تراث أبي الحسن الحرالي المراكشيالجزء 1 · ص 438 - 447

{تِلْكَ الرُّسُلُ}

﴿تِلْكَ الرُّسُلُ﴾

﴿تِلْكَ الرُّسُلُ﴾ وجعل الْحَرَالِّي: التعبير بتلك التي هي أداة التأنيث دون أولئك التي هي إشارة المذكر، توطئة وإشارة لما يذكر بعد من اختلاف الأمم بعد أنبيائها.

وقال: يقول فيه النحاة إشارة لجماعة المؤنث، إنما هو في العربية لجماعة ثانية في الرتبة، لأن التأنيث أخذ الثواني عن أولية تناسبه في المعنى وتقابله في التطرق.

قال: ومن لسن العرب وإشارة تأسيس كلمها أن المعنى متى أريد إرفاعه أطلق عن علامة الثاني في الرتبة وإشارته، ومتى أريد إنزاله قيد بعلامة الثاني وإشارته.

ثم قال: ففي ضمن هذه الإشارة لأولي التنبه إشعار بما تتضمنه الآية من الإخبار النازل عن رتبة الثبات والدوام إلى رتبة الاختلاف والانقطاع، كما أنه لما كان الذكر واقعا في محل إعلاء في آية الأنعام، قيل: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾.

438

ولما كان شأن الإختلاف والانقطاع غير مستغرب في محل النقص والإشكال، وطئ لهذا الواقع بعد الرسل بأنه ليس من ذلك، وأنه من الواقع بعد إظهار التفضيل، وإبلاغ البينات، لما يشاؤه من أمره - انتهى.

﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ﴾

قال الْحَرَالِّي: والبينة ما ظهر برهانه في الطبع والعلم والعقل، بحيث لا مندوحة عن شهود وجوده، وذلك فيما أظهر الله، سبحانه وتعالى، على يديه من الإحياء والإماتة الذي هو من أعلى آيات الله، فإن كل باد في الخلق، ومتنزل في الأمر، فهو من آيات الله، فما كان أقرب إلى ما اختص الله، تعالى، به كان أعلى وأبهر، وما كان مما يجري نحوه على أيدي خلقه كان أخفى وألبس، إلا على من نبه الله قلبه لاستبصاره فيه. ﴿وَأَيَّدْنَاهُ﴾ أي بعظمتنا البالغة ﴿بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ في إعلامه ذكر ما جعل، تعالى، بينه وبين عيسى، عليه الصلاة والسلام، في كيانه فجرى نحوه في عمله من واسطة الروح، كما قال، سبحانه وتعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾ كذلك كان فعله مع تأييده، وفي ذلك بينه وبين موسى عليهما الصلاة والسلام، موازنة ابتدائية، حيث كان أمر موسى من ابتداء أمر التكليم، الذي هو غاية سقوط الواسطة، وكان أمر عيسى، عليه

439

الصلاة والسلام، من ابتداء أمر الإحياء، الذي هو غاية تصرف المتصرفين - انتهى.

﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ﴾،

قال الْحَرَالِّي: وهي كلمة جامعة قرآنية محمدية، تشهد الله وحده، وتمحو عن الإقامة ما سواه - انتهى.

﴿مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾

قال الْحَرَالِّي: فذكر الاقتتال الذي إنما يقع بعد فتنة المقال، بعد فتنة الأحوال بالضغائن والأحقاد، بعد فقد السلامة، بعد فقد الوداد، بعد فقد المحبة [الجامعة] للأمة مع نبيها - انتهى.

﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾

قال الْحَرَالِّي: فيه إيذان بأن الوسائل والأسباب لا تقتضي آثارها إلا بعد إمضاء كلمة الله فيها - انتهى.

﴿لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾

قال الْحَرَالِّي: هي مما منه المخاللة، وهي المداخلة فيما يقبل التداخل، حتى يكون كل واحد خلال الآخر، وموقع معناها الموافقة في وصف الرضي والسخط، فالخليل من رضاه رضي خليله، وفعاله من فعاله - انتهى.

