الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائقالجزء 1 · ص 134 - 141

الحكم السابع فى التفرقة بين الاستعارة المحققة وبين الخيالية

الحكم السابع فى التفرقة بين الاستعارة المحققة وبين الخيالية

اعلم أن كل ما كان من الاستعارات لا يفهم منه معنى التشبيه لا على قرب ولا بعد كقوله:

أثمرت أغصان راحته ... لجناة الحسن عنابا

فما هذا حاله من الاستعارات محقق لا يفهم منه معنى التشبيه بحال، ولو ذهبت تقدر التشبيه أخرجته عن حقيقة البلاغة، وسلبت عنه ثوب جمالها، فأما ما كان من الاستعارات يفهم منه معنى التشبيه الذى لا يدرك فى الوجود ويكون متصورا فى الخيال، فهذه هى الاستعارات الخيالية، وهذا كقوله تعالى: بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ

[المائدة: 64] وجميع آيات التشبيه كله من باب الاستعارات الخيالية، فحاصل التفرقة آئل إلى أن كل ما كان من الاستعارات لا يفهم منه معنى التشبيه فهى الاستعارة المحققة، وما كان منها يدرك فيه التشبيه على جهة التقدير فهى الخيالية، وما كان يدرك فيه التشبيه على جهة التحقيق، فهو الاستعارة المشبهة، وقد قررنا هذه الأمثلة فلا مطمع فى الإعادة لها، وفيما ذكرناه كفاية فى أحكام الاستعارة، ولنختم هذه القاعدة بالكلام فى ذكر الاستعارة فيه باعتبار أمره فى نفسه فهو المعبر عنه بالأصلية، وما كانت الاستعارة فيه باعتبار حال غيره، فهو المعبر عنه بالتبعية، فالأول هو ما كان من الاستعارة متعلقا بأسماء الأجناس فهو بالأصالة، وأكثر ما يرد فيه كما أوضحنا أمثلته فى الاستعارات وكل ما كان واردا فى الأفعال، والحروف، فهو من الاستعارات التبعية، لأنها إنما وردت فى الأفعال باعتبار مصادرها، وإنما وردت فى الحروف باعتبار متعلقاتها، فمثال الأفعال قولك: تخبرنى حالك بأنك عائب على، وحالك ينطق لى بأنك مفارقى، ومثال الحروف قوله تعالى لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ

[المائدة: 35] فموضوعها للترجى، وليس ههنا ترج وقوله تعالى: لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا

[القصص: 8] فاللام للتعليل، وليس ههنا تعليل ولكنها ترد على جهة الاستعارة لمعان أخر، والاستعارة فيها إنما وردت باعتبار غيرها كما أوضحناه، وهكذا الأمر فى سائر الأفعال، والحروف، فإنها إنما ترد فيها الاستعارة إذا جاءت مخالفة لموضوعاتها الأصلية، فإنها على جهة الاستعارة من غيرها والله أعلم بالصواب.

134

القاعدة الثانية من قواعد المجاز فى ذكر التشبيه وحقائقه

هذه قاعدة واسعة النطاق ممتدة الحواشى، فسيحة الخطور، ولكنها غامضة المدرك، متوعرة المسلك، دقيقة المجرى عزيزة الجدوى، وإنما قدمنا عليها الكلام فى الاستعارة، لاتفاق علماء البيان على عدّها قاعدة من قواعد المجاز، ولا خلاف بين علماء البيان على عدها قاعدة من قواعد المجاز، ولا خلاف بين علماء البيان فى أن التشبيه من أودية البلاغة، وإنما وقع النزاع هل يعد من أودية المجاز أم لا، فالذى عليه النظار من علماء البلاغة وأهل التحقيق من علماء البيان أنه غير معدود فى المجاز، وهو رأى الشيخ ناصر بن أبى المكارم المطرزى فى شرحه للحريريات، وعن ابن الأثير أنه معدود من جملة المجاز، ويمكن الانتصار له على المطرزى بأمرين، أما أولا فلأنه عد الكناية من أودية المجاز، والتشبيه أقرب منها إليه، وأما ثانيا فلأن مضمر الأداة من التشبيه معدود فى الاستعارة، وقد اعترف بها، فإذن لا وجه لإنكار التشبيه أن يكون معدودا من أودية المجاز، والعجب منه فى قبول الكناية وعدها من المجازات، وإنكار ما ذكرناه من التشبيه، مع أن الكناية دالة على موضوعها الأصلى فى اللغة، كما سنقرره عند الكلام فيها بمشيئة الله تعالى.

