الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبيةالجزء 2 · ص 106 - 113

سورة العنكبوت (29): آية 42

سورة العنكبوت (29): آية 42

سورة العنكبوت (29): آية 43

سورة العنكبوت (29): آية 44

كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ التي قد اتَّخَذَتْ بَيْتًا من لعابها ثم تركته واتخذت آخر مثلها ثم تركته وهكذا حالها دائما مع ان هذه الابنية والبيوتات المتخذة لا تدفع حرا ولا بردا ولا تصير مانعا له من العدو ولا حجابا حاجزا من المكاره إياه كهؤلاء المقلدين الضالين الذين اتخذوا بتقليد بعض الضلال المتقدمين منهم دينا ومذهبا ثم تركوه بتقليد آخر منهم بلا تمكن ولا تمرن وهكذا حالهم دائما مع ان الأديان المتخذة لا تكشف لهم طريق الحق ولا توصلهم الى معرفته وتوحيده ولا تنقذهم من ظلمات الأوهام والخيالات الباطلة العائقة عن مشرب التوحيد ولا تخلصهم من سجن الطبيعة وقيود الإمكان وأغلال الأنانيات وسلاسل الهويات والتعينات مطلقا قال سبحانه على سبيل التأكيد والمبالغة على وجه التنصيص والتصريح بالضعف والتوهين بعد ما قد كنى ورمز لينزجروا ويرتدوا عن ما هم عليه من الأديان الباطلة وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ وأضعف الابنية لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ إذ لا بيت أضعف منه واشرف الى التخريب والانهدام واقل وقاية من الحر والبرد ودفع الضر والشر لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ وهنه وضعفه وعدم نفعه لما اتخذوها لكنهم لم يعلموا فاتخذوا جهلا وعنادا فسيعلمون عاقبة ما اتخذوا ووبال ما عبدوا. ثم قال سبحانه على وجه الوعيد إياهم آمرا لحبيبه ﷺ قل لهم يا أكمل الرسل

إِنَّ اللَّهَ المطلع على ضمائر عباده وسرائرهم يَعْلَمُ بعلمه الحضوري ما يَدْعُونَ وما تعبدون مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ من الأوثان والأصنام على التفصيل إذ لا يعزب عن حيطة حضرة علمه المحيط شيء مما ظهر وبطن وخفى وعلن ولكن يمهلكم ويؤخر اخذكم بها زمانا لحكم ومصالح قد استأثر الله بها ولم يطلع أحدا عليها وَكيف لا يأخذكم سبحانه بما صدر عنكم مع انه هُوَ الْعَزِيزُ الغالب القادر المقتدر على الانتقام بالقوة الكاملة والبطش الشديد الْحَكِيمُ المتقن في أفعاله بما لا مزيد عليه

وَان استهزؤا معك يا أكمل الرسل متهكمين بما في كتابك من التمثيلات بأحقر الأشياء وأضعفها مثل الذباب والعنكبوت والنمل وغيرها لا تبال بهم وبتهكمهم واستهزائهم إذ تِلْكَ الْأَمْثالُ التي نَضْرِبُها لِلنَّاسِ المتمكنين في الغفلة والنسيان لنوضح لهم طريق التوحيد والعرفان وسبيل السلامة والايمان انما هي للموفقين منهم المجبولين على استعداد القبول وفطرة الإسلام لا لكل احد من اهل الغفلة والضلال التائهين المترددين في اودية الجهل واغوار الخيال لطلب المحال وفي هاوية الوهم بأنواع المراء والجدال وَلذلك ما يَعْقِلُها وما يفهم معناها وما يصل الى قعرها ومرماها إِلَّا الْعالِمُونَ العارفون الواصلون بما أفاض الله عليهم سبحانه من رشحات حضرة العلم المحيط الإلهي الى ينبوع بحر الوحدة الذاتية التي هي منبع عموم الكمالات اللائحة على صحائف الأنفس والآفاق وصفحات الأعيان والأكوان بكمال الاستقلال والاستحقاق وكيف لا قد

خَلَقَ اللَّهُ المتجلى بجميع صور الكمالات واظهر بمقتضى الأسماء والصفات السَّماواتِ اى العلويات المتفاوتة المتخالفة باختلافات الأسماء والصفات المنتشئة المنعكسة من الذات الاحدية حسب الشئون والتطورات المترتبة على الكمالات المندمجة فيها وَالْأَرْضَ اى طبيعة العدم القابلة لجميع الانعكاسات المنعكسة من اشعة التجليات الذاتية غيبا وشهادة ظهورا وبطونا بروزا وكمونا جمالا وجلالا وبالجملة ما خلق واظهر سبحانه عموم ما ظهر وبطن الا ملتبسا بِالْحَقِّ المطابق للواقع بلا شائبة شك فيه وارتياب إِنَّ فِي ذلِكَ الإيجاد والإظهار على الوجه الابدع الأبلغ والنظام الأتم الأكمل لَآيَةً عظيمة وحجة قاطعة لِلْمُؤْمِنِينَ الموحدين الموقنين بوحدة ذاته وكثرة أسمائه وصفاته حسب شئونه

