بيان النظم في القرآن الكريمالجزء 2 · ص 302 - 309

سورة يونس (10): آية 89

سورة يونس (10): آية 89

سورة يونس (10): آية 90

إزالتها، والدعاء بطمسها لأنّها كانت بأيدي الملأ من كبار القوم دون الدهماء من عامة الناس ﴿وَاُشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ حتى تصبح ضيقة حرجة لا يتمتعون معها بالسعادة ﴿فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ﴾ حتى يعيشوا حالة من القلق والتعاسة والضيق النفسي والخوف والترقّب.

﴿قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فَاسْتَقِيما وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ (89)

89 - ﴿قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما﴾ بطمس أموال الملأ والشدّ على قلوبهم، ولكن في وقته ﴿فَاسْتَقِيما﴾ على ما أنتما عليه من الدعوة وإلزام الحجّة ولا تستعجلا، واستمرّا في إعداد بني إسرائيل للخروج ﴿وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ أي سبيل الجهلة بسنة الله في الخلق، فلا تستبطئا إنجاز الوعد قبل أوانه، لأنّ الدعاء وإن كان مجابا فقد لا يحصل في الحال، والمغزى أنه تعالى يعطي الناس فرصا للتوبة والرجوع إلى الحق ثمّ إذا حصلت لهم سوء العاقبة كانت نتيجة إصرارهم ومحض أعمالهم الاختيارية.

﴿وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (90)

90 - ﴿وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ﴾ أي بعد تبيّن إصرار فرعون وملئه على الكفر وبعد أن تمّ تجمّع بني إسرائيل وحان أوان خروجهم، جاوزوا إلى الشاطيء الآخر بلطف العناية الإلهية ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا﴾ ظلما واعتداء ﴿حَتّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ﴾ خاض فرعون البحر وراءهم حتى إذا وصل إلى حد الغرق ﴿قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ﴾ بدعوة موسى ﴿وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ المستسلمين لله المنقادين لأمره، أي جمع بين الإيمان الذي هو التصديق بالقلب، والإسلام الذي هو الإذعان والخضوع بالفعل (انظر شرح الآية 84)، وكان من قبل جاحدا، أي مصدّقا غير مذعن ولا خاضع، أي بعد جحودهم بآيات موسى، كانت هذه عاقبتهم.

302

سورة يونس (10): آية 91

سورة يونس (10): آية 92

سورة يونس (10): آية 93

﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ (91)

91 - ﴿آلْآنَ﴾ اضطرارا، بعد فوات أوان الخيار الحر ﴿وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ لا ينفع ادعاء الإسلام صاحبه بعد أن صار اضطرارا، انظر آية [النساء 18/ 4].

﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ﴾ (92)

92 - ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ لعل هذه إشارة إلى عادة قدامى المصريين تحنيط أجساد فراعنتهم، ومنهم منفتاح الذي قيل إنه فرعون الذي أخرج موسى من مصر ولا تزال جثته محنطة في المتاحف المصرية إلى اليوم ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ﴾ غافلون عن الآيات الكثيرة المحيطة بهم وعن استخلاص العبر منها.

﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ فَمَا اِخْتَلَفُوا حَتّى جاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (93)

93 - ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ المبوّأ هو الموطن، والمقصود موطنا محمودا صالحا مباركا وهي فلسطين، ثم آلت فلسطين لذرية إبراهيم من العرب تصديقا لنبوءة موسى (انظر سفر التثنية 18/ 18) بنتيجة فشل اليهود في حمل رسالة التوحيد ﴿وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ فيها ﴿فَمَا اِخْتَلَفُوا حَتّى جاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ وهو علم الدين فقد عصوا موسى واختلفوا على التوراة ودرسوها أي طمسوها كما تدرس الريح الأثر، انظر شرح آية [الأعراف 169/ 7]، وكفروا بآخر أنبيائهم عيسى المسيح عليه السلام، ثم بمحمد ﷺ ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ فيبيّن لهم الحق من الباطل، والمعنى أنهم لا يتفقون في الدنيا على حقّ، قال الرازي: المراد أنّ هذا النوع من الاختلاف لا حيلة في إزالته في الدنيا، وأنه تعالى يقضي بينهم في الآخرة، انتهى، لقوله تعالى ﴿وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود 119/ 11]، راجع شرح آيتي [هود 118/ 11 - 119].