واعلم أنا

قبل الخوض فى أسرار التشبيه وذكر حقائقه، نقدم التنبيه على أمور أربعة تكون كالتمهيد والتوطئة لما نريد ذكره من ذلك.

التنبيه الأول فى بيان ماهية التشبيه

أما لفظه فهو مصدر من قولهم شبهته بكذا، إذا جمعت بينهما بوصف جامع، وأما فى مصطلح علماء البيان فنذكر له تعريفات ثلاثة وفيها كفاية.

التعريف الأول ذكره المطرزى

وحاصل كلامه فى ماهيته هو الدلالة على اشتراك شيئين فى وصف هو من أوصاف الشىء فى نفسه، هذه الفاظه، وهذا فاسد لأمرين، أما أولا، فلأنه إن أراد بالدلالة حقيقتها، فالشىء لا يدل على نفسه، ومن حق الدليل أن يكون مغايرا له لمدلوله،

135

وإن أراد بلفظ الدلالة أن من عرف الحد عرف لا محالة المحدود، فهذا جيد، لكن لفظ الدلالة يوهم الخطأ من جهة المغايرة، فيجب اطراحها، وأما ثانيا فلأنه لم يفصل بين التشبيه الوارد على جهة الاستعارة كقولك جاءنى الأسد، ورأيت بحرا، وبين التشبيه الصريح كقولنا: زيد كالأسد، وعمرو كالسيف، وغير ذلك وكلاهما معدود من باب التشبيه، والغرض ههنا هو المظهر الأداة فكان من حقه فصله عما ذكرناه بذكر الأدلة، لأنه هو المقصود بذكر هذه القاعدة.

التعريف الثانى ذكره الشيخ عبد الكريم السماكى

وحاصل مقالته أنه ركن من أركان البلاغة، لإخراج الخفى إلى الجلى وإدنائه البعيد من القريب، هذا ما ذكره فى كتابه التبيان، وهو فاسد أيضا لأمرين، أما أولا فلأن ما قاله إنما هو إشارة إلى فائدته ومقصوده، وليس فيه بيان ماهيته فى ذاته، كمن يقول فى ماهية الأسد، هو الحيوان الذى تخاف سطوته وله هيبة فى النفوس، فكما أن هذا غير موصل إلى ماهية الأسد، فكذا ما قاله، ولأنه لم يفصل بين مضمر الأداة، ومظهر الأداة، وحقيقة أحدهما مخالفة لحقيقة الآخر ولأن ذكر الأداة جزء من مفهوم هذه القاعدة التى تصدينا لكشفها وبيانها، فلابد من ذكر الأداة، وظهر مما حققناه ضعف ما قالا.

