بيان النظم في القرآن الكريمالجزء 1 · ص 83 - 90

سورة البقرة (2): آية 104

سورة البقرة (2): آية 104

سورة البقرة (2): آية 105

﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا اُنْظُرْنا وَاِسْمَعُوا وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (104)

104 - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ انتقال الخطاب إلى المسلمين فيما يخص أحابيل اليهود ﴿لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا اُنْظُرْنا﴾ لفت النظر إلى مثال من انحطاط تفكير اليهود وسفاهتهم، فعندما قدم النبي ﷺ ومعه المهاجرون إلى المدينة حاول اليهود إشغال المسلمين بقضايا جدلية فرعية لتلويث أفكارهم بأمراضهم الفكرية التي ابتلوا بها، فكان اليهود عندما يحادثون النبي ﷺ ينفثون نكايتهم وضغينتهم باستخدام تعابير مموّهة ذات معنى مزدوج، ظاهرها البراءة وباطنها السوء، والعبارة المشار لها في هذه الآية والتي أمر المؤمنون بتجنّبها ﴿راعِنا﴾ كان يستخدمها اليهود في حديثهم مع النبي ﷺ ليس بمعناها الظاهري، أي إصغ إلينا، بما تنطوي عليه من الوقاحة، ولكن لكونها تشبه كلمة في العبرية ذات مغزى سيء، ولذا أمر المسلمون بتجنب هذه الكلمة واستخدام عبارة ﴿اُنْظُرْنا﴾ بمعنى لطفا أعطنا انتباهك، أو لطفا أعطنا برهة لنتابع ما تقول ﴿وَاِسْمَعُوا﴾ أمروا بالإصغاء جيدا لحديث النبي، ومغزى الآية تنبيه المسلمين عموما كي لا يقعوا في أحابيل اليهود، وهي مقدمة للآية التالية أنهم لا يريدون الخير لهم ﴿وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ كنتيجة حتمية وطبيعية مترتبة على إنكار الحق والإصرار على الضلال والإضلال،

وكما هي العادة في القرآن الكريم فإنّ مغزى الآية غير مقتصر على ظروفها التاريخية وإنّما يمتد لكل العصور لوجوب التزام المسلمين بتعليمات السنة النبوية وعدم تقديم رغباتهم الشخصية عليها.

﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (105)

105 - ﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ المصرين على كفرهم بلا رجوع ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ﴾ اليهود ﴿وَلا الْمُشْرِكِينَ﴾ من مشركي العرب والمسيحية ﴿أَنْ يُنَزَّلَ﴾

83

﴿عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ الخير المشار إليه هو الوحي، لأنّ الوحي هو الخير المطلق، بدليل تتمة الآية، وهم يبغضون أن ينزّل الوحي على المسلمين ﴿وَاللهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ﴾ باختيار من يشاء من الأقوام لنزول الوحي، والآية إشارة واضحة إلى إنكار اليهود والمسيحية إمكانية نزول الوحي على غيرهم من الأمم، وغرورهم بالاعتقاد أن الوحي مقتصر عليهم ﴿وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ فيختار لرسالته من يشاء وفق حكمته البالغة، انظر آية [آل عمران 3/ 73]، وآية [النساء 4/ 54] حيث وردت كلمة ﴿الْفَضْلِ﴾ بمعنى الوحي.

سورة البقرة (2): آية 106

كما وردت كلمة «الرحمة» بمعنى الوحي أيضا في آية [آل عمران 3/ 74] وآيات [هود 11/ 28، 63]،

﴿ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (106)