106

سورة العنكبوت (29): آية 45

سورة العنكبوت (29): آية 46

سورة العنكبوت (29): آية 47

وتطوراته على مقتضى تجلياته المتجددة الغير المتكررة ازلا وابدا

اتْلُ يا أكمل الرسل ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ الجامع لما في النشأتين الحاوي لعموم الأمور الجارية في المنزلتين وتأمل في رموزه وإشاراته حق التأمل والتدبر واتصف بأوامره واجتنب عن نواهيه واعتبر من عبره وأمثاله وذق حلاوة معارفه وحقائقه بتوفيق الله وتيسيره وَأَقِمِ الصَّلاةَ وداوم على الميل المقرب نحو الحق بعموم جوارحك وأركانك بعد ان تنوي وتقصد في صلاتك هذه الانخلاع عن لوازم ناسوتك مطلقا محرما على نفسك عموم حظوظك من دنياك مقبلا على شأنك في أخراك متوجها الى قبلة الوحدة وكعبة الذات الاحدية وعرفات الأسماء والصفات وبالجملة مستأنسا بالله متشوقا الى لقاء الله مستوحشا عن غير الله مطلقا إِنَّ الصَّلاةَ على الوجه المذكور تَنْهى وتكف صاحبها عَنِ الْفَحْشاءِ المترتبة على القوى البهيمية من الشهوية والغضبية وَالْمُنْكَرِ المترتب على مطلق القوى البشرية المنغمسة بالعلائق المادية والشواغل الجسمية والجسمانية وَبالجملة لَذِكْرُ اللَّهِ المنزه في ذاته عن عموم الأكوان المبرى أوصافه وأسماؤه عن وصمة النقصان وسمة الحدوث والإمكان والاشتغال بذكره سبحانه حسب إطلاقه أَكْبَرُ شمولا وأتم توجها وقبولا وأكمل حصولا ووصولا سيما لو جذبتك العناية من لدن جنابه ووافقك التوفيق من عنده نحو بابه وَكن يا أكمل الرسل في نفسك متوجها الى ربك متقربا اليه على الوجه الذي أمرت به ولا تلتفت الى هذيانات اهل البدع والأهواء الفاسدة إذ اللَّهِ المطلع بجميع حالاتهم يَعْلَمُ منهم بعلمه المحيط الحضوري عموم ما تَصْنَعُونَ من الاستخفاف والاستهزاء وعدم المبالات بمعالم الدين والاستحقار بمراسم التوحيد واليقين فسيجازيهم سبحانه حسب علمه بهم

وَبعد ما سمعتم ايها المؤمنون خطاب ربكم مع نبيكم لا تُجادِلُوا ولا تخاصموا أَهْلَ الْكِتابِ اى مع الأحبار الذين واظبوا على محافظة كتاب الله المنزل إليهم واستنبطوا منه الاحكام وامتثلوا بأوامره واجتنبوا عن نواهيه إِلَّا بِالَّتِي اى بالطريقة التي هِيَ أَحْسَنُ الطرق وابعد عن المكابرة واقرب الى الصواب هينين لينين معهم بلا قلق واضطراب وفضول من الكلام ما داموا منصفين معتدلين بلا ميل منهم وانحراف الى المكابرة والاغتساف إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ جهلا وعنادا وخرجوا عن منهج الصدق والصواب بغيا وعدوانا وَقُولُوا لهم بمقتضى ما أمرتم به في كتابكم آمَنَّا وصدقنا بِالَّذِي اى بالكتاب الذي أُنْزِلَ إِلَيْنا من عند ربنا بطريق الوحى لنبينا وَآمنا ايضا بالكتاب الذي أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ منه سبحانه ايضا وحيا على نبيكم وَكيف لا نؤمن بكتابكم ونبيكم إذ إِلهُنا الذي قد انزل علينا كتابا وَإِلهُكُمْ الذي انزل عليكم كتابا ايضا واحِدٌ لا تعدد فيه ولا شريك له يشاركه ولا مثل له يماثله ولا كفؤ له يشابهه وَبالجملة نَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ مؤمنون منقادون مطيعون وبجميع ما حكم به سبحانه في كتبه وعلى ألسنة رسله مصدقون ممتثلون سوى ما قد نسخ في كتابنا حكمه

وَكيف لا يقول لهم المؤمنون هكذا ولا يؤمنون بالكتب المنزلة من عندنا إذ كَذلِكَ وعلى وفق ذلك وطبقه قد أَنْزَلْنا إِلَيْكَ يا أكمل الرسل الْكِتابَ الجامع لما في الكتب السالفة لتكون أنت ومن تبعك من المؤمنين مصدقين بعموم الكتب والرسل بلا تفاوت وتفرقة بينهم فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ قبل كتابك يُؤْمِنُونَ بِهِ اى بكتابك ويصدقون بك ايضا كذلك على الوجه الذي وعدناهم في كتبهم من انا سنرسل رسولا من لدنا ومعه كتاب جامع مصدق

