الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبيةالجزء 2 · ص 194 - 201

سورة فاطر (35): آية 40

سورة فاطر (35): آية 40

سورة فاطر (35): آية 41

سورة فاطر (35): آية 42

لخلافتكم وبعد ما قد فعل بكم سبحانه من انواع الكرم والإفضال وحسن الفعال ما فعل فَمَنْ كَفَرَ واعرض عن الايمان به سبحانه وبكتبه ورسله وبما جرى في لوح قضائه المحفوظ وحضرة علمه المحيط فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ اى يحمل عليه وبال كفره واعراضه وينتقم عنه سبحانه على مقتضاه بلا لحوق شين وعيب عليه سبحانه إذ هو في ذاته منزه عن ايمان عباده وكفرهم بل وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ وإصرارهم على الشرك واستنكافهم عن الايمان بالله وبالكتب والرسل عِنْدَ رَبِّهِمْ المطلع على سرائرهم وضمائرهم إِلَّا مَقْتًا غضبا وسخطا شديدا منه سبحانه إياهم وطرد الهم عن ساحة عز القبول وَبالجملة لا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ وشركهم في النشأة الاولى إِلَّا خَسارًا نقصانا وحرمانا لهم في النشأة الاخرى عما أعد للمؤمنين من انواع الكرامات السنية والمقامات العلية لا خسران أعظم منه

قُلْ يا أكمل الرسل للمشركين تقريعا لهم وتبكيتا بعد ما قد سجلنا عليهم المقت والطرد وانواع الخسران والخذلان أَرَأَيْتُمْ وابصرتم ايها المجبولون على الغواية والعناد شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ وتدّعون آلهة مِنْ دُونِ اللَّهِ مشاركين له سبحانه في الألوهية والربوبية انهم متصفون بالخلق والإيجاد أحيانا أَرُونِي وأخبروني ايها المكابرون المعاندون ماذا خَلَقُوا واوجدوا مِنَ الْأَرْضِ يعنى أى شيء خلق أولئك الهلكى في الأرض بالاستقلال والاختيار حتى يتصفوا بالالوهية أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ يعنى أروني ايضا هل لهم مشاركة مع الله فِي السَّماواتِ اى في خلقها وإبداعها أَمْ آتَيْناهُمْ كِتابًا يعنى هل أنزلنا عليهم في حقهم وشأنهم كتابا دالا على مشاركتهم معنا في الألوهية والربوبية فَهُمْ اى أولئك المدعون المكابرون مطلعون فائزون عَلى بَيِّنَةٍ مِنْهُ اى حجج ودلائل واضحة من الكتاب دالة على شركة أولئك التماثيل العاطلة مع العليم القدير الحكيم الخبير وظاهر انه ما انزل إليهم كتاب كذلك بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ وليس الباعث لهم في ادعاء الشرك أمثال هذه المذكورات من الدلائل العقلية او النقلية بل لا باعث لهم سوى الوعد الكاذب الذي يعد به بَعْضُهُمْ بَعْضًا وبالجملة ما يعد الظالمون الخارجون عن مقتضى الحدود الإلهية بعضهم بعضا إِلَّا غُرُورًا تلبيسا وتغريرا من الشرفاء بالأراذل منهم والرؤساء بالضعفاء وتزويرا من اصحاب الثروة على ذوى الأحلام السخيفة منهم حفظا لجاههم ورئاستهم وبالجملة الله المطلع لجميع حالات عباده يعلم تغريرهم وتلبيسهم ويمهلهم ولا يعاجل بالانتقام عنهم لكمال حلمه وكيف لا

إِنَّ اللَّهَ المتعزز برداء العظمة والكبرياء يُمْسِكُ ويضبط السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ويمنعهما من أَنْ تَزُولا بشرك المشركين وافترائهم على الله بإثبات الشركاء له سبحانه وبشؤم عصيانهم وفسوقهم فيما بينهم وَلَئِنْ زالَتا ولم يمسكهما سبحانه إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ يعنى ما أمسكهما عن الزوال احد من بعد الله سبحانه لكنه سبحانه قد أمسكهما ولم يعاجل بانتقام عصاة عباده إِنَّهُ سبحانه قد كانَ في ذاته حَلِيمًا لا يعاجل بالانتقام عند ظهور الجرائم والآثام غَفُورًا لمن تاب عنها وأناب الى الله مخلصا ومن كمال حلم الله امهاله على المستوجبين بأنواع المقت والانتقام سيما بعد ما عهدوا مع الله ونقضوا عهودهم

وَذلك ان كفار قريش خذلهم الله قد أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ يعنى اجتهدوا في توكيدها وبالغوافى تغليظها قبل بعثة النبي ﷺ حين سمعوا ان من اهل الكتاب قوما قد كذبوا رسلهم وأنكروا عليهم ولم يقبلوا من الرسل قولهم ودعوتهم مقسمين بالله لَئِنْ جاءَهُمْ يعنى قريشا