303

سورة يونس (10): آية 94

سورة يونس (10): آية 95

سورة يونس (10): آية 96

﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ (94)

94 - ﴿فَإِنْ كُنْتَ﴾ أيها الإنسان ﴿فِي شَكٍّ﴾ بعد كل هذه الآيات والعبر ﴿مِمّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ﴾ من القرآن ﴿فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ المقصود بالكتاب جنسه أي كالكتب التي نزلت على أنبياء اليهود والنصارى والتي رغم تشويهها بقي فيها شذرات من الأصل ومنها النبوءات ببعثة خاتم الأنبياء والرسل ﴿لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ بنزول القرآن ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ الشاكّين، وهذه الآية ذات ارتباط بالآيتين (57 - 58)، وشبيه بها قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ [الانفطار 6/-7]،

وأمّا ما أورده بعض المفسرين من أن الخطاب في الآية للنبي ﷺ فغير مستساغ ولا معقول ولا يستقيم مع تتمة الخطاب في الآية (95)، وقد أورد الرازي نحوا من هذا النفي، وكون السورة بكاملها مكية حيث لم يكن قد آمن وقتها من أهل الكتاب أحد دلالة على عمومية الخطاب، ولا شكّ أنّ المعنى العام للآية يؤدي تتابع الوحي الإلهي الذي نزل على الأنبياء ووحدة الغرض من رسالاتهم.

﴿وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ (95)

95 - ﴿وَلا تَكُونَنَّ﴾ أيها القاريء أو السامع ﴿مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ لأنّ كل من كذّب بالآيات خسر نفسه، وهو شبيه بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام 12/ 6]، والآية أمر باستدراك الفرصة قبل فواتها، كما سيرد في الآيات التالية (96 - 97 - 98).

﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (96)

96 - ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ باستحقاقهم العذاب في علم الله القديم ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ أي لرسوخهم في الكفر والتصميم عليه وإحاطة

304

جهالاتهم بهم، وليس أنه تعالى منعهم من الإيمان منعا قهريا، بل ذلك من كسبهم واختيارهم.

﴿وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ﴾ (97)

سورة يونس (10): آية 97

سورة يونس (10): آية 98

سورة يونس (10): آية 99

97 - ﴿وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ﴾ من الآيات الكونية المحيطة بهم من كل جانب، أو من آيات القرآن الكريم ﴿حَتّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ﴾ فحينئذ يؤمنون إيمانا اضطراريا يكون انفعالا وليس فعلا من أفعالهم الطوعية فلا يترتب عليه بالتالي تطهير نفوسهم وتزكيتها.

﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلاّ قَوْمَ يُونُسَ لَمّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ﴾ (98)

98 - تتمة الخطاب من الآيتين السابقتين: ﴿فَلَوْلا﴾ بمعنى فهلا ﴿كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ﴾ قبل نزول العذاب بها ﴿فَنَفَعَها إِيمانُها﴾ لأن الإيمان لا ينفع بعد حلول العذاب ﴿إِلاّ قَوْمَ يُونُسَ لَمّا آمَنُوا﴾ استدركوا أنفسهم بالإيمان قبل فوات الأوان، ويونس النبي (860 - 780 ق م) بعث إلى الآشوريين في بابل في عاصمتهم نينوى التي لا تزال بقاياها ماثلة على شاطئ دجلة المقابل لمدينة الموصل، ويبدو أنّ معظم قومه أصرّوا على رفضه حتى ذهب مغاضبا كما في قوله تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِبًا﴾ [الأنبياء 87/ 21]،

ثم استدركوا أنفسهم بالإيمان فنجوا: ﴿كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ﴾ والآية إنذار لمشركي مكة في وقته، وللناس في كل مكان وزمان بالاستجابة لرسالة القرآن قبل فوات الفرصة، وقبل أن تحقّ عليهم كلمة الله، كما ورد في الآيتين (96 - 97).

﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (99)

99 - ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ أي لألجأهم تعالى إلى الإيمان إلجاء، وفي ذلك إشارة للآية (19)﴾، ولو شاء الله لخلقهم

305

سورة يونس (10): آية 100

كالملائكة لا استعداد في فطرتهم لغير الإيمان، والمعنى أنه سبحانه لا يشاء ذلك لكونه مخالفا للحكمة التي عليها أساس التكوين والتشريع، فاقتضت حكمته تعالى أن يخلق الإنسان مختارا مستعدّا بفطرته للإيمان والكفر، فما دام خلق الإنسان على هذه الفطرة فمن باب أولى ألاّ يجوز للبشر إكراه الآخرين على الإيمان: ﴿أَفَأَنْتَ﴾ أيها الإنسان ﴿تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ الإكراه مناف للحكمة من فطرة الناس على حرية الخيار، والمعنى أيضا أنّ الإكراه غير ممكن وغير مستطاع عدا كونه لا يصح، وهو ليس من وظائف الرسالة التي بعث بها النبي ﷺ، وقد أجمعوا أنّ إيمان المكره باطل لا يصح.

﴿وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ (100)

100 - ﴿وَما كانَ لِنَفْسٍ﴾ في استقلالها في أفعالها وحرية خيارها بين الحق والباطل ﴿أَنْ تُؤْمِنَ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ﴾ فهي مختارة في دائرة الأسباب والمسبّبات، ولكنها غير مستقلة في خيارها أتم الاستقلال بل مقيّدة بنظام السنن الإلهية والأقدار، فالمنفي هنا استطاعة الخروج عن هذا النظام العام ﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ﴾ وهو الخبث المعنوي المتصف به الكفر ﴿عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ أي الذين لا يستخدمون ملكاتهم العقلية في أفضل ما هي مستعدّة لها من معرفة الله ووحدانيته وعبادته، وفي التفكر بالرسالات السماوية والآيات الكونية - المشار إليها في الآية التالية - يصبحون ضحية للقيم الزائفة،

سورة يونس (10): آية 101

﴿قُلِ اُنْظُرُوا ماذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (101)

101 - ﴿قُلِ اُنْظُرُوا﴾ بأبصاركم وبصائركم ﴿ماذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ من آيات بيّنات باهرات دالّة على وحدة النظام الكوني وعلى وحدانيته تعالى وألوهيته وربوبيته ﴿وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ العبارة تحتمل صيغة الاستفهام أو صيغة النفي، والمعنى أن المصرّين على عدم الإيمان بإغلاق عقولهم على ما بها من مكابرة وغطرسة لا تنفعهم الآيات والنذر، انظر آية [النساء 155/ 4].

306

سورة يونس (10): آية 102

﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلاّ مِثْلَ أَيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ (102)

102 - ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ﴾ أي هؤلاء المكابرون ﴿إِلاّ مِثْلَ أَيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ فتحيق بهم سوء العاقبة كما حاقت بالأمم البائدة من الكفار قبلهم ﴿قُلْ فَانْتَظِرُوا﴾ تلك العاقبة ﴿إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ لتحقق سنته تعالى الأزلية في العباد كما سيرد في الآية التالية.

﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (103)

سورة يونس (10): آية 103

103 - ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ على منوال ما جرى في الماضي ﴿كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ مثل تلك النجاة التي اطّردت في رسلنا والمؤمنين معهم،

﴿قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَلكِنْ أَعْبُدُ اللهَ الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (104)

سورة يونس (10): آية 104

سورة يونس (10): آية 105

104 - ﴿قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ﴾ في كل مكان وزمان ﴿إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي﴾ بعد كل هذه الحجج، وأنكم ترجون تحوّلي عنه ﴿فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ من شركاء مزعومين ووسطاء وشفعاء وأوثان ﴿وَلكِنْ أَعْبُدُ اللهَ الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ﴾ ووصف الله بتوفّيه إياهم دون غيره من صفاته تعالى وأفعاله لتذكيرهم بما لا يشك به من عاقبة كل إنسان، ومن ثمّ تحقق وعده تعالى في الدنيا والآخرة ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بما دلّ عليه العقل ونزل به الوحي.

﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (105)

105 - ﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ تتمة الخطاب من الآية السابقة أي أمرت أن أكون من المؤمنين وأمرت بإقامة الوجه للدين حنيفا، وهو الميل عن جميع الأديان والمذاهب الباطلة، والتعبير بإقامة الوجه لأن العرب تعبّر به عن توجّه المرء بفكره ونفسه وكلّيته نحو مبتغاه، ويحتمل المعنى أن يكون التوجّه ذاته

307

حنيفا أي معرضا عمّا سواه، أو التوجه نحو الدين الحنيف ﴿وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ أصحاب الديانات والمعتقدات الباطلة.

سورة يونس (10): آية 106

﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ (106)

سورة يونس (10): آية 107

106 - ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ من شركاء موهومين أو شفعاء أو وسطاء، لأن الدعاء هو مخ العبادة كما ورد في الحديث، فلا يجوز الدعاء لغيره تعالى ﴿ما لا يَنْفَعُكَ﴾ إن دعوته ﴿وَلا يَضُرُّكَ﴾ إن تركته ﴿فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ لنفسك، انظر آية [لقمان 13/ 31].

﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (107)

سورة يونس (10): آية 108

107 - ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ﴾ بنتيجة سبب من الأسباب الخاصة بكسب العبد، أو الأسباب القاهرة أو العامة وفق السنن الكونية ﴿فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاّ هُوَ﴾ وقد جعل تعالى لكل شيء سببا يعرفه الخلق بتجاربهم، فالأمور تطلب بأسبابها مع الشكر لمسخّرها، فإن جهل المرء الأسباب أو أعياه طلبها دعا الله وحده دون غيره لكشفها ﴿وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ﴾ يهبه لك بتسخير أسبابه، أو بغير سعي من العبد ولا سبب ﴿فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ لأنّ ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن ﴿يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ﴾ بكسب ومن غير كسب، وبسبب ما قدّره من السنن في الخلق وبغير سبب، ففضله تعالى على العباد بعموم رحمته، بخلاف الضرر الذي لا يقع إلاّ بسبب من الأسباب الخاصة بكسب العبد، أو بسبب عدم اتباع سننه في الخلق بما ينتج عنها من فساد الأفراد والمجتمعات والدول، انظر آية [النساء 78/-79]، ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ بإمهاله البشر وإعطائهم فرص التوبة والرجوع، فلولا مغفرته لهلك الناس بذنوبهم في الدنيا قبل الآخرة،

﴿قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اِهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (108)﴾

308

سورة يونس (10): آية 109

108 - ﴿قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ﴾ في كل مكان وزمان ﴿قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ببعثة خاتم الأنبياء والرسل وبنزول القرآن الكريم، وقد كان هذا الحق مجهولا عندكم من قبل، بجهل بعضكم دعوة الرسل الأقدمين، وبقيام بعضكم بتحريف وتغيير وتبديل رسالات موسى وعيسى ﴿فَمَنِ اِهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ لأن كل فرد بحاجة للإسلام وللقرآن وليس العكس، وفائدة الهداية تعود على الفرد نفسه ﴿وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها﴾ وبال ضلاله على نفسه بما يفوته من فوائد الهداية في الدنيا وما يلحق به من عذاب الآخرة ﴿وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ ليست أموركم موكولة إليّ، ولا أجبركم على الإيمان والاهتداء، فهذا عائد لكم باختياركم، ولست عليكم بمسيطر، إن عليّ إلاّ البلاغ.

﴿وَاِتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ وَاِصْبِرْ حَتّى يَحْكُمَ اللهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ﴾ (109)

109 - ﴿وَاِتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ﴾ في هذا القرآن ﴿وَاِصْبِرْ﴾ على كفر الكفار ﴿حَتّى يَحْكُمَ اللهُ﴾ في الدنيا فينجز وعده للعباد، وفي الآخرة فيبين لهم الحق من الضلال ويجازي كل إنسان بعمله ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ﴾ لا يحكم إلا بالحق.


309