الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبيةالجزء 2 · ص 74 - 81

سورة النمل (27): آية 92

شرفها الله خصها بالإضافة للتعظيم والا فهو رب عموم البلاد والأماكن الَّذِي حَرَّمَها اى حرم في هذه البلدة من الأمور التي قد أباحها في غيرها من البلاد وَلَهُ سبحانه كُلُّ شَيْءٍ خلقه وملكه والتصرف فيه كيف يشاء ويريد بلا منازع ومخاصم وَبالجملة أُمِرْتُ من عنده سبحانه أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ المنقادين لأحكامه سبحانه الممتثلين بأوامره ونواهيه بلا التفات الى ايمان احد وكفره وهدايته وضلاله

وَايضا قد أمرت أَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ المنزل على من عند ربي وداوم على تلاوته بين اظهر الأنام لأنه اوحى للهدى والرشد بالنسبة الى عموم العباد فَمَنِ اهْتَدى به بعد ما سمعه وتأمل معناه وامتثل بمقتضاه فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ونفع هدايته عائد إليها مفيد لها وَمَنْ ضَلَّ واعرض عنه بعد ما سمع واستكبر وكذب فَقُلْ بمقتضى أمرنا ووحينا إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ اى امرى منحصر بالإنذار والتخويف كسائر الرسل المنذرين فالهداية والضلال انما هو مفوض الى الكبير المتعال وبعد ما قد أمرني ربي بهذه المأمورات المذكورة قد أمرني ايضا بتجديد التحميد على تبليغ ما اوحى الى به بقوله

وَقُلِ يا أكمل الرسل بعد ما قد تلوت عليهم ما تلونا عليك الْحَمْدُ لِلَّهِ على ما علمني ربي من الحقائق والمعارف وشرفني بأنواع المكاشفات والمشاهدات ويسر على تبليغ ما اوحى الى وأمرني بتبليغه الى قاطبة الأنام وان اعرضوا عن قبول ما قد بلغت لهم من مصالح دينهم في النشأة الاولى والاخرى قل لهم على سبيل التهديد سَيُرِيكُمْ سبحانه في النشأة الاخرى عند قيام الساعة الموعودة صدق آياتِهِ الدالة على عظمة ذاته المثبتة لعموم مواعيده ووعيداته فَتَعْرِفُونَها حينئذ وتسمعونها سمع قبول ورضا ولا يجديكم قبولها حينئذ نفعا وفائدة إذ قد مضى وقت الإرشاد والامتثال بها والعمل بمقتضاها وَبعد ما قد بلغت لهم يا أكمل الرسل ما بلغت لا تبال باعراضهم وانكارهم إذ ما رَبُّكَ المطلع على عموم السرائر والخفايا بِغافِلٍ غائب ذاهل عَمَّا تَعْمَلُونَ من الرد والقبول سيما بعد ما سمعوا منك وفهموا معناه يجازيهم بمقتضى اطلاعه وعلمه وخبرته. ربنا اشرح لنا صدورنا بتأمل آياتك المنزلة من عندك ويسر لنا أمورنا بان نمتثل بمقتضاها بفضلك وجودك.

سورة النمل (27): آية 92

سورة النمل (27): آية 93

خاتمة سورة النمل

عليك ايها المحمدي المواظب على تلاوة كتاب الله الملازم للاسترشاد والاستهداء منه ان تلاحظ أولا منطوقات الألفاظ المفردة ثم مفهومات الكلام المركب منها ثم التأمل والتدبر في رعاية المطابقة بمقتضيات الأحوال المورد لأجلها ثم التعمق في الاساليب والأغراض المصوغ المسوق لها الكلام ثم سرائر الأوامر والنواهي الموردة فيه ورموز العبر والأمثال المشتمل عليها الكلام ثم الحكم والمصالح الباعثة لا يراد الكلام على وجهها ثم التفطن والتنبه من النظم المتلو المقرو على المعارف والحقائق والتجليات والمكاشفات والمشاهدات التي هي العلل الغائية لإنشائه والأسرار الباعثة لنظم كلماته وتأليف حروفه وعليك ايها الفطن اللبيب الخبير ان تدرك ان للقرآن ظهرا وبطنا ولبطنه بطنا الى سبعة ابطن على ما نطق به الحديث الصحيح صلوات الله على قائله وسلامه وإياك إياك ان تقنع منه بألفاظه ومنطوقاته التي تعرفها عوام العرب او تقنع عنه بمجرد الخواص والمزايا التي تعرفها ارباب اللسن منهم بل لك ان تلاحظ على الوجه المذكور الى ان يصير علمك المتعلق به لدنيا ذوقيا حاليا شهوديا وجدانيا شوقيا حضوريا بحيث تسمعه أنت من قلبك وتفهمه أنت منك بقلبك بلا وسائل الألفاظ والحروف الجارية على لسانك إذ الألفاظ والحروف انما هي من جملة القشور الكثيفة والحجب الغليظة