106 - ﴿ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ هذه الآية استمرار مباشر لما سبقها، وهي إجابة على الشكوك التي حاول اليهود نشرها، إذ قالوا: ما دام القرآن والكتب السابقة منزّلة من الله فلماذا أبدل القرآن بعض النصوص والأحكام في الشرائع السابقة بأحكام جديدة؟ كما أبدوا استغرابهم من إدانة القرآن لهم لكونهم أضاعوا جزءا من كتبهم، فقد زعموا استحالة ضياع الوحي الإلهي من الكتب أو من ذاكرة البشر، وفي كل ذلك لم يكن هدفهم موضوعيا ولكن لإلقاء الشكوك حول أصالة القرآن، فالآية تقرر أنّ ما ينسخه تعالى من الشرائع السابقة وأحكامها، أو ما ينساه البشر أو يحرّفونه أو يضيعونه أو يبتكرون غيره - كما أضاعوا التوراة والإنجيل - ينزّل الله مثله أو خيرا منه في القرآن، وأنّ كل شريعة سابقة نزلت في وقتها لتناسب عصرها، إلى أن ختمت الرسالات السماوية ببعثة خاتم الأنبياء والرسل محمد ﷺ الذي أرسل رحمة للعالمين جميعا وليس لأمّة بعينها، والمعنى شبيه بقوله تعالى ﴿يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ﴾

84

﴿الْكِتابِ﴾ [الرعد 13/ 39]، وقوله تعالى: ﴿وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل 16/ 101]، بمعنى أنه تعالى نزّل الرسالات السماوية بالتدريج واحدة تلو الأخرى بحسب تطور الإنسان الفكري والاجتماعي، ولمّا ختمها برسالة القرآن اتهم أهل الكتاب النبيّ بالافتراء، وليس المعنى نسخ بعض الآيات القرآنية كما يظن بعض المفسرين، راجع أيضا شرح آية [المائدة 5/ 48]،

وقد نسب تعالى الإنساء إلى ذاته العلية مع أنه من فعل البشر، فكل شيء في الكون يسير بتقدير من الله ولا يمنع ذلك أن الإنسان مختار لأعماله، قال تعالى عن اليهود ﴿وَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة 5/ 13]، وقال عن المسيحية أيضا ﴿فَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة 5/ 14]، وما ذكّروا به هو الذكر، أي الوحي الذي نزل على أنبيائهم، وسمّي الوحي ذكرا لكونه يذكّر البشر بالميثاق الفطري المأخوذ عليهم، أنظر شرح آية [الأعراف 7/ 172].

وأما قوله تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاّ إِذا تَمَنّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آياتِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحج 22/ 52] فقد يكون أنه نسخ الحديث الشريف بالقرآن، أو أنه النسخ لما يحاول الشيطان إلقاءه في روع الأنبياء من مطامع الدنيا، وليس في الآية ما يدل على غير هذا المعنى، وعلى أية حال فإن قوله: ﴿مِنْ قَبْلِكَ﴾ فيه استثناء للنبي ﷺ ويدل على أن الآية تشير لمن قبله فقط من الأنبياء.

أما لو قبلنا رأي بعض المفسرين أنّ المقصود من هذه الآية نسخ بعض آيات القرآن الكريم، فعندئذ لا يستقيم المعنى ولا يحصل بين هذه الآية وبين ما قبلها أو بعدها علاقة ولا ارتباط، وينقطع النظم القرآني، ويحصل فساد في الترتيب، وذلك لا يليق بكلام الله تعالى، ولكن يستقيم النظم سابقا ولاحقا عند ما يكون المقصود نسخ الشرائع السابقة.

85

وقد ذكر الرازي عن المفسر الشهير أبي مسلم محمد بن بحر الأصفهاني:

«أنّ المراد من الآيات المنسوخة هي الشرائع القديمة من التوراة والإنجيل»، وأن «ليس في القرآن آية منسوخة»، و«أنّ النسخ خلاف الأصل فوجب المصير إلى عدمه بضرب من التخصيص أو التأويل»، ويعتمد الأصفهاني على التخصيص والتأويل لإبطال كل ما قاله بعض المفسرين عن نسخ بعض الآيات القرآنية، إذ ثبت في علم أصول الفقه أنّه إذا وقع التعارض بين النسخ والتخصيص كان التخصيص أولى، أي إنّ معنى الآية التي يقولون: إنّها منسوخة، ينصرف إلى إيضاح حالة خاصة، «أما قولهم بالنسخ فهو بعيد، فكأنهم شغفوا بتكثير الناسخ والمنسوخ من غير ضرورة ولا حاجة، والحقّ ما قرره أصحاب أصول الفقه أن الأصل عدم النسخ، فوجب السعي بتقليله قدر الإمكان» (الرازي).

