بيان النظم في القرآن الكريمالجزء 2 · ص 406 - 413

سورة يوسف (12): آية 103

سورة يوسف (12): آية 103

سورة يوسف (12): آية 104

العهدين القديم والجديد اللذين لم يكونا متاحين بالعربية في عصره أصلا كما لم يثبت أن كان هنالك مركز ثقافي مسيحي أو يهودي في جزيرة العرب ينشر ثقافة الديانتين، والقصة على أية حال جاءت مختلفة ومصححة لكثير من الغرائب المتناقضة الواردة في العهد القديم.

﴿وَما أَكْثَرُ النّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (103)

103 - ﴿وَما أَكْثَرُ النّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ﴾ على إيمانهم ﴿بِمُؤْمِنِينَ﴾ لفساد استعدادهم لأن أكثرهم متمسك بالتقليد لا يكاد يقدر على التفكير المستقل، ولا يستطيع الانفلات من دائرة الجمود المتوارث عن الآباء والأجداد، وإن اقتنع بخلافها فهو يخاف على مكاسبه المادية بين قومه ومعارفه كما يخشى على مكانته الاجتماعية بينهم أن يقولوا خرج على معتقدات أهله وقومه، وهذا الأمر ليس مقتصرا على الناس وقت بعثة النبي ﷺ فهو عام في كل الأزمنة وقد تمر أجيال قبل أن تثمر جهود الداعية، وبعد الفتوحات الإسلامية بقي أكثر الناس في البلاد المفتوحة على دينهم إلى أن دخلوا الإسلام طواعية بالتدريج بعد أجيال عديدة، ويستثنى من هؤلاء الناس من لم تفسد فطرتهم باليهودية أو المسيحية ومثلها أي الباقون على فطرتهم الأصلية، كما هو شأن الوثنيين في أفريقية وجنوب أمريكا وشرق آسية حيث يجد المبشرون المسلمون والمسيحيون تربة خصبة وثمرات سريعة لنشاطهم.

﴿وَما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ (104)

104 - ﴿وَما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ﴾ أي على البلاغ ﴿مِنْ أَجْرٍ﴾ لأن الدعوة خالصة لوجهه تعالى ﴿إِنْ هُوَ﴾ أي القرآن ﴿إِلاّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ وليس لأمة بعينها كما هي حال الكتب السابقة، وسمّي القرآن ذكرا لأنه يذكّر البشر بالميثاق الفطري المأخوذ عليهم، انظر [الأعراف 172/ 7] و[الرعد 19/ 13 - 20].

406

سورة يوسف (12): آية 105

سورة يوسف (12): آية 106

سورة يوسف (12): آية 107

سورة يوسف (12): آية 108

﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ﴾ (105)

105 - ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ من دلائل توحيد الخالق وقدرته وحكمته وبديع صنعه ﴿يَمُرُّونَ عَلَيْها﴾ يجيئون ويذهبون ﴿وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ﴾ لا يلتفتون إليها ولا يكترثون لانهماكهم في دنياهم، فلا عجب أنهم لم يتأملوا في معجزات القرآن الكريم.

﴿وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ (106)

106 - ﴿وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ كما هي حال المسيحية الذين يقولون بالتثليث، وكما هي حال الذين يأتمرون بأحبارهم وبرؤسائهم في الباطل، وكما هي حال المنافقين والمرائين، وحال المعتقدين بنفع أهل القبور والنذر لها.

﴿أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غاشِيَةٌ مِنْ عَذابِ اللهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ (107)

107 - ﴿أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غاشِيَةٌ مِنْ عَذابِ اللهِ﴾ عقوبة تغشاهم وتعمّهم ﴿أَوْ تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً﴾ من حيث لم يتوقعوا فيفوت أوان توبتهم ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ لأنهم منغمسون في دنياهم لاهثون وراءها.

﴿قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اِتَّبَعَنِي وَسُبْحانَ اللهِ وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (108)

108 - ﴿قُلْ﴾ لهم أيها النبي ﴿هذِهِ سَبِيلِي﴾ أي طريقي وهو طريق التوحيد والقرآن والدعوة ﴿أَدْعُوا إِلَى اللهِ﴾ إلى عبادة الله وحده ﴿عَلى بَصِيرَةٍ﴾ أي إن دعوتي لكم مبنية على البصيرة والحجة والبرهان، لأن القرآن يناشد العقل ويحث في الكثير من الآيات على التفكر في مضمونه، وأن ما أدعو إليه ليس فيه شيء من الغموض بل هو منسجم مع الفكر السليم ﴿أَنَا وَمَنِ اِتَّبَعَنِي﴾ أدعوكم إلى الإسلام، وهنالك معنى آخر ذكره الرازي فيمن يتصدّى للدعوة يشترط أن يكون على بصيرة ممّا يقول وعلى هدى ويقين، فإن لم يكن كذلك فهو محض

407

سورة يوسف (12): آية 109

سورة يوسف (12): آية 110

سورة يوسف (12): آية 111

الغرور ﴿وَسُبْحانَ اللهِ﴾ تنزيها له عمّا يشركون ﴿وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ بل أتبرأ من شرككم.

﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاّ رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اِتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (109)

109 - ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاّ رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ ردّ على المتعجبين أن كيف يمكن نزول الوحي على بشر مثلهم؟ مع أن هذه السنة مطردة في الخلق أن جميع الرسل بشر ﴿مِنْ أَهْلِ الْقُرى﴾ وأن الرسل يبعثون من مجتمعاتهم نفسها ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يتفكروا في السنن الكونية وتاريخ من قبلهم من الأمم ﴿وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ﴾ من الدار الفانية ﴿لِلَّذِينَ اِتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أفلا تستخدمون ما وهبكم الله من العقل للوصول إلى الطريق القويم؟

﴿حَتّى إِذَا اِسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ (110)

110 - ﴿حَتّى إِذَا اِسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ من إيمان قومهم بعد أن طال عليهم العهد في دعوتهم، واضطهاد أقوامهم لهم ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ المعنى أن مدة التكذيب والعداوة من الكفار وانتظار النصر منه تعالى قد طالت حتى استشعر الرسل القنوط وتوهموا أن لا نصر لهم في الدنيا، وقد يكون الذين ظنّوا أنهم قد كذبوا هم الأقوام يظنون لشدة تعنتهم وتمسكهم بالتقليد أن بلاغ الرسل لهم كذب ﴿جاءَهُمْ نَصْرُنا﴾ فجأة ﴿فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ﴾ من المؤمنين ﴿وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ فهو واقع بهم لا محالة، والآية تلخص سنته تعالى فيما سبق من بعث الرسل.

﴿لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ما كانَ حَدِيثًا يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (111)﴾

408

111 - ﴿لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ﴾ أي قصص الرسل، في إشارة للآية (3)، ﴿عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ﴾ كما في قصة يوسف هذه من العبر، وما يؤول إليه الرسل عامة من النصر على مكذّبيهم، وهي نبوءة صدقتها الأحداث بحتمية نصر النبي ﷺ، والعبرة هي لأولي الألباب أي ذوي العقول، لأنهم هم الذين يعتبرون ويستخدمون عقولهم ﴿ما كانَ﴾ هذا القرآن ﴿حَدِيثًا يُفْتَرى﴾ إشارة لمصدره الإلهي ولاستحالة افترائه من قبل بشر، وفي ذلك إشارة للآيات (1 - 2)، ﴿وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ لأنّ القرآن يصدّق ما تبقى من الوحي الصحيح في الكتب السابقة، وهو معنى قوله: بين يديه، وفي قصة يوسف بالذات نلاحظ اختلاف القصة عن التشويه الذي لحق بها في العهد القديم ﴿وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ مما يحتاجه المرء للهداية ﴿وَهُدىً﴾ من الضلال ﴿وَرَحْمَةً﴾ في الدنيا والآخرة ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ لأنهم هم الذين يستفيدون من هدي القرآن.


409

سورة الرعد - 13 - مختلف في كونها مكية أم مدنية

مقدّمة

هنالك خلاف ملحوظ بين العلماء حول كون هذه السورة مكية أم مدنية، ويميل البعض إلى اعتبار السورة مدنية مع كون بعض آياتها مكية، وبعضهم يقول إنها مكية ولكن بعض آياتها مدنية، أما الزمخشري فيكتفي بالقول إنه مختلف بها.

اسم السورة مشتق من ورود كلمة الرعد في الآية (13) وليس معنى ذلك أن الرعد موضوع السورة، إذ كما هي الحال في باقي سور القرآن الكريم فإن اسم السورة ليس سوى عنوان لها ولا يعني أنه موضوع السورة الرئيسي، ولذا قالوا عنها أيضا: السورة التي يذكر فيها الرعد.

ارتباط السورة بما قبلها

في سورة يوسف أن أكثر الناس يبقون على الكفر بالرغم من حرص المؤمنين على هدايتهم: ﴿وَما أَكْثَرُ النّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (103/ 12)، وقد ختمت سورة يوسف بقوله تعالى: ﴿ما كانَ حَدِيثًا يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (111/ 12)، ثم افتتحت سورة الرعد بقوله: ﴿المر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (1/ 13)،

410

محور السورة

يبدو محور السورة واضحا في الآية الأولى منها: ﴿المر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (1)، فهي تركّز على حقيقة الوحدانية ومباديء الأخلاق الأساسية المتضمنة في الوحي السماوي الذي نزل على البشر متتاليا عبر الرسل،

وتحشد السورة البراهين على الغيب، وتخاطب العقل الإنساني فتحضه على إدراك الحقيقة بشكل مستقل وتبين أن سبب كفر الكفار أنهم مكبّلون بأغلال التقليد: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذا كُنّا تُرابًا أَإِنّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ﴾ (5)، ولأن: ﴿اللهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (11)، سوى أنه في نهاية المطاف لا بد من ظهور الحق وزوال الباطل: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ (17)،

