البستان في إعراب مشكلات القرآنالجزء 1 · ص 100 - 110

ثانيًا: مصادرُ كوفيّة، ومنها ما يلي

يريدُ: الناسَ وغيرَهم، وإذا اختلط النوعانِ حُمِلَ الكلامُ على الأغلب، ولذلك قال: ﴿مَنْ﴾ لغير ما يَعقِل".

ومن هذه المصادر أيضًا: معانِي القرآن وإعرابُه للزَّجّاج: وهو من أكثر الكتُب التي نَقَل عنها الجِبْلي في البستان، فقد نَقَل الجِبْليُّ عنه في نحوِ مائةٍ وخمسةٍ وأربعين موضعًا.

ثانيًا: مصادرُ كوفيّة، ومنها ما يلي

1 - معاني القرآن للفَرّاء: وهو أهمُّ هذه المصادر على الإطلاق، فقد نَقَل الجِبْليُّ عن الفَرّاء صراحةً في مائتَيْن وخمسةٍ وثلاثين موضعًا، وكان نَقْلُه عن الفَرّاء بطريقةٍ من ثلاثٍ:

الأولى: النَّقل الصَّريح بالإشارة إلى أنّ هذا قولُ الفَرّاء، ومن أمثلة ذلك ما يلي:

1 - في قوله تعالى: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ (^1)، قال الجِبْلي (^2): "وقال الفَرّاء (^3): إنّما جمع اثنَيْنِ فقال: ﴿لِحُكْمِهِمْ﴾، وهو يريد داودَ وسُليمانَ؛ لأنّ الاثنين جَمْعٌ، وهو مثلُ قوله: ﴿فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوةٌ﴾ (^4)، وهو يريدُ أخوَيْنِ".

2 - في قوله تعالى ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ (^5)، قال الجِبْلي (^6):

  • (^1) الأنبياء 78.
    (^2) البستان 1/ 198.
    (^3) معاني القرآن 2/ 208.
    (^4) النساء 11.
    (^5) الحج 2.
    (^6) البستان 1/ 223.
100

"وقَرأَ حمزةُ والكِسائيُّ: ﴿سَكْرَى وَما هُمْ بِسَكْرَى﴾ بفتح السِّين من غير ألفٍ وبالإمالة، قال الفَرّاء (^1): وهو وجهٌ جيِّدٌ في العربية؛ لأنه بمنزلة: الهَلْكَى والجَرْحَى والمَرْضَى والزَّمْنَى، والعربُ تجعل "فَعْلَى" علامةً لِجَمْعِ كُلِّ ذي زَمانةٍ وضَرَرٍ وهلاكٍ، ولا يبالونَ أكان واحدُهُ "فاعلًا" أو "فعيلًا" أو "فَعْلانَ".

الثانية: النَّقل عن الفَرّاء بدون الإشارة إليه، ومن أمثلته ما يلي:

1 - في قوله تعالى: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ (^2)، قال الجِبْلي (^3): "كان حقُّه: وأسرَّ؛ لأنه فعلٌ تقدَّم الاسمَ، واختلف النُّحاة فيه، فمنهم من قال: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ في محلِّ الخَفْض على أنه تابعٌ للناس في قوله عز وجل: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ (^4). اهـ، وهذا قولُ الفَرّاء في معاني القرآن (^5).

2 - في قوله تعالَى: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ (^6)، قال الجِبْلي (^7): "والعربُ تضَعُ "بَلْ" موضعَ "أَمْ"، و"أَمْ" موضعَ "بَلْ" إذا كان في أول الكلام استفهام، كقول الشاعر:

فواللَّهِ ما أَدْرِي أَسَلْمَى تَغَوَّلَتْ... أمِ القَوْمُ أو كُلٌّ إِلَيَّ حَبِيبُ

أي: بل كلٌّ". اهـ، وهذا نصُّ كلام الفَرّاء في معانِي القرآن (^8).

