بيان النظم في القرآن الكريمالجزء 2 · ص 270 - 277

سورة يونس (10): آية 17

سورة يونس (10): آية 17

سورة يونس (10): آية 18

سورة يونس (10): آية 19

﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ﴾ (17)

17 - ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا﴾ تتمة جواب النبي ﷺ للكفار وللمشركين، أي ليس هنالك أظلم ممّن يفتري الوحي، لما زعموه عنه، وينسبه إلى الله تعالى، انظر [البقرة 79/ 2]، ﴿أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ﴾ ولا أظلم ممّن يكذّب بآيات الوحي كما يكذّب بها الجاحدون ﴿إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ﴾ الذين يكذّبون الوحي، فلا يفوزون بمبتغاهم في الدنيا والآخرة.

﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ (18)

18 - ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ﴾ وهم المشركون في كل الأزمنة، فبدلا من انجلاء الحقيقة في عقولهم، يصرّون على عبادة الأوثان و"الوسطاء" وتعظيم قبور الأكابر التي لا تقدر على نفع ولا ضر، فإن عبدوها لم تنفعهم، وإن تركوها لم تضرّهم ﴿وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللهِ﴾ بزعمهم، يعتقدون أن عبادة "الوسطاء" تشفع لهم عند الله ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ﴾ أي بشفعاء موهومين؟ انظر الآية (3)، وما ينطوي عليه ذلك من إنكار لعلم الله القديم ﴿سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ تنزيه لله تعالى عما يزعمون من الشركاء والشفعاء.

﴿وَما كانَ النّاسُ إِلاّ أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (19)

19 - ﴿وَما كانَ النّاسُ إِلاّ أُمَّةً واحِدَةً﴾ كانوا أمة واحدة على الفطرة والتجانس في حياتهم البسيطة الأولى، وفي الحديث: «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه»، ثم بعث الله فيهم النبيين برسالة واحدة هي رسالة الإسلام، أي إسلام الأمر الله وحده، والإسلام بهذا المعنى يشمل جميع الأديان التي جاء بها الأنبياء لأنّ أصلها التوحيد والاستسلام لله

270

تعالى والانقياد لهداية الوحي ولو اختلفت بعض التكاليف وأحكام التشريع التي نسخ بعضها بعضا، انظر [آل عمران 19/ 3]، ﴿فَاخْتَلَفُوا﴾ طوائف وشيعا، وهو سبب ادّعائهم الشفعاء، وعبادتهم ما يضرهم ولا ينفعهم، انظر آية [البقرة 213/ 2]، ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ بإمهالهم إلى الآخرة، وعدم تعجيل العقوبة لهم في الدنيا، (الآية 11)، إنعاما عليهم، لعلهم يتوبون ويعودون إلى الحق، ومن جهة ثانية تكريما لبني آدم أن يكون لهم حرية الفكر وحرية الخيار بين الحق والباطل، انظر [هود 118/-119]، ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ في الحياة الدنيا ﴿فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ بإهلاك المبطلين منهم وإظهار أهل الحق، أو بكشف حجب الغيب وانتهاء فترة الاختبار،

سورة يونس (10): آية 20

﴿وَيَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ (20)

سورة يونس (10): آية 21

20 - وهذه شبهة رابعة من شبهات الكفار، بعد إنكارهم النبوّة، وإنكارهم البعث والحساب، وزعمهم أن القرآن مفترى: ﴿وَيَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ يريدون معجزة مادية خارقة تلمسها أيديهم وتشهدها حواسهم برهانا على نبوته ﷺ، والمعنى أنهم لا يريدون إعمال عقولهم، ولا ينظرون في آيات الكون، ويجحدون أو لا يريدون تقويم الآيات القرآنية بذاتها ومن حيث جدارتها وإعجازها ﴿فَقُلْ﴾ لهم أيها النبي ﴿إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلّهِ﴾ هو وحده المختص بعلم الغيب، والصارف عن إنزال الآيات المقترحة لحكمة هو يعلمها، كما في آيتي [الأنعام 109/ 6 - 110]، ﴿فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ انتظروا عواقب عملكم وسلوككم، وأنا انتظر ظهور رسالة الإسلام على سائر الأديان.

