البستان في إعراب مشكلات القرآنالجزء 4 · ص 323 - 330

سورة {انْفَطَرَتْ}

سورة ﴿انْفَطَرَتْ﴾

مكية

وهي ثلاثمائة وسبعة وعشرون حرفًا، وثمانون كلمةً، وتسع عشرة كلمةً.

باب ما جاء فِي فضل قراءتها

عن أُبَيِّ بن كعب - رضي الله عنه - قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "مَنْ قَرَأ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (1)﴾ أعْطاهُ اللَّهُ - عز وجل - مِنَ الأجْرِ بعَدَدِ كُلِّ قَبْرٍ حَسَنةً، وَبِعَدَدِ كُلِّ قَطْرةِ ماءٍ حَسَنةً، وَأصْلَحَ لَهُ شَأْنَهُ يَوْمَ القِيامةِ" (^1)، وَرُوِيَ عنه -ﷺ- أنه قال: "مَنْ قَرَأ سُورةَ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (1)﴾ بَرِئَ مِنَ الكُفْرِ، وَكُتِبَ مِنَ المُتَواضِعِينَ" (^2).

باب ما جاء فيها من الإعراب

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

قوله - عز وجل -: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (1)﴾؛ أي: انشقت ﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (2)﴾ يعني: تَساقَطَتْ، قيل (^3): إن الكواكب في قَنادِيلَ مُعَلَّقةٍ

  • (^1) ينظر: الكشف والبيان 10/ 145، الوسيط 4/ 433، الكشاف 4/ 229، مجمع البيان للطبرسي 10/ 283.
    (^2) لَمْ أعثر له على تخريج.
    (^3) حكاه الضحاك عن ابن عباس، ينظر: تفسير القرطبي 19/ 228، وانظر ما سبق فِي سورة التكوير 4/ 304.
323

بَيْنَ السماء والأرض بِسَلَاسِلَ مِنْ نُورٍ، وتلك السلاسل بِأيْدِي ملائكةٍ من نور، فإذا كانت النفخةُ الأُولَى تَناثَرَتْ تلك الكواكبُ، وَتَساقَطَت السلاسلُ التي بأيدي الملائكة الذين يمسكونها، فانتثرت في الأرض.

﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (3)﴾ فُجِّرَ بَعْضُها فِي بَعْضٍ؟ عَذْبُها فِي مِلْحِها، وَمِلْحُها فِي عَذْبِها فَصارَتْ بَحْرًا واحِدًا (^1)، نظيرها قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (6)﴾ (^2) ﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (4)﴾ قُلِبَ تُرابُها، وَبُعِثَ الموتى الذين فيها، يقال: بَعْثَرَ يُبَعْثِرُ بَعْثَرةً: إذا قَلَّبَ التُّرابَ ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ﴾ من عمل صالح وطالح ﴿وَأَخَّرَتْ (5)﴾ من حسنة وسيئة، وهذا جواب ﴿إِذَا﴾.

فصل

عن حُذَيْفةَ بنِ اليَمانِ قال: قام سائلٌ على عهد النبيِّ -ﷺ-، فَسَألَ القَوْمَ، ثُمَّ إنَّ رَجُلًا أعْطاهُ، فَأعْطاهُ القَوْمُ، فقال النبيُّ -ﷺ-: "مَنِ اسْتَنَّ خَيْرًا فاسْتُنَّ بِهِ، فَلَهُ أجْرُهُ وَمِثْلُ أُجُورِ مَنِ اتَّبَعَهُ، غَيْرَ مُنْتَقَصٍ مِنْ أُجُورِهِمْ، وَمَنِ اسْتَنَّ شَرًّا فاسْتُنَّ بِهِ، فَعَلَيْهِ وِزْرُهُ وَمِثْلُ أوْزارِ مَنِ اتَّبَعَهُ، غَيْرَ مُنْتَقَصٍ مِنْ أوْزارِهِمْ"، ثم تَلا حُذَيْفةُ بنُ اليَمانِ: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (5)﴾ (^3).