107

سورة العنكبوت (29): آية 48

سورة العنكبوت (29): آية 49

سورة العنكبوت (29): آية 50

لجميع الكتب السالفة والرسل السابقة وان كان مشتملا على النسخ والتبديل لبعض احكام الكتب السابقة المنزلة على الأمم السالفة وَمِنْ هؤُلاءِ الاعراب مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ اى بهذا الكتاب وان لم يسبق لهم وعد لأنهم ليسوا من اهل الكتاب في وقت من الأوقات بل انما آمنوا به لكونهم من ارباب اللسن والفصاحة قد تأملوا في نظم ألفاظه العجيبة واتساق معانيه البديعة الغريبة قد انكشف لهم انه ما هو من جنس كلام البشر فجزموا بإعجازه وآمنوا له وصدقوه انه نازل من عند الله على سبيل الوحى بلا تردد وَبالجملة ما يَجْحَدُ وينكر بِآياتِنا الظاهرة الاعجاز العجيبة الشأن الباهرة البيان والتبيان إِلَّا الْكافِرُونَ الساترون نور الهداية والايمان بظلمة الكفر والطغيان عنادا ومكابرة

وَكيف لا يكون القرآن وحيا معجزا نازلا من عند الله حسب ارادته واختياره إذ ما كُنْتَ أنت يا أكمل الرسل تَتْلُوا وتتعلم مِنْ قَبْلِهِ اى من قبل القرآن ونزوله مِنْ كِتابٍ من الكتب المنزلة وَلا تَخُطُّهُ ولا تنسخه أنت نفسك بِيَمِينِكَ على سبيل النقل يعنى ما كنت أنت بحال من الأحوال من اهل النسخ والإملاء والكتابة والإنشاء إذ هي مسبوقة بالتعلم وأنت أمي عار عن الدراسة والكتابة والتعلم مطلقا ولم يعهد منك أمثال هذه الأمور الدالة على الأخذ والاستبصار ولو كنت أنت متصفا بها وأهلا لها إِذًا لَارْتابَ شك وتردد الْمُبْطِلُونَ المجاهرون بالقول الزور الباطل في شأنك وشأن كتابك وكونه معجزا مع انه ما هو اى القرآن حينئذ ايضا محل ارتياب لأنه في نفسه وفي حد ذاته وباعتبار نظمه البديع ومعناه الغريب العجيب وأسلوبه المحكم معجز خارق للعادة عند من له ادنى دريبة بأساليب الكلام وبالجملة لا ينبغي ولا يليق لاحد من ذوى العقول السليمة والطباع المستقيمة سيما من ذوى الأذواق الصحيحة وارباب الوجدان ان يشك في اعجازه الا من هو متناه في البلادة وسخافة العقل وركاكة الفهم

بَلْ هُوَ اى القرآن في نفسه وعند اولى العزائم الخالصة الصحيحة عن مطلق المكدرات المنافية لصفاء مشرب التوحيد آياتٌ شواهد ودلائل دالة على الحق بَيِّناتٌ واضحة الدلالات في أنفسها ثابتة فِي صُدُورِ العارفين المحققين الموحدين الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ اللدني المترشح من حضرة العلم المحيط الإلهي المفاض لهم منها حسب استعداداتهم الفطرية وقابلياتهم الجبلية تفضلا عليهم وامتنانا لهم وَبالجملة ما يَجْحَدُ وينكر بِآياتِنا سيما قواطع برهانها وسواطع تبيانها إِلَّا القوم الظَّالِمُونَ الخارجون عن مقتضى العلم والعين والكشف والشهود

وَمن غاية بغضهم مع رسول الله ﷺ وشدة شكيمتهم وضغينتهم معه قالُوا مقترحين منه على سبيل التعجيز والإنكار لَوْلا وهلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ عجيبة غريبة مِنْ رَبِّهِ ان كان صادقا في دعوى الرسالة كالآيات التي أنزلت على الأنبياء الماضين مثل عصا موسى وناقة صالح ومائدة عيسى وسائر معجزاته وغير ذلك قُلْ لهم يا أكمل الرسل كلاما ناشئا عن محض الحكمة خاليا عن وصمة الشبهة إِنَّمَا الْآياتُ كلها عِنْدَ اللَّهِ وفي قبضة قدرته وعلى مقتضى ارادته ومشيته متى تعلق ارادته بانزال آية منها أنزلها على من أرسله ارادة واختيارا وليس في وسعى وطاقتي ولا في وسع كل من مضى قبلي من الأنبياء والرسل إنزال ما طولبوا وإتيان جميع ما اقترحوا من الآيات وَهكذا حالي بكم ومقترحاتكم بل إِنَّما أَنَا نَذِيرٌ من قبل ربي إياكم مُبِينٌ ظاهر الإنذار والتخويف وكل من الأنبياء والرسل الماضين قد كانوا ايضا كذلك بالنسبة الى أممهم إذ نحن معاشر الأنبياء والرسل

