الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائقالجزء 1 · ص 142 - 150

التنبيه الثالث فى بيان ثمرة التشبيه وفائدته

التنبيه الثالث فى بيان ثمرة التشبيه وفائدته

اعلم أنك إذا أردت تشبيه الشىء بغيره فإنما تقصد به تقرير المشبه فى النفس، بصورة المشبه به، أو بمعناه. فيستفاد من ذلك البلاغة فيما قصد به من التشبيه على جميع وجوهه من مدح، أو ذم، أو ترغيب، أو ترهيب، أو كبر، أو صغر، أو غير ذلك من الوجوه التى يقصد بها التشبيه وتراد للإيجاز أيضا والاختصار فى اللفظ من تعديد الأوصاف الشبهية، وتراد للبيان والإيضاح أيضا، فهذه مقاصد ثلاثة نفصلها بمعونة الله تعالى.

المقصد الأول فى إفادته للبلاغة

، وهذا كقوله تعالى: وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ

[الرحمن: 24] فشبه السفن الجارية على ظهر البحر بالجبال، فى كبرها وفخامة أمرها على جهة المبالغة فى ذلك، وهكذا القول فى جميع تصرفات التشبيه، فإنه لا ينفك عن إفادة البلاغة، وإلا لم يكن تشبيها، لأن إفادته للبلاغة هو مقصده الأعظم، وبابه الأوسع، ولهذا فإنك لا تكاد تجد تشبيها خاليا عن مقصود البلاغة على حال، وكلما كان الإغراق فى التشبيه والإبعاد فيه وكونه متعذر الوقوع والحصول، كان أدخل فى البلاغة، وأوقع فيها، وهذا نحو تشبيه نور الله تعالى بنور المصباح فى المشكاة، سواء قلنا: إن المشبه هو نور الله تعالى كما هو الظاهر من الآية، أو هو نور الرسول ﷺ، فالمقصود هو البلاغة فى ذلك، كما قال بعضهم فى وصف الخمر:

وكأنها وكأن حامل كأسها ... إذ قام يجلوها على الندماء

شمس الضحى رقصت فنقّط وجهها ... بدر الدجى بكواكب الجوزاء

فانظر إلى ما أبدعه فى المبالغة بهذا التشبيه، حيث شبه الساقى بالبدر، وشبه الخمر بالشمس، وشبه حببها بالكواكب إغراقا فى ذلك، ومبالغة فيه، وكما قال بعض الشعراء:

فى وصف الشقائق على أعوادها إذا حركتها الريح فتارة تستقيم، وتارة تعوج قال:

وكأن محمر الشقي ... ق إذا تصوب أو تصعد

أعلام ياقوت نشر ... ن على رماح من زبرجد

142

وكما ورد فى الحديث عن الرسول ﷺ أنه قال: «المؤمن كالسنبلة، تعوج أحيانا، وتقوم أخرى» أراد بذلك أنه لا يخلو فى تصرفه عن أن يكون مستقيما على الدين فذلك حال الاستقامة، أو يكون مقارفا للذنب، فتلك حالة الاعوجاج وقوله ﷺ «المؤمن كخامة الزرع» «1» أراد أنه غافل عن أكثر المداخل، مشغول بما هو فيه من أمر الدين عن التفطن للأمور كالزرعة بين الزرع الكثيف، فإنه إذا غلظ عليها لم تكن بارزة للريح والشمس فتحصل لها الصلابة، فتراه فى جميع مجاريه لابد من إفادته للبلاغة ومراعاتها فيه.

المقصد الثانى فى إفادته للإيجاز

وهذا ظاهر، فإنك إذا قلت زيد كالأسد، فإن الغرض تشبيهه بالأسد فى شهامة النفس، وقوة البطش، وجراءة الإقدام، والقدرة على الافتراس، وغير ذلك من الصفات الفاخرة، فقد استغنيت بذكر لفظ الأسد عن أن تقول: زيد شهم شجاع قوى البطش جرىء الجنان قادر على الاعتداء، فهذا هو الذى نريده بالإيجاز، ومن الاختصار العجيب والإيجاز البليغ فى التشبيه قوله تعالى: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّياحُ

[الكهف: 45] فانظر إلى ما اشتملت عليه هذه الآية من أنواع التشبيهات. أشياء بأشياء فى معان وأوصاف بحيث لو فصلت لا حتاجت إلى شرح، مع اختصاصها بجزالة اللفظ، وبراعة النظم، وبلاغة المعانى وحسن السياق، ومن الإيجاز قول البحترى:

تبسم وقطوب فى ندى ووغى ... كالرعد والبرق تحت العارض البرد

فما هذا حاله من جيد التشبيه وغريبه الموجز غاية فى الإيجاز، وكما قال أبو نواس فى صفة الخمر:

وإذا علاها الماء ألبسها ... حببا شبيه خلاخل الحجل

حتى إذا سكنت جوامحها ... كتبت بمثل أكارع النمل

وكقول أبى نواس فى تشبيه الحبب أيضا:

فإذا ما اعترضته العي ... ن من حيث استدارا

خلته فى جنبات ال ... كأس واوات صغارا

فهذه التشبيهات كلها فى غاية الإيجاز والاختصار كما ترى.

143

المقصد الثالث فى إفادته للبيان والإيضاح

وهذه أيضا هى فائدة التشبيه الكبرى، فإنه يخرج المبهم إلى الإيضاح والمتلبس إلى البيان، ويكسوه حلة الظهور بعد خفائه، والبروز بعد استتاره وهذا كقوله تعالى:

مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ

[البقرة: 17] الآية، وقوله تعالى: أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ (19) يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ

الآية [البقرة: 19- 20] فهاتان الآيتان واردتان مثالا وتشبيها بحال أهل النفاق.

وإيضاحا وبيانا لأمرهم فيما ظهر لهم من النور التام بالرسول ﷺ، وإعراضهم عنه، فشبه حالهم فى ذلك بالمستوقد للنار، وبالصيب الذى فيه الرعد والبرق، كشفا لحالهم فى النفاق، وإظهارا لأمرهم فيه، فنظام هذه الآية وسياقها دال على نهاية الإيضاح بالتشبيه، وإظهار حالهم به، وهكذا إذا قلت زيد يفيض فيض البحر، ويقدم إقداما كالأسد، فإنك بذكر هذا التشبيه قد أوضحت أمره فى الكرم والشجاعة، وكشفت ذلك بالإيضاح كشفا لا غاية له ولا مزيد عليه، ومنه قوله ﷺ «كن فى الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل»»

يعنى فى قطع العلائق، وخفة الحال، فإن الغريب لا علقة له فى بلاد الغربة، وابن السبيل لا لبث له إلا مقدار العبور وقطع المسافة، فهذا المعنى قد أظهره التشبيه نهاية الظهور وأوضح حاله كما تراه. ومنه قول أمير المؤمنين كرم الله وجهه «كن فى الفتنة كابن اللّيون، لا ظهر فيركب ولا ضرع فيحلب» أراد أن الفتن إذا تلبس الإنسان بها ووقع فى غمرتها كان أدعى للهلاك وأقرب إلى تورط النفوس، وإذا كان لا علقة له بها، فربما كان ذلك أدعى للسلامة وأقرب إلى الخلاص عنها، وهذه المعانى قد أشعر بها التشبيه ودل عليها ومن واضح التشبيه قول أبى نواس فى ذم الدنيا وتقبيحها:

إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت ... له عن عدو فى ثياب صديق

فهذا من التشبيه الواضح المضمر الأداة فلهذا أوردناه ههنا، ومن أعجب ما يورد مثالا فى وضوح التشبيه قول البحترى:

144

يمشون فى زغف كأن متونها ... فى كل معركة متون نهاء

بيض يسيل على الكماة فضولها ... سيل السراب بقفرة بيداء

فإذا الأسنة خالطتها خلتها ... فيها خيال كواكب فى ماء

وقوله أيضا:

وتراه فى ظلم الوغى فتخاله ... قمرا يكر على الرجال بكوكب

فقد ظهر بما أوردناه من هذه الأمثلة وضوح ما ادعيناه من كون التشبيه مختصا بالإيضاح والبيان لما قصد به.

