوقاحة والاستهزاء قالُوا من سلامة نفوسهم وطيب قلوبهم سَلامًا وتسليما عليهم بلا تغير منهم وتأثر من قولهم وتركا لانتقامهم ومخاصمتهم توطينا لنفوسهم على التسليم والرضا بجريان القضاء من غاية الحلم وكظم الغيظ هكذا حالهم وشغلهم بين الناس في النهار

واما في الليل وَهم الَّذِينَ يَبِيتُونَ ويدخلون في الليل بائتين قد صاروا في خلاله لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا ساجدين واضعين جباههم على تراب المذلة والهوان طلبا لمرضاة الله بلا شوب السمعة والرياء والعجب والهوى لكونهم خالين في خلاله مع الله بلا وقوف احد عليهم وَقِيامًا قائمين بين يدي الله تواضعا وإكراما

وَالَّذِينَ يَقُولُونَ في مناجاتهم مع الله ورفع حاجاتهم نحوه سيما أعقاب صلواتهم وتهجداتهم في خلواتهم رَبَّنَا يا من ربانا بأنواع الكرامات اصْرِفْ عَنَّا بفضلك وجودك عَذابَ جَهَنَّمَ المعدة لعصاة عبادك إِنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا حتما لازما لنا لولا فضلك بنا وإحسانك علينا فإنهم مع كمال توجههم وتحننهم نحو الحق على وجه الإخلاص ورسوخهم في الأعمال الصالحة الخالصة بلا فوت شيء من لوازمها خائفون وجلون عن بطشه سبحانه وانتقامه لأنهم لا يتكؤن ولا يتكلون الى أعمالهم وطاعاتهم ولا يثقون بها بل ما يعتمدون ولا يثقون ولا يتمسكون الا بفضل الله وسعة رحمته وجوده قائلين مستبعدين من النار إِنَّها اى جهنم البعد والحرمان قد ساءَتْ مُسْتَقَرًّا لا يستقر احد فيها ساعة وآنا وَكيف ان يكون لنا مُقامًا نقيم فيها زمانا

وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا مما رزقهم الله من الأطائب المكتسبة بالأيدي على الفقراء والمساكين لَمْ يُسْرِفُوا في الانفاق الى ان وصل حد التبذير المذموم عقلا وشرعا وَلَمْ يَقْتُرُوا في الإمساك والمنع ايضا الى ان وصل حد التقتير المحرم المكروه المنكر شرعا وعقلا ومروءة وعادة وَبالجملة قد كانَ انفاقهم بَيْنَ ذلِكَ قَوامًا وسطا عدلا بين طرفي الإفراط والتفريط المذمومين الساقطين عن درجة الاعتبار عند الله وعند المؤمنين المسقطين للنفس عن الاعتدال الحقيقي المقبول عند الله وعند عموم عباده

وَبالجملة أولئك المعتدلون المقسطون هم الموحدون الَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ الواحد المستقل بالالوهية والربوبية إِلهًا آخَرَ يستحق للعبودية مثله وَمن جملة خصائلهم الحميدة انهم لا يَقْتُلُونَ بحال من الأحوال النَّفْسَ الَّتِي

34

سورة الفرقان (25): آية 69

سورة الفرقان (25): آية 70

سورة الفرقان (25): آية 71

سورة الفرقان (25): آية 72

قد حَرَّمَ اللَّهُ الحكيم العليم المتقن في أفعاله وأحكامه قتلها إذ كل نفس من النفوس البشرية انما وضعت وبنيت لتكون بيتا لله مهبطا لوحيه والهامه منزلا ومحلا لحلول سلطان وحدته الذاتية ومجلى لظهور أسمائه الحسنى وصفاته العظمى فلا يصح ولا يجوز هدم بيته وتخريب بنائه إِلَّا بِالْحَقِّ اى بالرخصة الشرعية الموضوعة بوضع الله سبحانه حدا او قصاصا وَمن جملة أخلاقهم الحميدة انهم لا يَزْنُونَ عدوانا وعدولا عن مقتضى الحد الشرعي والوضع الإلهي في حفظ النسب وعن اختلاط النطف والمياه إذ هو من اخس المحرمات وافحش المحظورات لذلك عقبه سبحانه بالوعيد الهائل تنبيها لفظاعتها فقال وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ اى الزنا التي هي الفعلة الشنيعة والديدنة القبيحة المتناهية في القبح والشناعة المستكرهة عند الطبائع السليمة المسقطة للمروءة الفطرية والعدالة الإلهية يَلْقَ يوم الجزاء أَثامًا اى جزاء مسمى بالآثام مبالغة وتأكيدا كان اسم الإثم موضوع له حقيقة وهو الجامع لجميع ما يطلق عليه اسم الإثم مبالغة ادعاء لذلك

يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ لا تضعيفا مرة بل أضعافا كثيرة وَمع ذلك التضعيف والتشديد يَخْلُدْ ويدم فِيهِ اى في العذاب مُهانًا صاغرا ذليلا بين عموم اهل النار إذ الزنا من أقبح الجرائم عند الله وأفحشها إذ لا جرم عنده سبحانه أعظم من هتك محارمه أعاذنا الله وعموم عباده من ذلك

إِلَّا مَنْ تابَ عما جرى عليه من سوء القضاء ورجع الى الله نادما عن فعله خائبا خاسرا مستحيا من الله خائفا عن بطشه مكذبا لنفسه معيرا عليها متأوها متحسرا عما صدر عنها وَمع ذلك قد آمَنَ بتوحيد الله وأكد توبته بتجديد الايمان المقارن بالإخلاص الصائن للمؤمنين عن ارتكاب عموم المحظورات المنافية للايمان وَبالجملة قد جدد إيمانه معتقدا انه حين صدور الزنا عنه لم يكن مؤمنا ومع اظهار التوبة على وجه الندم والإخلاص وتجديد الايمان ساعة فساعة قد عَمِلَ عَمَلًا صالِحًا منبئا عن إخلاصه في إيمانه وتوبته مشعرا على يقينه ومعرفته دالا على انابته ورجوعه عن ظهر القلب وصميم الفؤاد فَأُوْلئِكَ السعداء التائبون الآئبون المقبولون هم الذين يُبَدِّلُ اللَّهُ الحكيم المصلح لأحوال عباده بعد ما وفقهم على التوبة الخالصة والانابة الصحيحة الوثيقة سَيِّئاتِهِمْ التي قد أتوا بها قبل التوبة حَسَناتٍ بعدها بان يمحو سبحانه بفضله معاصيهم المثبتة في صحائف أعمالهم قبل انابتهم ويثبت بدلها حسنات بعدها وَكانَ اللَّهُ المطلع لسرائر عباده وإخلاصهم غَفُورًا لهم متجاوزا عن ذنوبهم وان عظمت بعد ما جاءوا بالتوبة الخالصة رَحِيمًا عليهم يقبل توبتهم ويعفو زلتهم

وَبالجملة مَنْ تابَ ورجع الى الله نادما على ما مضى عليه من المعاصي وَعَمِلَ عملا صالِحًا تلافيا لما فات عليه من الطاعات والحسنات جابرا بما انكسر من قوائم إيمانه واعمدة يقينه وعرفانه فَإِنَّهُ يَتُوبُ ويرجع إِلَى اللَّهِ المفضل المحسن الكريم الرحيم مَتابًا توبة مقبولة عند الله مرضية دونه سبحانه

وَبالجملة المؤمنون المقبولون المبرورون عند الله هم الَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ والشهادة الباطلة المسقطة للعدالة والمروءة رأسا وَايضا إِذا مَرُّوا فجاءة بغتة بلا سبق ترقب وتجسس بِاللَّغْوِ مطلقا اى ما يجب ان يلقى ويطرح من المكروهات الشرعية والمحظورات والمستهجنات سواء كانت قولية او فعلية قد مَرُّوا عليها كِرامًا مكرمين أنفسهم عن الوقوف عليه مستغفرين من الله لمن ابتلاه الله به غاضين أبصارهم عن تدقيق النظر نحوه وتكرير المشاهدة اليه والمبالغة في المطارحة والمطالعة فيه وبالجملة قد مروا باللغو على وجه التلطف والرفق والتستر والتليين

35

سورة الفرقان (25): آية 73

سورة الفرقان (25): آية 74

سورة الفرقان (25): آية 75

سورة الفرقان (25): آية 76

سورة الفرقان (25): آية 77

بحيث يستحيى من غاية رفقهم ولطفهم المبتلون به لعل الله يتوب عليهم بكرامة رفقهم وبكرمه سبحانه بحيث لا يحومون حول ذلك اللغو بعد ذلك أصلا ولا يرومونه مطلقا لو جبلوا على فطرة الهداية والكرامة

وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا ووعظوا بِآياتِ رَبِّهِمْ الدالة على توحيده واستقلاله في ألوهيته وربوبيته لَمْ يَخِرُّوا ولم يسقطوا عَلَيْها اى على تلك الآيات صُمًّا أصمين غافلين عما فيها من الأوامر والنواهي والعبر والأمثال والرموز والإشارات وَعُمْيانًا عميا عن مطالعة آثار أوصافه الجلالية وصفاته الجمالية فيها بل يخرون ويتذللون عند سماعها داعين حافظين بما فيها من المواعظ والتذكيرات المتعلقة لأحوالهم في النشأتين مطالعين منها آثار الأوصاف والأسماء الذاتية الإلهية ناظرين عليها بنظر العبرة والاستبصار مسترشدين منها حسب ما يسر الله لهم ووفقهم عليه