108

سورة العنكبوت (29): آية 51

سورة العنكبوت (29): آية 52

سورة العنكبوت (29): آية 53

مالنا الا التبليغ والإنذار بمقتضى الوحى والإلهام الإلهي بلا تحريف منا وتبديل. واما امر التنزيل والإنزال من قبل الحق وكذا امر القبول منكم فمفوض الى القادر الحكيم موكول اليه سبحانه مترتب على توفيقه واقداره ثم قال سبحانه توبيخا على المقترحين وتقريعا لهم

أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ ولم يغنهم من جميع الآيات التي اقترحوا عنك يا أكمل الرسل أَنَّا قد أَنْزَلْنا عَلَيْكَ من مقام لطفنا وجودنا الْكِتابَ الجامع لما في الكتب السالفة المحتوى على احوال النشأتين على الوجه الأبلغ الأتم مع انه لا يغيب عنهم بل يُتْلى عَلَيْهِمْ ويقرأ عندهم دائما ويدوم بينهم ابدا بخلاف سائر الآيات فإنها كما ظهرت غابت هي وأثرها ايضا وهو واثره حاضر عندهم غير مغيب عنهم وبالجملة إِنَّ فِي ذلِكَ الكتاب الذي هو في نفسه مشتمل على آيات عظام كثيرة الفوائد دائمة العوائد غير منقطعة آثارها عن من تمسك بها واستهدى بها لَرَحْمَةً اى نعمة عامة نازلة من قبل الحق وَذِكْرى اى عظة وتذكيرا شاملا لعموم عباده ملقاة من عنده سبحانه لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ بتوحيده سبحانه وبكمالات أسمائه وصفاته ويصدقون المبدأ والمعاد والعرض والجزاء والفوز بشرف اللقاء وجميع ما وعد لهم الحق في النشأة الاخرى. ثم لما اتى قوم من ضعفاء المسلمين الى رسول الله ﷺ بكتف قد رقم فيها بعض اراجيف اليهود وأقاويلهم الكاذبة متبركين بها متيمنين لما فيها فقال ﷺ مبغضا عليهم كفى بضلال قوم ان يرغبوا عما جاء به نبيهم من قبل ربهم الى ما جاء به غير نبيهم وصدقوا ما جاء به غير نبيهم مع انه كذب مفترى وكذبوا ما جاء به النبي مع انه صدق كلمه مطابق للواقع فنزلت حينئذ تسلية لرسول الله ﷺ

قُلْ يا أكمل الرسل للمكذبين لك وبما جئت به مصدقين لأعدائك وبما جاءوا به كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ايها المكابرون شَهِيدًا حاضرا معى ومعكم مطلعا على حالي وحالكم وما جرى في ضميري وضمائركم إذ هو سبحانه يَعْلَمُ بعلمه الحضوري جميع ما ظهر فِي السَّماواتِ وَكذا ما ظهر الْأَرْضِ وكذا ما ظهر بينهما وبطن فيهما فيجازى كلامنا ومنكم بمقتضى علمه بنا وبكم وَكيف لا يجازى القادر المقتدر على انتقام عصاة عباده سيما الَّذِينَ آمَنُوا واطاعوا بِالْباطِلِ الذي هو بمراحل عن الحق والصدق وَكَفَرُوا بِاللَّهِ الحق الحقيق بالحقية المستوي على منهج الصدق والصواب بالعدالة دائما واعرضوا عن أطاعته وانقياده عنادا ومكابرة وبالجملة أُولئِكَ البعداء المطرودون عن ساحة عز الحضور والأشقياء المحرومون عن سعة رحمة الملك الرحيم الغفور هُمُ الْخاسِرُونَ المقصورون على الخسران والخذلان لا يرجى ربحهم وتفريجهم منه أصلا

وَمن غاية غيهم وضلالهم وانهماكهم في بحر الغفلة والغرور يَسْتَعْجِلُونَكَ تهكما واستهزاء بك بِالْعَذابِ الذي قد أنذرتهم به بوحي منا إليك بنزوله إياهم وحلوله عليهم وما ذلك الا من كمال انكارهم وتكذيبهم إياه وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى ووقت معين موعود مثبت في لوح قضائنا لَجاءَهُمُ الْعَذابُ اليوم فجاءة عاجلا لاستحقاقهم بنزوله وحلوله الا انه موقت موعود بمقتضى سنتنا القديمة المستمرة من ترهين الأمور على الأوقات المعينة المثبتة في لوح القضاء وحضرة العلم حسب الحكمة المتقنة قل لهم يا أكمل الرسل نيابة عنا لا تغتروا بامهالنا إياكم زمانا وَالله لَيَأْتِيَنَّهُمْ ولينزلن عليهم العذاب الموعود بَغْتَةً اى دفعة وفجاءة وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ولا يطلعون بنزوله وامارات إتيانه وحلوله ومن غاية عمههم وسكرتهم ونهاية انهماكهم في اسباب العذاب