  • (^1) معاني القرآن 2/ 214، 215.
    (^2) الأنبياء 3.
    (^3) البستان 1/ 180.
    (^4) الأنبياء 1.
    (^5) 2/ 198.
    (^6) النمل 66.
    (^7) البستان 1/ 467.
    (^8) 2/ 299.
101

الثالثة: أقوالٌ ليست في معاني القرآن، ومن أمثلتها ما يلي:

1 - في قوله تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ (^1)، قال الجِبْلي (^2): "قال الفَرّاءُ (^3) والزُّجّاج (^4): لم يقُلْ: كواحدة؛ لأنّ أَحَدًا: نَفْيٌ عامٌّ يصلُح للواحد والاثنَيْن والجميع والمذكَّر والمؤنَّث، قال اللَّه عز وجل: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ (^5)، وقال تعالى: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ (^6).

2 - في قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ (^7)، قال الجِبْلي (^8): "قال الحَسن والفَرّاءُ والكِسائيّ (^9): المَيِّتُ -بالتشديد-: من لم يَمُتْ وسيمُوتُ، والمَيْتُ بالتخفيف: الذي فارقَه الرُّوحُ، فلذلك لم يخففه هاهنا".

2 - كتُبُ أحمدَ بن يحيى ثَعْلبٍ: وهو من أكثرِ العلماء الذين وَرَد ذكرهم في البستان، ولكنّ أكثرَ ما نقله الجِبْلي عنه كان من خلال كتُبِ تلاميذه، كأبِي بكرٍ بن الأنباريِّ وأبي بكرٍ النّقاش وغيرِهما، كأبي منصورٍ الأزهريِّ في التهذيب ومعاني القراءات.

أمّا ما نقله الجِبْلي عن كتُبِ ثعلبٍ فكان بطريقتَيْن:

  • (^1) الأحزاب 32.
    (^2) البستان 2/ 115.
    (^3) ينظر قوله في التهذيب للأزهري 5/ 196، والكشف والبيان للثعلبي 8/ 34.
    (^4) معاني القرآن وإعرابه 4/ 224.
    (^5) البقرة 285.
    (^6) الحاقة 47.
    (^7) الزمر 30.
    (^8) البستان 2/ 351.
    (^9) ينظر قول ثلاثتهم في الكشف والبيان للثعلبي 8/ 234، تفسير القرطبي 15/ 254.
102

الأولى: النقل الصَّريح عن ثعلب، ومن أمثلته ما يلي:

1 - في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (^1) قال الجبلي (^2): "وقال أحمدُ بن يحيى ثَعْلبٌ (^3): المِثْلُ صِلةٌ، المعنى: ليسَ كهُوَ شيءٌ، فأدخل المِثْلَ توكيدًا للكلام، كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ﴾ (^4)، وفي حرف ابن مسعود: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ﴾.

2 - في قوله تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ (^5)، قال الجِبْلي (^6): "وقال ثَعْلَبٌ (^7): السَّبْحُ: التَّرَدُّدُ والاضْطِرابُ، والسَّبْخُ: السُّكُونُ والسُّكُوتُ".

والثانية: النقلِ عن كتُب ثعلبٍ بدون الإشارة إليه، ومن أمثلته:

1 - في قوله تعالى: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ (^8)، قال الجِبْلي (^9): "ويقال: قَوْمٌ سامِرٌ ورَجُلٌ سامِرٌ، مثل: قَوْمٌ زَوْرٌ". اهـ، وهذا قول ثعلبٍ في مجالسه (^10).

2 - في قوله تعالَى: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ (^11)، قال الجِبْلي (^12): "يقال:

  • (^1) الشورى 11.
    (^2) البستان 2/ 429.
    (^3) مجالس ثعلب ص 231.
    (^4) البقرة 137.
    (^5) المزمل 7.
    (^6) البستان 4/ 126.
    (^7) مجالس ثعلب ص 403.
    (^8) المؤمنون 67.
    (^9) البستان 1/ 292.
    (^10) ص 77.
    (^11) محمد 15.
    (^12) البستان 3/ 75.
103

أَسِنَ الماءُ يَأْسَنُ أَسَنًا، وأَجِنَ يَأْجَنُ أَجَنًا، وأَسَنَ يَأْسُنُ وأَجَنَ يَأْجُنُ أُسُونًا وأُجُونًا: إذا تَغَيَّرَ". اهـ، وهذا ما قاله ثعلبٌ في الفصيح (^1).

