بيان النظم في القرآن الكريمالجزء 2 · ص 254 - 261

سورة التوبة (9): آية 123

سورة التوبة (9): آية 123

وهنالك مغزى آخر في الآية بأنّ طلب العلم واجب على كلّ من لديه الاستعداد والقابلية لذلك، فليس كل الناس لديهم الاستعداد للعلم، ومن جهة أخرى لا يمكن للجميع أن يتفرّغوا لطلب العلم كي لا تفوت على المجتمع المصالح العامة.

﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (123)

123 - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفّارِ﴾ الأمر بقتال الكفار القاطنين في جزيرة العرب، بدليل الآيات التالية (124 - 127)، وهو معنى قوله ﴿يَلُونَكُمْ﴾ أي يجاورونكم، والأمر بقتالهم لأن جزيرة العرب يجب أن تكون خالصة للمسلمين دون غيرهم، راجع شرح الآية (28)﴾ وآية [الأنفال 56/ 8]، ويشمل المعنى أيضا الكفار الذين يقدمون من أقطار بعيدة لقتال المسلمين في بلادهم، فينطبق عليهم معنى ﴿يَلُونَكُمْ﴾ أي يدنون منكم ويصيرون قريبين من دياركم ﴿وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ الغلظة هي الشدّة، وهي ضدّ الرقّة، قال الرازي: التعبير يدل على تقليل الغلظة، وهو يصحّ فيمن أكثر أحواله الرحمة والرأفة، ومع ذلك فلا يخلو عن نوع غلظة، كأنه قيل لو بحثوا في أخلاقكم وطبائعكم لوجدوا فيكم غلظة، وأن هذه الغلظة تعتبر فيما يتصل بالدعوة إلى الدين، وذلك إمّا بإقامة الحجة والبينة، وإما بالقتال، فأمّا أن يحصل هذا التغليظ فيما يتصل بالمعاملات اليومية من بيع وشراء ومجالسة فلا، انتهى ﴿وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ المراد أن يكون قتال الكفار بدافع تقوى الله لا بدافع طلب المادة والسلطة، والمراد أيضا اتقاء التقصير وإتقاء أسباب الهزيمة بمراعاة سننه تعالى في الخلق، باتخاذ الأسباب وإعداد القوة، وبالصبر والثبات والنظام وترك التنازع والخلاف، والتوكل على الله فيما وراء الأسباب.

254

سورة التوبة (9): آية 124

سورة التوبة (9): آية 125

سورة التوبة (9): آية 126

﴿وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيمانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيمانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ (124)

124 - ﴿وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ﴾ استمرار الخطاب من الآية السابقة، أي هنالك من الكفار الذين يلونكم، الذين أمرتم بقتالهم، من يقول عند نزول الوحي: ﴿أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ﴾ السورة ﴿إِيمانًا﴾ يقولون ذلك لبعضهم البعض على سبيل السخرية والتهكم، أو يقولونه للمسلمين لمحاولة صدّهم عن الإسلام، وهو سبب الأمر بقتالهم، وقد يكون في كلامهم إشارة لقوله تعالى في سورة الأنفال ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيمانًا﴾ [الأنفال 2/ 8]، ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيمانًا﴾ بهذه الآية أثبت تعالى للمؤمن زيادة الإيمان ﴿وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ يسعدون بأن اهتدوا إلى الحق، ونجوا من الضلال.

﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ﴾ (125)

125 - ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ مرض القلوب هو الكفر والنفاق والأخلاق الذميمة، انظر آية [البقرة 10/ 2]، ﴿فَزادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ زادت نفوسهم خبثا وقبحا وكفرا، لشدة تصميمهم على الحال التي هم عليها، وانغلاق عقولهم عن التفكر والنظر، انظر شرح آية [الأعراف 71/ 7]، ﴿وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ﴾ أصرّوا على الكفر حتى الموت، ونظيره قوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة 6/ 2].

﴿أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ (126)

126 - ﴿أَوَلا يَرَوْنَ﴾ أي الكفار المشار إليهم في الآيات (123 - 125)، ﴿أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ﴾ يختبرون بنزول الوحي حيث يمكن لهم تمييز الحق من الباطل، ويختبرون بالآيات الدالّة على صدق نبوّته ﷺ، ويختبرون أيضا بالمحن والمعاناة والشدائد ﴿فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ﴾ لأنّ أبواب التوبة مفتوحة لهم، إذ

255

سورة التوبة (9): آية 127

يختبرون المرّة بعد المرّة، وسنة بعد سنة ﴿ثُمَّ لا يَتُوبُونَ﴾ عن كفرهم مع كلّ ذلك ﴿وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ لا يتّعظون، ولا يذّكرون الميثاق الفطري المأخوذ عليهم، [الأعراف 172/ 7] و[آل عمران 81/ 3].