194

سورة فاطر (35): آية 43

سورة فاطر (35): آية 44

سورة فاطر (35): آية 45

نَذِيرٌ مرسل من عند الله ينذرهم عما لا يعنيهم ويرشدهم الى ما يعنيهم لَيَكُونُنَّ في الإطاعة والانقياد للنبي النذير البشير أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ اى كل واحد منا اهدى وارشد من كل واحد واحد من النصارى واليهود وغيرهم من الأمم قد واثقوا عهودهم مع الله على ذلك فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ وبشير اى نذير واى بشير هو أكمل من سائر المرسلين المبشرين المنذرين وأفضل منهم يعنى محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم ما زادَهُمْ مجيئته وبعثته ﷺ إِلَّا نُفُورًا نفرة عن الحق واعراضا عن اهله وتباعدا عن قبول قوله ودعوته وانما أنكروا له واعرضوا عنه وعن دينه ﷺ

اسْتِكْبارًا يعنى قد طلبوا بالإعراض والانصراف ان يظهروا ويحدثوا كبرا وخيلاء فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ يعنى قد طلبوا ان يمكروا به المكر السيئ واصل التركيب هذا فعدل الى صورة المضاف الى السيئ اتساعا تأكيدا ومبالغة والمكر السيئ عبارة عن كل عمل قبيح قد صدر عنهم او الشرك او ارادة قتله ﷺ قال ﷺ لا تمكروا ولا تعينوا ماكرا فان الله يقول وَلا يَحِيقُ اى لا يحل ولا يحيط الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ الا وهو الماكر فلحق وبال الشرك للمشركين وكذا وبال كل قبيح ومكروه عائد الى فاعله فَهَلْ يَنْظُرُونَ ما يمهلون وينتظرون أولئك المشركون يعنى اهل مكة خذلهم الله إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ يعنى سنة الله فيهم بان عذب سبحانه مكذبيهم ومصريهم على الإنكار والتكذيب وبعد ما قد ثبت في علم الله المحيط وكذا في لوح قضائه المحفوظ تعذيبهم فلا بد ان يقع حتما فَلَنْ تَجِدَ أنت يا أكمل الرسل لِسُنَّتِ اللَّهِ وهي نزول العذاب على المكذبين تَبْدِيلًا ان تعلق مشيته به وثبت في لوح قضائه إذ لا يبدل الحكم دونه سبحانه وَايضا لَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا بان ينتقل عذاب المكذبين العاصين الى المصدقين المطيعين المنزهين عن العصيان والطغيان

أَينكرون سنة الله في الأمم الماضية الهالكة بتعذيب الله إياهم بسبب تكذيب الرسل والإنكار عليهم وَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا بنظرة العبرة والاستبصار كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ القوم الَّذِينَ مضوا مِنْ قَبْلِهِمْ مكذبين لرسلهم وَالحال انهم قد كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ اى من هؤلاء المكذبين لك يا أكمل الرسل قُوَّةً وقدرة واكثر عددا وعددا وشوكة وأموالا واولادا وَمع ذلك ما كانَ اللَّهُ المتعزز برداء العز والعلاء المطلع على عموم ما جرى في ملكه من الأشياء لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ بان يفوت عنه شيء حقير او يعزب عن حضرة علمه المحيط ذرة يسيرة لا فِي السَّماواتِ اى العلويات وَلا فِي الْأَرْضِ اى السفليات وكيف يفوت عن خبرته سبحانه شيء إِنَّهُ في ذاته قد كانَ عَلِيمًا لا يعزب عن حضرة علمه المحيط شيء قَدِيرًا على اظهار ما في خزانة علمه بلا فترة وفتور وقصور وفطور

وَمن كمال علم الله على عباده ونهاية رأفته ورحمته معهم هذا لَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ المطلع بجميع ما جرى في ملكه من الجرائم الموجبة للاخذ والانتقام النَّاسَ الذين كلفوا من عنده بترك الجرائم والآثام المانعة من الوصول الى المبدأ الحقيقي بِما كَسَبُوا وبشؤم ما اقترفوا لأنفسهم من المعاصي التي قد منعوا عنها ما تَرَكَ سبحانه البتة عَلى ظَهْرِها اى على ظهر الأرض مِنْ دَابَّةٍ متحركة من المكلفين عليها غير مأخوذة بجرم بل بجرائم كثيرة عظيمة إذ قلما ما يخلو انسان عن طغيان ونسيان وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ اى يؤخر سبحانه أخذهم ويمهلهم إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى معين مقدر للاخذ والانتقام ألا وهو يوم القيامة فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ الموعود المعين عند الله المعلوم له سبحانه

