تراث أبي الحسن الحرالي المراكشيالجزء 1 · ص 196 - 203

{وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ}

﴿وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾

﴿وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ فأجنت لآدم ما فيها من خبء استخراج أمر معصيته، ليكون ذلك توطئة لكمال باطنه باطلاعه على سر من أسرار ربه في علم التقدير إيمانا، ولكمال ظاهره يكون ذلك توطئة لفضيلة توبته إسلاما، ليس لبنيه التوبة أثر المعصية مخالفة لإصرار إبليس بعد إبائه، وشهادة عليه بجهله في ادعائه، وجعل له ذلك فيما هو متنزل عن رتبة علمه، فلم تلحقه فيه فتنة حفيظة على خلافته، وأنزلت معصيته إلى محل مطعمه الذي هو خصوص حال المرء من جهة أجوفية خلقه، ليبدو نقص الأجوف، ويبدي ذلك إكبار الصمد الذي يطعم ولا يطعم، فكان ذلك من فعله تسبيحا بحمد ربه، لا يقضي الله لمؤمن قضاء إلا كان خيرا له - انتهى.

﴿وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا﴾

قال الْحَرَالِّي: وأطلق له الرغد إطلاقا، وجعل النهي عطفا، ولم يجعله استثناء ليكون آدم أعذر في النسيان، لأن الاستثناء أهم في الخطاب من التخصيص، وقال: ﴿وَلَا تَقْرَبَا﴾ ولم يقل: ولا تأكلا؛ نهيا عن حماها، ليكون ذلك أشد في النهي - انتهى.

﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ﴾

قال الْحَرَالِّي: من الزلل، وهو تزلق الشيء الذي لا يستمسك على الشيء الذي لا مستمسك فيه، كتزلل الزلال عن الورق وهو ما يجتمع من الطل فيصير ما على الأوراق والأزهار، وأزالهما من الزوال، وهو التنحية عن المكان أو المكانة، وهو المصير بناحية منه ﴿الشَّيْطَانُ﴾ هو مما أخذ من أصلين: من الشطن وهو البعد، الذي منه سمي الحبل الطويل، ومن الشيط الذي هو الإسراع في الاحتراق والسمن، فهو من المعنيين مشتق، كلفظ الإنسان وملائكة، ﴿عَنْهَا﴾

196

أي عن مواقعة الشجرة، و"عَنْ " كلمة تقتضي المجاوزة عن سبب ثابت، كقولهم: رميت عن القوس - انتهى.

﴿مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾

قال الْحَرَالِّي: "في" كلمة تقتضي وعاء مكان أو مكانة، ثم قال: أنبأ الله عز وجل بما في خبء أمره مما هو من وراء علم الملائكة، بما أظهر من أمر آدم، عليه السلام، وبما وراء علم آدم بما أبدى من حال الشيطان باستنزلاله لآدم حسن ظن من آدم بعباد الله مطلقا، حين قاسمهما على النصيحة.

وفيه انتظام بوجه ما بتوقف الملائكة في أمر خلق آدم، فحذرت الملائكة إلى الغاية، فجاء من وراء حذرها حمد أظهرت الله من آدم، وجاء من وراء حسن ظن آدم ذنب أظهره الله من الشيطان، على سبيل سكن الجنة، فرمى بهما عن سكنها، وبما أظهر له بما فيها من حب الشجرة التي أطلع عليها.

ثم قال: وحكمة ذلك، أي نسبة هذا الذنب إلى الشيطان بتسببه، أن الله، عز وجل، يعطي عباده الخير بواسطة وبلا واسطة، ولا ينالهم شر إلا بواسطة نفس، كما وقع من الإباء للشيطان، فكانت خطيئته في ذات نفسه، أو بواسطة شيطان، كما كانت مخالفة آدم، فكانت خطيئته ليست من ذات نفسه، وعارضة عليه من قبل عدو تسبب له بأدنى ما منه من زوجه التي هي من أدنى خلقه، فمحت التوبة الذنب العارض لآدم، وأثبت الإصرار الإباء النفساني للشيطان، وذكر الحق، تعالى، الإزلال منه باسمه الشيطان، لا باسمه إبليس، لما في معنى الشيطنة من البعد والسرعة

197

التي تقبلا التلافي، ولما في معنى الإبلاس من قطع الرجاء، فكان في ذلك بشري استدراك آدم بالتوبة - انتهى.

﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا﴾

﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا﴾ والهبوط،

قال الْحَرَالِّي: سعى في درك، والدرك ما يكون نازلا عن مستوى، فكأنه أمسك حقيقته - أي آدم - في حياطته، تعالى، وحفظه وتوفيقه لضراعته وبكائه وسر ما أودعه من أمر توبته؛ وأهبط صورته، ليظهر في ذلك فوق ما بين هبوط آدم وهبوط إبليس، على ما أظهر من ذلك سرعة عود آدم توبة وموتا إلى محله من أنسه المعهود وقربه المألوف له من ربه، وإنظار إبليس في الأرض مصرًا منقطعا عن مثل معاد آدم، لما نال إبليس من اللعنة التي هي مقابل التوبة، ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ﴾ البعض ما اقتطع من جملة، وفيه ما في تلك الجملة. ﴿عَدُوٌّ﴾ من العداء أي المجاوزة عن حكم المسالمة التي هي أدنى ما بين المستقلين من حق المعاونة - انتهى.

قال الْحَرَالِّي: وفيه إشعار بما تمادى من عدوان الشيطان على ذرء من ولد آدم حتى صاروا من حزبه، وفيه أيضا بشرى لصالحي ولد آدم بما يسبونه من ذرء إبليس فيلحقون بهم بالإيمان والإسلام والتوبة، فيهتدون بهداه من حيث عم بالعداوة، فاعتدى ذو الخير فصارت عدواه على أهل الشر خيرًا، واعتدى ذو الشيطنة فصارت عدواه على أهل الخير شرًا. ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ تكونون فيه، وهو من القرار، وهو كون الشيء فيما له فيه تنام وظهور وعيش موافق، ﴿وَمَتَاعٌ﴾

198

تتمتعون به، والمتاع هو الانتفاع بالمنتفع به وقتا منقطعا، يعرف نقصه بما هو أفضل منه، يعني ففيه إشعار بانقطاع الإمتاع بما في هذه الدنيا، ونقص ما به الانتفاع عن محل ما كانا به، من حيث إن لفظ المتاع أطلق في لسان العرب على الجيفة التي هي متاع المضطر، وأرزاق سباع الحيوان وكلابها، فكذلك الدنيا هي جيفة متع بها، أهل الاضطرار بالهبوط من الجنة، وجعلها حظا من لا خلاق له في الآخرة. ﴿إِلَى حِينٍ﴾ أي لا يتقدم ولا يتأخر، وفي إبهام الحين إشعار باختلاف الآجال في ذرء الفريقين، فمنهم الذي يناله الأجل صغيرا، ومنهم الذي يناله كبيرا - انتهى.

﴿فَتَلَقَّى آدَمُ﴾

والتلقي ما يتقبله القلب باطنا وحيا، أو كالوحي، أبطن من التلقن الذي يتلقنه لفظا وعلما، ظاهرًا أو كالظاهر. قاله الْحَرَالِّي.

﴿مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ وتطلق الكلمة أيضا على إمضاء أمر الله من غير تسبيب حكمة ولا ترتيب حكم. قاله الْحَرَالِّي.

ثم قال: في عطف الفاء في هذه الآية إشعار بما استند إليه التلقي من تنبيه قلب آدم وتوفيقه مما أثبته له إمساك حقيقته عند ربه، ويعاضد معناه رفع الكلمات وتلقيها آدم في إحدى القراءتين، فكأنه تلقى الكلمات بما في باطنه، فتلقته الكلمات بما أقبل بها عليه، فكان مستحقا لها، فكانت متلقية له بما جمعت القراءتان من المعنى.

199

﴿فَتَابَ﴾ من التوب وهو الرجوع بظاهر باطنه الإنابة، وهو رجوع بعلم باطنه الأوبه، وهو رجوع بتقوى قلب - انتهى.

﴿التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾

قال الْحَرَالِّي: وكان إقراره بلفظه أدبا وإذعانا لقيام حجة الله على عباده، بما أنبأ عنه من قوله: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ الآية، وهذه توبة قلب وعمل، لا ينقض مخصوص حال القلب منها ناقض وهي التوبة النصوح، التي تبرئ من الذنب بتحقيق توحيد القلب، وتوجب تكفير الخطايا الظاهرة، التي لا أصل لها في القلب؛ من حجاب دعوى في الأفعال وشرك في أمر الله، فبمقتضى ما في باطنه ظهر فيه اسمه الرحيم، الذي هو من الرحمة، وهو اختصاص فضله بالمؤمن، وبمقتضى ما ظهر عليه من الضراعة والإقرار ظهر فيه مقتضى اسمه التواب، فجمعت توبته الأمرين - انتهى.

﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾

وقال الْحَرَالِّي: مورد هذه الآية بغير عطف إشعار بأن ظاهرها افتتاح لم يتقدمه إيحاء بباطن، كما تقدم في السابقة، وتكرر الإهباطان، من حيث إن الأول إهباط لمعنى القرار في الدنيا والاغتذاء فيها، وذرء الذرية وأعمال أمر العداوة التي استحكمت بين الخلقين من آدم وإبليس، وهذا الإهباط الثاني إهباط عن مكانة الرتبة الآمرية الدينية، التي كانت خفية في

200

أمر آدم ظاهرة في أمر إبليس، وفي قوله ﴿جَمِيعًا﴾ إشعار بكثرة ذرء الخلقين وكثرة الأحداث في أمر الديانة من النقلين - انتهى.