وَالَّذِينَ يَقُولُونَ داعين نحونا مناجين إلينا متضرعين قائلين رَبَّنا يا من ربانا على فطرة التوحيد والإيقان هَبْ لَنا بفضلك وسعة لطفك وجودك ممن في حوزتنا وحيطتنا وكشف حفظنا وجوارنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ اى اجعلهم بحيث تقر وتتنور عيوننا برؤيتهم من كمال صلاحهم وسدادهم ممتثلين بعموم أوامرك مجتنبين عن جميع نواهيك وَبعد ما قد وهبت لنا ولاهلينا يا مولانا ما تقر به عيوننا من الاتقاء عن محارمك والامتثال بأوامرك اجْعَلْنا بلطفك لِلْمُتَّقِينَ المحترزين الحذرين الحاذرين الخائفين عن محارمك ومنهياتك إِمامًا مقتدى لهم مرشدا إياهم حسب توفيقك وتيسيرك نرشدهم الى طريق توحيدك وسبيل تقريدك وتمجيدك

وبالجملة أُوْلئِكَ السعداء المقبولون عند الله المذكورة اوصافهم من قوله سبحانه وعباد الرحمن الى هنا هم الذين يُجْزَوْنَ عند ربهم تفضلا عليهم وامتنانا الْغُرْفَةَ التي هي عبارة عن أعلى درجات الجنان وارفع مقاماتها كل ذلك بِما صَبَرُوا اى بسبب صبرهم وثباتهم على مشاق الطاعات والعبادات ومتاعب الرياضات والتحمل على قطع التعلقات وترك المألوفات وعلى الذب والانصراف عن جملة المشتهيات والمستلذات وَبعد ما استقروا عليها يُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وترحيبا من قبل الملائكة من جميع الجوانب والجهات وَسَلامًا اى سلامة وتسليما لهم عن جميع الآفات والعاهات

خالِدِينَ فِيها اى الجنة لا يتحولون عنها ولا يتبدلون بل دائمون فيها مقيمون لذلك قد حَسُنَتْ الجنة مُسْتَقَرًّا لهم يستقرون فيها ويتمكنون عليها وَمُقامًا يقيمون ويتوطنون.

ثم لما دعا رسول الله ﷺ عموم المشركين الى طريق الايمان والتوحيد وأمرهم بالطاعة والانقياد بعموم ما أمرهم الله ونهاهم سبحانه عنه بمقتضى الوحى والإلهام والكتاب المنزل من عنده وكذبوه وأنكروا له مكابرة وعنادا قائلين نحن لا نؤمن بك ولا بكتابك ولا بربك الذي ادعيت الرسالة من عنده ولا نطيع بما أمرنا به ونهينا عنه مطلقا وبالجملة نحن لا نقبل منك عموم ما جئت به من قبل ربك ونسبته اليه افتراء ومراء رد الله عليهم بقولهم هذا على ابلغ وجه وآكده مخاطبا لحبيبه ﷺ آمرا له بقوله قُلْ يا أكمل الرسل بعد ما انصرفوا عن دعوتك وعن الايمان بك وبربك وبكتابك ما يَعْبَؤُا بِكُمْ وما يبالى ولا يعتد لا بايمانكم ولا بكفركم رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ اى إطاعتكم وعبادتكم إياه وانقيادكم له فَقَدْ كَذَّبْتُمْ أنتم بي وبربي وانكرتم بجميع ما جئت به من عنده سبحانه عنادا ومكابرة الزموا مكانكم فتربصوا وانتظروا لجزاء تكذيبكم وانكاركم فَسَوْفَ يَكُونُ لِزامًا اى سيكون جزاء تكذيبكم وانكاركم حتما لازما ملازما عليكم جزما لا مقطع عنكم ابدا بل يكبكم سبحانه في النار خالدين صاغرين ويعذبكم فيها ذليلين مهانين نعوذ بك يا ذا القوة المتين

36

خاتمة سورة الفرقان

عليك ايها المحمدي الملازم لتهذيب الأخلاق عن الرذائل وتطهير الصفات عن ذمائم الأفعال والأطوار وعن القبائح والأسرار وعن الميل والالتفات الى السوى والأغيار من الأمور المنافية المكدرة لصفاء مشرب التوحيد ان تتأمل وتتعمق في مرموزات الآيات العظام المذكورة في هذه السورة سيما في الآيات التي قد وصف بها سبحانه خلص عباده المتحققين بمرتبة العبودية المنكشفين بسعة اسمه الرحمن المظهر لمظاهر عموم الأكوان شهادة وغيبا وتتدبر في إشاراتها حق التدبر والتفكر الى ان يترسخ في قلبك معانيها ترسخا تاما وينتقش في صحيفة سرك وخاطرك فحاويها انتقاشا كاملا الى ان تصير من جملة وجدانياتك وذوقياتك وبعد ما قد صرت ذا وجدان وحال بها وذقت حلاوتها قد فزت بغرفات جنة الرضا ورضوان التسليم فحينئذ يترشح في صدرك من رشحات بحر الوحدة الذاتية وتعرضت أنت لروح الحق واستنشقت من نفحات النفسات الرحمانية المهبة من فناء حضرة الرحموت ومن قبل يمن عالم اللاهوت المصفية عن كدر التعينات الهيولانية والتعلقات الطبيعية فلك ان لا تنظر ولا تلتفت بعد ذلك ابدا الى مقتضيات علائق ناسوتك مطلقا وتجمع همك نحو لوازم لاهوتك لعل الله ينقذك بفضله عن أغلال انانيتك وسلاسل بشريتك بمنه وجوده