التعريف الثالث وهو المختار

أن يقال هو الجمع بين الشيئين، أو الأشياء بمعنى ما بواسطة الكاف ونحوها، فقولنا: «هو الجمع بين الشيئين» يدخل فيه التشبيه المفرد كقولك: زيد كالأسد، «أو الأشياء» ليدخل فيه التشبيه المركب على أوصافه ومراتبه كما سنقرره ونصف حاله ونمثله، وقولنا: «بمعنى ما» عام لجميع الأوصاف كلها العقلية والحسية، المفردة والمركبة وقولنا «بواسطة الكاف» يخرج العطف لأنه جمع بين الشيئين، أو الأشياء لكن بغير الكاف، ويخرج عنه مضمر الأداة كقولنا: زيد أسد، فإنه ليس من التشبيه الذى أوردنا فى هذه القاعدة، وإنما هو معدود فى الاستعارة كما قررناه من قبل، فهكذا يكون تعريفه بما ذكرناه، ولقد حام من أسلفنا ذكره فى تعريف حقيقة التشبيه حول ما قررناه، فما وقع، وصأصأ فما فقح، ومن حق من أراد تعريف ماهية من الماهيات أن يورد فى حده أخص أوصافها وأن يصونها عن النقوض.

136

دقيقة

اعلم أنا قد جعلنا هذه القاعدة للتشبيه فصدرناها بلقبه، وحكينا عن المطرزى إنكار كونه معدودا من المجازات وإن عد من أنواع البلاغة، وإلى هذا ذهب الشيخ عبد الكريم صاحب التبيان، وغالب الظن بل نعلم قطعا أن كل ما كان من التشبيه مضمر الأداة كقولنا: زيد الأسد، ولقينى الأسد، وعمرو الشمس فى ضيائه، والقمر فى نوره، والبحر فى كرمه، إلى غير ذلك من التشبيهات المضمرة فإنهما لا يخالفان فى كون ما هذا حاله معدودا فى المجاز، وإن كان من التشبيه، لأن ظاهره الاستعارة وإن كان المشبه به فى طيه، فلهذا وجب عده فى المجاز، وإنما يتوجه خلافهما فيما كان من التشبيهات مظهر الأداة، كقولنا: هو كالبحر كرما، وكالقمر نورا، وكالبدر تماما وكمالا، فما كان بهذه الصورة ففيه مذهبان.

المذهب الأول أنه معدود من جملة المجازات، وهذا الذى يشير إليه كلام ابن الأثير، وحجته على ذلك أن قولنا: زيد أسد إذا كان معدودا فى المجاز باتفاق بين علماء البيان، فيجب فى قولنا: زيد كالأسد شجاعة، أن يعد فى المجاز أيضا، إذ لا تفرقة بينهما إلا من جهة ظهور الأداة، وظهورها إن لم يزده قوة ودخولا فى المجاز لم يكن مخرجا له عن المجاز، ولأن التمثيل إذا كان معدودا فى المجاز فى نحو قولنا: فلان يقدم رجلا ويؤخر أخرى، يقال للمتحير فى أمره فهكذا حال التشبيه أيضا.

المذهب الثانى إنكار كونه معدودا فى المجاز، كما حكيناه عن المطرزى وعبد الكريم، وغيرهما، وحجتهم على ما قالوا: أن المجاز استعمال اللفظ فى غير موضوعه الأصلى وقولنا. زيد كالأسد، مستعمل فى موضوعه فى الأصل، فلهذا لم يكن معدودا فى المجاز، فهذا تقرير الكلام فى المذهبين جميعا، والمختار عندنا كونه معدودا فى علوم البلاغة، لما فيه من الدقة واللطافة، ولما يكتسب به اللفظ من الرونق والرشاقة، ولاشتماله على إخراج الخفى إلى الجلى، وإدنائه البعيد من القريب، فأما كونه معدودا فى المجاز أو غير معدود، فالأمر فيه قريب بعد كونه من أبلغ قواعد البلاغة، وليس يتعلق به كبير فائدة، وربما كان الخلاف فى ذلك لفظيا فعدلنا عنه.

137

التنبيه الثانى فى بيان الصفة الجامعة بين المشبه والمشبه به

اعلم أن كل من أراد تشبيه شىء بغيره، فلابد من اجتماعهما فى وصف يكون دالا على الاجتماع وعلما دالا على المبالغة، ولابد من أن يكون المشبه به أعلا حالا من المشبه، لتحصل المبالغة هناك، وتختلف تلك الأوصاف الجامعة ويحصرها أقسام ستة.