  • (^1) قاله قتادة، ينظر: جامع البيان 30/ 106، شفاء الصدور ورقة 216/ ب، الكشف والبيان 10/ 145، الوسيط 4/ 433، التبيان للطوسي 10/ 290، مجمع البيان للطبرسي 10/ 285، تفسير القرطبي 19/ 244.
    (^2) سورة التكوير الآية 6، وينظر ما سبق فِي 4/ 304.
    (^3) رواه الإمام أحمد في المسند 5/ 387، والحاكم في المستدرك 2/ 516 كتاب التفسير: سورة ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (1)﴾، والطبرانِيُّ في المعجم الأوسط 4/ 94، وذكره الهيثميُّ في مجمع الزوائد 1/ 167 كتاب العلم: باب فيمن سَنَّ خَيْرًا أو غَيْرَهُ.
324

قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6)﴾ نعت "رِبِّكَ"، يعني: الصَّفُوح، و﴿مَا﴾ استفهامٌ ابتداء، و﴿غَرَّكَ﴾ الخبر، والمعنى: ما الذي أمَّنَكَ مِنْ عِقابِهِ؟، يقال: غَرَّهُ بِفُلَانٍ: إذا أمَّنَهُ المَحْذُورَ مِنْ جِهَتِهِ وهو غير مأمون، قيل: إنها نزلت في الوليد بن المغيرة، وقيل: في أُبَيِّ بن خلف، وقيل: في أبِي الأشَدَّيْنِ كَلَدةَ ابنِ أُسَيْدٍ (^1).

وكان عُمَرُ بنُ الخَطّابِ - رضي الله عنه - إذا قرأ هذه الآية: ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6)﴾ قال: الجَهْلُ يا رَبِّ (^2)، وقيل لِلْفُضَيْلِ بن عِياضٍ: لو أقامَكَ اللَّه يَوْمَ القيامة بين يديه، فقال: ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6)﴾، ماذا كُنْتَ تَقُولُ؟ قال: أقول: غَرَّنِي سُتُورُكَ المُرْخاةُ (^3)، فنَظَمَهُ محمدُ بنُ السَّمّاكِ (^4) فقال:

483 - يا كاتِمَ الذَّنْبِ أما تَسْتَحِي... واللَّه في الخَلْوةِ ثانِيكا

غَرَّكَ مِنْ رَبِّكَ إمْهالُهُ... وَسَتْرُهُ طُولَ مَساوِيكا (^5)

  • (^1) تنظر هذه الأقوال في: شفاء الصدور ورقة 216/ ب، الوسيط 4/ 434، تفسير القرطبي 19/ 245.
    (^2) ينظر قول عمر في الكشاف 4/ 227، تفسير القرطبي 19/ 245، البحر المحيط 8/ 428.
    (^3) ينظر قوله في الكشف والبيان 10/ 146، الوسيط 4/ 435، الكشاف 4/ 228، زاد المسير 9/ 47، عين المعانِي ورقة 143/ أ، تفسير القرطبي 19/ 245، 246.
    (^4) محمد بن صُبَيْحِ بنِ السَّمّاكِ، أبو العباس العِجْلِيُّ بالولاء، الزاهدُ القدوة الصدوق سيد الوُعّاظِ، رَوَى عن الأعمش وهشام بن عروة ولَمْ يُكْثِرْ، توفِّيَ سنة (183 هـ). [حلية الأولياء 8/ 203 - 217، سير أعلام النبلاء 8/ 328 - 330، ميزان الاعتدال 3/ 584].
    (^5) البيتان من السريع، لابن السماك كما ذكر المؤلف.
    التخريج: الكشف والبيان 10/ 146، الوسيط 4/ 435، عين المعانِي ورقة 143/ أ، تفسير القرطبي 19/ 246، البحر المحيط 8/ 428، روح المعانِي للآلوسي 30/ 64.
325

وقال أبو بكر بن طاهر الأبْهَرِيُّ في هذا المعنى:

484 - يا مَنْ غَلَا فِي العُجْبِ والتِّيهِ... وَغَرَّهُ طُولُ تَمادِيهِ

أمْلَى لَكَ اللَّه فَبارَزْتَهُ... وَلَمْ تَخَفْ غِبَّ مَعاصِيهِ (^1)

وقال عبد اللَّه بن مسعود: "ما مِنْكُمْ مِنْ أحَدٍ إَلَّا سَيَخْلُو اللَّهُ بِهِ يَوْمَ القيامة، فَيَقُولُ: "يا ابنَ آدَمَ: ما غَرَّكَ بِي؟ يا ابن آدم: ما عَمِلْتَ فِيما عَلِمْتَ؟ يا ابن آدَمَ: ماذا أجَبْتَ المُرْسَلِينَ؟ " (^2).