3 - كتُب أَبِي بكرٍ ابن الأنباريِّ: مثلَ إيضاح الوَقْف والابتداء، والأضداد، والزاهرُ في معاني كلماتِ الناس، وغيرِها، ومن أمثلة ما نقله الجِبْلي عن ابن الأنباري.

1 - في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾ (^2)، قال الجِبْلي (^3): "وجوابُ "إذا " محذوفٌ، قال ابنُ الأنباري (^4): ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ هو الجواب، كأنه قال: حتى إذا فُتِحت يأجوجُ ومأجوجُ اقتَربَ الوعدُ الحقُّ، والواو مُقْحَمةٌ بمعنى التعجُّب، كما تقول في الكلام: وأَيُّ رَجُلٍ زيْدٌ".

2 - في قوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ (^5)، قال الجِبْلي (^6): "قال ابنُ الأنباري (^7): الطَّوْرُ: الحال، والطَّوْرُ أيضًا: التّارةُ والمَرّةُ، وجمعه: أَطْوارٌ".

ثالثًا: مصادرُ بغداديّةٌ

ومن البغداديِّين الذين نَقَل عنهم الجِبْلي: ابنُ كَيْسان وأبو القاسم الزَّجّاجي وأبو عَلِيٍّ الفارسيُّ وابنُ جِنِّي، ولكنّ الفارسيَّ هو أهمُّ مَن نَقَل عنه الجِبْلي من البغداديِّين، فقد نَقَل عنه في سبعةَ عشَرَ موضعًا، وأمّا ابنُ كَيْسان فقد نَقَل عنه في موضع واحدٍ فقط، وأمّا الزَّجّاجِيُّ فقد نَقَل عنه الجِبْلي بدون أن يشيرَ إليه، وأمّا ابنُ جِنِّي فقد نَقل عنه الجِبْلي في موضع واحدٍ فقط.

  • (^1) ص 272.
    (^2) الأنبياء 96.
    (^3) البستان 1/ 209.
    (^4) إيضاح الوقف والابتداء ص 779.
    (^5) نوح 14.
    (^6) البستان 4/ 87.
    (^7) شرح القصائد السبع الطوال ص 343.
104

أمّا ابنُ كَيْسان فقد نَقَل عنه الجِبْلي في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (^1)، فقال (^2): "و﴿ومَا﴾: في موضع رَفْع بـ ﴿سَاءَ﴾ عند سيبوَيْه (^3)، و﴿كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: صلةُ ﴿مَا﴾، والهاء محذوفةٌ أي: يَعْمَلُونَهُ، وقال الأخفش (^4): ﴿مَا﴾: نكرةٌ في موضع نصب، و﴿كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ نَعْتُهُ، والهاء محذوفةٌ أيضًا من الصِّفة، وحذْفُها من الصِّلةِ أحسنُ، وهو جائزٌ من الصِّفة، وقال ابنُ كَيْسان (^5): ﴿مَا﴾ والفعلُ: مصدرٌ في موضع رَفْع بـ ﴿سَاءَ﴾. فلا يُحتاجُ إلى هاءٍ محذوفةٍ على قوله".

وأمّا الزَّجّاجيُّ فمن المواضع التي نَقَلَ فيها الجِبْليُّ عنه:

1 - في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ (^6)، قال الجِبْلي (^7): "وإنّما رَفَع المصدرَ وهو النَّفخةُ لأنه لَمّا نَعَتَها أقامها مُقامَ المرفوع؛ لأنّ الرَّفع بالمصدر -إذا نُعِتَ- أحسَنُ؛ لأنه يَقْرُبُ من الاسم، والنَّصب جائزٌ، ومثله في الكلام: ضُرِبَ بِزَيْدٍ ضَرْبٌ شَدِيدٌ، فإذا لم يُنْعَت المصدرُ كان الوجهُ النَّصبَ وقَبُحَ الرَّفعُ، وذلك قولك: ضُرِبَ بِزَيْدٍ ضَرْبًا، وسِيرَ بِزَيْدٍ سَيْرًا". اهـ، وهذا الكلام بنصِّه تقريبًا قاله الزَّجّاجي في الجُمَل (^8).