74

ايضا عند ذوى المعارف واولى الألباب الناظرين في لب القرآن فحينئذ قد فزت بحظك منه ونلت نصيبك من هدايته وإرشاده على قدر استعدادك واستجماع وسعك رب هب لي من فضلك من خزائن جودك التي او دعتها في كتابك الكريم انك أنت الوهاب والملهم بالخير والصواب

سورة القصص

فاتحة سورة القصص

لا يخفى على من تحقق بوحدة الحق وانكشف باستقلاله وتوحده في التحقق والوجود وشهد حضوره في الأكوان كلها. بلا مزاحمة ضد وشريك ومظاهرة مثل وظهير ان وحدة الحق تستدعى نفى الكثرة والتعدد مطلقا ولهذا ما ظهر في فضاء الوجود الا ما لمع عليه بروق تجلياته الحبية حسب أوصافه وأسمائه الذاتية ومن انكشف له هذا المشهد العظيم لم يسمع من احد ان يدعى الوجود لنفسه فكيف ان يدعى الألوهية والربوبية والاستقلال بالآثار والتصرفات الواردة في عالم الغيب والشهادة ومن ظهر على الله الواحد الأحد الفرد الصمد بأمثال هذه الدعوى الكاذبة وترقى فيها جهلا وعتوا الى ان قال أنار بكم الأعلى فمن كمال غيرة الله وحميته على نفسه ان يطرد من يدعى أمثال هذه الدعوى عن ساحة عز حضوره ويهلكه باشد العذاب وأسوأ العقاب في النشأة الاولى والاخرى لذلك خاطب سبحانه حبيبه ﷺ بما خاطب وأخبره في هذه السورة من نبأ أخيه موسى عليه السلام مع من تكبر واستعلى على الأرض الى حيث قد استعبد من عليها مدعيا الألوهية والربوبية لنفسه لذلك قد اخذه الله نكال الآخرة والاولى ان في ذلك لعبرة لمن يخشى من قهر الله وغضبه فقال سبحانه متيمنا باسمه العلى الأعلى بِسْمِ اللَّهِ المتجلى بجمعيته في الأكوان على مقتضى الأوصاف والأسماء الحسان الرَّحْمنِ بعموم المكونات بافاضة الوجود على سبيل السواء بلا تفاوت في خلقه وإظهاره لعموم الوراء الرَّحِيمِ لخواص عباده يوصلهم الى توحيد ذاته بافاضة انواع الرشد واصناف الهدى

الآيات

سورة القصص (28): آية 1

سورة القصص (28): آية 2

سورة القصص (28): آية 3

سورة القصص (28): آية 4

طسم يا طالب السعادة المؤبدة المخلدة ويا طيب الطينة ويا سالم السر والسريرة المنزه المقدس عن المكدرات الطبيعية المورثة لانواع الجهالات والضلالات المنافية لصفاء مشرب التوحيد

تِلْكَ الآيات المتلوة عليك يا أكمل الرسل في هذه السورة الحاكية عن قصص اخوانك من الأنبياء والرسل صلوات الله عليهم أجمعين آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ اى نبذ مما ثبت في لوح القضاء وحضرة العلم المحيط الإلهي الظاهر احاطته وشموله لجميع ما لاح عليه شروق شمس الوجود

نَتْلُوا عَلَيْكَ ونحكى لك يا أكمل الرسل مِنْ نَبَإِ مُوسى أخيك الكليم وَفِرْعَوْنَ المستكبر المستعلى المفرط في العتو والعناد انما أنزلناه إليك هذا ملتبسا بِالْحَقِّ المطابق للواقع مع كونك خالي الذهن عنه وعن أمثاله لكونك اميا لا تقدر على مطالعة كتب التواريخ وانما أنزلناه إليك لتكون آية ودليلا لك على صدقك في دعواك الرسالة لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ بك ويصدقون رسالتك ونبوتك وذلك

إِنَّ فِرْعَوْنَ المفسد المسرف قد عَلا وأفرط فِي الْأَرْضِ اى ارض مصر وترقى امره الى حيث تفوه بانا ربكم الأعلى وَمن كمال عتوه واستكباره قد جَعَلَ أَهْلَها اى اهل مصر ومن يسكنون حولها شِيَعًا اى فرقا وأحزابا يشايعون له لدى الحاجة ويزدحمون عليه عند الارادة طوعا وكرها وبعد ما قد رأى فرعون في منامه ليلا ان نارا تخرج من دور بنى إسرائيل وتقع على داره وتحرقه وما حولها من دور القبط ولم تضر بدور بنى إسرائيل أصلا فأصبح وامر بإحضار الكاهن العليم فاستعبر عنه الرؤيا فقال له الكاهن

