تراث أبي الحسن الحرالي المراكشيالجزء 1 · ص 39 - 49

الباب السادس في وجه بيان القرآن في تكرار الإظهار والإضمار

الباب السادس في وجه بيان القرآن في تكرار الإظهار والإضمار

اعلم أن لموقع الإظهار والإضمار في بيان القرآن وجهين:

أحدهما يتقدم فيه الإظهار، وهو خطاب المومنين يآيات الآفاق، وعلى نحوه هو خطاب الخلق بعضهم لبعض، لا يضمرون إلا بعد أن يظهروا.

والثاني يتقدم فيه الإضمار، وهو خطاب الموقنين بآية الأنفس، ولم يصل إليه تخاطب الخلق، فإذا كان البيان عن إحاطة، تقدم الإضمار: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وإذا كان عن اختصاص تقدم الإظهار: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾، وإذا رد عليه بيان على حده، أضمر: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، وإذا أحاط البيان بعد اختصاص، استؤنف له إحاطة باستئناف إظهار محيط أو بإضمار، أو بجمع المضمر والمظهر: ﴿ياتقا يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (12) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾ ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي﴾

39

﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ والتفطن لما اختص به بيان القرآن عن بيان الإنسان، من هذا نحو، من مفاتيح أبواب الفهم، ومن نحوه: ﴿أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا﴾ استأنف لخصوص المستطعمين إظهارا غير إظهار عموم المأتيين.

ولمجاري الإضافات فيما يضاف من الأسماء، وفيما ينعت، وجه بيان في القرآن، نذكره في الباب السابع بحول الله.

40

الباب السابع في رتب البيان في إضافة الربوبية ونعت الإلهية في القرآن

اعلم أن الربوبية إقامة المربوب بما خلق له، وأريد له، فرب كل شيء مقيمه بحسب ما أبداه وجوده، فرب المومن ربه ورباه للإيمان، ورب الكافر ربه ورباه للكفران، ورب محمد ربه ورباه للحمد "أدبني ربي فأحسن تأديبي" ورب العالمين ربي كل عالم لما خلقه له: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾.

فللربوبية بيان في كل رتبة بحسب ما أظهرته آية مربوبه "من عرف نفسه عرف ربه". ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾. ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ﴾

41

﴿رَبِّهِمْ﴾. وكما يتضح لأولي التعرف رتب البيان بحسب إضافة اسم الرب، فكذلك يتحقق لأولي الفهم وجوه إحاطات البيان بحسب النعوت والتبيان؛ في اسم الله غيبا في مستجلي الآيات للمومن، وعينا لكامل التقوى الموقن، وجمعا وإحاطة عن بادي الدوام للمتحقق الواجد ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾. ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾.

والتفطن لرتب البيان في موارد هذا النحو من الخطاب في القرآن من مفاتيح الفهم، وبوادي مزيد العلم.

وكذلك لوجوه الإقبال، على رتب أسنان قلب الإنسان، والإعراض والالتفات أنحاء من البيان، فنذكر ذلك في الباب الثامن، بحول الله.

42

الباب الثامن في وجوه بيان الإقبال والإعراض في القرآن

اعلم أن كل مربوب يخاطب بحسب ما في وسعه لقنه، وينفي عنه ماليس في وسعه لقنه، فلكل سن من أسنان القلوب خطاب إقبال بحسب لقنه، وربما كان له إنباء عن بعض ذلك، فيقع عنه الإعراض بحسب بادي ذلك الإباء، وربما تلافته الرحمة فعاد الإقبال إليه بوجه ما، دون صفاء الإقبال الأول، وربما تناسقت الإقبالات مترتبة، فيعلو البيان والإفهام، بحسب رتبة من توجه إليه الإقبال، ويشتد الإدبار بحسب بادي الإدبار، وربما تراجع لفف البيان فيها بعضها على بعض، فخطاب الإقبال على النبي - ﷺ - أعظم إفهام في القرآن. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ الآية ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾.

تفاوت الخطابين بحسب تفاوت المخاطبين: ﴿أو أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ أعرض عنهم الخطاب، ونفى عنهم ما ليس في حالهم رؤيته. ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ﴾ خاطبهم وأمرهم، فلما

43

عصوا أعرض وجه الخطاب عنهم، ثم تلافاهم بخطاب لسان نبي الرحمة لهم، واستمر إعراضه هو تعالى عنهم في متمادي الخطاب. "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ تنزل الخطاب في الرتبتين، ليتبين الأعلى ما يبينه للأدنى ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ﴾.

وهذا الباب عظيم النفع في الفهم، لمن استوضح بيانه والتفاف موارده في القرآن.