195

فقط بلا افشاء واطلاع لاحد من أنبيائه ورسله أخذوا حينئذ بما اقترفوا من الجرائم والمعاصي بلا فوت شيء منها فَإِنَّ اللَّهَ المراقب المحافظ على عموم ما جرى في ملكه وملكوته قد كانَ بِعِبادِهِ في جميع اوقات وجودهم بل باستعداداتهم وقابلياتهم وما جرى عليهم فيها بَصِيرًا شهيدا مطلعا يجازيهم بمقتضى بصارته وخبرته بأعمالهم ونياتهم فيها. ربنا أصلح لنا عواقب أمورنا ويسر علينا كل عسير

خاتمة سورة الفاطر

عليك ايها السالك المتشمر لاعداد زاد يوم المعاد وفقك الله على إتمامه ان تلف شملك وتجمع همك المركوز الى الآخرة التي هي دار الخلود والقرار وتجتهد في رفع الموانع ودفع الشواغل العائقة عن هذا الميل فلك ان تنقطع عن مطلق مألوفاتك ومشتهياتك التي هي اسباب الأخذ والبطش وانواع العقاب والعتاب الإلهي وتنخلع من لوازم تعيناتك المشتملة على انواع الفتن واصناف المحن حسب ما يسر الله عليك معرضا عن الدنيا الدنية ومستلذاتها البهيمية ومشتهياتها الشهية إذ لا قرار لها ولا مدار لما يترتب عليها بل كلها فان زائل وباطل بلا طائل مورث لانواع الحسرات في النشأة الاولى ولأشد العذاب والزفرات في النشأة الاخرى والمؤيد من عند الله بالعقل المفاض المميز بين الصلاح والفساد وبين الفاني والباقي المرشد الهادي نحو فضاء التوحيد وبالجملة المتفطن المتذكر اللبيب الأريب كيف يختار الفاني على الباقي واللذات الجسمانية الزائلة سريعا الجالبة للاخزان الطويلة على اللذات الروحانية القارّة المستتبعة للحالات العلية والمقامات السنية التي لا يعرضها انقراض ولا انقضاء ولا نفوذ ولا انتهاء. رب اختم بفضلك عواقب أمورنا بالخير والحسنى انك على ما تشاء قدير وبرجاء الراجين جدير

سورة يس

فاتحة سورة يس

لا يخفى على من ترقى عن حضيض الجهل واودية الضلال الى أوج المعرفة وفضاء الوصال ومن مهاوي الإمكان واغوار التعينات المقتضية لانواع الانحرافات والضلالات الى استقامة الحالات وارتفاع المقامات وعلو الدرجات في سبيل السعادات ونيل المرادات ومن دركات التلون وظلمات التقليد الى درجات اليقين ونور التوحيد ومقر التمكين والتقرر فيه بلا تذبذب وتزلزل ان الوصول والنيل الى مقعد الصدق الذي هو مقصد ارباب المحبة الخالصة والمودة الصادقة انما هو بالاستقامة والاعتدال في عموم الأوصاف والأفعال مائلا عن كلا طرفي الإفراط والتفريط المذمومين عقلا وشرعا بحيث لا يبقى له انحراف عن صراط الله الأقوم الأعدل ليتيسر له التحقق في مرتبة التخلق بأخلاقه واللياقة برتبة النيابة واخلافه وأكمل المتخلقين وأليقهم للخلافة نبينا ﷺ لذلك ختم بعثته ﷺ امر الرسالة والنبوة وتم به ﷺ مكارم الأخلاق ولم يبق بعثته ﷺ شائبة شبهة في توحيد الذات وسقوط عموم الإضافات ولهذا قد اضمحل دون ظهور شرعه ﷺ جميع الرسوم والعادات لذلك أشار سبحانه الى كمال مرتبته الجامعة بجميع المراتب وخاطبه خطاب تعظيم وتكريم بعد ما تيمن باسمه الجامع لجميع الأسماء والصفات فقال بِسْمِ اللَّهِ الذي تجلى على حبيبه ﷺ باسمه الجامع الرَّحْمنِ على عموم عباده بإرساله ﷺ إليهم وبعثه عليهم الرَّحِيمِ عليه ﷺ حيث جعله مستويا على صراط مستقيم هو صراط توحيده الذاتي

الآيات

سورة يس (36): آية 1

يس يا من تحقق بينبوع بحر

196

سورة يس (36): آية 2

سورة يس (36): آية 3

سورة يس (36): آية 4

سورة يس (36): آية 5

سورة يس (36): آية 6

سورة يس (36): آية 7

سورة يس (36): آية 8

سورة يس (36): آية 9

سورة يس (36): آية 10

اليقين وسبح فيه سالما عن الانحراف والتلوين

وَحق الْقُرْآنِ الْحَكِيمِ المحكم نظمه وأسلوبه المتقن معناه وفحواه

إِنَّكَ يا أكمل الرسل وخاتم الأنبياء المبعوث الى كافة البرايا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ المتمكنين

عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ موصل الى التوحيد الذاتي بلا عوج وانحراف وكيف لا يكون القرآن العظيم حكيما مع انه