  • (^1) المنافقون 2.
    (^2) البستان 3/ 424.
    (^3) أشار سيبويه إلى ذلك في كتابه 3/ 156.
    (^4) معانِي القرآن ص 37، 38، 139.
    (^5) ينظر قوله في إعراب القرآن للنحاس 3/ 248، ومشكل إعراب القرآن 2/ 380، وغيرهما.
    (^6) الحاقة 13.
    (^7) البستان 4/ 41.
    (^8) ص 81.
105

2 - في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ (^1)، قال الجِبْلي (^2): "وقولُه: "وَدُودٌ" له معنَيانِ، قيل: هو "فَعُولٌ" بمعنى "مَفْعُولٍ"، كحَلُوبٍ ورَكُوبٍ أي: مَوْدُودٌ، وقيل: هو "فَعُولٌ" بمعنى: فاعِلٍ، أي: يَوَدُّ عِبادَهُ الصالحين، ومنه: شَكُورٌ لِعَبْدِهِ على عَمَلِهِ، والعَبْدُ شَكُورٌ لِنِعَمِ رَبِّهِ، ومنه: اللَّهُ تَوّابٌ على عبده، وعَبْدُ اللَّهِ تَوّابٌ إلى رَبِّهِ مِن ذَنْبهِ". اهـ، وهذانِ المَعْنَيانِ ذكرهما الزَّجّاجِيُّ في كتابه: اشتقاقُ أسماءِ اللَّه (^3).

وأمّا الفارسيُّ فمن أمثلة ما نَقَله الجِبْليُّ عنه:

1 - في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ (^4)، قال الجِبْلي (^5): "وقرأ ابنُ عامرٍ وأبو بكرٍ عن عاصم: ﴿نُجِّي﴾ بنونٍ واحدة وتشديد الجيم، وجميع النَّحويِّين حَكَموا على هذه القراءة بالغلط وأنّها لحنٌ. . .، قال أبو عليٍّ الفارسي (^6): هذا إنّما يجوزُ في ضرورة الشِّعر، وراوِي هذه القراءةِ عن عاصم غالطٌ في الرواية، فإنه قَرأ: ﴿نُنجِى﴾ بنونَيْنِ كما رَوَى حَفْصٌ عنه، ولكن النونَ الثانية من ﴿نُنْجِي﴾ تخفَى مع الجيم، ولا يجوز تبيينُها، فالتبس على السامع الإخفاءُ بالإدغام فظَنَّ أنه إدغام، ويدلُّ على هذا إسكانُه الياءَ من ﴿نُجِّي﴾ ونَصْبُ قوله: ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾، ولو كان على ما لم يُسَمُّ فاعلُه ما سكن الياء، ولَوَجَبَ أن تُرفَع ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ ".

2 - في قوله تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (^7)، قال

  • (^1) البروج 14.
    (^2) البستان 4/ 370.
    (^3) ص 152.
    (^4) الأنبياء 88.
    (^5) البستان 1/ 204.
    (^6) الحجة 3/ 160، 161، وينظر: المسائل البغداديات ص 369.
    (^7) النور 31.
106

الجِبْلي (^1): "وقوله: ﴿أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ قرأ ابنُ عامر بضمِّ الهاء، ومثله: ﴿يَاأَيُّهَ السَّاحِرُ﴾ في الزُّخرف (^2)، و﴿أَيُّهَ اَلثَّقَلَانِ﴾ في الرحمن (^3)، قال أبو عليٍّ الفارسي (^4): وهذا لا يتَّجه؛ لأنّ آخِرَ الاسم هو الياءُ الثانية من "أَيُّ"، فينبغي أن يكونَ المضمومُ آخِرَ الاسم، ولو جاز أن يُضَمُّ الهاءُ -من حيث كان مقترنًا بالكلمة- لَجازَ أن يُضَمَّ الميمُ في "اللَّهُمَّ" لأنه آخِرُ الكلمة، وينبغي ألّا يُقرأَ بِهذا، ولا يُؤخَذَ به".