ولرتب الآيات المضافة لأسنان القلوب في القرآن مراتب في العلم والإفهام، فنذكره في الباب التاسع، بحول الله.

44

الباب التاسع في وجوه إضافات الآيات واتساق الأحوال لأسنان القلوب في القرآن

اعلم أن الآيات والأحوال تضاف وتتسق لمن اتصف بما به إدراك معناها، ويؤنب عليها من تقاصر عنها، وينفى منالها عن من لم يصل إليها، وهي أطوار، أظهرها آيات الاعتبار البادية لأولي الأبصار، لأن الخلق كله إنما هو علم للاعتبار منه، لا أنه موجود للاقتناع به ﴿وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (7) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾.

اتخذوا ما خلق للعبرة به إلى ربه كسبا لأنفسهم، حتى صار عندهم وعند أتباعهم آيتهم لا آية خالقه: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ ثم يلي آيات الاعتبار ما ينال إدراك آينه العقل الأدنى ببداهة نظره ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾. جمع الآيات لتعدد وجوهها في مقصد البيان.

ثم يلي ما يدرك ببداهة العقل، ما يحتاج إلى فكر يثيره العقل الأدنى، لشغل

45

الحواس بمنفعته عن التفكر في وجه آيته: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (10) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أفرد الآية لاستناد كثرته إلى وحدة الماء ابتداء، ووحدة الانتفاع انتهاء.

ثم يلي مايدرك بفكر العقل الأدنى ما يقبل بالايمان، ويكون آية أمر قائم على خلق، وهو مما يدرك سمعا، لأن الخلق مرئي، والأمر مسموع: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (64) وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾.

هذه آية حياة القلوب بنور العلم والحكمة الذي أخذ سمعا عند تقرر الإيمان. وعند هذا الحد يتنامى العقل إلى فطرة الأشد، وتعلو بداهته، ويترقى فكره إلى نظر ما يكون آية في نفس الناظر، لأن مجاز غيب الكون يرد إلى وجدان نفس الناظر، وكما كان الماء آية حياة القلوب، صار الشرابان: اللبن والحجر آيتين على أحوال تخص القلوب، بما يغذوها من أمر الله غذاء اللبن وينشيها نشوة السكر منبعثا من بين فرث ودم نزول الخلق المقام عن الأمر القائم عليه: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ﴾ الآيتين إلى قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.

هذا هو الحقل الأول (17)، فأفرد (هـ أي الآية لانفرإد! وردها في وجد القلب.

46

وكما للعقل الأدنى فكرة تنبني على بداهته، فكذلك للعقل الأعلى فكر ينبني على علي فطرته: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ إلى قوله: ﴿لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ وهذا العقل الأعلى هو اللب الذي يكون عنه التذكر بالأدنى من الخلق للأعلى من الأمر. ﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ وفي مقابلة كل من هذه الأوصاف أضداد يرد البيان فيها بحسب مقابلتها، وكذلك حكم وصف المتقين، فيما يظهر أن لاغناء للعبد بنفسه، ووصف المسلمين فيما يظهر أن لاأنجى للعبد من إسلامه نفسه لربه، ووصف المحسنين فيما يظهر قيام ظاهر العبد بربه، ووصف الموقنين فيما وجد يقينه العبد من نفسه، أو عاين ابتداءه بظاهر حسه، ﴿الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ من استغنى بما عنده من وجد لم يتفرغ لقبول غيب. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ﴾ ﴿إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا﴾.

47

﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾. ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾.

"فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به". ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾. ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾.

ولجملة هذه الأوصاف أيضا أضداد يرد بيان القرآن فيها بحسب تقابلها، ويجري معها إفهامه، وما أوصله خفاء المسمع والمرأى إلى القلب هو فقهه، ومن فقد ذلك وصف سمعه بالصمم، وعينه بالعمى، ونفى الفقه عن قلبه، ونسب إلى البهيمية، ومن لم تنل فكرته أعلام ما غاب عنه عيانه نفى عنه العلم: ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾. ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾. ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ الآية. إلى قوله: ﴿وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾. ﴿يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ﴾ نفى العلم فيما ظهرت

48

أعلامه، والفقه فيما خفي أمره. وموارد البيان أضداد هذه الأوصاف بحسب تقابلها. وهذا الباب لمن يستفتحه، من أنفع فواتح الفهم في القرآن.

ولننه هذه الأبواب بذكر القرآن ومحتواه على الكتب، وجمعه وقرآنه وبيانه وتنزيله وإنزاله، وحكيمه ومبينه ومجيده وكريمه وعظيمه، ومرجعه إلى السبع المثاني والقرآن العظيم، أم القرآن ومحتواها عليه، فنذكر جميع ذلك في الباب العاشر بحول الله.

49