التنبيه الرابع فى بيان مراتب التشبيهات فى الظهور والخفاء والقرب والبعد والزيادة والنقصان وغير ذلك من أحوالها التى تعرض لها

اعلم أن الشىء المشبه به كلما كان أبعد من الوقوع كان التشبيه المستخرج منه أغرب، ويكون فى المبالغة أدخل وأعجب، فمثال القريب تشبيه السيوف بالأمواج، وتشبيه أطراف الأسنة بالكواكب، وتشبيه الرجال بالأسود ومن قريب التشبيه وأحسنه ما قاله على بن جبلة:

إذا ما تردى لأمة الحرب أرعدت ... حشا الأرض واستدمى الرماح الشوارع

وأسفر تحت النقع حتى كأنه ... صباح مشى فى ظلمة الليل ساطع

ومنه قول أبى تمام:

خلط الشجاعة بالحياء فأصبحا ... كالحسن شيب لمغرم بدلال

ومثال التشبيه البعيد تشبيه الفحم إذا كان فيه جمر ببحر من المسك موجه ذهب، ونحو تشبيه الدماء بنهر من ياقوت أحمر، فهذا وأمثاله من المعدود فى البعيد، لكونه غير متوهم الوقوع بحال، فإن البحر من المسك لا يوجد ولكنه متصور وهكذا، فإن أعلام الياقوت على رماح الزبرجد غير موجودة، ولهذا فإنه لما كان غير موجود كان أدخل فى التشبيه وأعجب لكونه غير واقع ولهذا كان قول من قال:

وكأن أجرام السماء لوامعا ... درر نثرن على بساط أزرق

أدخل فى الإعجاب وأغرب من قول ذى الرمة فى شعره:

145

كأنها فضة قد مسها ذهب

لما كان الأول غير واقع، لأن البساط الأزرق عليه درر منثورة لا يكاد يوجد، بخلاف الفضة المموهة بالذهب، فإنها توجد كثيرا، فأما التشبيهات الواردة فى القرآن الكريم والسنة النبوية، فإنها كلها قريبة، وما ذلك إلا لأنها أدخل فى التحقيق، وأقرب إلى التيقن مما لا يكاد يقع، فلهذا كانت مختصة بهما كقوله تعالى: أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍ

[النور: 40] وقوله تعالى: كَمَثَلِ الْحِمارِ

[الجمعة: 5] وقوله تعالى: فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ

[الأعراف: 176] إلى غير ذلك من الأمور الممكنة الوقوع. ومثال الواضح من التشبيه ما قاله على بن جبلة فى وصف الخمر:

ترى فوقها نمشا للمزاج ... تقارب لا تتصلن اتصالا

كوجه العروس إذا خططت ... على كل ناحية منه خالا

ومن أوضحه قول مسلم بن الوليد يصف رجلا بالشجاعة:

يلقى المنية فى أمثال عدتها ... كالسيل يقذف جلمودا بجلمود

فهذا وأمثاله من الأمور الواضحة فى المقصود منها فى التشبيه، وهكذا جميع التشبيهات فى القرآن العظيم، فإنها واضحة جليلة، ومثال التشبيهات الخفية، ونريد بخفائها أن الأمور المحسوسة الظاهرة مستمدة من الأمور الخفية فى المعانى وهذا كقول بعض الشعراء:

وكأن النجوم بين دجاها ... سنن لاح بينهن ابتداع

فشبه النجوم فى ظلمة الظلام مع نورها بالسنن الواضحة التى هى كالأنوار توسط بينها بدع، كسواد الليل فى ظلمتها، فالسنة فى هداها كالنور، والبدعة فى جهلها بمنزلة الظلمة، ومن هذا قول بعضهم:

كأن انصياع البدر من تحت غيمه ... نجاء من البأساء بعد وقوع

فشبه المحسوس بالمعقول، مثل البدر الذى ينحسر عنه الظلام، بالمتخلص من البأساء بعد وقوعها عليه، وما ذاك إلا لأن هذه المعانى وضحت وضوحا وقربت من النفوس قربا فألحقت بالأمور المحسوسة فى وضوحها وتحققها، ومن الأمثلة ما حكاه الله تعالى عن مستحلى الربا حيث قالوا: إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا

[البقرة: 275] وكان القياس فى قولهم:

إنما الربا مثل البيع، فى تحليله إغراقا منهم فى المبالغة، وذهابا إلى أن الربا فى باب الحل أدخل من البيع وأقوى حالا، وهذا من أنواع التشبيه يلقب بالمعكوس، ولهذا يقال: صبح كغرة الفرس، ويقال فى عكسه أيضا غرة كالصبح، وسيأتى تقريره بمعونة الله تعالى.