سورة الشعراء

فاتحة سورة الشعراء

لا يخفى على من تحقق بمقام الرضا والتسليم وفوض امره الى الحكيم العليم وانكشف له ان لا فاعل للافعال الا هو بل لا موجود في الوجود سواه ولا متصرف بالاستقلال والاختيار غيره ان جميع ما جرى في فضاء الوجود غيبا وشهادة ازلا وابدا انما هو مستند اليه سبحانه ومن آثار أوصافه وأسمائه بلا شركة ومظاهرة من احد سواه ومتى تحقق عنده هذه الأمور واتضح لديه هذا المذكور فله ان يترك التصرف مطلقا بحيث لا يحزن عن فقد شيء ولا يفرح عن وجده بل حينئذ لا بد ان يرتفع عنه الارادة والكراهة والوجدان والفقدان والربح والخسران والسرور والخذلان مطلقا بل صار راضيا بجميع ما جرى عليه من القضاء لذلك خاطب سبحانه حبيبه ﷺ بما خاطب وعاتبه بما لاح عليه من امارات المحبة المفرطة والارادة الكاملة بإيمان من يدعوهم الى التوحيد من الكفرة المعاندين وعلامات الحزن والكراهة من إصرارهم وتعنتهم على ما هم عليه من الكفر والشقاق فقال متيمنا باسمه الأعلى تبارك وتعالى بِسْمِ اللَّهِ المدبر المصلح لمفاسد عباده بمقتضى ارادته واختياره الرَّحْمنِ عليهم بافاضة الوجود ليتنبهوا بربوبيته ويواظبوا على أداء طاعته وعبادته الرَّحِيمِ لهم يوصلهم الى فضاء وحدته بعد ما أخلصوا التوجه نحوه وأتوا بالأعمال الصالحات طلبا لمرضاته

الآيات

سورة الشعراء (26): آية 1

سورة الشعراء (26): آية 2

طسم يا طالب السعادة والسيادة المؤبدة المخلدة ويا طاهر الطينة والطوية من ادناس الطبيعة البشرية ويا سالم السر والسريرة من العلائق الناسوتية ويا ما حي آثار الرذائل المكدرة لصفاء مشرب التوحيد

تِلْكَ الآيات العظام المذكورة في هذه السورة آياتُ الْكِتابِ اى نبذ من آيات القرآن الْمُبِينِ المبين المظهر لدلائل التوحيد واليقين الموضح للبينات الساطعة والبراهين القاطعة الدالة على حقية دينك القويم انا أنزلناه إليك يا أكمل الرسل تأييدا لأمرك وتعظيما لشأنك فلك ان تبلغها على قاطبة الأنام وعامة المكلفين على الوجه

37

سورة الشعراء (26): آية 3

سورة الشعراء (26): آية 4

سورة الشعراء (26): آية 5

سورة الشعراء (26): آية 6

سورة الشعراء (26): آية 7

سورة الشعراء (26): آية 8

سورة الشعراء (26): آية 9

الذي تلى واوحى إليك بلا التفات منك الى ايمانهم وكفرهم وتصديقهم وتكذيبهم بل ما عليك الا البلاغ وعلينا الحساب الا انك في نفسك ومن فرط محبتك لإيمانهم بك وبدينك وبكتابك

لَعَلَّكَ باخِعٌ مهلك قاتل نَفْسَكَ تحسرا وتحزنا أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ اى لأجل ان لا يكونوا مصدقين لك ولدينك وكتابك مع انا لا نريد ايمانهم وهدايتهم بل قد مضى في لوح قضائنا وثبت في حضرة علمنا المحيط كفرهم وضلالهم وما يبدل القول لدينا ولا يغير حكمنا

بل إِنْ نَشَأْ اى ان تعلقت ارادتنا ومشيئتنا لإيمانهم نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً ملجئة لهم الى الايمان والتصديق فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ اى قد صارت حين نزول الآية أعناقهم التي هي آلات كبرهم وخيلائهم من كمال الإطاعة والانقياد لَها اى للآية الملجئة النازلة خاضِعِينَ منكوسين منكسرين منخفضين بحيث لا يتأتى لهم الاعراض عنها والتكذيب بها أصلا