75

سورة القصص (28): آية 5

سورة القصص (28): آية 6

سورة النمل (27): آية 7

سورة القصص (28): آية 8

سورة القصص (28): آية 9

سيخرج من بنى إسرائيل رجل يستولى عليك ويستأصلك ومن معك وبعد ما سمع من الكاهن ما سمع صار يَسْتَضْعِفُ اى يضعف طائِفَةً مِنْهُمْ اى من بنى إسرائيل وقد بالغ في أضعافهم الى حيث يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ يعنى امر بشرطته ووكلائه ان يقتلوا من ولد منهم ذكرا لئلا يتقووا على قتاله ولم يحدث بينهم من أخبر به الكاهن وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ ليتزوجهن القبط ظلما ويزداد ويلحق العار والصغار على بنى إسرائيل وبالجملة إِنَّهُ كانَ مِنَ أعظم الْمُفْسِدِينَ في الأرض يريد ان يظهر على الله بقتل ما أوجده سبحانه عتوا واستكبارا

وَبعد ما بالغ في الإفساد والفساد وتمادى في الجور والعناد زمانا نُرِيدُ بمقتضى جودنا وسعة رحمتنا أَنْ نَمُنَّ منة عظيمة عَلَى عبادنا الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ اى ارض العمالقة وهم بنوا إسرائيل الإسراء المظلومون في أيدي القبط وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وقدوة كراما كبراء عظماء اعزة متبوعين بعد ما كانوا اتباعا أذلاء صاغرين وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ من ظالميهم يرثون منهم ارضهم وديارهم وأموالهم

وَنُمَكِّنَ لَهُمْ اى نقررهم ونوطنهم فِي الْأَرْضِ اى ارض مصر والشأم بعد ما كانوا مضطربين متزلزلين في أيدي العدو وَنُرِيَ بمقتضى قهرنا وجلالنا فِرْعَوْنَ المفرط في العتو والعناد وَظهيره هامانَ المفتخر على اهل الزمان بنيابته ووزارته وَجُنُودَهُما من القبط مِنْهُمْ اى من بنى إسرائيل ما كانُوا يَحْذَرُونَ منه وهو ظهور مولود منهم يذهب به دولة القبط وصار سببا لهلاكهم بالمرة

وَبعد ما ولد موسى وظهر من أراد به سبحانه زوال ملك فرعون واستوحشت امه من وقوف الشرطة عليه وقتله قد أَوْحَيْنا عناية منا إياه وإظهارا لحكمتنا المتقنة المثبتة في حضرة علمنا ولوح قضائنا وألهمنا حينئذ إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ مهما أمكنك ارضاعه واخفاؤه فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ من وقوفهم إياه ضعيه في التابوت فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ اى النيل وَلا تَخافِي من هلاكه وغرقه وَلا تَحْزَنِي من فراقه إِنَّا من وفور لطفنا وعطفنا إياه وإياك قد رَادُّوهُ إِلَيْكِ لتحصنه وتحفظه أنت الى وقت فطامه وكبره البتة وَبعد ما استوى وبلغ أشده ورشده جاعِلُوهُ مِنَ جملة الْمُرْسَلِينَ المؤيدين من لدنا بالوحي والإلهام وظهور انواع المعجزات والخوارق من يده وبعد ما قد تفرست امه بوقوف الشرطة وتجسسهم بعد ما أرضعته ثلاثة ايام وضعته في التابوت على الوجه المأمور والقته في اليم مفوضة امره الى الله المتكفل بحفظه فذهب البحر بتابوته الى حذاء دار فرعون فرآه من فيها

فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ فأخذوه وأخرجوه من اليم واحضروه وبعد ما كشفوا عنه ستره رأوا فيه وليدا في غاية الحسن والجمال بحيث تبهر عيون الناظرين اليه يمضغ إبهامه فلما رآه فرعون وامرأته وجميع من في بيته من الخدمة احبوه واعجبوا حسنه وصفاءه وبهاءه وقد ألقينا محبته في قلوبهم جميعا الى ان اتفقوا لحفظه غافلين عن مكرنا معهم لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا اى موجب حزن طويل وعداوة شديدة مستمرة وبالجملة إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ مجبولين موافقين على الخطأ في عموم أفعالهم وأعمالهم كأنهم مجسمون متخذون من الخطأ ومن جملته محافظة العدو الموجب لانواع العذاب والنكال الواقع عليهم في النشأة الاولى والاخرى

وَقالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ آسية رضي الله عنها من كمال محبتها له وتحننها نحوه لفرعون مشيرة الى الوليد هذا قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ مثل أبناء بنى إسرائيل على ظن انه منهم بل نحفظه عَسى أَنْ يَنْفَعَنا اى رجاء ان ينفع بنا نفعا كليا