109

سورة العنكبوت (29): آية 54

سورة العنكبوت (29): آية 55

سورة العنكبوت (29): آية 56

سورة العنكبوت (29): آية 57

سورة العنكبوت (29): آية 58

سورة العنكبوت (29): آية 59

ولوازمه وموجباته

يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ ظنا منهم ان ما هم عليه انما هو من موجبات الثواب واسباب النجاة والجنة بل هو عينهما إذ لا ايمان لهم بالنشأة الاخرى وما فيها وَكيف لا يعذبون في النشأة الاخرى ولا يدخلون النار إِنَّ جَهَنَّمَ المعدة الموعودة لهم فيها لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ محتوية عليهم الآن في النشأة الاولى ايضا باعتبار احاطة اسبابها وموجباتها التي هي سلاسل الأماني والآمال الامكانية المحيطة لهم دائما في عموم أوقاتهم وحالاتهم في النشأة الاولى المستجلبة لهم دركات النيران واودية الحرمان والخذلان في النشأة الاخرى اذكر لهم يا أكمل الرسل

يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ في الآخرة كغشى الأسباب التي هي عبارة من لوازم الإمكان إياهم اليوم الى حيث صاروا محفوفا بها مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ اى من أعلاهم واسفلهم محيطا بجميع جوانبهم وَيَقُولُ لهم حينئذ قائل من قبل الحق زجرا لهم وتوبيخا ذُوقُوا ايها المستكبرون المصرون على الكفر والعناد جزاء ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ايها المعاندون المكابرون. ثم قال سبحانه على سبيل التعليم والتنبيه مناديا لخلص عباده الذين جل هممهم الإخلاص في عموم ما جاءوا به من الأعمال

يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا

أضافهم سبحانه الى نفسه تفضيلا وتكريما مقتضى ايمانكم الإخلاص والحضور معى والتوجه الى مع فراغ البال في كل الأحوال فان لم تجدوا الفرصة والفراغة المذكورة في ارض لا تستقروا فيها ولا تتمكنوا عليها بل عليكم ان تفروا وتخرجوا منها طالبين الجمعية والحضور إِنَّ أَرْضِي

مقر عبادي وعبادتي واسِعَةٌ

فان لم تجدوا لذة التوجه وحلاوة الرجوع الى في ارض ولم يتيسر لكم الجمعية الحاصلة المنعكسة من صفاء مشرب التوحيد ومن عالم العماء المفضى الى التجريد والتفريد فعليكم الخروج والجلاء منها وبالجملة فَإِيَّايَ

في عموم الأماكن والأحوال فَاعْبُدُونِ

عبادة مقارنة بالإخلاص والخضوع والخشوع والتبتل والتوكل والتفويض والرضاء والتسليم ولا تغتموا ولا تتحزنوا بالخروج عن الأوطان المألوفة والبلدان المأنوسة والبيوت الموروثة وبالجلاء منها خوفا من الموت الطبيعي ان كنتم مائلين إلينا راغبين نحونا مؤملين الفناء فينا والبقاء ببقائنا والفوز بشرف لقائنا إذ

كُلُّ نَفْسٍ من النفوس المستحدثة بحدوث البدن ذائِقَةُ كأس الْمَوْتِ الطبيعي في اى مكان كان ثُمَّ بعد ما قد ذقتم حلاوة كأس الموت الإرادي ولذة الفناء الاختياري فقد خلصتم عن قيود الهويات العدمية المانعة عن الإطلاق الحقيقي فحينئذ إِلَيْنا لا الى غيرنا إذ لا موجود في فضاء الوجود سوانا تُرْجَعُونَ رجوع الأضواء الى الذكاء والأمواج الى الماء

وَبعد ما رجع الموحدون الَّذِينَ آمَنُوا بالله موقنين وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مقارنين ايمانهم بها مخلصين فيها إلينا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ وننزلنهم تفضلا منا إياهم وتكريما مِنَ الْجَنَّةِ وفضاء الوحدة المعدة لأرباب المعرفة والتوحيد غُرَفًا اى لكل منهم غرفة معينة تصير له مقرا ومنزلا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ اى انهار المعارف والحقائق مملوة بمياه المكاشفات والمشاهدات على تفاوت طبقاتهم وقدر قابلياتهم خالِدِينَ فِيها دائمين غير متحولين عنها أصلا وبالجملة نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ الجنة وما فيها مما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ألا وهم أولو العزائم الصحيحة