﴿وَإِذا أَذَقْنَا النّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا قُلِ اللهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ﴾ (21)

21 - ﴿وَإِذا أَذَقْنَا النّاسَ رَحْمَةً﴾ كالصحة والسعادة، والمقصود بالناس الأنواع المشار إليهم بالآيات (20، 18، 15، 12، 11، 7) ﴿مِنْ بَعْدِ ضَرّاءَ﴾

271

سورة يونس (10): آية 22

﴿مَسَّتْهُمْ﴾ كالمرض والفقر وغيره ﴿إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا﴾ بعد زوال الضرّ عنهم، ينكصون إلى الجحود والمكابرة وإنكار الإيمان، بل يمكرون في الآيات ويطعنون بها، وهذا المعنى شبيه بالآية (12) المتقدمة، سوى أن معنى المكر قد أضيف إليه ﴿قُلِ اللهُ أَسْرَعُ مَكْرًا﴾ المكر هو التدبير الخفي الذي يؤدي بالممكور به إلى ما لا يحتسب ولا يتوقع، ومكره تعالى تدبيره الذي يخفى على الناس، وهو أسرع مكرا لأنه سبق في تدبيره أمور الخلق وأعمار الناس، وتقديره الجزاء على الأعمال قبل وقوعها، وفي الآيتين (22 - 23) تفصيل لهذا المعنى ﴿إِنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ﴾ لا يخفى على الله شيء من مكركم وعملكم، قال الألوسي: وكيفية الكتابة ممّا لا يلزم العلم به، كما لا حاجة إلى جعله مجازا عن العلم.

﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ (22)

22 - استمرار الخطاب من الآية السابقة، فهذه الآية وما يليها مثال على مكر الناس في الآيات: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ يمكنّكم من ذلك، بما أودع فيكم من العقول والمقدرة على تطوير العلوم والمعارف ﴿حَتّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ﴾ السفن ﴿وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ جرت هذه السفن بمن فيها بسبب ريح طيبة مواتية لوجهة السير، وتغيير الكلام من المخاطب إلى الغائب بقوله تعالى ﴿بِهِمْ﴾ لإبراز المغزى العام لهذا المثل وانطباقه على معظم الخلق ﴿وَفَرِحُوا بِها﴾ اطمأنوا واغتبطوا بأن الأمور مواتية لهم ﴿جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ﴾ فرجح عندهم الاعتقاد أنهم مشرفون على الهلاك فعندئذ ﴿دَعَوُا اللهَ﴾ وحده ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ بلا كفر ولا شرك ﴿لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ﴾ المصيبة ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ أقسموا أمام الله لئن نجوا أن يكونوا شاكرين لنعمائه مقرّين بفضله، والمغزى من هذا المثال أنّ الإنسان إذا اشتدّ خوفه رجع إلى فطرته التي خلق عليها بأنّ الله

272

سورة يونس (10): آية 23

سورة يونس (10): آية 24

وحده المتصرف بالعباد والخلق، ومثال الفلك ينطبق اليوم على أنواعها من بواخر وغواصات وطائرات،

﴿فَلَمّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يا أَيُّهَا النّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (23)

23 - ﴿فَلَمّا أَنْجاهُمْ﴾ مستجيبا دعاءهم ﴿إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ البغي: الظلم والعدوان والإفساد، والمعنى أنهم على النقيض من دعائهم وقت الشدة أن يكونوا شاكرين لأنعم الله، انقلبوا، بعد نجاتهم، إلى البغي في الأرض ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ مع علمهم أنهم على غير الحق ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ﴾ وهي قاعدة عامة، في كل زمان ومكان، أنّ البغي يعود على صاحبه بسوء العاقبة ﴿مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ تتمتّعون ببغيكم متاع الحياة الدنيا فقط ﴿ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ﴾ في الآخرة، وقد نذيقكم عذاب الدنيا قبل الآخرة ﴿فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ من مفاسد ومظالم، فتلاقون جزاءها،

وفي الحديث: «ما من ذنب أجدر أن يعجّل لصاحبه العقوبة، من البغي وقطيعة الرحم» و«أسرع الخير ثوابا البرّ وصلة الرحم، وأسرع الشرّ عقوبة البغي وقطيعة الرحم».

﴿إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ وَالْأَنْعامُ حَتّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَاِزَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهارًا فَجَعَلْناها حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (24)

24 - لما كان سبب مكر الناس في الآيات، (الآية 21)، وسبب بغيهم وإفسادهم، (الآية 23)، هو إفراطهم في حب الدنيا وتهالكهم عليها، ضربت السورة مثلا عن الحياة الدنيا، منعا للغرور بها، وموعظة للاعتدال بها وبمواردها، ولاجتناب التوسل إليها بالبغي والظلم:

273

سورة يونس (10): آية 25

﴿إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ﴾ مثلها كمثل المطر ينزل من السماء ﴿فَاخْتَلَطَ بِهِ﴾ بسببه ﴿نَباتُ الْأَرْضِ﴾ البذور الكامنة في التربة ﴿مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ وَالْأَنْعامُ﴾ أنبتت الأرض من كل أنواع النبات ممّا يستفيد منه الإنسان والحيوان ﴿حَتّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها﴾ الزخرف في اللغة هو الذهب، ويشبّه به كل زينة مصطنعة، فالمقصود أن الأرض أخذت زخرفها ليس فقط بنتيجة نبات الأرض وزراعتها، بل أيضا بما أضافه الإنسان بنتيجة جهوده الفنية التقنية في سبيل رفاهيته، ليس بالضرورة بما يتناسب مع الطبيعة والبيئة، بل بما قد يتعارض ويتنافر معها ويخلّ بتوازنها ويلوّثها ﴿وَاِزَّيَّنَتْ﴾ تزيّنت ﴿وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها﴾ ظنّوا أنهم مسيطرون عليها ومتمكّنون منها بمشاريعهم وبوسائلهم العلمية والتقنيّة ﴿أَتاها أَمْرُنا﴾ المقدّر لإهلاكها، إمّا بجائحة سماوية، أو بما أفسدت يد الإنسان من تخريب البيئة ﴿لَيْلًا﴾ وهم نائمون ﴿أَوْ نَهارًا﴾ وهم غافلون عن آخرتهم لاهثون وراء دنياهم، ويحتمل المعنى أيضا أن تكون بعض أجزاء الكرة الأرضية ليلا وبعضها نهارا، بسبب كروية الأرض، وهو من إعجاز القرآن العلمي ﴿فَجَعَلْناها حَصِيدًا﴾ كالأرض المحصودة الجرداء المستأصل زرعها ﴿كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾ كأنّها لم تكن غنية في الماضي ﴿كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ﴾ مثل هذا التفصيل والبيان ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ يستفيدون من عقولهم وأفكارهم، ويتعظون قبل فوات الأوان.

﴿وَاللهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (25)

25 - ﴿وَاللهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ﴾ استمرار الخطاب من الآية السابقة، أي هم يؤثرون متاع الحياة الدنيا والبغي والإفساد وما يتبع ذلك من الشقاء، في حين أنّه تعالى يدعوهم إلى ما يؤدّي بهم إلى دار السلام والسعادة الأبدية في الآخرة، كما يدعوهم إلى السعادة الدنيوية التي يتمتع بها المؤمنون، وهي الراحة النفسية الداخلية، والعيش بسلام مع دنياهم دون فساد وإفساد ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ الله تعالى يدعو كل أحد إلى دار السلام، ويهدي من يشاء الهداية، ومن لديه الاستعداد لها، إلى الطريق الموصل إليها.

274

سورة يونس (10): آية 26

سورة يونس (10): آية 27

سورة يونس (10): آية 28

﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ (26)

26 - بعد أن دعا تعالى عباده إلى دار السلام، ذكر ما يحصل لهم فيها من السعادة: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾ أعمالهم ﴿الْحُسْنى﴾ المثوبة الحسنى، أو المنزلة الحسنى في الجنة ﴿وَزِيادَةٌ﴾ فوق استحقاقهم تفضّلا منه تعالى، وشبيه بذلك قوله عزّ من قائل: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور 38/ 24]،

﴿وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ﴾ لا يرهق وجوههم ما يرهق أهل النار من السواد والهوان ﴿أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾.

﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ما لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عاصِمٍ كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ (27)

27 - ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ﴾ بالشرك والمعاصي ﴿جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها﴾ بلا زيادة عليها، بمقتضى العدل ﴿وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ يرهقهم الهوان ﴿ما لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عاصِمٍ﴾ فلا ينتفعون بالشركاء المزعومين والأولياء والشفعاء والزعماء والأسياد ﴿كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا﴾ وجوههم سوداء، كأنما ألبست قطعا من الليل المظلم، وبالإضافة لكونه حقيقة، قد يكون مجازا عن فضيحة الذنوب والخزي ﴿أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾.

﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ ما كُنْتُمْ إِيّانا تَعْبُدُونَ﴾ (28)

28 - بعد أن بينت الآية السابقة أن الذين كسبوا السيئات ﴿ما لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عاصِمٍ﴾، تؤكد هذه الآية عدم نفع الشركاء لهم: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾ يوم البعث ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ﴾ قفوا للحساب، كي نفصل بينكم، فيما كان من سبب عبادتكم لمن جعلتموهم

275

سورة يونس (10): آية 29

سورة يونس (10): آية 30

شركاء ﴿فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ﴾ فرّقنا بين المشركين وبين من جعلوهم شركاء لله، كناية عن زيف الروابط التي كانت بينهم ﴿وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ﴾ الذين زعموا فيهم الألوهية، أو من زعموا أنهم فوق البشر، أو اعتقدوا فيهم الوساطة أو الشفاعة، أو الذين ادّعوا الزعامة والجبروت والسلطة الدائمة ﴿ما كُنْتُمْ إِيّانا تَعْبُدُونَ﴾ تبرأ المعبودون من العابدين، والمعنى إنّ عبادتكم لم تكن لنا في الحقيقة، ولكن كنتم تعبدون أوهامكم الناتجة من التقليد الأعمى، وتعبدون مصالحكم الدنيوية، وشهواتكم، وزعاماتكم،

﴿فَكَفى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ﴾ (29)

29 - تتمة خطاب المعبودين للعابدين: ﴿فَكَفى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ﴾ فهو العليم بحالنا وحالكم ﴿إِنْ كُنّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ﴾ كنّا في غفلة عن عبادتكم لنا، لا نكترث لها، ولم نطلبها منكم، ونتبرأ منها، بل كنّا نسخر منها ومنكم،

﴿هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (30)

30 - ﴿هُنالِكَ﴾ في ذلك الموقف، أو في ذلك المقام، وهو مقام الحشر، لأن الخطاب تتمة لما قبله، (الآيات 27 - 28 - 29) ﴿تَبْلُوا﴾ تختبر ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ مؤمنة وكافرة ﴿ما أَسْلَفَتْ﴾ ما قدّمت من عمل في الدنيا، وتتحقق أن ما عملت من خير فعاقبته خير، وما عملت من شر فعاقبته شرّ، والمغزى أن عاقبة الإنسان نتيجة طبيعية لما قدّم من عمل ﴿وَرُدُّوا إِلَى اللهِ﴾ إلى ثوابه وعقابه ﴿مَوْلاهُمُ الْحَقِّ﴾ الحق في ألوهيته، وليس ما اتخذوه باطلا في دنياهم ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ﴾ ذهب وضاع ﴿ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ما كانوا يختلقون من الأوهام، ومن الآلهة، والمؤلّهين، ومن الشفعاء والأولياء والزعماء.

276

سورة يونس (10): آية 31

سورة يونس (10): آية 32

سورة يونس (10): آية 33

﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ (31)

31 - بعد أن ذكرت الآيات السابقة شبهات الكفار تجاه الوحي، تورد هذه الآية والآيات التي تليها الحجج تجاه ذلك: ﴿قُلْ﴾ أيها النبي، أو أيها المسلم، لأولئك المشركين، وللمشركين في كلّ زمن: ﴿مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ﴾ غير الله سبحانه، رزقا معنويا وماديّا ﴿أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ﴾ بما فيهما من إعجاز، ومن يستطيع خلقهما وتسويتهما على هذه الفطرة العجيبة ﴿وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ كخروج النبات من الأرض الميتة، ثم موت النبات، أو كإحياء الإنسان من العدم ثم موته، وعلى المعنى المجازي: من يخرج المؤمن من الكافر، والشرّير من الصالح، انظر [الأنعام 122/ 6]، حيث جعل تعالى الكفر موتا والإيمان حياة ﴿وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ أمور الخلق والكون العجيب وما أودعه فيه من النظام والسنن ﴿فَسَيَقُولُونَ اللهُ﴾ بلا جدال، فهم مقرّون بذلك مع شركهم ﴿فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ عواقب الشرك، مع اعترافكم أنّ كل هذه النعم والإعجاز وتدبير الكون منه تعالى وحده.

﴿فَذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ فَأَنّى تُصْرَفُونَ﴾ (32)

32 - ﴿فَذلِكُمُ اللهُ﴾ لا إله إلاّ هو ﴿رَبُّكُمُ الْحَقُّ﴾ من كانت هذه قدرته في إنعامه عليكم، وأنه الحيّ بذاته، المحيي لغيره، فهو ربّكم الحقّ الثابت بذاته، المتحققة ربوبيته وألوهيته دون سواه ﴿فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ﴾ فكلّ معبود سواه باطل ﴿فَأَنّى تُصْرَفُونَ﴾ كيف تصرفون عن عبادته وحده؟ إلى عبادة ما سواه؟ بعد أن عرفتم هذا الأمر الواضح؟

﴿كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (33)

33 - ﴿كَذلِكَ﴾ كما أنه ليس لتارك الحق إلاّ أن يكون على الضلال، كذلك ﴿حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ تتحقق سنّته، ويتحقق وعيده ﴿عَلَى الَّذِينَ﴾

277