تَنْزِيلَ اى منزل من عند الْعَزِيزِ الغالب القادر على جميع المقدورات على الوجه الأحكم الأبلغ الرَّحِيمِ في انزاله على الأنام ليوقظهم عن نوم الغفلة ونعاس النسيان انما انزل الحكيم المنان عليك يا أكمل الرسل هذا القرآن

لِتُنْذِرَ أنت قَوْمًا لم يبعث فيهم نذير من قبلك بل ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ الأقربون ايضا إذ هم ليسوا من اهل الكتاب وتابعي الملة لتمادى مدة فترة الرسل بعد عيسى صلوات الله عليه وسلامه او المعنى لتنذر قوما بالذي انذر به آباؤهم الأبعدون وبعد ما قد تطاول ايام الفترة انقطع عنهم اثر الإنذار وصار كأن لم يكن شيأ مذكورا وبالجملة فَهُمْ غافِلُونَ

اى القوم الذين قد أرسلت إليهم يا أكمل الرسل ذاهلون عن الإنذار والمنذر بل عن مطلق الرشد والهداية إذ هم متولدون في زمان فترة الرسل وكيف لا ينذرهم سبحانه ولا يرسل إليهم من يصلح أحوالهم

لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ وسبق الحكم من الله ومضى القضاء منه سبحانه عَلى أَكْثَرِهِمْ اى اكثر اهل مكة بالكفر والعذاب وعدم الوصول الى خير المنقلب والمآب وبعد ما قد ثبت في حضرة علمه سبحانه كفرهم وضلالهم فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ بالله ولا يصدقون برسوله وكتابه أصلا وكيف يؤمنون أولئك المصرون على الكفر والعناد المقضيون المحكومون عليهم من لدنا بالشقاوة الازلية

إِنَّا بمقتضى قهرنا وجلالنا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ التي هي سبب التفاتهم وتمايلهم نحو الحق وآلة انعطافهم للاطاعة والانقياد بالدين القويم أَغْلالًا وصيرناهم مغلولين من الأيدي الى الأعناق بحيث لا يمكنهم الطأطأة والانخفاض أصلا ولا بد للتدين والانقياد من التذلل والخشوع وكيف يمكنهم هذا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ اى اغلالهم منتهية الى لحيهم فَهُمْ مُقْمَحُونَ رافعون رؤسهم مضطرون برفعها بسبب تلك الأغلال الضيقة بحيث لا يسع لهم الالتفات يمنة ويسرة وفوقا وتحتا ألا وهي أغلال الأماني والآمال وسلاسل الحرص والطمع لمزخرفات الدنيا الدنية وما يترتب عليها من اللذات الوهمية والشهوات البهيمية بل

وَجَعَلْنا لهم من كمال غضبنا إياهم مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ اى قدامهم سَدًّا حجابا كثيفا وَمِنْ خَلْفِهِمْ ايضا سَدًّا غطاء غليظا فصاروا محفوفين بين الحجب الكثيرة المانعة عن ابصار نور الهداية والتوحيد وبالجملة فَأَغْشَيْناهُمْ اى قد اعمينا عيون بصائرهم وأبصارهم التي هي سبب رؤية الآيات ودرك الدلائل القاطعة والبراهين الساطعة فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ الشواهد الظاهرة والآيات الباهرة حتى ترشدهم الى الهداية والايمان فحرموا عن قبول الحق وانصرفوا عن صراطه فهلكوا في تيه الغواية والضلال. أعاذنا الله وعموم عباده عن ذلك وَبعد ما قد سجلنا عليهم الكفر وحكمنا بشقاوتهم حكما مبرما لا يفيدهم إنذارك يا أكمل الرسل وارشادك إياهم بل

سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ بك وبدينك وكتابك أصلا إذ قد ختمنا نحن على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة غليظة مانعة عن قبول الحق والتذكر به وابصار علاماته وبالجملة هم مقضيون في سابق علمنا ولوح قضائنا بالعذاب الأليم والضلال البعيد فلا تتعب نفسك يا أكمل الرسل في هدايتهم وإرشادهم انك لا تهدى من أحببت من قرابتك وارحامك ولكن الله يهدى من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات ان الله عليم بما يصنعون من الكفر والإصرار

