الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائقالجزء 1 · ص 126 - 133

التقسيم الرابع باعتبار كيفية الاستعمال للاستعارات

التقسيم الرابع باعتبار كيفية الاستعمال للاستعارات

اعلم أن الاستعارة تجرى فى استعمالها على أوجه أربعة نذكرها.

الوجه الأول استعارة المحسوس للمحسوس

وهذا كقوله تعالى: كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ

[الرحمن: 58] شبه الحور العين بالمرجان والياقوت فى شدة الحمرة والرقة وهكذا قوله تعالى:

كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ

[الصافات: 49] شبههن بالبيض فى بياضه ورقته ولطافته، فهذه استعارة مقدرة بتقدير طرح أداة التشبيه فتكون استعارة محققة، كما أن كل ما كان من الاستعارة يطوى فيه ذكر المشبه فهو من التشبيه المقدر كقولك: رأيت أسدا، ولقينى أسد، كما مر بيانه. ومثال الاستعارة المحققة فى المحسوسين قوله تعالى: وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا

[مريم: 4] فالمستعار النار، والمستعار له هو الشيب، بواسطة الانبساط ومنه قوله تعالى: وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ

[الكهف: 99] فالموجان، حركة المآء فى الأصل، فاستعير للقلق والفشل والاضطراب فى الأمر. ومن هذا قوله تعالى: إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ

[الذاريات: 41] فالمستعار منه المرأة التى لا تلد ولدا، والمستعار له الريح، لأنها لا تصلح شيئا ولا ينمو بها نبات. وقوله تعالى: نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ

[يس: 37] فالمستعار له خروج النهار من ظلمة الليل، والمستعار منه ظهور المسلوخ من جلدته، فلما كان النهار من شدة الاتصال بالليل كاتصال الجلد بالمسلوخ منه، لا جرم حسنت الاستعارة، وهو باب واسع فى كتاب الله تعالى والسنة الشريفة.

الوجه الثانى استعارة المعقول للمعقول

وهذا كقوله تعالى: مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا

[يس: 52] فاستعار الرقاد للموت، وكلاهما أمر معقول. وقوله تعالى: وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ

[الأعراف: 154] فالسكوت عبارة عن زوال الغضب وارتفاعه: وهما أمران عقليان. ومنه قوله تعالى: وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ

[الفرقان: 23] استعير من قدوم المسافر بعد مدة والمستعار له، هو الجزاء بعد الإمهال. وقوله تعالى: تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ

126

الْغَيْظِ

[الملك: 8] فالغيظ أمر معقول مستعار للحالة المتوهمة للنار. أجارنا الله منها.

لإرادة الانتقام بلسان الحال من العصاة.

الوجه الثالث استعارة المحسوس للمعقول

وهذا كقوله تعالى: بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ

[الأنبياء: 18] فالقذف، والدمغ، أمران معقولان مستعاران من صفات الأجسام، والمستعار له الحق، والباطل، والجامع هو الإعدام والإذهاب ومنه قوله تعالى وَزُلْزِلُوا

[البقرة: 214] فأصل الزلزلة التحريك بالعنف والشدة، ثم يستعار لشدة ما نالهم من العذاب. ومنه قوله تعالى: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ

[الحجر: 94] الأصل فى الصدع هو الانشقاق للقارورة وغيرها. ومنه قوله تعالى: فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ

[آل عمران: 187] فالنبذ فى الأصل يستعمل فى إلقاء الشىء عن اليد، ثم استعير فى الأمر المعقول عنه المتناسى حاله، والجامع بينهما اشتراكهما فى الزوال عن التحفظ والإيقاظ.