76

سورة القصص (28): آية 10

سورة القصص (28): آية 11

سورة القصص (28): آية 12

سورة القصص (28): آية 13

سورة القصص (28): آية 14

أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا خلفا لنا ويصير ولى عهدنا ان ظهر على رشد تام وعقل كامل كافل وَبالجملة هُمْ لا يَشْعُرُونَ انه عدوهم الذي يذهب به دولتهم وملكهم وبيده زوالهم وهلكهم

وَبعد القائه في البحر قد أَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغًا صفرا من العقل ومن مقتضياته بل قد صارت قلقة هائمة حائرة حاسرة خاسرة بحيث قد اضمحلت عنها امارات الحياة تحننا الى ولدها وشوقا اليه وخوفا من قتله سيما قد سمعت بالتقاط آل فرعون إياه ووقوعه بأيديهم إِنْ كادَتْ اى انها قد صارت من غاية الحزن والأسف الى ان قربت لَتُبْدِي بِهِ اى لتظهر وتبوح بامره صائحة عليه فجيعة في شأنه من التقاط عدوه لَوْلا أَنْ رَبَطْنا وألقينا عَلى قَلْبِها السكينة والطمأنينة لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ المصدقين لما وعدنا إياها برد ولدها إليها بلا ضرر من العدو

وَبعد ما سكنت من البوح والنوح وقصد الإظهار قالَتْ لِأُخْتِهِ اى مريم اخت موسى قُصِّيهِ اى اتبعى اثره وتتبعى امره كي تدركى وتدرى ما فعلوا معه فذهبت هي بأمرها فَبَصُرَتْ بِهِ اى بموسى عَنْ جُنُبٍ بعد واخفت حالها عنهم وَهُمْ بحيث لا يَشْعُرُونَ بقرابتها إياه وهم بعد ما اتفقوا على حفظه وتركوا قتله أرادوا ان يرضعوه فطلبوا المرضعة لحضانته ورضاعته

وَقد كنا من متانة حكمتنا وحكمنا قد حَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ اى قبل القائه في البحر وحين عهدنا مع امه برده إياها بقولنا انا رادوه إليك فاحضروا مراضع كثيرة فأبى موسى عن مص الكل فتحيروا في امره فَقالَتْ مريم بعد ما انتهزت الفرصة هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ ان أردتم له مرضعة وَهُمْ اى اهل ذلك البيت لَهُ ناصِحُونَ حافظون الى ان كبر بحيث لا يغفلون عن تربيته وحفظه فلما سمع هامان منها ما سمع قال انها قد تعرفه واهله ومنشأه خذوها حتى تخبر ما حاله ومن أى قوم منشأه قالت انما أردت وهم للملك قوم ناصحون فأمرها فرعون باحضارها فأتت مريم بأمه وموسى على يد فرعون يبكى ويصيح فلما شم ريح أمه استأنس والتقم ثديها ومص بلا إباء فقال له فرعون من أنت منه فقد أبى من كل ثدي الا ثديك قالت انى امرأة طيبة الريح واللبن لم أوت بصبى إلا قبلني فدفعه إليها وعين اجرة حضانتها ورضاعتها فذهبت به الى بيتها من يومه كما قال سبحانه

فَرَدَدْناهُ يوم القائه في البحر إِلى أُمِّهِ إيفاء لوعدنا إياها كَيْ تَقَرَّ وتنور عَيْنُها بولدها وَبعد ما قد رددناه إليها ألهمنا لها ان لا تَحْزَنَ بعد اليوم وتثق بوعدنا إياها وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ القادر المقتدر على إيفاء مطلق العهود حَقٌّ ثابت محقق مطابق للواقع فكما اوفى سبحانه وعد رده إليك يوفى ايضا وعد رسالته ونبوته ايضا بلا خلف منه فعليك ان تثقى بالله وتفوضى امره اليه سبحانه فانه سبحانه يكفى ويكف عنه مؤنة شرور أعدائه ويوصله الى منتهى ما جبله لأجله إذ هو سبحانه قادر مقتدر غالب على عموم ما أراد وشاء وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ اى اكثر الناس لا يَعْلَمُونَ كمال قدرته وحكمته سبحانه

وَلَمَّا ربته امه وأحسنت تربيته بمعاونة عدوه الى ان بَلَغَ أَشُدَّهُ وكمال قوته في نشوه ونمائه وَاسْتَوى اى كمل وتم عقله ورشده الى ان صلح لحمل أعباء الرسالة قد آتَيْناهُ من كمال جودنا إياه إيفاء لما وعدنا له في سابق علمنا المحيط وكتبنا لأجله في لوح قضائنا المحفوظ حُكْمًا نبوة ورسالة ليضبط به ظواهر الاحكام من الأنام وَعِلْمًا لدنيا متعلقا بمعرفة نفسه وبمعرفة ذات الحق المتصف بجلائل الأوصاف والأسماء وكذا بمعرفة توحده وتنزهه في ذاته عن سمة الكثرة