197

سورة يس (36): آية 11

سورة يس (36): آية 12

سورة يس (36): آية 13

سورة يس (36): آية 14

سورة يس (36): آية 15

إِنَّما تُنْذِرُ أنت ويقبل منك الإنذار المصلح والإرشاد المفيد مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ اى سمع القرآن سمع قبول بتوفيق من لدنا وامتثل بأوامره ونواهيه عن تدرب تام وتأمل صادق واتعظ بتذكيراته عن تيقظ خالص واعتبر عن عبره وأمثاله وَمع ذلك خَشِيَ الرَّحْمنَ اى خاف عن قهره وانتقامه واجتنب عن سخطه وغضبه ملتبسا بِالْغَيْبِ اى قبل نزول العذاب وحلوله معتقدا انه سبحانه قادر على عموم انواع الانتقامات فَبَشِّرْهُ يا أكمل الرسل هذا السامع المتدرب بعد ما قد سمع بالآيات سمع قبول ورضى وامتثل بما فيها مخلصا خالصا خائفا راجيا بِمَغْفِرَةٍ لفرطاته المتقدمة وَأَجْرٍ كَرِيمٍ لأعماله الصالحة الخالصة بلا فوت شيء منها بل بأضعافها وآلافها عناية منا إياه وتفضلا عليه وكيف يفوت عن احاطة علمنا شيء من حقوق عبادنا

إِنَّا من مقام عظيم جودنا وكمال قدرتنا نَحْنُ نُحْيِ ونهدي حسب اقتضاء تجلياتنا اللطفية الجمالية الْمَوْتى الهلكى الهالكين بموت الجهل والضلال التائهين في بيداء الوهم والخيال حيارى وسكارى مدهوشين محبوسين مسجونين في مضيق الإمكان بحياة العلم والايمان والتوحيد والعرفان وَنَكْتُبُ في لوح قضائنا وحضرة علمنا جميع ما قَدَّمُوا واسلفوا لأنفسهم من خير وشر وحسنة وسيئة بحيث لا يشذ منها شيء لنجازيهم بها على مقتضاها وَنكتب ايضا آثارَهُمْ من السنن المستحسنة والأخلاق المحمودة والآداب المرضية المقبولة وكذا ايضا مما سنوا ووضعوا من أسوأ العادات واخس الأخلاق وأقبحها وَبالجملة كُلَّ شَيْءٍ صدر ويصدر عن عبادنا قد أَحْصَيْناهُ وفصلناه بحيث لا يشذ عن حيطة احصائنا وتفصيلنا شيء من نقير وقطمير بل الكل مكتوب مثبت فِي إِمامٍ مُبِينٍ هو لوح قضائنا المحفوظ وحضرة علمنا المحيط

وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا اى مثل يا أكمل الرسل للمشركين المصرين على الشرك والطغيان مثلا من الذين خلوا من قبلهم مصرين على الضلال والعناد أمثالهم بحيث لا ينفعهم إنذار منذر وارشاد مرشد يعنى أَصْحابَ الْقَرْيَةِ المصرين على الشرك والعناد المنهمكين في بحر الغفلة والغرور والقرية هي انطاكية والمبشر المنذر هو عيسى صلوات الرحمن عليه وسلامه اذكر يا أكمل الرسل وقت إِذْ جاءَهَا اى الى اهل القرية الْمُرْسَلُونَ تترى من قبل عيسى عليه السلام ليرشدوا أهلها الى الايمان والتوحيد

إِذْ أَرْسَلْنا وأمرنا لنبينا عيسى عليه السلام أولا بالإرسال إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ هما يونس ويحيى وقيل غيرهما فلما جاءا إليهم واظهرا دعوتهم الى التوحيد وكانوا من عبدة الأصنام فَكَذَّبُوهُما اى فاجؤا بتكذيبهما بلا تراخ ومهلة وتأمل وتدبر وبعد ما كذبوهما ولم يقبلوا منهما دعوتهما بل ضربوهما وحبسوهما واستهزؤا بقولهما ودعوتهما فَعَزَّزْنا اى قد قوينا وايدناهما بِثالِثٍ اى برسول ثالث وهو شمعون فَقالُوا اى الرسل بعد ما صاروا جماعة إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ من قبل عيسى المرسل من قبل الحق على الحق لترويج كلمة الحق ننذركم بالعذاب الشديد النازل عليكم بشؤم ما أنتم عليه من الباطل الفاسد ألا وهو عبادة الأوثان وندعوكم الى طريق الحق الحقيق بالالوهية والربوبية المستحق للمعبودية والعبودية ونرشدكم ونهديكم الى دينه المنزل عليه من قبل ربه وبعد ما سمع المشركون منهم ما سمعوا

قالُوا في جوابهم مستبعدين منكرين ما أَنْتُمْ ايها المدعون للرسالة من عند الله الواحد الأحد الصمد الفرد الوتر الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا احد على ظنكم وزعمكم إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا لا مناسبة لكم مع مرسلكم الذي ليس هو من جنس البشر فلا بد من المناسبة بين المرسل والمرسل وَدعواكم الإنزال والإرسال من عند الإله المنزه عن المكان والجهة ما هي