القسم الأول الأوصاف المحسوسة

وهى بالإضافة إلى الحواس التى هى طريق الإدراك خمسة، نفصلها بمعونة الله تعالى.

المدرك الأول: الاشتراك فى الصفة المبصرة

ومثاله قوله تعالى: وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ (48) كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (49)

[الصافات: 48، 49] فالجامع هو البياض، وقوله تعالى: كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ (58)

[الرحمن: 58] فالجامع الحمرة، ونحو تشبيه الخد بالورد فى البياض المشرب بالحمرة، والشعر بالليل فى سواده، وكقول بعضهم:

وكأن أجرام السماء لوامعا ... درر نثرن على بساط أزرق

فشبه أديم السماء فى صفاء زرقته، وبياض النجوم، بدرر منثورة على بساط أزرق، وكقول بعضهم فى وصف ما يجتمع من الأزهار فى الزرقة والبياض والحمرة.

ولا زوردية تزهو بزرقتها ... بين الرياض على حمر اليواقيت

كأنها فوق قامات ضعفن بها ... أوائل النار فى أطراف كبريت

ولأمير المؤمنين فى هذا اليد البيضاء حيث قال فى خلقة الطاووس: ومخرج عنقه كالإبريق، ومغرزها إلى حيث بطنه كصبغ الوسمة اليمانية، والوسمة «بكسر السين» نبت أسود يقال له «العظلم» أو كحريرة ملبسة مرآة ذات صقال، وكأنه متلفع بمعجر أسحم، ومع فتق أذنه خط كمستدق القلم، فهو كالأزاهير المبثوثة. وقال: فى جناحه إذا نشره من طيه وسما به مطلا على رأسه كأنه قلع دارى عنجه نوتيّه- والنوتى هو الملاح- فإن ضاهيته بالملابس فهو كموشى الحلل، وإن شاكلته بالحلى فهو كفصوص ذات ألوان، فانظر إلى

138

هذه التشبيهات المدركة بالبصر، ما أدقها وما أوقعها فى التشبيه وأرقها، تكاد لدقتها تسحر الألباب، ويعجز عن حصر معانيها فى البلاغة منطق الخطاب.

المدرك الثانى فى الاشتراك فى الكيفية المسموعة

وهذا نحو تشبيه صوت الخلخال، بصوت الصنج كما قال «كأن صوت الصنج فى مصلصله» وتشبيه أواخر الميس بأصوات الفراريج قال:

كأن أصوات من إيغالهن بنا ... أواخر الميس إنقاض الفراريج

ونحو تشبيه الأسلحة فى وقعها بالصواعق وتشبيه الأصوات الطيبة فى قراءة القرآن بالمزامير

المدرك الثالث فى الاشتراك فى الكيفية المذوقة

وهذا نحو تشبيه الفواكه الحلوة بالعسل، والريق بالخمر قال:

كأن المدام وصوب الغمام ... وريح الخزامى وذوب العسل

يعل به برد أنيابها ... إذا النجم وسط السماء اعتدل

المدرك الرابع فى الاشتراك فى الكيفية المشمومة

وهذا نحو تشبيه النكهة بالعنبر، وتشبيه شم الريحان بالكافور والمسك، ومثل تشبيه الرياحين المجتمعة فى الريح، بالغالية، لكونها مجموعة من أنواع طيبة، ونحو تشبيه الأخلاق الكريمة بالعطر.