77

سورة القصص (28): آية 15

سورة القصص (28): آية 16

سورة القصص (28): آية 17

سورة القصص (28): آية 18

سورة القصص (28): آية 19

والتعدد مطلقا وَكَذلِكَ اى مثل ما جزينا موسى بأحسن الجزاء نَجْزِي عموم الْمُحْسِنِينَ من خلص عبادنا البالغين رتبة الإحسان معنا وهم الذين يعبدون الله كأنهم يرونه. وانما اتى بلفظ الماضي مع انه انما أرسل بعد ما هاجر من بينهم الى مدين وتلمذ شعيبا عليه السلام تنبيها على تحقق وقوعه

وَبعد ما قد بلغ موسى أشده قد دَخَلَ الْمَدِينَةَ اى مصر يوما من الأيام عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها لأنهم لا يترقبونه في تلك الوقت قيل هو وقت القيلولة وقيل وقت العشاء فَوَجَدَ موسى حين دخل فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ قتالا شديدا هذا اى احد المقاتلين مِنْ شِيعَتِهِ اى بنى إسرائيل وَهذا الآخر مِنْ عَدُوِّهِ يعنى القبط وبعد ما وصل موسى إليهما فَاسْتَغاثَهُ اى طلب منه الغوث والإعانة الرجل الَّذِي هو مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الرجل الَّذِي هو مِنْ عَدُوِّهِ إذ القبطي غالب على السبطى وبعد ما وجد موسى صديقه مظلوما مغلوبا فَوَكَزَهُ اى العدو مُوسى يعنى ضم أصابعه مجتمعة مقبوضة فضرب بها العدو مرة فَقَضى عَلَيْهِ وهلك وانفصل روحه عنه بوكزة واحدة دفعة فخجل موسى من فعله هذا واسترجع الى الله مستحييا منه سبحانه حيث قالَ هذا اى ما جئت به من الفعلة الشنيعة مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ إذ هو يغرينى ويغويني باغرائه واغوائه إِنَّهُ اى الشيطان المغرى المغوى عَدُوٌّ لأهل الحق وارباب اليقين مُضِلٌّ لهم يضلهم عن الطريق المستبين مُبِينٌ ظاهر العداوة والإضلال سيما بالنسبة الى ارباب الرشد والكمال

قالَ موسى حينئذ متضرعا نحو الحق آئبا اليه تائبا عما صدر عنه مناجيا له عن محض الندم والحياء رَبِّ يا من رباني بأنواع اللطف والكرم بين يدي عدوى وخلصني من البلية العامة بمقتضى جودك إِنِّي بالاقدام على هذا الأمر الشنيع قد ظَلَمْتُ نَفْسِي وعرضتها على عذابك بالخروج عن مقتضى حدودك بقتل هذا الشخص بلا رخصة شرعية فَاغْفِرْ لِي يا ربي زلتى بعد ما تبت إليك وأنبت نحوك ورجعت عن ذنبي نادما والتجأت الى بابك راجيا فَغَفَرَ لَهُ ربه زلته بعد ما رجع اليه مخلصا إِنَّهُ سبحانه هُوَ الْغَفُورُ

لذنوب عباده بعد ما رجعوا نحوه متذللين خائبين خاسرين الرَّحِيمُ يقبل توبتهم بعد ما أخلصوا فيها وبعد ما تاب ورجع عما قد عمله خطأ

قالَ مقسما رَبِّ يا من رباني بأنواع الكرامات أقسمت بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ اى بعموم نعمك العظيمة الواصلة الى فَلَنْ أَكُونَ بعد اليوم وبحال من الأحوال ظَهِيرًا مغيثا ومعينا لِلْمُجْرِمِينَ الذين قد أدت اغاثتهم الى جرم كبير وذنب عظيم وبعد ما صدر من موسى ما صدر

فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفًا من اولياء المقتول يَتَرَقَّبُ منهم الاستقادة والقصاص فَإِذَا اى فاجأ موسى بغتة بالرجل الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ واستغاث منه بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ ويستغيث منه ايضا مرة بعد اخرى لقبطى آخر يخاصم معه ويتغلب عليه قالَ لَهُ اى للمستغيث مُوسى على وجه الردع إِنَّكَ مع غاية ضعفك وقلة قوتك لَغَوِيٌّ مُبِينٌ ظاهر الغواية والضلال

فَلَمَّا أَنْ أَرادَ موسى بعد ما رأى غاية ضعف صديقه ومغلوبيته من العدو وان نسب الصديق الى الغواية أَنْ يَبْطِشَ غيرة وحمية عليه بِالَّذِي اى بالقبطي الذي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما اى لموسى والإسرائيلي المغلوب إذ كل قبطى عدو لكل سبطي لاستمرار العداوة فيما بينهم قالَ القبطي يا مُوسى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي ظلما وعدوانا كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ جبرا بلا رخصة شرعية إِنْ تُرِيدُ وما تقصد بفعلك هذا وظهورك هكذا