كما ذكر الشيخ محمد رشيد رضا في تفسير المنار ما يلي: «كان لبعض العلماء ولع بتكثير استخراج الناسخ والمنسوخ من القرآن لما فيه من الدلالة على سعة العلم بالقرآن، وإن كان علما بإبطال القرآن بادي الرأي، من غير حجة تضاهي حجة القرآن في القطع والقوة، ولا ينبغي للمؤمن أن يحسب هذا هيّنا وهو عند الله عظيم» (المنار ص 121 /ج 2).

يضاف إلى ذلك أنه ليس لفكرة نسخ الآيات القرآنية أساس تاريخي أو سند صحيح في السنّة، وترجع في أصلها إلى:

أولا: عجز المفسرين عن التوفيق بين بعض آيات القرآن الكريم وبعضها الآخر، فيتجاوزون هذه الصعوبة بمقولة النسخ بطريقة اعتباطية ليس فيها إجماع حتى بين مؤيدي مقولة النسخ أنفسهم،

وثانيا: بسبب اعتبارهم كلمة (آية) بمعنى ضيّق فقط على أنها جملة من القرآن الكريم، مع أنها تحتمل عدة معان، انظر شرح الآية (39).

86

وثالثا: بسبب اعتبارهم آية النسخ هذه بمعزل عن سياق المعنى، مما يفسد النظم القرآني ولا يليق بكلامه تعالى،

يضاف إلى كلّ ذلك أنه لا يوجد إجماع بينهم على الآيات التي يزعم أنها منسوخة، فالزهري (المتوفّى 742 م، قرّر أنها 42 آية)، ثم ازداد العدد بعده باطراد حتى زعم ابن سلامة (المتوفّى 1018 م) أن عددها 248، وبعده عاد العدد للتناقص فقال السيوطي (المتوفّى 1505 م) أن عددها 20 فقط، ثم قال شاه ولي الله الهندي (المتوفى 1762 م) أنها خمسة.

ومن ذلك مثلا آيات تحريم الخمر الواضح أنها ليست سوى تدرج في التشريع نحو التحريم:

سورة البقرة (2): آية 107

1 - ﴿وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [النحل 16/ 67]

﴿2 - ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ [البقرة 2/ 219]

3 - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ﴾ [النساء 4/ 43]

4 - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة 5/ 90].

﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ (107)

107 - ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ﴾ أيها الإنسان ﴿أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ فينسخ من الشرائع السابقة ما يشاء بحسب حكمته البالغة ما قد يفوت إدراك البشر، وبحسب ارتقاء الفكر البشري من عصر لآخر، وأن من له ملك

87

السماوات والأرض قادر على بعث النبوة في غيرهم من الأمم، وقد ختم الرسالات ببعثة خاتم الأنبياء والرسل ﴿وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ فلا يغني عنهم شيئا أنهم كانوا من أتباع موسى وعيسى أو كونهم من سلالة الأنبياء السابقين إن لم يتبعوا الرسالة الإسلامية.

سورة البقرة (2): آية 108

﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ (108)

سورة البقرة (2): آية 109

108 - ﴿أَمْ تُرِيدُونَ﴾ أيها اليهود ﴿أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ﴾ لأنّه عندما أنزل تعالى جواز النسخ في شرائعهم دأبوا على الدخول مع النبي ﷺ في مناقشات جدلية، و﴿رَسُولَكُمْ﴾ هو الرسول محمد ﷺ الذي بعث للناس كافة، وسؤالهم موسى من قبل أن قالوا له: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً﴾ (2/ 55)، وقولهم أيضا ﴿وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللهُ﴾ (2/ 118)، ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ بدلا من فهم براهين الحق عقليا وتقويم رسالة القرآن الكريم من حيث جدارتها ممّا يؤدي إلى الإيمان بها، فهم إمّا مكابرون متعجرفون، أو مصرّون على براهين مادية حسية، وذلك هو الضلال عن الطريق القويم.

﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاِصْفَحُوا حَتّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (109)

109 - ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ لأن من شأن الحاسد أن يحاول أو يتمنّى سلب النعمة من محسوده، ولو لم تكن ضارة به، فكيف لو أدّت إلى سيادة المحسود، أو مساواته مع الحاسد؟ ﴿مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ تبينت لهم آيات النبوة، وانطبقت على البشارات المذكورة في كتبهم، واستيقتنها نفوسهم فجحدوا بها

88

سورة البقرة (2): آية 110

سورة البقرة (2): آية 111

﴿فَاعْفُوا وَاِصْفَحُوا﴾ أيها المسلمون، والعفو ترك العقاب، والصفح هو الإعراض وترك اللوم، والمقصود توجيه المسلم ألا يغضب ولا يثور ولا يكون عدوانيا، بل يكون موضوعيا، لدى مناقشاته الدينية مع أهل الكتاب ﴿حَتّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فيأذن بنصرة دينه على من عاداه، عندما تأذن الحكمة الإلهية بذلك، وعندما يكون المؤمنون جديرين بالنصر بعملهم، كما سوف تبين الآية التالية، وشبيه بذلك قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اِهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة 5/ 105]، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ [هود 11/ 118].

﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ إِنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (110)

110 - ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ بعد أن أمر تعالى المؤمنين بالعفو والصفح عن أهل الكتاب، أمرهم بإصلاح أنفسهم باقامة الصلاة على حقها والتوجّه إلى الله تعالى والانقطاع اليه، ليجدوا في ذلك السكينة، وليوقنوا أن أمر الله آت ﴿وَآتُوا الزَّكاةَ﴾ لصلاح المجتمع ﴿وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ﴾ لأن عمل الخير يعود على أصحابه، وبارتقاء المجتمع، فيتحقق وعد الله لهم بحسب سنته تعالى في خلقه ﴿إِنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فيثيبكم بحسب أعمالكم.

﴿وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاّ مَنْ كانَ هُودًا أَوْ نَصارى تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (111)

111 - ﴿وَقالُوا﴾ وهم أهل الكتاب المشار إليهم بالآية (109)﴾، ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاّ مَنْ كانَ هُودًا أَوْ نَصارى﴾ اليهود يعتقدون أن الهداية مقتصرة عليهم وانتهت بهم، والمسيحية من أتباع بولس مصرون على أن المسيح افتدى المؤمنين به من ربقة الخطيئة ﴿تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ﴾ ذلك من قبيل الأماني والتمنّي، حتى أقنعوا أنفسهم أنّ الوهم حقيقة ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ لأن البرهان على

89

سورة البقرة (2): آية 112

سورة البقرة (2): آية 113

سورة البقرة (2): آية 114

هذه الدعوى وغيرها لا يقوم إلا من الكتب التي نزل بها الوحي، وليس من الكتب التي حرّرها الأحبار والكتبة ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في دعواكم.

﴿بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (112)

112 - ﴿بَلى﴾ خلافا لما تزعمون ﴿مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ﴾ من أسلم نفسه بالكامل الى الله تعالى، وتوجّه إليه وحده دون سواه، وهو التعريف الحقيقي للمسلم، وبهذا المعنى يستخدم مصطلح المسلم والإسلام في القرآن الكريم ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ في عمله ﴿فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ هذا المبدأ القرآني بأن ثواب الآخرة ليس حكرا على ملّة معينة، بل هو مفتوح لكل من أسلم نفسه لله وقام بالعمل الصالح تطبيقا عمليا لإيمانه.

﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (113)

113 - ﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ﴾ رفض اليهود الإيمان ببعثة المسيح عليه السلام ﴿وَقالَتِ النَّصارى﴾ من أتباع المسيح ﴿لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ﴾ ما لم يؤمنوا بمبادئهم ﴿وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ﴾ ينسبون ذلك الاعتقاد إلى كتابهم، أو يعتقدونه رغم أنهم يقرؤون الكتاب ﴿كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ وهم مشركو الجزيرة العربية، وكل من يعتقد أن ثواب الله في الآخرة مقتصر عليه ﴿فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ فيؤكّد الصحيح من معتقداتهم، ويبيّن الزائف منها.

﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اِسْمُهُ وَسَعى فِي خَرابِها أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلاّ خائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ (114).

90