198

سورة يس (36): آية 16

سورة يس (36): آية 17

سورة يس (36): آية 18

سورة يس (36): آية 19

سورة يس (36): آية 20

الا غرور وتلبيس إذ ما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ المستغنى عن الزمان والمكان المنزه ذاته عن سمة الحدوث والإمكان مِنْ شَيْءٍ إذ أمثال هذه الأفعال انما هي من لوازم الأجسام وأوصاف الإمكان وهو سبحانه على الوجه الذي وصفتم شأنه مقدس عن أمثاله وبالجملة إِنْ أَنْتُمْ اى ما أنتم إِلَّا تَكْذِبُونَ كذبا صريحا يعنى قد ظهر من دعواكم هذه وإسنادكم أمثال تلك الأفعال الى ربكم انه ما أنتم في دعواكم ومدعاكم هذا الا كاذبون مفترون على ربكم ما هو منزه عنه سبحانه وبعد ما قد تفطن منهم الرسل الإنكار والإصرار المؤكد

قالُوا في جوابهم ايضا على سبيل المبالغة والتأكيد تتميما لأمر التبليغ والرسالة رَبُّنا الذي قد أرسلنا إليكم بوحيه والهامه يَعْلَمُ بعلمه الحضوري إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ من عنده على مقتضى ارادته واختياره إذ لا يجرى في ملكه الا ما يشاء ولا يقع فيه الا ما يريد

وَمالنا شغل بايمانكم وقبولكم ولا بكفركم وطغيانكم بل ما عَلَيْنا بمقتضى وحى الله إلينا إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ اى التبليغ الصريح والبيان الواضح الموضح للرسالة بلا فوت شيء منها وتقصير وتهاون منا بأدائها وامر اهتدائكم وايمانكم انما هو مفوض اليه سبحانه وفي مشيته لا علم لنا به وبعد ما سمعوا من الرسل المبالغة والتأكيد انصرفوا عن المقاولة نحو التهديد بالقتل والرجم حيث

قالُوا متطيرين متشأمين من نزولهم ومجيئهم مستبعدين دعوتهم منكرين لها إِنَّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ اى قد تشأمنا بقدومكم إذ منذ قدمتم ما نزل القطر علينا فاخرجوا من ارضنا وارجعوا الى أوطانكم سالمين وانتهوا عن دعوتكم هذه ولا تتفوهوا بها بعد والله لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا عن هذياناتكم ومفترياتكم لَنَرْجُمَنَّكُمْ البتة بالحجارة وَبالجملة لو لم تنتهوا ولم تكفوا عما أنتم عليه من دعوى الرسالة لَيَمَسَّنَّكُمْ وليحيطن عليكم مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ وبعد ما سمعتم ايها الغرباء كلامنا هذا فعليكم الإصغاء والقبول والعمل بمقتضاه والا فقد لحق بكم ما لحق من المكروهات التي سمعتم

قالُوا اى الرسل بعد ما سمعوا منهم وتفرسوا بغلظتهم وتشددهم في الإنكار والجحود طائِرُكُمْ مَعَكُمْ اى سبب شؤمكم انما هو من انفسكم وبسوء صنيعكم وأعمالكم أَلم تنتهوا ولم تتفطنوا انكم إِنْ ذُكِّرْتُمْ وقبلتم قولنا واتصفتم بما ذكرنا من الايمان والتوحيد لم يلحقكم شيء من المكروه ومتى لم تتعظوا ولم تتصفوا قد لحقكم ما لحقكم من القحط وعدم القطر وسيلحقكم أشد منه بشؤم انفسكم وبالجملة مجاوزون عن الحد في العناد والإلحاد عن سبل الهداية والرشد وايضا من كمال اسرافكم وافراطكم قد تطيرتم بدين الله وبدعوة رسله اليه

وَبعد ما سمعوا من الرسل ما سمعوا صمموا العزم الى قتلهم واجتمعوا لرجمهم وانتشر الخبر بين اهل المدينة وسعى من يسمع نحوهم حتى جاءَ حينئذ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ من السامعين وهو حبيب النجار وكان مؤمنا موحدا يعبد الله وكان قد لقى له الرسولان الأولان حين دخلا المدينة أولا فسلم الحبيب عليهما وتكلم معهما فقال لهما من أنتما قالا نحن رسولا عيسى النبي عليه السلام انما أرسلنا إليكم لندعوكم الى توحيد الحق وننقذكم عن عبادة الأوثان فقال أمعكما آية قال نشفى المريض ونبرئ الأكمه والأبرص فجاء بابنه المريض منذ سنين فمسحاه فقام الابن سالما فآمن لهما وصدقهما وانفصل عنهما مؤمنا واشتغل بعبادة الله فدخلا البلد واظهر الدعوة لأهلها وأنكروا عليهما واجتمعوا بقتلهما فأخبر الحبيب بذلك فجاء على الفور حال كونه يَسْعى ويذهب سريعا فلما وصل المجمع ورآهم مجتمعين عليهما فسألهما على رؤس الملأ من أنتما قالا رسولا عيسى ندعوكم الى توحيد الحق قال هل تسألان الأجر والجعل لرسالتكما قالا