وقوله: ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7)﴾؛ أي: خَلَقَكَ قائمًا معتدلًا حَسَنَ الصورة، قرأ أهلُ الكوفة بتخفيف الدال؛ أي: صَرَفَكَ وَأمالَكَ إلَى أيِّ صورةٍ شاءَ، قبيحًا وجميلًا، وقصيرًا وطويلًا (^3)، وقيل (^4): صَرَفَكَ من الكفر إلَى الإيمان، وقرأ الباقون بالتشديد (^5)؛ أي: قَوَّمَكَ فَجَعَلَكَ مُعْتَدِلَ الخَلْقِ،

  • (^1) البيتان من السريع، لأبِي بكر بن طاهر الأبْهَرِيِّ كما ذكر المؤلف.
    اللغة: التِّيهُ: الصَّلَفُ والكِبْرُ، غِبُّ الشيءِ: عاقِبَتُهُ وآخِرُهُ.
    التخريج: الكشف والبيان 10/ 147، الوسيط 4/ 435، عين المعاني 143/ أ، القرطبي 19/ 246.
    (^2) رواه الطبرانِيُّ في المعجم الكبير 9/ 182، وينظر: الوسيط للواحدي 4/ 435، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 10/ 347 كتاب البعث: باب ما جاء في الحساب.
    (^3) قاله الفراء وابن قتيبة، ينظر: معانِي القرآن للفراء 3/ 244، غريب القرآن لابن قتيبة ص 518، وينظر أيضًا: تهذيب اللغة 2/ 211، زاد المسير 9/ 48، القرطبي 19/ 246، اللسان: عدل.
    (^4) قاله أبو عمر الزاهد في ياقوتة الصراط ص 559.
    (^5) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر: ﴿فَعَدَّلَكَ﴾ بالتشديد، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي وخلف والأعمش والحسن وعمرو بن عبيد وطلحة وعيسى بن عمر وأبو جعفر: "فَعَدَلَكَ" =
326

وهو الاختيار لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4)﴾ (^1)، ومحل ﴿الَّذِي﴾ خفض على نعت ﴿الكَرِيمِ﴾.

وقوله: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (8)﴾ ﴿مَا﴾ صلة لا محل لها، قال مجاهد ومقاتل والكلبي (^2): في أيِّ شَبَهٍ مِنْ أبٍ أو أُمٍّ أو خالٍ أو عَمٍّ، وقال عكرمة وأبو صالِحٍ (^3): إنْ شاءَ في صورة حِمارٍ، وإن شاء في صورة قِرْدٍ، وإن شاء في صورة كَلْبٍ، وإن شاء في صورة خِنْزِيرٍ (^4).

قوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (9)﴾ يعني الحساب الذي يَدِينُ اللَّهُ النّاسَ فِيه بأعمالهم، والمعنى: كَلّا لا يؤمن هذا الإنسانُ الكافرُ بالجزاء والحساب، فَيَزْعُمُ أنه غير كائن، قرأ أبو جعفر: "يُكَذِّبُونَ" (^5) بالياء، وقرأه