78

سورة القصص (28): آية 20

سورة القصص (28): آية 21

سورة القصص (28): آية 22

سورة القصص (28): آية 23

سورة القصص (28): آية 24

إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا قتالا فِي الْأَرْضِ ظلما وعدوانا بطرا مباهيا بقدرتك وقوتك وَبالجملة ما تُرِيدُ وما تقصد أنت بهذه الجرأة والجريمة أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ بين المتخاصمين بل ما أنت الا من المفسدين أشد إفساد

وَبعد ما انتشر الخبر بين العوام وشاع بين الأنام الى ان وصل الى فرعون وملائه فحضر اولياء المقتول على باب السلطان طالبين القود من القاتل فهم فرعون وملاؤه بقتل موسى بعد ما قد شاوروا في شأنه مشاورة عظيمة قد جاءَ رَجُلٌ مؤمن بموسى مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ نحوه وهو ابن عمه حال كونه يَسْعى يسرع ويتبختر قالَ باكيا يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ اى فرعون واشراف قومه يَأْتَمِرُونَ بِكَ ويتشاورون في شأنك واستقر رأيهم لِيَقْتُلُوكَ قصاصا فَاخْرُجْ من المدينة في هذه الساعة وبالجملة إِنِّي من كمال عطفي ومرحمتى لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ أنصحك بالخروج من بينهم لئلا يلحقك شرهم وضرهم وبعد ما سمع موسى من المؤمن الناصح ما سمع

فَخَرَجَ مِنْها اى من المدينة على الفور خائِفًا يَتَرَقَّبُ ادراكهم من الخلف قالَ حين خروجه منها ملتجأ الى الله مناجيا معه مستعينا مغيثا اليه رَبِّ يا من رباني بكنف حفظك وجوارك ونجاني من انواع الفتن والمحن نَجِّنِي بلطفك اليوم ايضا مِنَ ادراك الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ القاصدين لمقتي وقتلى

وَلَمَّا تَوَجَّهَ موسى تِلْقاءَ مَدْيَنَ اى جهة قرية شعيب النبي صلوات الله عليه وسلامه قالَ راجيا الى الله ذاكرا سوابق نعمه عليه من كمال فضله وكرمه عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي حسب جوده العميم سَواءَ السَّبِيلِ اى الطريق المستقيم المنجى عن العدو الموصل الى الصديق المشفق المرشد ليهدينى الى صراط الله الأقوم الأعدل الذي هو التوحيد المخلص عن وساوس التقليد فعن له يومئذ ثلاث طرق فاختار أوسطها بالهام الله إياه وجاء الطلاب عقيبه فاختاروا الآخرين فنجى من شرورهم

وَلَمَّا وَرَدَ ووصل بعد ما سار ثمانية ايام بلا زاد يأكل الكلأ ماءَ مَدْيَنَ اى بئرا قرب مدين قد كان أهلها يسقون منها مواشيهم وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً اى فرقة مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ مواشيهم وأنعامهم بالدلو وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ اى في مكان ابعد منهم وأسفل من مكانهم امْرَأَتَيْنِ معهما أغنام كثيرة وهما تَذُودانِ تطردان وتصرفان غنمهما عن اختلاط غنمهم وتبعدان عن الماء قالَ موسى سائلا عنهما بعد ما شاهد حالهما وذودهما ما خَطْبُكُما واى شيء شأنكما وأمركما واى شيء مقصودكما من الذود مع ان اغنامكما في غاية العطش قالَتا مع كمال الاستحياء والتحفظ من مكالمته في جوابه لا نَسْقِي أغنامنا مع هؤلاء الرجال إذ نحن من اهل بيت النبوة لا نجتمع معهم في السقي بل نصبر حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ ويخلو الدلو ويخرجوا مواشيهم الى المرعى عن رأس الماء. الرعاء جمع راع كتجار جمع تاجر هذا على قراءة يصدر بضم الياء وكسر الدال واما على قراءة يصدر بفتح الياء وضم الدال اى يذهب الرعاة والحفظة بمواشيهم مرتوية وينصرفوا عن شفير البئر إذ نحن لا نختلط باجانب الرجال وَبالجملة نحن من غاية اضطرارنا وضرورتنا قد جئنا للسقي إذ أَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ فاقد البصر وما لنا أخ وعم وليس لأبينا ظهير وهو شيخ ضرير وبعد ما سمع موسى منهما ما سمع ورأى ما رأى من كمال العفة والعصمة قام مع انه في غاية الضعف من شدة الجوع والعطش وفي رأس البئر حجر عظيم يقلبه عند الاستقاء جمع كثير فقلبه وحده