الَّذِينَ صَبَرُوا على عموم مشاق التكاليف الإلهية ومتاعب الطاعات واذيات الأعادي والجلاء عن الأوطان ومفارقة الأقران والخلان وغير ذلك مما جرى عليهم من طوارق الحدثان ومن تجدد الملوان وَمع ذلك هم في جميع حالاتهم وفي عموم ما جرى عليهم من المحن والمنح والترح

110

سورة العنكبوت (29): آية 60

سورة العنكبوت (29): آية 61

سورة العنكبوت (29): آية 62

سورة العنكبوت (29): آية 63

والفرح عَلى رَبِّهِمْ لا على غيره من الوسائل والأسباب العادية يَتَوَكَّلُونَ وينسبون اليه عموم ما ينسبون لا الى الوسائط والوسائل إذ الكل منه بدأ واليه يعود بل الوسائل كلها مطوية عندهم منسية لديهم ودونهم بل نظرهم مقصور على المسبب الواحد الأحد الفرد الصمد القيوم المطلق الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا احد وبعد ما امر سبحانه المؤمنين بالجلاء ومفارقة الأوطان لكسب الجمعية وحضور القلب قالوا متحوفين عن العيلة والاضطرار في امر المعاش كيف نعمل ونعيش في بلاد الغربة ولا معيشة لنا فيها قال سبحانه تسلية لهم وازالة لخوفهم

وَكَأَيِّنْ اى كثيرا مِنْ دَابَّةٍ تحرك على الأرض محتاجة الى الغذا المقوم لمراحها مع انها لضعفها وعدم مكنتها لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اى لا تطيق لحمل الرزق وادخاره وكسبه اللَّهُ المتكفل لأرزاق عموم عباده يَرْزُقُها من حيث لا يحتسب وَإِيَّاكُمْ ايضا كذلك وأنتم حسب حصة ناسوتكم من حملة الدواب التي قد تكفل الله برزقها بل من حلتها فلا تغتموا لأجل الرزق الصوري ولا تقولوا قولا به نزل بعلكم عن خالقكم ورازقكم وَلا تخطروا ايضا ببالكم أمثال هذا إذ هُوَ السَّمِيعُ لأقوالكم الْعَلِيمُ بأحوالكم ونياتكم فعليكم ان تثقوا في كل الأحوال بالله المتولى لأموركم مفوضين كلها اليه متوكلين عليه متمكنين في توكلكم وتفويضكم راسخين فيه بلا تلعثم وتزلزل. ثم قال سبحانه قولا على سبيل الإلزام والتبكيت

وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ يا أكمل الرسل اى اهل مكة مع كفرهم وشركهم مَنْ خَلَقَ واظهر السَّماواتِ وَالْأَرْضَ من كتم العدم بلا سبق مادة ومدة وَمن سَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وصيرهما دائبين دائرين لَيَقُولُنَّ اللَّهُ المظهر للكائنات المستقل في إيجادها والمتصرف فيها بالاستقلال والاختيار حسب ارادته ومشيته وبعد ما أقروا بوحدة الحق وانتهاء مراتب عموم الكثرات والممكنات اليه سبحانه قل فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ والى اين ينصرفون عن توحيده والايمان به والامتثال بأوامره والاجتناب عن نواهيه الجارية على ألسنة رسله وكتبه وان صرفهم عن الايمان فقر اهله وفاقتهم قل لهم نيابة عنا

اللَّهُ المطلع لاستعدادات عباده وقابلياتهم يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ حسب استعداده وقابليته وَيَقْدِرُ لَهُ ويقبض عنه ايضا بحسنه ارادة واختيارا إِنَّ اللَّهَ المتقن في عموم أفعاله بِكُلِّ شَيْءٍ صدر عنه ارادة واختيارا عَلِيمٌ لا يعزب عن حيطة حضرة علمه شيء من لوازمه ومتمماته وجميع مقتضياته

وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ ايضا يا أكمل الرسل مَنْ نَزَّلَ مِنَ جانب السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ اى بواسطة الماء بمقتضى عادته المستمرة من تعقيب الأسباب بالمسببات الْأَرْضَ الجامدة اليابسة مِنْ بَعْدِ مَوْتِها وجمودها ويبسها طبعا لَيَقُولُنَّ طوعا اللَّهُ القادر المقتدر على مطلق الأحياء والاماتة ومع اعترافهم بوحدة الله وانتساب معظم الأشياء اليه سبحانه يشركون له غيره عنادا ومكابرة قُلِ يا أكمل الرسل بلسان الجمع بعد ما قد عصمك الحق عن الشرك وانواع الجهالات بافاضة العقل المفاض وهداك نحو توحيده بالرشد الكامل المكمل المميز لك أكمل التمييز حامدا به شاكرا لنعمه سيما نعمة العصمة عن الشرك والضلال الْحَمْدُ المطلق والثناء العام الصادر عن ألسنة ذرائر الكائنات المتذكرة لمبدئها ومنشئها طوعا وطبعا ثابت حاصل لِلَّهِ راجع اليه سبحانه اصالة إذ لا مظهر لهم سواه ولا موجد بل لا موجود في الوجود الا هو بَلْ أَكْثَرُهُمْ من نهاية غفلتهم وضلالهم عن الله لا يَعْقِلُونَ ولا يفهمون وحدة الحق واستقلاله في الآثار والتصرفات الواقعة في الأنفس والآفاق ولا يستعملون عقولهم المفاضة لهم للتدبر والتأمل