  • = بالتخفيف، ينظر: السبعة ص 674، تفسير القرطبي 19/ 246، البحر المحيط 8/ 428، الإتحاف 2/ 594.
    (^1) التين 4، وهذا الاختيار اختيار الفراء، فقد قال: "ومن قرأ: ﴿فَعَدَّلَكَ﴾ مشددةً فإنه أراد، واللَّه أعلم-: جَعَلَكَ مُعْتَدِلًا مُعَدَّلَ الخَلْقِ، وهو أعجب الوجهين إلَيَّ، وأجودهما في العربية". معانِي القرآن 3/ 244، وحكاه الأزهري عن الفراء في التهذيب 2/ 211، وينظر: تفسير القرطبي 19/ 246.
    (^2) ينظر: جامع البيان 30/ 109، إعراب القرآن للنحاس 5/ 169، زاد المسير 9/ 48، التبيان للطوسي 10/ 292، تفسير القرطبي 19/ 247.
    (^3) هو باذامُ، وقيل: باذانُ، أبو صالِحٍ الهاشِمِيُّ الكُوفِيُّ، مَوْلَى أم هانئ بنت أبِي طالب، تابِعِيٌّ رَوَى عن ابن عباس وعليٍّ وَأبِي هريرة، ضَعَّفَهُ البخاريُّ وغيره، وَوَثَّقَهُ العِجْلِيُّ، وقال ابن مَعِينٍ: "ليس به بأس"، وعامة ما يرويه تفسير. [التاريخ الكبير 2/ 144، الجرح والتعديل 1/ 296، تهذيب التهذيب 1/ 364 - 365].
    (^4) ينظر قولهما في جامع البيان 30/ 109، شفاء الصدور ورقة 217/ أ، الكشف والبيان 10/ 147، تفسير القرطبي 19/ 247.
    (^5) قرأ بالياء أبو جعفر والحسن وشيبة وأبو بشر: "يُكَذِّبُونَ" بالياء، ينظر: البحر المحيط 8/ 428.
327

العامة بالتاء لقوله: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (10)﴾؛ أي: رُقَباءَ من الملائكة يحفظون أعمالكم عليكم، ثم نَعَتَهُمْ فقال: ﴿كِرَامًا كَاتِبِينَ (11)﴾ يعني: كِرامًا على رَبِّهِمْ، كاتبين يكتبون أقوالكم وأعمالكم ﴿يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (12)﴾ من الخير والشر فيكتبونه، قال الحسن (^1): يعلمون ما ظَهَرَ منهم بجوارحهم، ولا يَعْلَمُونَ ما يُحَدِّثُونَ به أنْفُسَهُمْ، قال مجاهد (^2): مع كل إنسان مَلَكانِ: مَلَكٌ عن يَمِينِهِ يكتب الخيرَ، وَمَلَكٌ عن يَسارِهِ يكتب الشَّرَّ.

فصل

عن أبِي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "يقول اللَّه تعالى: إذا أرادَ عَبْدِي أنْ يَعْمَلَ سَيِّئةً، فَلَا تَكْتُبُوها عليه حَتَّى يَعْمَلَها، فَإنْ عَمِلَها فاكْتُبُوها عَلَيْهِ بِمِثْلِها، وَإنْ تَرَكَها مِنْ أجْلِي، فاكْتُبُوها حَسَنةً، وَإذا أرادَ عَبْدِي أنْ يَعْمَلَ حَسَنةً فَلَمْ يَعْمَلْها، فاكْتُبُوها لَهُ حَسَنة، فَإنْ عَمِلَها فاكْتُبُوها لَهُ بِعَشْرِ أمْثالِها إلَى سَبْعِمِائةِ ضِعْفٍ" (^3).

قوله: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ﴾ يعني المطيعين في الدنيا ﴿لَفِي نَعِيمٍ (13)﴾ وهو الجنةُ في الآخرة ﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ﴾ يعني الذين كَذَّبُوا محمَّدًا -ﷺ- ﴿لَفِي جَحِيمٍ (14)﴾ عظيمٍ من النار ﴿يَصْلَوْنَهَا﴾؛ أي: يدخلونها ﴿يَوْمَ الدِّينِ (15)﴾ يوم الجزاء على الأعمال، وهو يوم القيامة ﴿وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ (16)﴾.