وأن المشيئة الإلهية اقتضت أن يكون الناس أحرارا في خيارهم فلا يجبرهم تعالى على الهدى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى بَلْ لِلّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللهُ لَهَدَى النّاسَ جَمِيعًا﴾ (31)، غير أنه لا يمكن لأحد أن يهمل أو يتجاهل الوحي دون أن يتحمل النتائج الطبيعية التي تترتب على مثل هذا الإهمال والإصرار على الكفر: ﴿وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دارِهِمْ حَتّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللهِ إِنَّ اللهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ﴾ (31)،

فالمشركون في حالة من العجز الفكري إذ يؤمنون بالوهم: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلّهِ شُرَكاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ (33)، لكن الذين أوتوا فهم الكتاب من ذوي الإدراك السليم والفكر المستقل يفرحون بما نزل من القرآن الكريم إذ يغربل الصحيح من الزائف في الكتب السابقة:

﴿وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ (36)، وأن كل رسالة

411

سماوية نزلت لتناسب عصرها إلى أن نسخت رسالة الإسلام ما قبلها: ﴿يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ﴾ (39).

﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾

﴿المر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (1)

1 - ﴿المر﴾ الله أعلم بمراده، راجع شرح آية [البقرة 1/ 2]، ﴿تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ﴾ القرآن الكريم ﴿وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ من الوحي هو ﴿الْحَقُّ﴾ المبين، ورغم ذلك: ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ لتشنّجهم على التقليد وإعراضهم عن التفكير المستقل،

﴿اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اِسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾ (2)

سورة الرعد (13): آية 1

سورة الرعد (13): آية 2

2 - ﴿اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ﴾ المشتملة على النظام الكوني الهائل بما فيه من المجرات والنجوم والكواكب التي لا تحصى ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها﴾ لأن العمد التي ترفع النظام الكوني هي قوانين الفيزياء والجاذبية التي أوجدها الخالق عز وجل فهي لا ترى بالعين، وإن كانت ترى بالعلم فهي تعبير عن قدرته تعالى في النظام الكوني وتدبيره ﴿ثُمَّ اِسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ﴾ كناية عن مقدرته تعالى المطلقة في الخليقة وتدبيره وحفظه لها، وحرف ﴿ثُمَّ﴾ هنا ليست للتراخي الزمني، إنما للبعد المعنوي، وقد يفيد معنى العطف راجع إعراب القرآن للزجاج، فالزمن في هذا المقام لا معنى له، وليست هنالك حالة ولا هيئة لم تكن لله سبحانه وتعالى ثم كانت، فهو سبحانه منزّه عن الحدوث وعن الزمان والمكان، ونلاحظ أن الاستواء على العرش قد تكرر في القرآن سبع مرات في كل مرة يذكر فيها خلق الكون، وهي [الأعراف 54/ 7]، [يونس 3/ 10]، [الرعد 2/ 13]، [طه 5/ 20]، [الفرقان 59/ 25]، [السجدة 4/ 32]، [الحديد 4/ 57]،

412

سورة الرعد (13): آية 3

﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ لكي يكون هنالك حياة على الأرض بالحال الذي نعهده ﴿كُلٌّ يَجْرِي﴾ في مسارات ثابتة وحدود مرسومة وفق النظام الكوني لا يتعديانه ولا ينحرفان عنه ﴿لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ فيكون الأجل النهائي الذي ينقطع بعده النظام، انظر [التكوير 1/ 81 - 2]،

﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ أمر الملكوت ضمن خطة حكيمة فلا يتركها عبثا بعد الخلق ﴿يُفَصِّلُ الْآياتِ﴾ آيات الكتاب فتكون بينة واضحة، والآيات الكونية الدالة على الإعجاز ﴿لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾ لعلكم تتفكرون بهذه الآيات المفصّلة فتتوصلوا منها إلى العلم اليقيني بحتمية البعث والجزاء.

﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وَأَنْهارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اِثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (3)

3 - استمرار الخطاب في الآيات الكونية: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ﴾ فجعلها صالحة للحياة ﴿وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ﴾ جبالا ﴿وَأَنْهارًا﴾ تبعث الحياة ﴿وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اِثْنَيْنِ﴾ وهي أعضاء التأنيث والتذكير في الزهور المتلاقحة، ففي غالب الأحوال تشتمل الزهرة التي تنبثق عنها الثمرة على عضوي التذكير والتأنيث معا، وفي بعض الأحوال تكون أعضاء التذكير في زهور منفصلة عن زهور أعضاء التأنيث في النبتة نفسها، كما هنالك حالات تكون فيها الأشجار بالكامل مذكرة أو مؤنثة كما في النخيل العربي والبابايا الهندي ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ﴾ الإغشاء والتغشية إلباس الشيء بالشيء، والمعنى أن الليل يزحف على النهار فيغطيه تدريجيا في إحدى جهات الكرة الأرضية، في الوقت الذي يكون النهار زاحفا على الليل فيغطيه تدريجيا فط الجهات الأخرى، واللفظ يحتمل الحالتين معا، وفيه دليل على كروية الأرض، انظر آية [الأعراف 54/ 7]، ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ هم الذين يعملون الفكر في المغزى من هذا الخلق البديع.

413