111

سورة العنكبوت (29): آية 64

سورة العنكبوت (29): آية 65

سورة العنكبوت (29): آية 66

سورة العنكبوت (29): آية 67

في هذا المطلب العزيز الشأن حتى يستعدوا لفيضان زلال الوحدة بطريق الكشف والشهود فخلصوا عن التردد في هاوية الجهالات واودية الأوهام والخيالات وما يعوقهم ويمنعهم عن الوصول الى هذا المطلب العلى والمقصد السنى الا المزخرفات الدنية الدنياوية الملهية للنفوس البشرية عن اللذات الروحانية مع انها ما هي في أنفسها الا اوهام وخيالات باطلة عاطلة فكيف ما يترب عليها من اللذات الوهمية والشهوات البهيمية كما قال سبحانه مشيرا الى فناء زخرفة الدنيا وعدم قرارها وثباتها وبقاء النشأة الاخرى وما يترتب عليها من اللذات الروحانية والدرجات العلية النورانية المتفاوتة علما وعينا وحقا على تفاوت طبقات ارباب الكشف والشهود ومقتضيات استعداداتهم الثابتة في لوح القضاء وحضرة العلم الإلهي

وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا التي لا قرار لها ولا مدار حقيقة بل لا اصل لها أصلا سوى سراب قد انعكس من شمس الذات وامواج قد حدثت في بحر الجود إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ يعنى كما ان السراب يلهى ويخدع العطشان بالتردد والتبختر نحوه على اعتقاده انه ماء فيتعب نفسه ويزيد عطشه بل يهلكه كذلك الحياة الدنياوية ومزخرفاتها الفانية ولذاتها الزائلة الذاهبة الامكانية تتعب صاحبها طول عمره ولا ترويه ثم تميته بأنواع حسرة وضجرة وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ وما يترتب عليها من المكاشفات والمشاهدات اللدنية وانواع الفتوحات والكرامات الفائضة لأرباب التوحيد لَهِيَ الْحَيَوانُ اى هي مقصورة على الحياة الازلية الابدية التي لا يطرأ عليها زوال ولا يعقبها فناء ولا يعرض للذاتها القارة انصرام وانقضاء لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ويوقنون بها وبما فيها من الكرامات لم يؤثروا الدنيا الدنية وحياتها الفانية المستعارة عليها ولم يختاروا اللذات الوهمية البهيمية على لذاتها الازلية الابدية وبجهلهم وضلالهم قد اختاروا الفاني على الباقي والزائل على القار والشراب المهلك على الفرات المحيي. والعجب منهم ومن أحوالهم كل العجب انهم مع شركهم وإصرارهم على الكفر وعدم تأثرهم بالزواجر والدواعي الواردة من قبل الحق وظهور المعجزات المزعجة الى الايمان

فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ متضرعين نحوه مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حينئذ كائنين كالمؤمنين المطيعين الخالصين في اطاعتهم وانقيادهم لله بلا شوب الشرك وشين الكفر فَلَمَّا نَجَّاهُمْ من كمال فضلنا وجودنا إياهم إِلَى الْبَرِّ وأخلصناهم من المهلكة آمنين إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ يعنى هم قد فاجؤا على الفور بعيد ما خلصوا عن التهلكة الى الشرك والطغيان وانواع العصيان والكفران قل لهم يا أكمل الرسل نيابة عنا آمرا لهم على سبيل التهديد

لِيَكْفُرُوا أولئك الكافرون بِما آتَيْناهُمْ من النعم العظام سيما نعمة الإنجاء عن مضيق البحر وَلِيَتَمَتَّعُوا أولئك المتمتعون بما عندهم من الحطام الدنياوية وبما هم عليه من الإصرار على الكفر والضلال فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ما يترتب على كفرانهم وتمتعهم وشركهم وضلالهم

أَينكرون نعمنا وانعامنا إياهم أولئك الكافرون المبطلون وَلَمْ يَرَوْا ولم يعلموا سيما اهل مكة أَنَّا من مقام فضلنا وجودنا إياهم قد جَعَلْنا بلدهم يعنى مكة حَرَمًا ذا حرمة عظيمة يأوى إليها الناس من جميع اقطار الأرض من كل مرمى سحيق وفج عميق آمِنًا ذا أمن اهله من النهب والسبي وانواع الأذى وَيُتَخَطَّفُ اى يختلس ويؤخذ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ نهبا وسبيا وهم آمنون فيها مصونون عن المؤذيات كلها ومع ذلك يكفرون نعمنا ويشركون بنا غيرنا أَما يستحيون من الله أولئك المبطلون اما يخافون من بطشه أولئك المفسدون المسرفون فَبِالْباطِلِ العاطل الزاهق الزائل يعنى الأصنام والأوثان يُؤْمِنُونَ يطيعون ويعبدون مع انهم لا يقدرون