199

سورة يس (36): آية 21

سورة يس (36): آية 22

سورة يس (36): آية 23

سورة يس (36): آية 24

سورة يس (36): آية 25

سورة يس (36): آية 26

لا ليس اجرنا الأعلى ربنا ثم التفت الحبيب نحو القوم وقالَ يا قَوْمِ ناداهم وأضافهم على نفسه ليقبلوا منه كلامه وكان مشهورا بينهم بالورع والاعتدال الأخلاق اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ المبعوثين إليكم بالحق ليرشدوكم الى طريق الحق وتوحيده وانما جمع المرسلون مع انهما اثنان لان الحبيب منهم حقيقة وبالجملة

اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْرًا اى اتبعوا هاديا بالحق على الحق الى الحق خالصا لوجه الحق بلا غرض نفسانى من جعل وغيره كالمتشيخة المزورين الذين يجمعون بتلبيساتهم وتغريراتهم أموالا كثيرة من الضعفاء الحمقى المتماثلين نحو أباطيلهم وتزويراتهم الزائغة وَكيف لا تتبعون ايها العقلاء الطالبون للهداية والصواب إياهم مع انهم هُمْ مُهْتَدُونَ متصفون بالرشد والهداية قولا وفعلا. ثم لما سمع القوم من الحبيب ما سمعوا عيروه وشنّعوا عليه وقالوا له لست أنت ايضا على ديننا ودين آبائنا بل ما أنت الا على دين هؤلاء المدعين

وَبعد ما تفرس الحبيب منهم الإنكار عليه ايضا قال كلاما ناشئا عن محض الحكمة والفطنة على وجه العظة والتذكير لنفسه ليتعظوا به على سبيل الالتزام إذ هو اسلم الطرق في العظة والتذكير وادخل في النصيحة والتنبيه ما لِيَ اى أىّ شيء عرض على ولحق لي لا أَعْبُدُ ولا أتوجه على وجه التذلل والانكسار المعبود الَّذِي فَطَرَنِي على فطرة العبودية اى ابدعنى وأظهرني من كتم العدم ولم أك شيأ مذكورا ورباني بأنواع اللطف والكرم وأفاض على من موائد لطفه وإحسانه سيما العقل المفاض المرشد الى المبدأ والمعاد وَكيف لا اعبد ولا أتوجه نحوه إذ إِلَيْهِ سبحانه يعنى الحق الموصوف بالأوصاف والأسماء الحسنى ونعوت الجلال والجمال لا الى غيره من اظلال الأوثان والأصنام الحادثة الهالكة في حدود ذواتها العاطلة عن الأوصاف الكاملة المنحطة عن رتبة الألوهية والربوبية تُرْجَعُونَ أنتم ايها الاظلال الهالكون التائهون في بيداء ظهوره حيارى هائمين رجوع الأضواء الى شمس الذات والأمواج الى بحر الوحدة الذاتية

أَأنكر المعبود على الحق المظهر لما في الوجود وأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً باطلة من الأوثان عاطلة عن التصرفات مطلقا منحطة عن رتبة العبودية فكيف عن الربوبية والألوهية واسميهم شفعاء مغيثين لدى الحاجة مع انه إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ القادر المقتدر على اصناف الانعام والانتقام بِضُرٍّ اى مصيبة وسوء يتعلق مشيته سبحانه على انزاله الى لا تُغْنِ ولا تدفع عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئًا من بأس الله وعذابه بل لا تنفعني شفاعتهم أصلا وَلا يُنْقِذُونِ بالمعاونة والمظاهرة من عذابه سبحانه ايضا وبالجملة

إِنِّي بواسطة اتخاذي إياهم شركاء لله شفعاء عنده إِذًا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ وغواية عظيمة ظاهرة إذ اختيار ما لا ينفع ولا يضر على الضار النافع المعطى المانع او ادّعاء مشاركتهم معه او شفاعتهم عنده سبحانه من أشد الضلالات وأردإ الجهالات وبالجملة

إِنِّي بعد ما تفطنت بوحدة الحق وباستقلاله في الوجود والآثار قد آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ الذي هو ربي ورب جميع ما في حيطة الوجود وتحت ظله من الأكوان غيبا وشهادة واعترفت بتوحيده واستقلاله بالتصرف في ملكه وملكوته بعد ما كوشفت بوحدة ذاته فَاسْمَعُونِ يا ايها العقلاء السامعون المدركون مضمون قولي واتصفوا بما فيه وتذكروا به ان كنتم تعلمون فلما سمعوا منه توصيته وتذكيره أخذوا في قتله وإهلاكه فوطئوه بأرجلهم الى حيث يخرج امعاؤه من دبره وهو في تلك الحالة قد زاد انكشافه بربه واستولى عليه سلطان الوحدة وجذبته العناية الإلهية وأدركته الكرامة القدسية حيث