وأمّا ابنُ جِنِّي فقد نَقَل عنه الجِبْلي في موضعٍ واحدٍ فقط، فقال (^5): "قَرأَ العامّة: ﴿يَامَالِكُ﴾ (^6) بإثباتِ الكاف، وقَرأَ عَلِيُّ بنُ أَبِي طالب - رضي الله عنه - والأعمشُ: ﴿يا مالِ﴾ بحذف الكاف على الترخيم، ورَوَى أبو الدَّرداء ذلك عن النبيِّ -ﷺ-، قال أبو الفتح عثمانُ بن جِنِّي (^7): هذا من أحقِّ الأشياءِ بالترخيم؛ لأنه موضعٌ قد ذَهَبَتْ فيه قُواهُم، ولم تنفَعْ فيه شكواهم، فضَعُفُوا عن تتميم نداءِ مالكٍ خازِنِ النار".

رابعًا: مصادرُ مِصريّة

ويمثِّلُها عند الجِبْلي: إعرابُ القرآن لأبي جعفرٍ النَّحّاس، وشرحُ المقدِّمة المُحْسِبةِ، وشرحُ جُمَل الزَّجّاجي لابن بابَشاذ.

1 - إعرابُ القرآن للنَّحاس: الجِبْلي وإن كان قد نَقَل عن النَّحّاس نقلًا صريحًا في واحدٍ وعشرينَ موضعًا فقط، إلّا أنه تأثَّر به تأثُّرًا كبيرًا؛ لأنّ أكثرَ الآراء التي نقلها الجِبْلي عن النحّاس كانت بغير عَزْو، وربّما نَقَل الجِبْلي كلامَ النحّاس واختيارَه في

  • (^1) البستان 1/ 322.
    (^2) الآية 49.
    (^3) الآية 31.
    (^4) الحجة للقراء السبعة 3/ 198، 199.
    (^5) البستان 2/ 489.
    (^6) الزخرف 77.
    (^7) المحتسب 2/ 257 باختلاف كبير في ألفاظه.
107

إعرابٍ ما دون أن يعلِّق عليه، بما يوحي بأنه يؤيِّد النحّاسَ فيما ذهب إليه، وكان الجِبْلي يحكي كلامَ النحّاس أحيانًا بقوله: "قال الصَّفّارُ"، أو: "قاله الصَّفّارُ"، وهذا في عشَرة مواضعَ، وكان أحيانًا يقول: "قال أبو جعفرٍ"، وهذا في موضعَيْن، وأحيانًا يقول: "قال النَّحّاسُ"، أو: "قاله النَّحّاسُ"، وهذا في تسعة مواضع، وكان نَقْله عن النحّاس -كما ذكرتُ- بطريقةٍ من اثنتَيْن:

الأُولى: النُّقل الصَّريح: حيث يصرِّح بالإشارة إلى النحّاس، ومن أمثلة ذلك ما يلي:

1 - في قوله تعالى: ﴿اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾ (^1) قال الجِبْلي (^2): "قال أبو جعفرٍ النحّاس (^3): كان الأعمشُ يقف على: ﴿وَمَكْرَ السَّيِّئْ﴾، فيترُك الحركة، وهو وَقْفٌ حَسَنٌ تامّ، ثم غَلِطَ عليه الراوي، فرَوَى أنه كان يحذف الإعرابَ، فتابَعَ حمزةُ الغالطَ، فقَرأَ في الإدراج بتَرْك الحركة".

2 - في قوله تعالى: ﴿حم (1) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (2) غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ﴾ (^4)، قال الجِبْلي (^5): "وقوله: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ قيل: هما معرفتان، فيكون خفضُهما على النَّعت، وقيل: هما نَكِرةٌ، فيكون خفضُهما على البدَل، وأما ﴿شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾ و﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ فهما نكِرتانِ، فيكون خفضُهما على البدَل لا على النُّعت، هكذا ذكره الصَّفّارُ (^6) ".

  • (^1) فاطر 43.
    (^2) البستان 2/ 212.
    (^3) إعراب القرآن 3/ 377.
    (^4) غافر 1: 3.
    (^5) البستان 2/ 377.
    (^6) يعني النحاس، ينظر: إعراب القرآن 4/ 26.
108

والثانية: النَّقل غيرُ الصَّريح: حيث ينقُل عنه بدون الإشارة إليه، ومن أمثلته ما يلي:

1 - في قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ (^1)، قال الجِبْلي (^2): "ولا يجوز في الكلام: اقتربَ حسابُهم للناس؛ لئلّا يُقَدَّمَ مُضْمَرٌ على مُظْهَرٍ لا يجوز أن يُنْوَى فيه التأخيرُ". اهـ، وهذا الكلام قاله النحّاس بنصِّه (^3).