فَسَقى لَهُما جميع اغنامهما فانصرفتا وذهبتا باغنامهما الى بيتهما ثُمَّ تَوَلَّى وانصرف موسى إِلَى الظِّلِّ وازداد جوعه وعناه من فرط

79

سورة القصص (28): آية 25

سورة القصص (28): آية 26

سورة القصص (28): آية 27

سورة القصص (28): آية 28

سورة القصص (28): آية 29

الحركة فَقالَ ملتجأ الى ربه رَبِّ إِنِّي من شدة جوعى وضعفى لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ ورزقتني من موائد افضالك وإنعامك مِنْ خَيْرٍ طعام وصل الى فَقِيرٌ مريد محتاج وأنت اعلم لحالي منى وبعد ما تم مناجاته مع ربه ورفع حاجاته اليه سبحانه

فَجاءَتْهُ فجاءة إِحْداهُما اى احدى المرأتين تَمْشِي نحوه عَلَى اسْتِحْياءٍ تام منه وكمال تحفظ وتحصن فلما وصلت حوله سلمت عليه خافضة صوتها ناكسة رأسها ثم قالَتْ له مستحية إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ ويكافئ معك أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا تبرعا فأجابها موسى تبركا برؤية شعيب عليه السلام لا طمعا لاجرته. روى انه لما دخل عليه قد أتى أولا بالطعام فامتنع موسى ولم يأكل وقال نحن من اهل بيت لا نبيع ديننا بالدنيا قال شعيب عليه السلام هذا من عادتنا مع كل من ينزل علينا وان من أوتى بمعروف واهدى له لم يحرم أكله في عموم الأديان فقبل قوله موسى واشتغل بأكل الطعام فَلَمَّا جاءَهُ اى لما وصل موسى شعيبا عليهما السلام وتبرك بشرف صحبته وقد لاح على شعيب عليه السلام حاله وشأنه بنور النبوة وَبعد ما ظهر على موسى ايضا انه قد لاح عليه قَصَّ موسى عَلَيْهِ الْقَصَصَ عن آخرها اى عموم ما جرى عليه من اوله الى آخره وسمع منه الشيخ على التفصيل وبعد ما سمع شعيب عليه السلام قالَ لا تَخَفْ بعد اليوم فقد نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ يعنى فرعون وملئه وبعد ما قد جلس موسى عند شعيب عليه السلام وقص عليه ما جرى عليه من الخوف والحزن والكآبة وانواع الملال والضلال وتشتت الحال وتفرق البال

قالَتْ إِحْداهُما اى احدى ابنتين وهي التي استدعته للضيافة يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ لرعى الغنم وأنت تريد الأجير إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ من الرجال هو لأنه الْقَوِيُّ القادر شديد القوة الْأَمِينُ ذو الامانة والديانة قال لها أبوها حمية وغيرة من اين عرفت قوته وأمانته فذكرت لأبيها ما رأت من إقلال الحجر العظيم وحده من رأس البئر مع ان الناس قد يقلون بجمع كثير فهذا دليل قوته واما دليل أمانته فانى بعد ما دعوته بإذنك قام ومشى قدامي وأمرني بالمشي خلفه صيانة على عن النظر الى فقال لي دلينى على الطريق ان ضللت ولما سمع شعيب عليه السلام من ابنته ما سمع من امارات أمانته ومروءته مع انه قد شاهد منه ولاح عليه بنور النبوة نجابة طينته وفطرته رغب الى ألفته ومؤانسته حيث

قالَ شعيب عليه السلام بموسى إِنِّي بعد ما وجدتك شابا صالحا سويا نسيبا حسيبا ذا رشد وامانة أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ بصداق معين وهو عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا كاملا فَمِنْ عِنْدِكَ تبرعا وإحسانا وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ بان أحملك أزيد من ذلك سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ للخدمة والمصاحبة والمواخاة في أداء الحقوق والعهود

قالَ موسى مجيبا له راغبا لقبول ما ألقاه من الكلام ذلِكَ الوقت الذي عينته ملزما على أولا بَيْنِي وَبَيْنَكَ معهود ثابت مقرر معقود عليه كما أمرتم وحكمتم والذي قلتم ثانيا تبرع منى ان قدرت على إتيانه بتوفيق الله وتيسيره كما قررتم أنتم ايضا وبالجملة أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ يعنى أجل الالتزام او أجل التبرع قَضَيْتُ يقع المعهود بلا تردد فَلا عُدْوانَ ولا تعدى عَلَيَّ بعد انقضاء كل واحد من الأجلين وَاللَّهُ الشهيد المطلع على عموم احوال عباده عَلى ما نَقُولُ من المشارطة والمعاهدة وَكِيلٌ حفيظ يحفظها على وجهها

فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ اى أقصى الأجلين ومكث عنده عشرا أخر بعد ما تزوج ابنته للاسترشاد والاستكمال وكسب