وَمتى لم تتعلق مشيئتنا لم ننزل آيتنا فلم يؤمنوا بل صاروا مصرين على إصرارهم إذ ما يَأْتِيهِمْ وما ينزل عليهم مِنْ ذِكْرٍ من عظة وتذكير نازل مِنْ قبل الرَّحْمنِ تفضلا عليهم مُحْدَثٍ مستبدع على الأعصار والأزمان لإصلاح ما في نفوس أهلها من المفاسد والضلال إِلَّا كانُوا عَنْهُ اى عن الذكر المحدث والهداية المبدعة مُعْرِضِينَ منصرفين لعدم تعلق مشيئتنا بقبولهم بل ما أرسلناك يا أكمل الرسل إليهم وما امرناك بدعوتهم وتبليغهم الا ليتعظ ويتذكر منهم من وفقناه وسبقت له العناية الازلية من لدنا من خلص عبادنا وقد تعلقت ارادتنا بهدايتهم ورشدهم من اصل فطرتهم واستعدادهم بعد ما بلغت إليهم الذكر والعظة المهذبة لقلوبهم عن رين الكفر وشين الشرك العارض لهم من قبل آبائهم وأسلافهم قد سمعوها سمع قبول ورضا إذ كل ميسر موفق لما خلق له واما المجبولون على فطرة الشقاوة المطبوعون على قلوبهم بغشاوة الغفلة والضلال أمثال هؤلاء الضلال

فَقَدْ كَذَّبُوا بها حين سمعوها ولم يقتصروا على تكذيبها فقط بل قد استهزؤا بها وبك يا أكمل الرسل عتوا واستكبارا فلك ان لا تلتفت إليهم ولا تبالي بهم وبايمانهم فَسَيَأْتِيهِمْ عن قريب أَنْبؤُا ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ اى اخبار ما أنكروا واستهزؤا به عنادا ومكابرة وما يترتب عليها من الجزاء فيظهر حينئذ اهو حق حقيق بان ينقاد ويتبع أم هو باطل واجب التكذيب والانصراف عنه وكيف ينكرون بآياتنا الدالة على كمال قدرتنا أولئك المعرضون المصرون عنادا ومكابرة

أَوَلَمْ يَرَوْا ولم ينظروا ولم يتفكروا حتى يعتبروا مع انهم مجبولون من اهل النظر والاعتبار إِلَى عجائب الْأَرْضِ اليابسة الجامدة كَمْ أَنْبَتْنا وكثيرا أخرجنا من كمال قدرتنا ووفور حكمتنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ اى أجناس كثيرة من النباتات والحيوانات والمعدن وغير ذلك مما لا اطلاع لهم عليه إذ ما يعلم جنود ربك الا هو كَرِيمٍ كلها ذوو الكرامات والبركات وانواع المعارف والخيرات

وبالجملة إِنَّ فِي ذلِكَ اى في إنبات كل من انواع النباتات وإخراج كل من اصناف الحيوانات وأجناس المعادن منها لَآيَةً بينة واضحة قاطعة دالة على ان منبتها ومخرجها متصف بعموم أوصاف الكمال ونعوت الجمال والجلال فاعل بالاختيار والاستقلال بلا مزاحمة الأشباح والأمثال وَهي وان كانت في غاية الوضوح والجلاء لكن ما كانَ أَكْثَرُهُمْ اى اكثر الناس مُؤْمِنِينَ موقنين على الايمان والتوحيد في علم الله ولوح قضائه لذلك لم يؤمنوا بالآيات العظام ولم يستدلوا منها الى وجود الصانع الحكيم العليم العلام القدوس السلام المنزه ذاته عن طريان التقضي والانصرام

وَ

38

سورة الشعراء (26): آية 10

سورة الشعراء (26): آية 11

سورة الشعراء (26): آية 12

سورة الشعراء (26): آية 14

سورة الشعراء (26): آية 15

سورة الشعراء (26): آية 16

سورة الشعراء (26): آية 17

سورة الشعراء (26): آية 18

ان كذبوك يا أكمل الرسل بما قد جئت به من الآيات العظام وعاندوا معك في قبولها لا تبال بهم ولا تحزن عليهم إِنَّ رَبَّكَ الذي رباك بأنواع الكرامات لَهُوَ الْعَزِيزُ الغالب المقتدر على انواع البطش والانتقام الرَّحِيمُ الحليم الذي لا يعجل بالعذاب وان استوجبوا بل يمهلهم زمانا لعلهم يتنبهون على ما فرطوا من سوء المعاملة مع الله ورسوله وآياته فيتوبون نادمين خاشعين صاغرين.