  • (^1) ينظر قوله في التبيان للطوسي 10/ 292، تفسير القرطبي 19/ 248.
    (^2) ينظر قوله في الوسيط 4/ 438.
    (^3) رواه البخاري في صحيحه 8/ 198 كتاب التوحيد: باب قول اللَّه، تعالَى-: "يُرِيدُونَ أنْ يُبَدِّلُواْ كَلامَ اللَّهِ"، ورواه ابن حبان في صحيحه 2/ 105 كتاب البر والإحسان: باب تَفَضُّلِ اللَّه ﷿ بِكَتْبِهِ حَسَنةً واحدة لِمَنْ هَمَّ بسيئةٍ.
328

ثُمَّ عَظَّمَ ذلك اليومَ، فقال تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (17)﴾ يعني يوم الحساب، ثم كَرَّرَهُ تفخيمًا لشأنه، فقال: ﴿ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (18)﴾ ﴿مَا﴾ هنا استفهام فيها معنى التعجب والتعظيم، وقد ذكرتُ نظيرها في سورة الحاقة (^1)، فَأغْنَى عن الإعادة هاهنا؛ إذ المعنى واحد، وتكرار ﴿مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (18)﴾ لِيُفْهَمَ ثَوابُ الأبْرارِ وَعِقابُ الفُجّارِ.

ثم أخْبَرَ نَبيَّهُ -ﷺ- عن يوم الدين، فقال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (19)﴾ يعني يوم القيامة ﴿لِلَّهِ (19)﴾ المعنى: إنَّ اللَّهَ لا يُمَلِّكُ فِي ذلك اليومِ أحَدًا شَيْئًا من الأمور كما مَلَّكَهُمْ في دار الدنيا.

وقوله: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ﴾ قرأ أهل مكة وأهل البصرة برفع الميم (^2) رَدًّا على اليوم الأول بدلًا منه، ويجوز أن يُرفع على إضمار "هُوَ" (^3)، وقرأ غيرهم بالنصب على الظرف؛ أي: في يوم الدين، واختاره أبو عبيد، قال (^4): لأنها إضافة غير محضة، قال ابن الأنباري (^5): وهو في موضع رفع إلّا أنه نصب؛ لأنه مضاف غير محض، كما تقول: أعْجَبَنِي يَوْمَ يَقُومُ (^6) زَيْدٌ، وأنشد أبو العباس:

  • (^1) الحاقة 1 - 2، وينظر ما سبق 4/ 34 - 35.
    (^2) قرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وابن محيصن واليزيدي وابن أبِي إسحاق وعيسى بن عمر وابن جندب: "يَوْمُ لَا تَمْلِكُ" بالرفع، وقرأ الباقون بالنصب، ينظر: السبعة ص 674، البحر المحيط 8/ 428، الإتحاف 2/ 595.
    (^3) قاله الأخفش في معانِي القرآن ص 531، وقاله الزجاج والنحاس ومَكِّيٌّ أيضًا، ينظر: معانِي القرآن وإعرابه 5/ 296، إعراب القرآن 5/ 170، مشكل إعراب القرآن 2/ 462.
    (^4) ينظر قوله واختياره في الكشف والبيان 10/ 148.
    (^5) إيضاح الوقف والابتداء ص 969.
    (^6) في الأصل: "يوم القيامة"، وهو خطأ، والتصويب من إيضاح الوقف والابتداء.
329

485 - مِنْ أيِّ يَوْمَيَّ مِنَ المَوْتِ أفِر

أيَوْمَ لمْ يُقدَرَ أمْ يَوْمَ قُدِرْ (^1)

فاليومان الثانيان مخفوضان على الترجمة عن اليومين الأولين، إلّا أنهما نُصِبا في اللفظ؛ لأنهما أُضِيفا إلَى غير محض.

وقال قوم: اليوم الثانِي منصوب على المحل، كأنه قال: فِي يومِ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شيئًا، والأمر يومئذٍ للَّه.


  • (^1) البيتان من الرجز المشطور، لعَلِيٍّ بن أبي طالب، ﵁، ونُسِبا للحارث بن منذر الجرمي.
    التخريج: ديوان الإمام عليٍّ ص 79، النوادر لأبي زيد ص 164، معانِي القراءات 3/ 128، الخصائص 3/ 94، المحتسب 2/ 366، العقد الفريد 1/ 105، 5/ 274، 287، شرح الجمل لطاهر بن أحمد 2/ 243، تفسير القرطبي 19/ 249، التذكرة الحمدونية 2/ 441، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 5/ 132، 8/ 55، البحر المحيط 8/ 483، الجنى الدانِي ص 267، مغني اللبيب ص 365 - 366، شرح شواهد المغني ص 674، فتح القدير 5/ 461.
330