112

على جلب نفع ودفع ضر وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ القادر المقتدر القوى على البطش والانتقام يَكْفُرُونَ فسيعلمون أولئك الجاهلون الظالمون أى منقلب ينقلبون. ثم قال سبحانه على سبيل التهديد والوعيد الشديد

وَمَنْ أَظْلَمُ وأشد ظلما وعدوانا على الله وخروجا عن مقتضيات حدوده وعلى نفسه ايضا بالعرض على بطشه وعذابه سبحانه مِمَّنِ افْتَرى ونسب عَلَى اللَّهِ مراء وافتراء كَذِبًا عظيما بان يشرك معه غيره مع انه ليس في الوجود الا هو ولا اله سواه أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ المطابق للواقع الثابت المرسل من عنده سبحانه يعنى الرسول عليه السلام لَمَّا جاءَهُ كذبه فجاءة بلا تأمل وتدبر عنادا ومكابرة أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ يعنى أيزعمون أولئك المسارعون المبادرون في التكذيب المجترئون على الإنكار انهم لا يدخلون في جهنم الطرد وجحيم الخذلان خالدين مخلدين بسبب هذا الجرم العظيم والافتراء البالغ نهاية البغي والعناد على الله وعلى كتابه ورسوله بل هم المستوجبون المقصورون على الخلود فيها ابدا مهانين صاغرين. ثم قال سبحانه بمقتضى سنته المستمرة من تعقيب الوعيد بالوعد

وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا يعنى المؤمنين الموقنين الذين قد حازوا كلتا مرتبتي العلم والعين بمقتضى استعداداتهم الفطرية ثم اجتهدوا ببذل وسعهم حتى أفنوا أنفسهم فينا وبقوا ببقائنا باذلين مهجهم في سبيلنا تاركين مقتضى هوياتهم وأعيانهم الباطلة وتعيناتهم العاطلة في هويتنا وعيننا الحقة الحقيقية لَنَهْدِيَنَّهُمْ ولنوفقن عليهم سُبُلَنا ولنزيدن هديهم ورشدهم إلينا جذبا منا إياهم وعناية لهم وإحسانا معهم وَكيف لا يجذبهم الحق ولا يعتنى بشأنهم ويزيد برشدهم وتوفيقهم إِنَّ اللَّهَ المتجلى لخلص عباده بمقتضى أسمائه وصفاته لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ منهم ألا وهم الذين يحسنون الأدب مع الله ويجتهدون في افناء ذواتهم الباطلة في الحق سبحانه بعد ما قد تحققوا بمقام الكشف والشهود وتيقنوا ان لا موجود سواه ولا اله في الوجود الا هو بل اجتهدوا حينئذ ان يحكوا اظلال هوياتهم الباطلة وعكوس تعيناتهم الهالكة العاطلة عن دفتر الوجود مطلقا لئلا يبقى لهم لا اسم ولا رسم ولا عين ولا اثر بعد ما قد طرحوا بتوفيق الله وجذب من جانبه ما طرحوا من أباطيل التعينات ولوازم الهويات والأنانيات وعموم الاعتباريات عن دفتر الوجود وفضاء الشهود بحيث لم يبق لهم شائبة الهوية والأنانية والاثنينية مطلقا وحينئذ لم يبق للمعية والمصاحبة والمقارنة معنى أصلا بل لم يبق في الوجود وعين الشهود الا هو فثبت انه ما هو في الحقيقة الا هو ولا اله في الوجود سواه بل كل شيء هالك الا وجهه له الحكم واليه ترجعون وبالجملة لا يشوشك منطوقات الألفاظ والعبارات ان كنت من ارباب الرموز والإشارات هو يقول الحق وهو يهدى السبيل حسبنا الله ونعم الوكيل نعم المولى ونعم النصير

سورة العنكبوت (29): آية 68

سورة العنكبوت (29): آية 69

خاتمة سورة العنكبوت

عليك ايها المجتهد المتوجه نحو الحق المتعطش بزلال توحيده المعرض عن الباطل وعما يترتب عليه من غوائل الشيطان ووساوسه ان تجتهد أولا في استخلاص نفسك البشرية عن أمانيها مطلقا سيما انية امارتك المائلة الى انواع الفجور البغية على الله بأصناف الكفر والفسوق الغبية التي لا تفهم مقتضيات الوحدة وإشارات ارباب التوحيد أصلا العرية عن مبدأ المعارف والحقائق والأسرار والمكاشفات الواقعة في طريقه رأسا فلك ان تروضها بمتاعب الرياضات ومشاق التكليفات

113