ثم أشار سبحانه الى تعداد المكذبين الضالين عن طريق التوحيد التائهين في تيه الغفلة والغرور فقال وَاذكر يا أكمل الرسل للمنصرفين عنك وعن آياتك عنادا قصة أخيك موسى الكليم عليه صلوات الرحمن مع فرعون وملائه وقت إِذْ نادى رَبُّكَ عبده مُوسى واوحى اليه بعد ما قد ظهر الفساد في الأرض من استيلاء فرعون وملائه على بنى إسرائيل واستعبادهم وقتل أبنائهم واستحياء نسائهم عدوانا وظلما حيث قال سبحانه أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ اى لك الإتيان بالدعوة والرسالة يا موسى على القوم الخارجين عن مقتضى الحدود الإلهية الموضوعة بين العباد لبقاء الإنصاف والانتصاف بينهم

يعنى قَوْمَ فِرْعَوْنَ الطاغي الباغي الذي قد ظهر على عباد الله بأنواع الجور والفساد فقل لهم أولا بعد ما ذهبت إليهم على سبيل التنبيه أَلا يَتَّقُونَ اما يحذرون عن قهر الله أولئك المفسدون المسرفون المكابرون المتجاوزون عن مقتضى العقل والنقل

وبعد ما ناداه سبحانه بما ناداه قالَ موسى ملتجأ الى الله مناجيا له رَبِّ يا من رباني بأنواع اللطف والكرم إِنِّي من شدة ضعفى وانفرادي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ ولا يقبلون منى دعوتي ولا يلتفتون الى وَبذلك يَضِيقُ صَدْرِي ويكل خاطري عن تبليغ ما أمرتني وَبعد ما قد ضاق صدري وكل خاطري لا يَنْطَلِقُ ولا يجرى حينئذ لِسانِي على تبيينه وتفهيمه مع ان في لساني لكنة جبلية وبالجملة انا وحدي لا اطيق بحمل أعباء الرسالة وتبليغها إليهم واجعل لي يا رب ظهيرا لي يعينني في شأنى هذا وأخي اولى بي بالمظاهرة والمعاونة إياي فَأَرْسِلْ حسب فضلك وجودك حامل وحيك جبريل عليه السلام إِلى هارُونَ أخي وأمره ان يشرك في امرى حتى نذهب كلا الأخوين الى فرعون ونبلغ رسالتك إياه

وَلا سيما لَهُمْ اى لقوم فرعون عَلَيَّ ذَنْبٌ عظيم وهو انى قد قتلت منهم قبطيا فيما مضى فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ بقصاصه

قالَ سبحانه في جوابه على سبيل الردع والمنع كَلَّا اى ارتدع يا موسى عن الخوف منهم وانزجر عنه بعد ما أيدناك واصطفيناك للرسالة ولا تبال بهم وبكثرتهم وشوكتهم إذ لا يسع لهم ان يقتلوك وان أردت ان نشرك أخيك معك في أمرك هذا فنشركه فأرسل سبحانه جبرائيل عليه السلام الى هارون بالوحي واشركه مع أخيه وأمرهما بتبليغ الرسالة الى فرعون بقوله فَاذْهَبا بِآياتِنا الدالة على عظمة ذاتنا وكمالات أسمائنا وصفاتنا وبلغا ما أمرتكما بتبليغه بلا خوف منهم وبلا مبالاة لهم إِنَّا حاضرون مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ ما جرى بينكم حافظون مراقبون لكما عما قصدوا من المقت والأذاة

ْتِيا فِرْعَوْنَ

مجترئين بلا مبالاة له وبشأنه وأعوانه قُولا

بلا دهشة وخوف من سطوته واستيلائه نَّا

اى كل واحد مناسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ

إليك ايها الطاغي نبلغك من عنده سبحانه

أَنْ أَرْسِلْ مَعَنا قومنا بَنِي إِسْرائِيلَ وخل سبيلهم حتى يذهبوا بنا الى ارض الشأم سالمين مخلصين عن ظلمك وجورك فقبلا من الله امره سبحانه فذهبا الى فرعون وملائه فقالا لهم ما قالا على الوجه المذكور بلا مبالاة لهم وبعد ما بلغا الرسالة على وجهها

قالَ فرعون في جوابهما مخاطبا لموسى إذ هو اصل

39

سورة الشعراء (26): آية 19

سورة الشعراء (26): آية 20

سورة الشعراء (26): آية 21

سورة الشعراء (26): آية 22

سورة الشعراء (26): آية 23

سورة الشعراء (26): آية 24

سورة الشعراء (26): آية 25

سورة الشعراء (26): آية 26

سورة الشعراء (26): آية 27

في الرسالة معاتبا عليه متهكما موبخا أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا زمانا يا موسى حين كنت وَلِيدًا لا متعهد لك سوانا وَلَبِثْتَ فِينا بعد ما كبرت الى حيث قد مضى مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ قيل قد لبث فيهم ثلاثين سنة ثم خرج الى مدين عشر سنين ثم عاد إليهم يدعوهم الى التوحيد ثلاثين سنة ثم بقي بعد غرقهم خمسين سنة

