تراث أبي الحسن الحرالي المراكشيالجزء 1 · ص 62 - 70

الفصل الأول في حرف الزجر والنهي

الفصل الأول في حرف الزجر والنهي

وجه إنزال هذا الحرف كف الخلق عما يهلكهم في أخراهم، وعما يخرجهم عن السلامة في موتهم وبعثهم، مما رضوا به واطمأنوا عليه، أو أثروه من دنياهم.

فمتوجهه للمطمئن بدنياه، المعرض عن داعيه إلى اجتناب ما هو عليه، يسمى زجرًا، ومتوجهه للمتلفت المستشعر ببعض الخلل، فيما هو عليه، يسمى نهيا، وهما يجتمعان في معنى واحد، ومقصود واحد، إلا أنه متفاوت، ولذلك رددها النبي، - ﷺ -، على المعنى الجامع في هذا الحديث.

وأولاهما بالبدء به في الإنزال الزجل، لأن النبي، - ﷺ -، إنما بعثه الله حين انتهى الضلال المبين في الخلق، ونظر الله، سبحانه، إلى جميع أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب، كما ورد في الحديث الصحيح إسنادا ومتنا ولذلك كان أول منزل الرسالة سورة ﴿يا يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ (2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾. وهي أول قوارع الأمر، كما أن فجأة الساعة أول قوارع الخلق، ولذلك انتظم ذكرهما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (8) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (9) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾.

62

وللمزجور حالان: إما أن ينفر عند الزجرة توحشا، كما قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (50) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ وإما أن يدبر بعد فكرة تكبرًا، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ نَظَرَ (21) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (22) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ﴾ وربما شارف أن يبصر فصرف، كما قال عمر، رضي الله عنه: "لكنها عقول كادها باريها". ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾ صرفوا عن آيات الحق السماوية على ظهورها عقوبة على ذنب تكبرهم على الخلق، مع الإحساس بظهور آية انضمام الأرحام في الأرض ووضوحها.

وكل قادعة لنوعي الكافرين: النافرين والمدبرين، من هذا الحرف، وتمام هذا المعنى بنهي المتأنس المحاضر عن الفواحش الظاهرة والباطنة الضارة في العقبى، وإن تضرروا بتركها في الدنيا، نحو قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا﴾ في أكل مال اليتيم، والزنا وإيتاء الحائض، إلى ما دون ذلك من النهي عما يعدونه في دنياهم كيسا، نحو قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ و﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ وما لحق بهذا النمط، إلى ما دون ذلك على اتصال التفاوت من النهي عن سوء التأويل

63

لطية غرض النفس، نحو قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ إلى ما دون ذلك من النهي عما يقدح في الفضل، وإن كان من حكم العدل، نحو قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إلى تمام مالا تحصل السلامة إلا به، من النهي عما زاد على الكفاف والبلغة في الدنيا الذي به يصح العمل بالحكمة، نحو قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ إلى قوله: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾ ونحو قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ لأن كل زائد على الكفاف فتنة.

وهذا هو أساس ما تتفاوت به درجات العلم في الدنيا، ودرجات الجنة في الآخرة، ولا تصح الوجوه والحروف التي بعده علما وعملا وثباتا وقبولا عند التمحيص إلا بحسب الإحكام في قراءة هذا الحرف وجمعه وبيانه، لأنه طهور لا بعده من صلاة حرف الأمر، وما قصر بعشرات فرق الأمة إلا التقصير في حرف النهي، لأن الملة الحنيفية مبنية على الإكتفاء باليسير من المأمورات والمبالغة في الحمية من عموم ما لايتناهى من المنهيات، لكثرة مداخل الآفات منها على الخلق، فيما بعد الموت.