146

التنبيه الخامس فى اكتساب وجه التشبيه

اعلم أن كل من أراد تشبيه شىء بغيره فلا بد من أن يجمع بينهما بوصف ما كما قررناه من قبل، فعليه أن يسعى فى طلب الوجه الجامع بينهما، فمن طلب أن يمثل حركة أو هيئة بغيرهما، فعليه أن يطلب أمرا يتفقان فيه، كما فعل ذلك ابن المعتز فى قوله:

وكأن البرق مصحف قار ... فانطباقا مرة وانفتاحا

فلم ينظر إلى جميع أوصاف البرق كلها ومعانيه، ولكنه أراد تشبيه هيئة البرق وحركة لمعانه بالمصحف، يفتحه القارىء مرة ويطبقه أخرى، فيكون جامعا بين الأمرين المختلفين ما ذكرنا من الجامع.

دقيقة

ومما يكون مناسبا لما أوردناه فى كونه جامعا بين المختلفات هو أن يجعل الشىء سببا لضده كما يقال أحسن إلى من حيث قصد الإساءة، ونفعنى من حيث أراد الإضرار، كانت نجاتى من حيث قصد إهلاكى، ومن هذا قول بعض الشعراء:

أعتقنى سوء ما صنعت من الر ... ق فيا بردها على كبدى

فصرت حرا بالسوء منك وما ... أحسن سوء قبلى إلى أحد

وما ذاك إلا من أجل تخيل الجامع فى الأمور المختلفة المتضادة. كما قررناه. فهذا ما أردنا ذكر التنبيهات فى صدر هذه القاعدة لتكون توطئة وتمهيدا لما نريد ذكره من أسرار التشبيه وحقائقه،

فإذا تمهد ذلك فلنذكر أقسام التشبيه، ثم نردفه بذكر الأمثلة، ثم نذكر كيفية التشبيه، ثم نذكر أحكامه

. فهذه مطالب أربعة نفصلها بمعونة الله تعالى.

المطلب الأول فى بيان أقسام التشبيه

اعلم أن التشبيه له طرق كثيرة، وتنقسم إلى أنحاء منتشرة باعتبارات مختلفة، ولكنا نقتصر من ذلك على تقسيمات أربعة هى وافية بالمطلوب ومندرج تحتها شعب كثيرة.

147

التقسيم الأول باعتبار ذاته إلى مفرد ومركب

، ونعنى بالمفرد ما كان التشبيه فيه مقصورا على تشبيه صورة بصورة من غير زيادة، أو صورة بمعنى، ونعنى بالمركب ما كان التشبيه فيه تشبيها لأمر بأمرين أو بأكثر كما ستراه موضحا فى الأمثلة بمعونة الله تعالى، فإذن هذا التقسيم مشتمل على ضروب أربعة:

الضرب الأول منها تشبيه المفرد بالمفرد

وهذا كقوله تعالى:

فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ

[الرحمن: 37] شبهها بالدهان لحمرتها، وهو الجلد الأحمر وكقوله تعالى تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌ

[النمل: 10] وقوله تعالى: فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ

[الفيل: 5] إلى غير ذلك من التشبيهات المفردة الواردة فى القرآن، وقوله ﷺ «مثل المؤمن الذى يقرأ القرآن، كمثل الأترجّة، طعمها طيب وريحها طيب، ومثل المؤمن الذى لا يقرأ القرآن كمثل التمرة، طعمها طيب ولا ريح لها، ومثل المنافق الذى لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة، طعمها مر ولا ريح لها، ومثل المنافق الذى يقرأ القرآن، كمثل ريحانة، ريحها طيب ولا طعم لها» . ومنه قولهم زيد كالأسد، وعمرو كالبحر، وقول أمير المؤمنين كرم الله وجهه فى الشّقشقية، فصاحبها كراكب الصعبة، إن أشنق لها خرم، وإن أسلس لها تقحم، وقوله فى مخاطبة طلحة والزبير، والله لا أكون كالضبع، تنام على طول اللّدم حتى يصل إليها طالبها.

ومن التشبيه الفائق قول امرىء القيس:

كأن عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع الذى لم يثقب

وقول زهير:

بكرن بكورا واستحرن بسحرة ... فهن بوادى الرس كاليد للفم

ولقد أجاد زهير فى هذا التشبيه وأبدع فيه، ومنه قول ذى الرمة:

قف العيس فى أطلال مية فاسأل ... رسوما كأخلاق الرداء المسلسل

ومثله قول أبى تمام:

خرقاء تلعب بالعقول مزاجها ... كتلعب الأفعال بالأسماء

وكقول ابن المعتز فى وصف العنب:

حتى إذا حرّ آب جاش مرجله ... بفائر من هجير الشمس مستعر

ظلت عناقيده يخرجن من ورق ... كما احتبى الزنج فى خضر من الأزر

148

وكما قال بعض الأذكياء:

والصبح يتلو المشترى وكأنه ... عريان يمشى خلفه بسراج

ومن ذلك قول بشار:

كأن الناس حين تغيب عنهم ... نبات الأرض أخطأه القطار

ومن بديع التشبيه قول امرىء القيس:

وكشح لطيف كالجديل مخصر ... وساق كأنبوب السقى المذلل

وتعطو برخص غير شثن كأنه ... أساريع ظبى أو مساويك إسحل

مهفهفة بيضاء غير مفاضة ... ترائبها مصقولة كالسجنجل

فانظر إلى ما اشتملت عليه هذه الأبيات من بديع التشبيه وغريبه، ومن هذا قول بعضهم فى تشبيه الفحم والجمر:

كأنما النار فى تلهبها ... والفحم من فوقها يغطيها

زنجية قبضت أناملها ... من فوق نارنجة لتخفيها

ومن جيد التشبيه ورائقه ما قاله بعض الأدباء وهو البحترى:

دنوت تواضعا وعلوت قدرا ... فشاناك انخفاض وارتفاع

كذاك الشمس تبعد أن تسامى ... ويدنو الضوء منها والشعاع

ولنكتف بهذا القدر فى المفردات.

الضرب الثانى فى تشبيه المركب بالمركب

وما هذا حاله يرد على أوجه أربعة: أولها تشبيه شيئين بشيئين كقوله تعالى: وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ

[إبراهيم: 26] فقد مثل الكلمة الخبيثة بالشجرة الخبيثة، وقد قررنا من قبل أنا نريد بالتشبيه المركب ذلك ونحو قوله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفارًا

[الجمعة: 5] وقوله تعالى: وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً

[البقرة: 171] فمثّل الكفار فى إعراضهم عن الحق والهدى وعدم الإصغاء إلى ما جاء به الرسول برجل يتكلم بما لا يفهم منزلة نعيق البهائم ومن هذا قوله ﷺ: «مثل الرجل الذى لا يتم صلاته كمثل الحامل حملت حتى إذا دنا نفاسها أملصت فلا ذات حمل ولا

149

ذات ولد» ومن هذا قوله ﷺ فى مثال المؤمن حامل القرآن، كمثل الأترجة، ومثال المنافق الذى لا يحمل القرآن كمثل الحنظلة، وسائر تلك الأحاديث أسلفناها تمثيلا للمفرد بالمفرد، وهى ههنا صالحة للتمثيل المركب بالمركب فى شيئين بشيئين، فإن كان بالإضافة إلى الموصوف مع صفته، فهو من باب المركب بالمركب، والأمر فيه قريب، ومن الشعر قول امرىء القيس:

كأن قلوب الطير رطبا ويابسا ... لدى وكرها العنّاب والحشف البالى

وقول بشار:

كأن مثار النقع فوق رؤوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه

وثانيها تشبيه ثلاثة بثلاثة وهذا كقول بعضهم:

ليل وبدر وغصن ... شعر ووجه وقد

خمر ودر وورد ... ريق وثغر وخد

فهذا عددناه من التشبيه، وإن لم تظهر فيه الأداة، لأنه فى معنى التشبيه، وإن كانت أداته مضمرة، لأن ظهورها يكون مقدرا.

وثالثها تشبيه أربعة بأربعة وهذا كقول امرىء القيس:

له أيطلا ظبى وساقا نعامة ... وإرخاء سرحان وتقريب تتفل

وكقول أبى نواس:

تبكى فتذرى الدر من نرجس ... وتمسح الورد بعناب

فشبه الدمع بالدر، والعين بالنرجس، لما فيه من اجتماع السواد والبياض، وشبه الوجه بالورد، وشبه الأنامل بالعناب، فهذه تشبيهات أربعة كما أشرنا إليه وكما قال بعضهم:

فزحزحت شفقا غشّى سنا قمر ... وساقطت لؤلؤا من خاتم عطر

فشبه الخمار بالشفق، لحمرته، وشبه الوجه بالقمر، وشبه ثناياها باللؤلؤ، وشبه فمها بالخاتم.

ورابعها تشبيه خمسة بخمسة وهذا كقول الوأواء الدمشقى:

فأمطرت لؤلؤّا من نرجس وسقت ... وردا وعضت على العناب بالبرد

فجميع ما أوردناه فى هذا الضرب إنما هو فى تشبيه المركب بالمركب.

150