وَبعد ما ربيناك بأنواع التربية والكرامة قد فَعَلْتَ من سوء صنيعك فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ بان قتلت نفسا بلا جريمة صدرت منها موجبة لقتلها بل قد قتلتها ظلما وعدوانا وَبالجملة ما أَنْتَ يا موسى الا مِنَ الْكافِرِينَ لنعمنا وحقوق كرمنا كفرا قد سقط به لياقتك للرسالة والهداية فالآن جئت تدعى الرسالة والإرشاد الى الهداية ايها الكافر الضال

قالَ موسى في جوابه معترفا بما صدر عنه في أوان جهله وغفلته قد فَعَلْتُها اى الفعلة المذكورة المذمومة إِذًا اى حينئذ وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ في تلك الحالة ومن الجاهلين بعواقب الأمور ومن الغافلين عما ترتب عليه من الأوزار والآصار

فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ وبعد ما فررت منكم لأجلها قد وصلت الى خدمة مرشد رشيد ومرب منبه نبيه يرشدني ويربيني بأنواع الفضائل والكرامات فَوَهَبَ لِي رَبِّي من شرف صحبته وحسن تربيته حُكْمًا اى حكمة متقنة كاملة بالغة وَجَعَلَنِي حسب فضله وطوله مِنَ الْمُرْسَلِينَ فأرسلني إليكم لأدعوكم الى توحيد رب العالمين ثم شرع موسى في جواب ما قد من عليه فرعون من حقوق النعمة والتربية فقال

وَتِلْكَ النعمة التي قد عددت أنت ايها الطاغي الباغي نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ ليست تبرعا منك الى حتى أكون ممنونا بها منك بل ما هي الا أَنْ عَبَّدْتَ أنت زمانا طويلا قومي بَنِي إِسْرائِيلَ بك لها صاغرين مهانين مظلومين بأنواع الظلم والهوان وبالجملة ما انا ممنون منك حقيقة بل منهم لأنهم هم متسببون لتربيتك وحضانتك بي وبعد ما جرى بينهم ما جرى

قالَ فِرْعَوْنُ مستكبرا مستفهما على سبيل الإنكار والاستبعاد وَما رَبُّ الْعالَمِينَ اى ما هو وما ماهيته وحقيقته ولأي شيء تدعونا اليه عبر عنه لعنه الله سبحانه بما من غاية إنكاره واستحقاره إذ لفظة ما هي موضوعة للنكارة والإبهام

قالَ موسى في جوابه منبها له بناء على ظهوره سبحانه في الأكوان والآفاق هو رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وموجدهما ومظهرهما من كتم العدم وَكذا موجد ما حدث بَيْنَهُمَا من الكوائن والفواسد إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ اى من ذوى الإيقان والعرفان بحقائق المحدثات المبدعة بإبداع الله إياها من كتم العدم بلا سبق مادة وزمان بل بمجرد امتداد اظلال أسمائه وصفاته الذاتية على مرايا الاعدام بمقتضى التجليات الحبية المنتشئة من الذات الاحدية والا فلا يمكن تعريفه بإيراد الأجناس والفصول إذ هو سبحانه منزه عن الاشتراك والامتياز إذ الواحد من كل الوجوه المستقل بوجوب الوجود والتحقق مع امتناع غيره مطلقا لا يمكن ان يقومه جنس ويميزه فصل حتى يركب له حد او رسم وبعد ما سمع فرعون من موسى ما سمع

قالَ لِمَنْ حَوْلَهُ من ملائه واشرافه متهكما بجوابه حسب بطره وخيلائه وترفعه بنفسه أَلا تَسْتَمِعُونَ جوابه ايها العقلاء قد سألته عن حقيقته وذاته فأجاب بعدّ أفعاله وآثاره المترتبة على أوصافه وأسمائه التي هي من عوارض ذاته وبعد ما سمع موسى بجوابه حسب تشنيعهم واستبعادهم أراد ان يزيد ايضا على تنبيههم فأجاب بظهوره سبحانه في الأنفس رجاء ان يتنبهوا حيث

قالَ هو رَبُّكُمْ مظهركم ومربيكم بأنواع التربية والكرامة وَايضا رَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ الأقدمين وبعد ما سمع فرعون كلامه ثانيا