﴿وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ اِنْصَرَفُوا صَرَفَ اللهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ (127)

127 - ﴿وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ﴾ وتليت عليهم وعلى المؤمنين ﴿نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ﴾ نظر التغامز والتهكم والسخرية والتآمر، والمغزى أنهم اتخذوا موقفا مسبقا من الرسالة الإسلامية برسوخهم في الكفر سلفا، وتصميمهم على عدم استخدام العقل في تقويمها ﴿هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ يسترقون النظر إلى بعضهم البعض، محاولين أن لا ينكشف موقفهم للمسلمين ﴿ثُمَّ اِنْصَرَفُوا﴾ عن سماع القرآن، وعن التفكر والتدبّر في الآيات القرآنية، وانصرفوا عن دراستها واعتبارها بذاتها من حيث جدارتها ومصداقيتها ﴿صَرَفَ اللهُ قُلُوبَهُمْ﴾ عن الاهتداء بالقرآن ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ أي بسبب أنهم لا يفقهون ما يسمعون من الآيات، لعدم استعمال عقولهم فيها، راجع آيتي [الأنفال 22/ 8 و55].

﴿لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ (128)

سورة التوبة (9): آية 128

128 - بعد أن فصّلت السورة موقف التكذيب الذي اتخذه الكفار والمنافقون بأنواعهم، تجاه دعوة النبي ﷺ، تلخص هذه الآية بالمقابل موقف النبي ﷺ من الناس، أنه لا يريد سوى هدايتهم، ويخشى عليهم من سوء العاقبة:

﴿لَقَدْ جاءَكُمْ﴾ الخطاب للعرب خاصة، لأنه ﷺ بعث إليهم ابتداء، فآمن العرب بدعوته أولا، ثم آمن العجم بدعوة العرب لهم، وهو أيضا خطاب عام لجميع البشر، لأن النبي ﷺ بعث للناس كافة ﴿رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ أي هو من جنس البشر مثلكم، فلو كان فوق جنس البشر، أو من جنس الملائكة لأشكل الأمر على الناس كما ورد في آية [الأنعام 9/ 6]، والمعنى أيضا أنه من عشيرتكم

256

سورة التوبة (9): آية 129

أيها العرب، فقد عرفتم صدقه وأمانته وطهارته قبل أن يبعث نبيّا ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ﴾ العنت هو المشقة والشدة، والمعنى أنه لكونه واحدا منكم يشقّ عليه عنتكم، أي يخاف عليكم سوء العاقبة والوقوع في المكروه ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾ حريص على إيمانكم وإصلاح شؤونكم ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾.

﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ (129)

129 - ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ عن الإسلام وأعرضوا عنه، وهم الكفار والمنافقون ﴿فَقُلْ﴾ لهم أيها الرسول، أو أيها الداعية، أو أيها المؤمن ﴿حَسْبِيَ اللهُ﴾ هو يكفيني، وهو أدرى بشؤون خلقه ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ لا معبود سواه ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ أفوض أمري إليه وحده دون غيره، بعد أن بلغتكم الرسالة، وأقمت عليكم الحجة، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، وليس لي أن أكرهكم على الإسلام ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ ختم النبوّات ببعثة خاتم الأنبياء والرسل، وأنزل الهداية على خلقه، ولم يتركهم يتخبطون في الضلال، ومنحهم العقل وحرية الفكر، ليتفكروا في الدلائل وفي معجزة القرآن، ليصبحوا مسؤولين عن أعمالهم فيحاسبوا عليها.


257

سورة يونس - 10 - مكية

سورة يونس السورة المكية الرابعة في ترتيب المصحف، وليس في ترتيب النزول، بعد سور الفاتحة - الأعراف - الأنعام، واستثنى بعضهم - بأسانيد ضعيفة - بعض الآيات منها على أنها مدنية، وهي أولى السور المكية الستة (يونس - هود - يوسف - الرعد - إبراهيم - الحجر) التي تبدأ بالحروف المقطعات ﴿الر﴾ سوى أن سورة الرعد تبدأ بالحروف ﴿المر﴾،

وأما تاريخ النزول ففي أواخر فترة إقامة النبي ﷺ في مكة قبل هجرته إلى المدينة، واشتقّ اسم السورة من ذكر قوم يونس في الآية 98 منها، وكما هو معروف في سور القرآن الكريم فإن اسم السورة ليس سوى رمز لها، وللدلالة عليها لا غير، ولا يقصد به أنّ قصة يونس هي موضوع السورة، ولا أنّ في السورة تركيز عليها، ومع ذلك فإنّ قصة قوم يونس هي مثل القوم الذين تداركوا أنفسهم بالإيمان والتوبة قبل فوات الأوان: ﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلاّ قَوْمَ يُونُسَ لَمّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ﴾ [يونس 98/ 10].