المدرك الخامس فى الاشتراك فى الكيفية الملموسة

وهذا نحو تشبيه الجسم بالحرير، وحسن الشمائل بالديباج قال:

لها بشر مثل الحرير ومنطق ... رخيم الحواشى لا هراء ولا نزر

139

القسم الثانى فى الأوصاف التابعة للمحسوسات، وذلك أمور ثلاثة

أولها الأشكال، وليس يخلو حالها، إما أن تكون على جهة الاستقامة، وهذا نحو تشبيه حسن القامة بالرماح فى الطول، وبخوط البان، فى حسن التكسر والتثنى، وإن كان على جهة الاستدارة، فمثل تشبيه القطعة من العجين بالكرة، ونحو تشبيه الأمر المعضل بالحلقة المبهمة، فى أنه لا يهتدى لصوابه، وثانيها الاشتراك فى المقادير، وهذا نحو تشبيه عظيم الخلق بالجمل، والفيل، ونحو تشبيه من يسند إليه معظم الأمور بالجبل، وتشبيه من يستقيم فى أمره بالقدح، والميل، وثالثها الاشتراك فى الرخاوة، والصلابة، واللين، كتشبيه الشىء الصلب بالحديد، والأحجار، ونحو تشبيه الشىء الرخو بالحرير، والقطن، إلى غير ذلك وإنما ألحقنا هذه الأمور بالحسيات، لأنها مختصة بها، وأكثر ما تكون فى الأجسام كما مثلناه.

القسم الثالث فى الأوصاف العقلية

وهذا نحو تشبيههم المرض الشديد بالموت، ونحو تشبيههم العافية بالملك، والقناعة بالمال، والفقر بالكفر، والسفر بالعذاب، والسؤال للخلق بالموت فى أكثر الحوائج والضلال عن الحق بالعمى، والاهتداء إلى الخير بالإبصار، وكما شبهوا الجود بالمطر، والوابل، ومثلوا الأنامل بالشآبيب من الغيث، ومثلوا العدو الشديد بالطيران، وكقوله تعالى: وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ

[الحج: 31] مثّل حال من تلبس بالشرك واعتقده وشرح به صدره، بمنزلة من سقط من السماء فقطعته الطير، أو أبعدته الريح فى أبعد ما يكون وأقصاه، شبه الشرك فى بعده، وتلاشيه، وبطلانه، وزواله، بهذه الأمور التى هى النهاية فى البعد والبطلان.

140

القسم الرابع فى الأوصاف الوجدانية من النفس

وهذا نحو تشبيههم العلم بالحياة، والجهل بالموت، ومنه قوله تعالى. فى الاستعارة على جهة التشبيه: أَوَمَنْ كانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ

[الأنعام: 122] فيجوز فيما هذا حاله، أن يراد به العلم، والجهل فى الحياة، والموت، ونحو تشبيههم الجوع بالنار، والعطش باللهب وتسعر النار، وتشبيه الأشواق، والغيظ، والأسف والغضب، بالنار فى تلظيها وتلهبها إلى غير ذلك من الأمور الموجودة من جهة النفس.

القسم الخامس فى الأمور الخيالية

وهذا نحو أن يتخيل شبحا من بعيد، فيظنه إنسانا، فإذا تخيله ضئيلا، شبهه بالقلم، وإن تخيله جسيما، شبهه بالفيل والجمل، وهكذا إذ رأى حيوانا، فإذا تخيله أسدا، شبهه بالبرق لسرعة جريه، وإذا تخيله شاة، شبهها بالبكرة لعظمها وفخامة جسمها، وهكذا القول فى سائر الأمور الخيالية، فإن التشبيه على قدر ما يرى عن الخيال.

القسم السادس فى الأمور الوهمية

وهذا نحو أن يتوهم الواحد منا فراق ما يألفه فيشبهه بتقطيع الجسم ووخز الشفار ونحو أن يتوهم انقطاع إحسان واصل إليه من جهة الغير بزوال الروح، وانقطاع الأباهر، إلى غير ذلك من الأمور الوهمية، والتفرقة بين الأمور الخيالية والأمور الموهومة هو أن الخيال أكثر ما يكون فى الأمور المحسوسة، فأما الأمور الوهمية فإنما تكون فى المحسوس وغير المحسوس مما يكون حاصلا فى التوهم وداخلا فيه.

141