ويصعب هذا الحرف على الخلق ما استقر في أوهامهم أن دنياهم لا تصلح إلا بالمثابرة على صفوف المنهيات لنظرهم لجدواها في الدنيا، وعماهم عن وبالها في الأخرى، وما حوفظ على الرياضات والتأديبات والتهذيبات إلا لوفاء الحمية منها. والحمية أصل

64

الدواء، فمن لم يحتم عن المنهيات، لم ينفعه تداويه بالمأمورات، كالذي يتداوى ولا يحتمي يخسر الدواء ويتضاعف الداء، ﴿هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ جاءوا بحسنات كأمثال الجبال، وكانوا يصومون ويصلون، وياخذون وهنا من الليل، لكن ذلك تداو بغير حمية، لما لم يحتموا من الدنيا التي نهوا عن زهرتها، فكانوا إذا لاحت لهم وثبوا عليها فيصيبون منا الشهوات، ويعملون المعصيات، فلم تنفعهم المداواة.

فمن احتمى فقد قرأ هذا الحرف، وهو حسبه، ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ أحب العبادات إلى الله ترك الدنيا، وحمية النفس من هوى جاهها ومالها. "بل نبيا عبدا، أجوع يوما وأشبع يوما". "من رغب عن سنتي فليس مني". والقرآن حجة لمن عمل به فصار أمامه يقوده إلى الجنة، وحجة على من لم يعمل به يصير خلفه، فيسوقه إلى نار الحية التي في جب وادي جهنم، التي تستعيذ منها جهنم والوادي والجب في كل يوم سبع مرات ﴿وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾. ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾. ﴿وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾. "أعوذ بعفوك من عقوبتك، وبرضاك من سخطك، وبك منك، لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك" والحمد لله رب العالمين.

65

الفصل الثاني في حرف الأمر

وجه إنزال هذا الحرف حمل الخلق على صدق التذلل لله، إثر التطهر من زجرهم، ليعود بذلك وصل ما انقطع وكشف ما انحجب، وهو حرف العبادة المتلقاة بالإيمان، المثابر عليها بسابق الخوف، المبادر لها تشوقا بصدق المحبة، فالعابد ما ساقه الخوف إليها، والمعارف من قاده الحب لها، وهو بناء ذو عمود وأركان، وله حظيرة تحوطه، فأما عموده فإفراد التذلل لله توحيدًا، وطليعة آيه ما كان نحو قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾. طهرهم حرف الزجر من رجز عبادة إله آخر، فأثبت لهم حرف الأمر التفريد حين لايشركون معه في التذلل شيئا، أي شيء كان آخر، وهو أول ما أقام الله من بناء الدين، ولم يفرض غيره نحو العشر من السنين، في إنزال ما أنزل بمكة من القرآن وسن مع فرضه.

الركن الأول وهو الصلاة: وبدئت بالوضوء عملا من حذو [تطهر القلب والنفس بحرف النهي، وأعقب بالصلاة عملا من حذو] حضور القلب بالتوحيد بين يدي الرب، فالوضوء وجه عمل حرف الزجر، والصلاة وجه عمل حرف الأمر، وسن على تأسيس بدار الحب، لتبدو قوة الإيمان في مشهود ملازمة خدمة الأبدان، فكان أقواهم إيمانا أكثرهم وأطولهم صلاة وقنوتا، من أحب ملكا خدمه ولازمه، ولا تخدم الملوك بالكسل والتهاون، وإنما تخدم بالجهد والتذلل، فكانت الصلاة علم الإيمان، تكثر

66

بقوته وتقل بضعفه، لأنها لو فرصت لم يظهر فيها تفاوت قوة الإيمان وصدق الحب، كما لا يظهر بعد فرضها إلا في النوافل، ولإجهاد النبي، - ﷺ -، نفسه وبدنه في ذلك، أنزل عليه: ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (2) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى (3) تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى (4) الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾. إلى قوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾.

هذا التوحيد وإظهاره هو كان يومئذ المقصود الأول، وذلك قبل إسلام عمر، رضي الله عنه، وعمر موفي أربعين من عدد المؤمنين، فلما دخل الإسلام من لا يبعثه الحب والاستراحة على الصلاة بعد عشر أو نحوها، فرضت الصلاة، فاستوى في فرضها المحب والخائف، وسن رسول الله، - ﷺ -، التطوع على ما كان أصلها. وذلك صبيحة ليلة الإسراء.