2 - في قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ﴾ (^4)، قال الجِبْلي (^5): "معطوفٌ على الجبال، ويجوزُ أن يكونَ بمعنى: معَ الطّير، كما تقول: التقَى الماءُ والخشبةَ" اهـ، وهذا ما قاله النحّاس في إعرابِ القرآن (^6).

2 - شرحُ المقدِّمة المُحْسِبةِ، وشرحُ جُمَلِ الزَّجّاجِىِّ لطاهر بن أحمدَ بن بابَشاذ، وهذانِ الكتابان كان لهما أثرٌ كبيرٌ لا في الجِبْلي وحدَه، بل في علماءِ اليمن بصفةٍ عامّة، وقد ذكرتُ السببَ في ذلك في الفصل الأول من هذه الدراسة (^7)، وكان نقلُه عن كتُب ابن بابَشاذ بطريقةٍ من اثنتَيْن:

الأولى: النَّقل الصَّريح، وهذا هو الغالبُ فيما نَقَله الجِبْلي عن كتابَيْ طاهر ابن أحمد إليه، ومن أمثلة ذلك ما يلي:

  • (^1) الأنبياء 1.
    (^2) البستان 1/ 178.
    (^3) في إعراب القرآن 3/ 63.
    (^4) الأنبياء 79.
    (^5) البستان 1/ 198.
    (^6) 3/ 75، 76.
    (^7) 1/ 27.
109

1 - في قوله تعالى: ﴿يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ (^1)، قال الجِبْلي (^2): "قيل: اللامُ صِلةٌ، مجازُها: يدعو مَن ضُرُّه أقربُ من نَفْعِه، وهكذا قرأها ابنُ مسعود، وقال طاهر بن أحمد (^3): مَنْ قال: اللام هاهنا زائدةٌ ففاسدٌ؛ لأنّها لا تقَعُ أولًا في أقوى مراتبِها وتكونُ زائدةً، وإنّما زِيدت وسَطًا في قول بعضهم:

أُمُّ الحُلَيْسِ لَعَجُوزٌ شَهْرَبَهْ تَرْضَى منَ الَّلحْمِ بِعَظْمِ الرَّقَبه".

2 - في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ (^4)، قال الجِبْلي (^5): "وقال طاهر بن أحمد (^6): ليس المرادُ بالسلام في الآيةِ الكرامةَ والتحيّة، وإنّما المرادُ به التَّبَرُّؤُ والتَّخْلِيةُ؛ لأنه خطابُ المؤمنين للجاهلين، كأنّهم قالوا: تَبَرَّأْنا منكم تَبَرُّؤًا، وسُلِّمْنا منكم تَسْلِيمًا، فأَوْقَعَ السلامَ موقعَ التسليم، فانتصب بانتصابه، فلذلك وَجَب نصبُه".

- في قوله تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (31) حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا﴾ (^7)، قال الجِبْلي (^8): "وقال طاهر ابن أحمد (^9): ﴿حَدَائِقَ﴾: بدَلٌ من ﴿وَأَعْنَابًا﴾، وهو بَدَلُ بمِرةٍ من نَكِرةٍ. قال: ومثله من الشعر:

وكُنْتُ كذِي رِجْلَيْنِ: رِجْلٍ صَحِيحةٍ... ورِجْلٍ رَمَى فيها الزَّمانُ فَشَلَّتِ".

  • (^1) الحج 13.
    (^2) البستان 1/ 468.
    (^3) شرح جمل الزجاجي 1/ 136.
    (^4) الفرقان 63.
    (^5) البستان 1/ 391.
    (^6) شرح جمل الزجاجي 2/ 152.
    (^7) النبأ 32، 31.
    (^8) البستان 4/ 258.
    (^9) شرح المقدمة المحسبة ص 425، وينظر: شرح جمل الزجاجي 1/ 57.
110