ارتباط السورة بما قبلها

أوضحت سورة التوبة أن الله تعالى لا يؤاخذ الناس بضلالهم إلاّ بعد أن تبلغهم الرسالة ويتبيّن لهم طريق الخير من طريق الشر: ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التوبة 115/ 9]، واختتمت السورة بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة 128/ 9]، ثم

258

يستمر الخطاب في سورة يونس بقوله تعالى: ﴿الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ * أَكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قالَ الْكافِرُونَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ مُبِينٌ﴾ [يونس 1/ 10 - 2]،

وفي سورة التوبة أن المشركين نجس معنوي بسبب عقائدهم الفاسدة: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة 28/ 9]، وأن شكوك الكفار في القرآن تزيدهم رجسا: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ﴾ [التوبة 125/ 9]، وفي سورة يونس أن الذين لا يستخدمون ملكاتهم العقلية على النحو السوي يلحق بهم الرجس، وهو الخبث المعنوي، أو النجس: ﴿وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ [يونس 100/ 10]،

وفي سورة التوبة بيان لطريقة الدعوة وأن لا بدّ من الحجة والدليل والإقناع:

﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اِسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة 6/ 9]، وفي سورة يونس أن حكمته تعالى اقتضت خلق الإنسان مختارا مستعدّا بفطرته للإيمان والكفر، فلا يجوز لأحد إكراه الآخرين على الإيمان: ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس 99/ 10].

محور سورة يونس

يدور أولا على مواضيع البعث والجزاء: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ (4)، والتوحيد ودحض الشرك: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ (18)،

259

وثانيا على العلم اليقيني الذي جاء به القرآن، وأن أكثر الناس يتبعون الظن بدلا من يقين القرآن: ﴿وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاّ ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾ (36)، فتدحض السورة مزاعم الكفار عن منشأ القرآن: ﴿وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللهِ وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (37)، وأن القرآن شفاء لما في الصدور من الشك: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (57)، وأن القرآن هو الفضل المطلق والرحمة: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ (58)،

وأن هداية القرآن تعود بالفائدة على الفرد، كما يكون وبال ضلاله عليه:

سورة يونس (10): آية 1

﴿قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اِهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ (108) والإيمان ليس قسرا:

﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (99).

وتضرب السورة مثلا بجوانب من قصص الأنبياء نوح وموسى ويونس عليهم السلام لبيان العبر منها المناسبة لسياق السورة.

﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾

﴿الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ﴾ (1)

1 - ﴿الر﴾ راجع شرح آية [البقرة 1/ 2]، وردت حروف ﴿الر﴾ في ستة سور متتالية من القرآن الكريم هي (يونس - هود - يوسف - الرعد - إبراهيم - الحجر)، غير أنها وردت في سورة الرعد ﴿المر﴾ بزيادة حرف الميم، ونسبوا إلى ابن عباس قوله أن معناها: أنا الله أرى، أو أنا الرب لا رب غيري، وقالوا أيضا ﴿الر﴾ و﴿حم﴾ و﴿ن﴾ حروف ﴿الرَّحْمنِ﴾ مقطّعة، لكنّ الرازي رأى أنّ تفسير ألفاظ المقطعات بناء على ما فيها من الحروف من دون أن تكون تلك

260

سورة يونس (10): آية 2

الألفاظ موضوعة في اللغة لذلك المعنى أصلا، ممّا يفتح الباب للباطنية على مصراعيه في تفسير ألفاظ القرآن الكريم بما يشاكل هذا الأسلوب ﴿تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ﴾ الكتاب الحكيم هو القرآن، قال أبو مسلم الأصفهاني، المعنى: من هذه الحروف ﴿الر﴾ وأمثالها تتألف آيات الكتاب الحكيم، وهذه الحروف في متناول أيديهم، ثم لا يستطيعون أن يأتوا بآية واحدة من مثل آيات الكتاب الحكيم، أمّا وصف القرآن بكونه حكيما فمن عدة وجوه: فهو الكتاب المشتمل على الحكمة، والحكيم أيضا بمعنى الحاكم - فعيل بمعنى فاعل - فهو يحكم بالحق، ويميز بين الاعتقادات الصحيحة والباطلة، والأعمال صوابها من خطئها، ويحكم بصدق النبوّة، ويدل على الحكمة والصواب، والحكيم أيضا بمعنى المحكم الذي لا يتطرق إليه الخلل ولا التناقض، لأنّ القرآن في منتهى الإحكام والإتقان، كما أنّه محكم لا ينسخ منه شيء بخلاف الرسالات السابقة التي نسخت، راجع آية [البقرة 106/ 2].

﴿أَكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قالَ الْكافِرُونَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ مُبِينٌ﴾ (2)

2 - ﴿أَكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ﴾ ما وجه العجب أن يبعث الله تعالى بشرا رسولا؟ فقد قال بعضهم لبعض: ﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخاسِرُونَ﴾ [المؤمنون 34/ 23]، وهذا القول يقوله الكثير من الكفار حتى اليوم، فلو كان المبعوث فوق جنس البشر، أو من جنس الملائكة لأشكل الأمر عليهم، قال تعالى ﴿وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلاّ رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ [الأنبياء 7/ 21]، وهذا الرجل منهم، محمد ﷺ، عرفوا صدقه وأمانته وطهارته قبل أن يبعث نبيّا، والله تعالى لا يترك عباده بلا هداية، فماذا يريد المكابرون كي يؤمنوا؟

﴿أَنْ أَنْذِرِ النّاسَ﴾ مهمة الرسول إنذار الناس كافة، أي إعلامهم بالتوحيد والبعث والحساب ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ منهم واستجابوا لله وللرسول ﴿أَنْ﴾

261