وقال الْحَرَالِّي: فانتظم هذا الانتهاء في الخطاب بما في ابتداء السورة من ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ إلى قوله: ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾ فلذلك وقع بعد هذا الانتهاء افتتاح آية هي سيدة أي هذه السورة المنتظمة بأولها انتظاما معنويا برأس: ﴿الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ فكان في إشارة هذا الانتظام توطئة لما أفصح به الخطاب في فاتحة سورة آل عمران، لما ذكر من أن القرآن مثاني إفهام وحمد، فكان أوله حمدًا، وآخره

440

حمدا، ينثني ما بين الحمدين على أوله، كما قال: "حمدني عبدي، أثنى علي عبدي" فجعلته حمد، وتفاصيله ثناء - انتهى.

﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾

وقال الْحَرَالِّي: لما أتى بالخطاب على بيان جوامع من معالم الدين، وجهات الاعتبار، وبيان أحكام الجهاد والانفاق فيه، فتم الدين بحظيرته معالم إسلام، وشعائر إيمان، ولمحة إحسان، أعلى تعالى، الخطاب إلى بيان أمر الإحسان، كما استوفى البيان في أمر الإيمان والإسلام، فاستفتح هذا الخطاب العلي، الذي يسود كل خطاب، ليعلى به الذين آمنوا، فيخرجهم به من ظلمة الإيمان بالغيب، الذي نوره يذهب ظلمة الشك والكفر، إلى صفاء ضياء الإيقان، الذي يصير نور الإيمان، بالإضافة إليه، ظلمة، كما يصير نور القمر عند ضياء الشمس ظلمة، فكانت نسبة هذه الآية من آية الإلهية في قوله، سبحانه وتعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ وما بعدها من الاعتبار في خلق السموات والأرض نسبة ما بين علو اسمه ﴿الله﴾ الذي لم يقع فيه شرك بحق ولا بباطل، إلى اسمه الذي وقع فيه الشرك بالباطل، فينقل، تعالى، المؤمنين الذين استقر لهم إيمان الاعتبار بآية

441

﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ وما بعدها من الاعتبار في خلق السموات والأرض إلى يقين العيان باسمه "الله" وما يلتئم بمعناه من أوصافه العظيمة - انتهى.

﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾

قال الْحَرَالِّي: فيعول، زيدت في أصوله الياء، ليجتمع فيه لفظ ما هو من معناه، الذي هو القيام بالأمر، مع واوه التي هي من قام يقوم، فأفادت صيغته من المبالغة ما في القيام والقوام، على حد ما تفهمه معاني الحروف عند المخاطبة بها من أيمة العلماء الوالجين في مدينة العلم المحمدي من بابه العلوي - انتهى.

﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ﴾

قال الْحَرَالِّي: هي مجال النعاس في العينين قبل أن يستغرق الحواس، ويخامر القلب، ﴿وَلَا نَوْمٌ﴾ وهو ما وصل من النعاس إلى القلب فغشيه في حق من ينام قلبه، وما استغرق حواسه في حق من لاينام قلبه - انتهى.

﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾

قال الْحَرَالِّي: وسلب بالجملة الأولى أمر الملكوت من أيدي الملائكة إلى قهر جبروته، والآثار من نجوم الأفلاك إلى جبره، وسلب بالجملة الثانية الآثار والصنائع من أيدي خليفته وخليقته إلى قضائه وقدره وظهور قدرته، فكان هذا الخطاب، بما أبدى للفهم، إقامة قيامه على مجعول الحكمة الأرضية والسمائية التي هي حجاب قيوميته، سلبا لقيام ما سواه - انتهى.

﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾

قال الْحَرَالِّي: وحقيقة الشفاعة وصلة بين الشفيع والمشفوع له، لمزية وصلة بين الشفيع والمشفوع عنده، فكان الإذن في باطن الشفاعة حظا في سلب ما للشفعاء، ليصير بالحقيقة إنما الشفاعة لله، سبحانه وتعالى، عند الله، سبحانه وتعالى، فهو، سبحانه وتعالى، بالحقيقة الذي شفع

442

عند نفسه بنفسه، فبإخفائه، تعالى، شفاعته في شفاعة الشفعاء، كان هو الشفيع في الإبتداء من وراء حجاب، لأن ابداءه كله في حجاب، وإعادته ما في حجاب، فلذلك هو سبحانه وتعالى، خاتم الشفعاء، حيث يقول، كما ورد في الخبرة: "شفع الأنبياء والمرسلون، ولم يبق إلا الحي القيوم". انتهى.

﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾

قال الْحَرَالِّي: أي ما آتاهم علمه من أمر أنفسهم وغيرهم، لأن ما بين يدي المرء يحيط به حسه، وما علمه أيضا، فكأنه بين يدي قلبه يحيط به علمه. ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ وهو مالم ينله علمهم، لأن الخلف هو مالا يناله الحس، فأنبأ أن علمه من وراء علمهم، محيط بعلمهم فيما علموا وما لم يعلموا - انتهى.

﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ﴾

وقال الْحَرَالِّي: معنى الكرسي هو الجمع، فكل ما كان أتم جمعا فهو أحق بمعناه، ويقال على المرقى للسرير، الذي يسمى العرش، الذي يضع الصاعد عليه قدمه إذا صعد وإذا نزل، وحين يستوي إن شاء - كرسي.

ثم قال: والكرسي فيه صور الأشياء كلها كما بدت آيته في الأرض التي فيها موجودات الأشياء كلها، فما في الأرض صورة إلا ولها في الكرسي مثل، فما في العرش إقامته ففي الكرسي أمثلته، وما في السموات إقامته ففي الأرض صورته، فكان الوجود مثنيا، لما كان القرآن مثاني: إجمالا وتفصيلا في القرآن، ومدادا صورا في الكون، فجمعت هذه الآية العلية تفصيل المفصلات، وانبهام صورة المداديات،

443

بنسبة ما بين السماء وما منه.

وجعل وسع الكرسي، وسعا واحدًا، حيث قال: ﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ولم يكن وسعان، لأن الأرض في السموات والسموات في الكرسي، والكرسي في العرش، والعرش في الهواء - انتهى.

﴿وَلَا يَئُودُهُ﴾

قال الْحَرَالِّي: من الأود أي بلوغ المجهود ذودا، ويقابله ياء من لفظ الأحد، أي وهو القوة، وأصل معناه، والله، سبحانه وتعالى، [أعلم]، أنه لا يعجزه علو أيده، ولذلك يفسره اللغويون بلفظة يثقله.

﴿حِفْظُهُمَا﴾ والحفظ،

قال الْحَرَالِّي: الرعاية لما هو متداع في نفسه، فيكون تماسكه بالرعاية له عما يوهنه أو يبطله - انتهى.

﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ وقد ختمت الآية بما بدئت به، غير أن بدءها بالعظمة، كما

قال الْحَرَالِّي، كان باسم "الله" إلاحة وختمها كان بذلك إفصاحا، لما ذكر من أن الإبداء من وراء حجاب، والإعادة بغير حجاب، كذلك تنزل القرآن: مبدأ الخطاب إلاحة، وخاتمته إفصاح، ليتطابق الوحي والكون تطابق قائم ومقام. ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ ولما في العلو من الظهور، وفي العظمة من الخفاء، لموضع الإحاطة،

444

لأن العظيم هو ما يستغرق، كما يستغرق الجسم العظيم جميع الأقطار ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ وذلك حين كان ظاهر العلو هو كبرياؤه الذي شهد به كبير خلقه، قال، سبحانه وتعالى، فيما أنبأ عنه نبيه، - ﷺ -: "الكبرياء ردائي" لأن الردأء هو ما على الظاهر، "والعظمة إزاري" والإزار ما ستر الباطن والأسفل، فإذا في السماء كبرياؤه، وفي الأرض عظمته، وفي العرش علوه، [وفي الكرسي عظمته، فعظمه أخفى ما يكون حيث التفصيل، وكبرياؤه وعلوه] أجلى ما يكون، حيث الإبهام والانبهام.