الوجه الرابع استعارة المعقول للمحسوس

وهذا كقوله تعالى: إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ

[الحاقة: 11] المستعار منه التكبر والعلو، والمستعار له هو ظهور الماء، والجامع بينهما خروج الحد فى الاستعلاء المضر، ومنه قوله تعالى: بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ

[الحاقة: 6] فالعتو مستعار من التكبر والشموخ، والمستعار له هو الريح، والجامع بينهما هو الإضرار البالغ. ومنه قوله تعالى:

تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ

[الملك: 8] فالتميز من الغيظ استعاره، استعير للنار والجامع بينهما شدة التلهب والاضطراب كما قال تعالى: سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا

[الفرقان: 12] ومنه قوله تعالى: حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها

[محمد: 4] فالوضع والوزر معنيان معقولان، استعيرا للحرب وهى محسوسة.

تنبيه

اعلم أن فى الاستعارة ما يكون معدودا فى التهكم، وحاصل الاستعارة التهكية، أن تستعمل الألفاظ الدالة على المدح فى نقائضها من الذم والإهانة تهكما بالمخاطب، وإنزالا لقدره، وحطا منه وهذا كقوله تعالى: إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ

[هود: 87] مكان

127

نقيضهما من السفيه الغوى وقوله تعالى: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ

[آل عمران: 21] بدل قوله أنذرهم، لأن البشارة إنما تستعمل فى الأمور المحمودة، والمراد ههنا العذاب والويل ومنه قوله تعالى: فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ (23)

[الصافات: 23] . والتهكم فى اللغة عبارة عن شدة الغضب على المتهكم به، لما فيه من إسقاط أمره وحط منزلته وحاله، واشتقاقه من: تهكمت البئر، إذا سقط طيها. وهو كثير التدوار فى كتاب الله تعالى خاصة عند عروض ذكر الكفار وأهل الشرك والنفاق كقوله تعالى: فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ

[الزخرف: 55] وغير ذلك من الآيات الوعيدية، والخطابات الزجرية الدالة على مزيد الغضب وبالغ الانتقام. اللهم أجرنا من التعرض لسخطك، وعظيم غضبك، يا خير مستجار به، وأكرم من يلاذ برحمته.

البحث الرابع فى أحكام الاستعارة

اعلم أنا قد ذكرنا ما يتعلق بحقائق الاستعارة، والذى بقى علينا هو ذكر أحكامها الخاصة غير ما أسلفناه من قبل، وجملتها سبعة.

الحكم الأول هل المستعار هو اللفظ، أو المعنى؟

زعم زاعمون أن المستعار هو اللفظ، والذى عليه أهل التحقيق أن الاستعارة إنما تكون متعلقة بالمعنى، وهذا هو المختار، ويدل على ذلك أوجه ثلاثة، أما أولها فلأن الإجماع منعقد من جهة علماء الأدب وأرباب هذه الصناعة على أن الاستعارة أبلغ من الحقيقة وأن قولنا: زيد أسد، فى المبالغة فى وصف الشجاعة أعظم من قولنا: زيد يشبه الأسد، فى شجاعته، فلو لم تكن هناك استعارة لفظ الأسد ونقله، لم تكن هناك مبالغة لأنه لا مبالغة فى نقل العبارة خالية من معناها وعرية عنه، وأما ثانيا فلأن القائل إذا قال: رأيت أسدا، ولقينى أسد، فالسابق من هذا الكلام هو أنه صوره بحقيقة الأسد مبالغة فى شجاعته، وزيادة فى جراءته، وليس ذلك إلا لأجل ما كان من المقصود من إثبات حقيقة الشجاعة ومعقولها، ولو كان ذلك من أجل استعارة اللفظ لم يكن هذا الإطلاق، لأنه لا يقال لمن سمى إنسانا باسم الأسد، أنه صيره أسدا، وجعله

128

بحقيقة الآساد، وأما ثالثا فلقوله تعالى: وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثًا

[الزخرف: 19] فظاهر الآية مشعر بأنهم أثبتوا للملائكة صفة الأنوثة، فلأجل هذا الاعتقاد سموهم باسم الإناث، وليس الغرض إطلاق اسم البنات عليهم من غير اعتقاد معنى الأنوثة، ولهذا قال تعالى: أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ

[الزخرف: 19] فلو لم يعتقدوا الأنوثة لكان لا وجه للمبالغة فى التنكير عليهم فى ذلك، وظهر بما لخصناه أن المبالغة فى الاستعارة بإثبات المعنى أولا ثم يتلوه اللفظ فى الاستعارة كما حققناه.