قالَ حينئذ جازما عازما

40

سورة الشعراء (26): آية 28

سورة الشعراء (26): آية 29

سورة الشعراء (26): آية 30

سورة الشعراء (26): آية 31

سورة الشعراء (26): آية 32

سورة الشعراء (26): آية 33

سورة الشعراء (26): آية 34

سورة الشعراء (26): آية 35

سورة الشعراء (26): آية 36

سورة الشعراء (26): آية 37

إِنَّ رَسُولَكُمُ سماه رسولا تهكما واستهزاء الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لإرشادكم وإصلاحكم لَمَجْنُونٌ لا يتكلم بالمقابلة بل يتفوه كيف ما اتفق بلا تأمل وتدرب بأسلوب الكلام إذ قد سألته عن حقيقة شيء ما أجاب عنه بل أجاب عن أشياء لا أسألها وبعد ما لم يتنبهوا بالتنبيهات المذكورة بل ما زادوا منها الا خبالا غب خبال وإنكارا فوق انكار وبالغوا فيه الى حيث نسبوه الى الخبط والجنون وبعد ما قد عتوا عتوا كبيرا

قالَ موسى كلاما جمليا كليا مشتملا على عموم الأمور المنبهة بما هو له سبحانه رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما اى هو بذاته مشرق الشمس ومديرها كل يوم بمدار مخصوص ومغيبها كذلك تتميما وتدبيرا لمصالح عباده وجميع حوائجهم المتعلقة بمعاشهم على الوجه الأحكم الأبلغ الأعدل بلا فوت شيء منها إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ وتطرحون عقولكم الى التأمل والنظر في عجائب مصنوعاته وغرائب مخترعاته في كيفية تدبيراته في ابدائه وإنشائه وابقائه وافنائه وكذا في جميع الأمور المتعلقة بألوهيته وربوبيته وان اجتهدتم وسعيتم حق السعى والجهد في شأنه لاهتديتم الى وحدة ذاته ووجوب وجوده واستقلاله بالتصرف في مظاهره ومصنوعاته فحينئذ لم يبق لكم شائبة شك في ذاته سبحانه حتى تحتاجو الى السؤال والكشف عن جنابه وبعد ما جهلهم موسى وشدد عليهم وسفههم

قالَ فرعون مغاضبا مستكبرا مستعليا مهددا مقسما بعزته وجلاله قائلا فو عزتي وعظمتي لَئِنِ اتَّخَذْتَ وأخذت وعبدت يا موسى إِلهًَا غَيْرِي بمقتضى زعمك لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ المعهودين عندك من انهم لا مخلص لهم عن سجنى حتى الموت فيه فانه قد كان يطرح المخالفين في هوة عميقة حتى يموتوا فيها وبعد ما سمع موسى تهديده وعتوه

قالَ له مستفهما على سبيل التعجيز والغلبة أَتفعل أنت ما هددتنى به وَلَوْ جِئْتُكَ ايها الطاغي المتجبر بِشَيْءٍ مُبِينٍ وبمعجزة عظيمة ظاهرة الدلالة على صدقى في دعواي

قالَ فرعون مستحيا من الناس مستبعدا نفسه عن العجز والافحام فَأْتِ بِهِ اى بالذي ادعيت من المعجزة إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ في الدعوى

فَأَلْقى موسى أولا عَصاهُ على الفور فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ ظاهر ثعبانيته عظيم بحيث لا يشتبه على احد امره وصولته

وَبعد إلقاء العصا قد نَزَعَ يَدَهُ ثانيا وأخرجها من جيبه ليثبت مدعاه بشاهدين فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ محيرة مفرقة للابصار من غاية شعاعها ولمعانها سيما لِلنَّاظِرِينَ إليها مدهشة لقلوبهم الى حيث قد تاهوا وتحيروا من شعشعتها فلما رآهما فرعون

قالَ بعد ما اوجس في نفسه خيفة لِلْمَلَإِ الذين يجلسون حَوْلَهُ مستغربا من امره مستعجبا من شأنه إِنَّ هذا المدعى لَساحِرٌ عَلِيمٌ ماهر في علم السحر بالغ نهايته

يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ المألوفة ووطنكم الموروث بِسِحْرِهِ هذا وبكماله فيه فَماذا تَأْمُرُونَ في امره ايها الأشراف والأعيان. انظر ايها المتأمل الناظر الى كمال قدرة الله وسطوع حجته البالغة كيف تأثر منها فرعون المتكبر المتجبر الطاغي مع كمال عتوه واستعلائه الى حيث قد اضطر الى المشورة مع الناس في امر موسى ودفعه مع انه كان في فرط عتوه واستعلائه وعزته قد ادعى الألوهية لنفسه وبعد ما سمع الأشراف قوله

قالُوا له مقتضى شأنك وجلالك أن لا تسارع الى قتلهما لئلا تنسب الى العجز والإلزام منهما ومن حجتهما بل أَرْجِهْ واحبس موسى وَأَخاهُ هارون وأخر قتلهما زمانا وَابْعَثْ فِي الْمَدائِنِ المحروسة شرطا حاشِرِينَ جامعين حاصرين وأمرهم حتى

يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ مبالغ في السحر عَلِيمٍ فائق في علمه متناه فيه بالغ نهايته فبعث شرطا الى الأقطار بعد ما قد وكل عليهما وكلاء يحبسونهما

41