وأول منزل هذا الحرف، والله أعلم، في فرض هذا الركن، أو من أول منزله، قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ اختص لهم بها أوقات الرحمة، وجنبهم بها أوقات الفتنة، ومنه جميع آي إقامة الصلاة وإتمامها.

الركن الآخر الصوم: وهو إذلال النفس لله بإمساكها عن كل ما تشوف إليه من خاص أمرها، نهارا للمقتصر، ودواما للمعتكف، وهو صلة بين العبد وبين نفسه، ووصل لشتاته في ذاته.

[وأول إنزال هذا الركن من هذا الحرف بالمدينة، بعد مدة من الهجرة] وأول منزله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾.

وإنما فرض، والله أعلم، بالمدينة، لأنهم لما أمنوا من عداوة الأمثال والأغيار، وعام

67

الفتنة بالمدينة، عادت الفتنة خاصة في الأنفس، بالتبسط في الشهوات، وذلك لا يليق بالمؤمنين المؤثرين للدين على الدنيا، ثم أنزل إتمامه بقوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ إلى ما يختص من الآي بأحكام الصيام.

الركن الآخر الزكاة: وهو كسر أنفة الغني بما يؤخذ بأخذه منه من حق أصنافها أطهارا، لأن المشتغلين بالدين آثر عند الله من القيمين على الأموال، وليميز بها الذين آمنوا من المنافقين، لتمكنهم من الرياء في العمود والركنين، ولم يشهد الله بالنفاق جهرًا أعظم من شهادته على مانع الزكاة، ومن منع زكاة المال عن الخلق كان كمن أمتنع عن زكاة قواه بالصلاة من الحق، فلذلك لا صلاة لمن لا زكاة له، وكما كانت الصلاة حبا قبل فرضها، كذلك كان الإنفاق لما زاد على الفضل عزما مشهورًا عندهم لا يعرفون غيره، ولا يشعرون في الإسلام بسواه، فلما شمل الإسلام أخلاط الناس، وشحت النفوس، فرضت الزكاة، وعين أصنافها، وذلك بالمدينة حين اتسعت أموالهم، وكثر خير الله عندهم، وحين نجم نفاق قوم بها أنفة

68

من حظ رئاستهم بتذلل الإسلام لله والنصرة لخلق الله، وتثنى فيها الخطاب؛ مرة لأرباب الأموال بقوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ ليكون لهم قربة، إذا أتوها سماحا، ومرة للقائم بالأمر بقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ حين يؤنس من نفوسهم شح، وشدد الله، سبحانه، فيها الوعيد في القرآن جبرا لضعف أصنافها. ويتسق بذلك جميع ما أنزل في شأن النفقات والصدقات؛ بدارا عن حب، أو ائتمارا عن خوف.

الركن الآخر الحج: وهو حشر الخلق من أقطار الأرض للوقوف بين يدي ربهم في خاتمة سنيهم ومشارفة وفاتهم، ليكون لهم أمنة من حشر ما بعد مماتهم، فكمل به بناء الدين، وذلك في أواخر سنين الهجرة، ومن آخر المنزل بالمدينة.

وأول خطابه: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ تثنية على أذان إبراهيم، عليه السلام، ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ إلى ما أنزل في أمر الحج وأحكامه.

الحظيرة الحائطة: وهي الجهاد، ولم تزل مصاحبة للأركان كلها، إما مع ضعف، كما بمكة، أو مع قوة، كما بالمدينة.

69

ومن أول تصريح منزله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ إلى قوله، ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾. ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ إلى قوله تعالي: ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ إلى انتهاء قتال أهل الكتاب، في قوله نعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ إلى تمام المنزل في شأنه في قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ وهو تمام حرف الأمر.

ولكل من ذلك الظاهر في الإسلام موقع حذوه في الإيمان، وموقع في الإحسان، الذي ثلاثتها هو كمال الدين، كل ذلك من منزل القرآن من بين إفصاح وإفهام في هذا الحرف، وهو وفاء الدين، والتعبد لرب العالمين، والحمد لله رب العالمين.

70