الحكم الثانى فى المجاز بالاستعارة هل يكون عقليا أو لغويا

اعلم أن المجاز فى الاستعارة يرد على نوعين، النوع الأول منها مركب وهذا كقولنا أحيانى اكتحالى بطلعتك، وقوله:

أشاب الصغير وأفنى الكبير ... كر الغداة ومر العشى

فإسناد الإشابة والإفناء إلى الكر والمر إنما كان على جهة التجوز بالاستعارة، والحقيقة فيه هو الإضافة إلى الله تعالى لأنه فى الحقيقة هو الفاعل لذلك فإسناده إلى قدرة الله تعالى هو حكم ذاتى، لا من جهة وضع واضع، فإذا أسندناه إلى غيره، فقد نقلناه عما كان مستحقا له لذاته فى الأصل، وعلى هذا يكون التصرف عقليا، فهذا هو مراد علماء البيان بكون المجاز المركب عقليا، فما هذا حاله من الاستعارة لا يختلفون فى تسميته مجازا عقليا، على التقرير الذى لخصناه، هذا تقرير كلام الناظر من أهل هذه الصناعة، والمختار أن المجاز لا مدخل له فى الأحكام العقلية، ولا وجه لتسمية المجاز بكونه عقليا، لأن ما هذا حاله إنما يتعلق بالأوضاع اللغوية دون الأحكام العقلية، وإذا كان الأمر كما حققناه من تعذر المجاز فى العقل فنقول: إن صيغة «أشاب وأفنى» موضوعتان للإسناد إلى الفاعل المختار القادر، فإذا وجدناهما على الإسناد إلى غيره نحو «كر الغداة ومر العشى» عرفنا بذلك أنهما قد استعملا فى غير موضوعهما الأصلى اللغوى، وعلى هذا التقرير يكون المجاز المركب لغويا حيث وقع من غير حاجة إلى كونه عقليا.

(النوع الثانى) مفرد وهذا كقولنا: لقيت أسدا، وجاءنى أسد، فما هذا حاله من الاستعارات قد وقع فيه خلاف، وتردد فيه نظر الشيخ عبد القاهر الجرجانى، وله فيه اختياران.

129

(الاختيار الأول) نصره فى أسرار البلاغة، وهو أن ما هذا حاله من المجاز يكون مجازا لغويا، وحجته على ذلك هو أنا إذا أجرينا اسم الأسد على الرجل الشجاع فإنما نجريه بطريق التأويل، فلأجل هذا كان ما ذكرناه استعمالا للأسد فى غير موضوعه، ويؤيد ما ذكرناه ويزيده وضوحا هو أنا إذا أطلقنا على الرجل اسم الأسد فإنما كان ذلك الإطلاق من أجل اختصاصه بالشجاعة، ولا ندعى للرجل صورة الأسد وشكله وهيئته وتأليفه، واسم الأسد ليس موضوعا على معنى الشجاعة وحدها، بل هو موضوع على تمام هذه الهيئة وكمالها، فإذا أجرينا عليه اسم الأسد تبعا لثبوت صفة الشجاعة، فقد سلبنا عن الصيغة بعض ما كان مندرجا تحتها فى أصل وضعها من الشكل والهيئة وتدوير الوجه، وعرض المقادم، ودقة المآخير فيكون نقلا لها عما وضعت له فى الأصل.