80

سورة القصص (28): آية 30

سورة القصص (28): آية 31

سورة القصص (28): آية 32

الأخلاق والأطوار بعد ما قد كمل بصحبة المرشد الكامل المكمل وشرف بشرف تربيته أراد ان يرجع الى قومه بل أراد الحق ان يظهر منه ما جبله لأجله وهو زوال ملك فرعون وسلطنته بسببه فخرج من عنده باذنه عليه السلام وَسارَ بِأَهْلِهِ نحو مصر وهي حاملة فجاءها الطلق في ليلة شاتية مظلمة وهم على جناح السفر ضالين عن الطريق آنَسَ وأبصر موسى مِنْ جانِبِ الطُّورِ اى من الجهة التي تجاه الطور نارًا ففرح من رؤيتها حيث قالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا ساعة إِنِّي قد آنَسْتُ وأبصرت نارًا ومن هذا يعلم ان اهله لم يروها اذهب نحوها لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ من الطريق استخبر من عندها أَوْ جَذْوَةٍ اى عود غليظ مع شيء مِنَ النَّارِ ان لم أجد عندها أحدا لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ بها وتستدفئون من البرد فمكثوا فبادر موسى نحوها سريعا مسرعا

فَلَمَّا أَتاها وقرب منها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ اى شفيره وجانبه الْأَيْمَنِ ذي اليمن والكرامة الواقعة فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ التي قد كثر الخير والبركة فيها مِنَ الشَّجَرَةِ التي توقد عليها النار نداء عجيبا معربا عن اسمه مصرحا به أَنْ يا مُوسى المتحير في بيداء الطلب القلق الحائر في فيافى التعب إِنِّي مع كمال اطلاقى وان ظهرت على صورة النار وتقيدت بها متنزلا عن كمال تنزهى وعلو شأنى عن عموم الصور والتعينات أَنَا اللَّهُ الجامع لعموم الأسماء والصفات المتجلى بجميع الصور والشئون وبعموم الهياكل والتماثيل الظاهرة من آثار أوصافي وأسمائي المحسوسة من عكوس شئوني وتجلياتى حسب تطوراتى بمقتضى كمالاتى المتعالي عن الحلول في الشيء منها والاتحاد معه فاطلبنى تجد عموم حوائجك عندي لأنى رَبُّ الْعالَمِينَ اى مربى الكل ومدبره بعد ما قد أظهرت الأشياء واوجدتها من كتم العدم حسب رش نوري ومد ظلي عليها وبعد ما سمع موسى ما سمع قد استوحش بل قد هام ووله من هذا النداء الهائل وارتعد من هيبة هذا الصداء المهول إذ هو في أول انكشافه وابتداء شهوده وبعد ما ظهر منه ما ظهر من الرعب المفرط آنس معه ربه ازالة لرعبه ووحشته فقال مخاطبا له آمرا

وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ التي في يدك حتى ترى عجائب صنعتنا وبدائع حكمتنا ويزول استبعادك عن ظهورنا على صورة النار فألقاها على الفور فإذا هي حية تسعى فَلَمَّا رَآها موسى عليه السلام تَهْتَزُّ وتتحرك على وجه السرعة كَأَنَّها جَانٌّ حية صغيرة سريعة السير قد وَلَّى موسى وانصرف عنها مُدْبِرًا خائفا مرعوبا متنفرا إذ لم يرها قبل ذلك كذلك وَبعد ما أدبر هائلا هاربا لَمْ يُعَقِّبْ اى لم يرجع ولم يقبل نحوه ولم يلتفت الى اخذه خائفا منها هائبا قلنا له حينئذ مناديا ازالة لرعبه يا مُوسى أَقْبِلْ نحو عصاك وخذها بيدك وَلا تَخَفْ من صورتها المحدثة إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ من ضرر ما ظهر عليك من الصور الحادثة المهيبة فانا سنعيدها سيرتها الاولى وصورتها الاصلية ثم امر سبحانه ثانيا تأكيدا لتأنيسه بقوله

اسْلُكْ وادخل يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مضيئة منيرة محيرة المعقول مفرقة الأبصار من كمال إشراقها وإضاءتها مع انها مِنْ غَيْرِ سُوءٍ ومرض من برص وبهق وغيرها فادخل واخرج على الفور فرأى ما رأى وَبعد ما قد رأى موسى يده في غاية البياض والصفاء واستوحش ايضا منها واسترهب عن عروض المرض إليها بمقتضى بشريته امره سبحانه ثالثا ازالة لحزنه وتمرينا له بقوله اضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ واطو كشحك واجمع شملك ويديك ولا تنشره مِنَ الرَّهْبِ والخوف والرعب المفرط وهذا كناية عن الطمأنينة والوقار وعدم اخطار الخوف مطلقا بالبال فَذانِكَ اى فاعلم

81