فتبين بهذا المعنى علو رتبة هذه الآية بما علت على الإيمان علو الإيمان على الكفران، ولما ألاحته للأفهام من قيوميته، تعالى، وعلوه وعظمته، وإبادة ما سواه في أن بنسب إليهم شيء، لأنه، سبحانه وتعالى، إذا بدا باد ما سواه، كان في إلاحة هذه الآية العلية العظيمة تقرير دين الإسلام الذي هو دين الإلقاء، كما كان فيما تقدم هو إيراد السورة تقرير دين القيمة الذي ما أمروا إلا ليعبدون به مخلصين حنفاء، ويقيموا الصلاة ويوتوا الزكاة، ولذلك كان ذكر دين الإسلام في سورة الإفصاح بمعاني هذه السورة آل عمران، إثر قوله: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾.

﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾

قال الْحَرَالِّي: لما نقل، سبحانه وتعالى، رتبة الخطاب من حد خطاب الأمر والنهي والحدود، وما ينبني عليه المقام به دين القيمة الذي أخفى

445

لهم أمر العظمة والجبروت الجابر لأهل الملكوت والملك فيها هم مصرفون إلى علو رتبة دين الله المرضى، الذي لالبس فيه ولا حجاب عليه ولا عوج فيه، وهو اطلاعه، سبحانه وتعالى، عبده على قيوميته الظاهرة بكل باد، وفي كل باد، وعلى كل باد، وأظهر من كل باد، وعظمته الخفية التي لا يشير إليها اسم، ولا يجوزها رسم، وهي مداد كل مداد، بين، سبحانه وتعالى، وأعلن بوضع الإكراه الخفي موقعه في دين القيمة، من حيث ما فيه من حمل الأنفس على كرهها فيما كتب عليها، مما هو علم عقابها وآية عذابها، فذهب بالاطلاع على أمر الله في قيوميته وعظمته كره النفس بشهودها جميع ماتجري فيه لها ما عليها ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ بما استشعرته قلوبهم من ماء التوحيد الجاري تحت مختلفات أثمار أعمالهم، فعاد حلوه ومره بذلك التوحيد حلوا، كما يقال في الكبريت الأحمر الذي يقلب أعيان الأشياء الدنية إلى حال أرفعها - انتهى.

﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ﴾

قال الْحَرَالِّي: وهو حسن التصرف في الأمر والإقامة عليه، بحسب ما يثبت ويدوم، ﴿مِنَ الْغَيِّ﴾ وهو سوء التصرف في الشيء وإجراؤه على ما تسوء عاقبته - انتهى.

446

﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ﴾

وقال الْحَرَالِّي: وهو ما أفحش في الإخراج عن الحد الموقف عن الهلكة، صيغة مبالغة وزيادة انتهاء مما منه الطغيان - انتهى.

﴿لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾

وقال الْحَرَالِّي: من الفصم، وهو خروج العري بعضها من بعض، أي فهذه العروة لا انحلال لها أصلا، وهو تمثيل للمعلوم بالنظر، والاحتجاج بالمشاهد المحسوس، ليتصوره السامع كأنه ينظر إليه بعينه فيحكم اعتقاده فيه، ويجل اغتباطه به.

﴿مِنَ الظُّلُمَاتِ﴾ [أي المعنوية] جمع ظلمة، وهر ما يطمس الباديات حسا أو معنى، ﴿إِلَى النُّورِ﴾ أي المعنوي، وهو ما يظهر الباديات حسا أو معنى. قاله الْحَرَالِّي.

﴿يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾

قال الْحَرَالِّي: وفيه بيان استواء جميع الخلق في حقيقة النور الأول إلى الروح المجندة، إلى الفطرة المستوية "كل مولود يولد على الفطرة" - انتهى.

﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾

قال الْحَرَالِّي: الذين تبعوها من حيث لم يشعروا، من حيث إن الصاحب من اتبع مصحوبة - انتهى.

﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾

قال الْحَرَالِّي: وجعل الخلود وصفا لهم إشعار بأنهم فيها، وهم في دنياهم - انتهى.

447