(الاختيار الثانى) نصره فى دلائل الإعجاز، وتقرير كلامه: أنه قد كثر كلام الناس فى أن الاستعارة لفظة منقولة عن موضوعها الأصلى، وهو خطأ، وبيانه أنك لا تطلق لفظ الأسد على الرجل إلا بعد أن تعتقد أنه بصفة الأسد وشكله وهيئته، وتتصوره بجميع صفاته، فلما كان الأمر كما قلناه فأنت لم تنقل لفظة الأسد عما كانت موضوعة له فى الأصل. لأنك إنما تكون ناقلا لها إذا لم تقصد معناها الأصلى، فأما إذا كنت قاصدا له فلا وجه لكونها منقولة، فلأجل هذا قضينا بكون هذا المجاز عقليا، فهذا تقرير كلامه ههنا، وإلى كون هذا المجاز عقليا ذهب ابن الخطيب الرازى، واختار ما قرره عبد القاهر فى دلائل الإعجاز، والمختار عندنا ما نصره فى أسرار البلاغة من كونه لغويا، ومعتمدنا فى ذلك أمران، أحدهما أن القائل إذا قال لقينى الأسد، وجاءنى الأسد، فالسابق إلى الفهم من هذا هو أنه جاءه رجل بالغ فى الشجاعة كل مبلغ ليس فوقها رتبة لأنه شاكل الأسد فى شجاعته لا غير، وليس الغرض حصوله على هيئة الأسد، فى تدوير الهامة، وحدة الأنياب، وطول البراثن، إلى غير ذلك من الصفات، وإنما الغرض إحراز وصف الشجاعة دون غيره من الصفات.

وثانيهما أنه لو كان الغرض من إطلاق لفظ الأسد أنه لابد من إحراز جميع أوصافه ومعانيه، لكان إذا جردنا الاستعارة فقلنا جاءنى أسد يضحك، ورأيت أسدا له عقل

130

وافر، وبحرا قد برز على الأقران فى فضله، أن يكون مناقضا، لأن قولنا يضحك، وله عقل وافر، وفضل باهر، ينافى هذه الاستعارات، لأن الأسد لا يوصف بالضحك ولا بالعقل ولا يوصف البحر بالفضل، وفى هذا دلالة على أن المجاز يجب كونه لغويا بالاستعارة، كما أشرنا إليه.

إشارة

اعلم أن هذه الاستعارة فى المفرد والمركب كما ذكرناه، فأما الخلاف فى كونها مجازا، هل يكون عقليا، أو لغويا فالأمر فيه قريب، وليس وراء النزاع كبير فائدة، فإذا فهم المراد من كونه لغويا أو عقليا، فلا عليك فى إطلاق العبارة بعد إحراز المعانى والوقوف على حقائقها.

الحكم الثالث فى بيان محل الاستعارة ومكانها

اعلم أن أعظم ما تدخل فيه الاستعارة هو أسماء الأجناس، وهذا كقوله تعالى:

وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ

[الإسراء: 24] وقوله تعالى: وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ (17) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ

[البقرة: 17، 18] وقوله تعالى: وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا

[يس: 9] وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ

[الأنعام: 25] فأما أسماء الأعلام فقد قررنا فيما سبق استحالة دخول المجاز فيها فضلا عن الاستعارة، فلا وجه لتكريره، وقد تدخل الاستعارة فى أسماء الإشارة كقوله تعالى: هذا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ

[ص: 55] فقوله: هذا

استعارة لأنه إنما يستعمل حقيقة فيما كان قريبا مشارا إليه، فالمجاز فى الإشارة داخل ههنا فيما يعرض من أحواله فى القرب والبعد، فلا يكون مناقضا لما أسلفناه من أن أسماء الإشارة لا يدخلها المجاز، فإنما تعذر المجاز فيها من حيث الإطلاق، وقد تدخل الاستعارة فى الأفعال، كقولك: نطقت الحال بكذا، لأن الحال غير ناطقة، وإنما يكون النطق حقيقة من الإنسان وغيره، فهذه الاستعارة فيها من جهة مفعولاتها كما قال: فلان أظهر العلوم بعد خفائها، ورفع المجد بعد انخفاضه، قال ابن المعتز:

131

جمع الخلق لنا فى إمام ... قتل البخل وأحيى السماحا

وكقول الحريرى:

وأقر المسامع إما نطقت ... بيانا يقود الحرون الشموسا

الحكم الرابع فى بيان موقع الاستعارة

اعلم أنهم ربما بالغوا فى الاستعارة حتى ينزلوها منزلة الحقيقة، وبيان ذلك أنهم قد يستعيرون الوصف للشىء المعقول ويجعلون تأتيه لذلك الشىء على جهة التحقيق وكأن خلافها محال وكأن الاستعارة غير موجودة، وينكرون خلاف ذلك ويتعجبون منه، وهذا كقول أبى تمام:

ويصعد حتى يظن الجهول ... بأن له حاجة فى السماء

فقرر صعوده فى الخصال العالية، والمراتب الشريفة، على وجه لا يمكن جحده ولا يسوغ إنكاره، وأحسن من هذا وأوضح لما نحن فيه قول بعض الشعراء:

ومن عجب أن الصوارم والقنا ... تحيض بأيدى القوم وهى ذكور

وأعجب من ذا أنها فى أكفهم ... تأجج نارا والأكف بحور

فلولا أن هذه الاستعارة قد نزلت منزلة الحقائق لما كان للتعجب وجه، ومن هذا ما قاله بعض الأدباء:

لا تعجبوا من بلى غلالته ... قد زر أزراره على القمر

فالقمر من طبعه إبلاء الأثواب وتقطيعها فمعناه لا تعجبوا من تقطيع الغلالة فإنها مشتملة على القمر، فانظر إلى تحقيقه للاستعارة وتقريرها، ومن هذا قوله:

قامت تظللنى من الشمس ... نفس أعز على من نفسى

قامت تظللنى ومن عجب ... شمس تظللنى من الشمس

فلولا أنها قد نزلت عنده منزلة الشمس على الحقيقة لما كان للتعجب وجه.

132

الحكم الخامس فى التفرقة بين الاستعارة والتشبيه

المحققون من علماء البيان على حصول التفرقة بينهما، وصار صائرون إلى أنه لا فرق بينهما فنقول: أما ما كان من التشبيه مظهر الأداة بالكاف، وكأن، فلا تخفى التفرقة بينه وبين الاستعارة تفرقة لفظية، وأما ما كان من التشبيه مضمر الأداة، فقد يكاد يلتبس بالاستعارة، وهل يكون لاحقا بالتشبيه، أو بالاستعارة فى نحو قولك جاءنى الأسد، ومررت بالأسد، وقد قدمنا ذكر الخلاف فيه وذكر المختار فيه فأغنى عن الإعادة، وعلى الجملة فلابد من إدراك التفرقة بينهما، وحاصله أن التشبيه حكم إضافى لا يوجد إلا بين شيئين مشبه ومشبه به بخلاف الاستعارة، فإنها لا تفتقر إلى شىء من ذلك، بل تفهم مطلقة من غير إشارة إلى آخر وراء الاستعارة ولهذا فإنك تجد فرقا بين قولنا: زيد الأسد، وبين قولك جاءنى الأسد، فى كون الأول ينجذب إلى التشبيه لأنه يشير إليه. والثانى استعارة مع اتفاقها جميعا فى إضمار أداة التشبيه، فهذا هو الذى يفتقر إلى التفرقة بينه وبين الاستعارة، فأما ما كان من الاستعارة لا يفهم منه التشبيه فلا يحتاج إلى التفرقة بحال، كقوله تعالى: ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ

[الأنعام: 91]، وقوله تعالى: إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ

[الحاقة: 11] وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ

[الأعراف: 186] .

الحكم السادس فى التفرقة بين الاستعارة المجردة، والموشحة

اعلم أنا نريد بتجريد الاستعارة هو أن نذكر اللفظ المستعار ونقرن به ما يلائم المستعار له كقولك: رأيت أسدا يتكلم، ولقيت بحرا يضحك، وهذا يخالف الاستعارة الموشحة، فإنك تذكر اللفظ المستعار وتقرن به ما يلائم المستعار نفسه فتقول: رأيت أسدا دامى الأنياب، طويل البراثن، فحاصل التفرقة بينهما أن كل ما كان ملائما للمستعار له فهو التجريد، وما كان ملائما للمستعار نفسه من الأحكام فهو التوشيح، فبما ذكرناه تدرك التفرقة بينهما.

133