﴿فَمَنِ اتَّبَعَ﴾ والتبع السعي أثر علم الهدى. قاله الْحَرَالِّي.

﴿هُدَايَ﴾ قال: وجاء "هُدَايَ" شائعا ليعم. رفع الخوف والحزن من تمسك بحق ما من الحق الجامع، وأدناه من آمن بالله واليوم الآخر، وعمل صالحا فيما بينه وبين الحق، وفيما بينه وبين الخلق - انتهى.

﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ فإن الخوف اضطراب النفس من توقع فعل ضار. قاله الْحَرَالِّي.

﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ والحزن، كما

قال الْحَرَالِّي: توجع القلب لأجل نازح قد كان في الوصلة به روح، والقرب منه راحة، وجاء في الحزن بلفظ "هُمْ " لاستبطانه، وبالفعل لأنه باد من باطن تفكرهم في فائتهم، وجاء نفي الخوف منعزلا عن فعلهم، لأنه من خوف باد عليهم من غيرهم - انتهى.

﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾

قال الْحَرَالِّي: هذا من أسوأ الكفر لأنه كفر بالآيات التي جعلها الله، عز وجل، علما على غيب عهده، وهي ما تدركه جميع الحواس من السماء والأرض، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ﴾

201

﴿وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ لأن الحق، تعالى، أظهر الكون كتابة دالة على أمره، وجعل في العقل نورا يقرأ به كتابه، فمن لا نور له فهو من أصحاب النار، فهو إما تابع هدى بنور العقل وتنبيه الإيمان، وإما صاحب نار، فقال: ﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ لأنه لما كان من الذين كفروا بكتاب الخلق من تقبل الإيمان بتنزيل الأمر، اختصت كلمة العذاب بالذين تأكد كفرهم بالآيات المرئية بتكذيبهم بالآيات المنزلة، فكفروا بما رأوا فكانوا عميا، وكذبوا بما سمعوا فكانوا صما - انتهى.

﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾

قال الْحَرَالِّي: وقوله "هُمْ" فيه إشعار بإشراب العذاب بواطنهم، وبلاغه إلى أنفسهم بعذاب الغم والحزن واليأس، وغير ذلك من إحراق النار بواطنهم، وفيه إشعار بكونهم فيها في الوقت الحاضر من حيث لا يشعرون. "الذي يشرب في آنية الذهب إنما يجرجر في بطنه نار جهنم". والنار أقرب إلى أحدهم من شراك نعله، فهم فيها خالدون، وإن لم يحسوا في الدنيا بحقيقتها، كما أن المهتدين في جنة في الدنيا، وإن لم يشاهدوا عيانها، فكل خالد فيما هو فيه في الدنيا غيبا، وفي الآخرة عيانا، وفي القبر عرضا. ﴿لترون لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (6) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾. ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾. وهنا انتهى خطاب الفرقان

202

المخصوص بدعوة العرب، الذين هم رأس أهل الدعوة المحمدية، قال، عليه الصلاة والسلام: "الناس كلهم تبع لقريش، مؤمنهم لمؤمنهم، وكافرهم لكافرهم" - انتهى.

﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾

وقال الْحَرَالِّي: ثم أقبل الخطاب عام بني إسرائيل منتظما بابتداء خطاب العرب من قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ وكذلك انتظام القرآن إنما ينتظم رأس الخطاب فيه برأس خطاب آخر يناسبه في جملة معناه، وينتظم تفصيله بتفصيله، فكان أول وأولى من خوطب بعد العرب الذين هم ختام بني إسرائيل الذين هم ابتداء بما هم أول من أنزل عليهم الكتاب الأول من التوراة، التي افتتح الله بها كتبه تلو صحفه وألواحه.

ثم قال: لما انتظم إقبال الخطاب على العرب التي لم يتقدم لها هدى بما تقدمه من الخطاب للنبي، - ﷺ -، انتظم بخطاب العرب خطاب بني إسرائيل بما تقدم لها من هدي في وقتها. ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ وبما عهد إليها من تضاعف الهدي بما تقدم لها في ارتقائه من كمال الهدي بمحمد، - ﷺ -، وبهذا القرآن، فكان لذلك الأولى مبادرتهم إليه حتى يهتدي بهم العرب، ليكونوا أول مؤمن، بما عندهم من علمه السابق - انتهى.

﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾

وقال الْحَرَالِّي: من الذكر، وهو استحضار ما سبقه النسيان

203