قِيلَ له من قبل الحق حينئذ اخرج من هويتك وانخلع

200

سورة يس (36): آية 27

سورة يس (36): آية 28

سورة يس (36): آية 29

سورة يس (36): آية 30

سورة يس (36): آية 31

سورة يس (36): آية 32

من انانيتك ادْخُلِ الْجَنَّةَ اى فضاء الوحدة التي لا فيها وصب ولا نصب ولا عناء ولا تعب فخرج وانخلع فدخل على الفور واتصل ثم بعد ما وصل الى ما وصل قالَ متمنيا متحسرا لقومه بعد ما قد لحق بفضاء الوصال يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ

بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وانكشف علىّ وجذبني نحوه بعد ما ستر عنى انانيتى ومحا منى هويتى وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ المكرمين الآمنين الفائزين المستبشرين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون وبعد ما قتلوه ظلما وعدوانا ورفعناه مكانا عليا عناية منا إياه وأدخلناه في جنة وحدتنا مغفورا ومسرورا وكشفنا عنه غطاءه كشفا كليّا شوقيا وذوقيا شهوديا قد أخذنا في انتقام قومه منه فأهلكناهم بصيحة واحدة قد صاح بها جبرائيل عليه السلام بأمرنا إياه

وَبالجملة ما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ اى قوم الحبيب وهم اهل انطاكية مِنْ بَعْدِهِ اى بعد قتله لننتقم عنهم لأجله مِنْ جُنْدٍ مِنَ جنود السَّماءِ وَما كُنَّا مُنْزِلِينَ اى وما ثبت منا وما جرى في لوح قضائنا إنزال الملائكة لإهلاكهم كما جرت سنتا لإهلاك سائر الأمم الهالكة بل

إِنْ كانَتْ اى ما كانت علة إهلاكهم وهلاكهم من قبلنا إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً او ما وقعت وصدرت منا لإهلاكهم وهلاكهم الا صيحة واحدة على القراءتين بالرفع والنصب وذلك انا بمقتضى قهرنا وجلالنا قد أمرنا جبرائيل عليه السلام بان يأخذ بعضادتي باب مدنيتهم فأخذ وصاح عليهم مرة واحدة فَإِذا هُمْ خامِدُونَ اى فاجؤا جميعا على الخمود والجمود وبعد ما سمعوا الصيحة الهائلة صاروا كالرماد بعد ما كانوا احياء كالنار المشتعلة الساطعة. ثم قال سبحانه من قبل عصاة عباده المأخوذين بشؤم ما اقترفوا من المعاصي والآثام

يا حَسْرَةً وندامة وكآبة عظيمة وحزنا شديدا عَلَى الْعِبادِ المصرين على العناد بعد ما عاينوا العذاب الدنيوي والأخروي النازل عليهم حتما بسبب انكارهم على الرسل والمرسل جميعا وتكذيبهم بجميع ما جاءوا به من عند ربهم وليس لهم حينئذ قوة المقاومة والمدافعة لذلك صاروا حيارى سكارى هائمين متحسرين بلا ناصر ومعين وشفيع حميم من رسول ونبي كريم إذ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ في نشأتهم الاولى يصلح أحوالهم وأعمالهم لئلا يترتب عليها الوبال والنكال الموعود في النشأة الاخرى إِلَّا كانُوا من غاية كبرهم وخيلائهم بِهِ اى بالرسول المصلح المرشد لهم يَسْتَهْزِؤُنَ ويستحقرونه ويستنكفون عن قبول دعوته ودينه وينكرون عليه كهؤلاء المسرفين المشركين معك يا أكمل الرسل

أَيستهزؤن معك يعنى اهل مكة وينكرون بدينك وكتابك لَمْ يَرَوْا اى لم يخبروا ولم يعلموا كَمْ أَهْلَكْنا اى كثرة إهلاكنا واستئصالنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ الماضية ولم يعتبروا مما جرى عليهم بشؤم تكذيبهم وانكارهم على رسله مع أَنَّهُمْ اى الأمم الهالكة السالفة إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ اى لا يرجعون الى هؤلاء المفسدين المسرفين في تكذيبك وإنكارك يا أكمل الرسل في نشأتهم هذه بل مضوا وانقرضوا الى حيث لم يعودوا الى ما كانوا وهؤلاء ايضا سينقرضون هم وأثرهم فلم لم يتنبهوا ولم يعتبروا مما جرى عليهم مع انهم ان أخذوا هؤلاء ايضا أمثالهم صاروا كأن لم يكونوا شيأ مذكورا أمثالهم

وَبالجملة إِنْ كُلٌّ اى ما كل من الفرق والأحزاب المنقرضة عن الدنيا على التعاقب والترادف مردودين إلينا مجتمعين في وقت من الأوقات بل لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ يعنى لا يجتمعون جميعا الا لدينا في يوم العرض والجزاء وفي حضرة علمنا المحيط ولوح قضائنا المحفوظ وبالجملة لا اجتماع لهم بعد انقراضهم ما داموا مسجونين في سجن الإمكان مقيدين بسلاسل التعينات وأغلال الهويات

201