بيان النظم في القرآن الكريمالجزء 1 · ص 107 - 114

سورة البقرة (2): آية 144

سورة البقرة (2): آية 144

سورة البقرة (2): آية 145

لأنهم يعلمون أن إبراهيم عليه السلام هو الذي بنى الكعبة رمزا للتوحيد ومركزا فكريا لوحدة المسلمين، ورغم أنها كانت تعج وقتئذ بأصنام المشركين ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللهَ بِالنّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ إيمان المؤمنين، لن يذهب سدى عند الله.

﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾ (144)

144 - ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾ الآية تدلّ على أنّ النبي ﷺ كان يتوقّع هذا الأمر، لشعوره أن الوقت قد حان لكي تعود الكعبة مركزا لدعوة إبراهيم عليه السلام مع نهاية عصر الزعامة الروحية لبني إسرائيل ﴿وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ باتجاهه ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ لأنهم يعلمون أن بناة الكعبة هم إبراهيم وإسماعيل، وقد ذكر عبد الأحد داوود في كتابه «محمد في الكتاب المقدس» أنّ انتقال بيت المقدس إلى بلاد جنوبية مذكور في رؤيا إدريس Enoch's Apocalypse وأن بيت الله في الجنوب يكون أعظم وأكبر منزلة من سابقه، ويلاحظ أن المروة والصفا في مكة يحملان ذات الإسمين «موريا» و«زيون» للمرتفعين في القدس ولهما نفس المعنى ﴿وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾ من تجاهل ذلك، فيحاسبهم عليه.

﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اِتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ (145)

145 - ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾ الخطاب للنبي ﷺ، وبالتالي لأمة المسلمين في كل العصور، والمعنى

107

سورة البقرة (2): آية 146

أن الحقيقة مهما كانت ساطعة، والحجة مهما كانت باهرة، فإن التحامل والعناد والتقليد مسيطر على تفكير أهل الكتاب ﴿وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾ لأنهم منقسمون طوائف كثيرة، كل منها تدعي الحقيقة لنفسها في حين أنهم يتوجهون إلى قبلة أهوائهم وعصبياتهم ومصالحهم المادية والشخصية فلكل منهم وجهة هو مولّيها كما سيرد: ﴿وَلَئِنِ اِتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ المعنى أنه لا يمكن الوصول إلى حل وسط معهم إلا باتباع أهوائهم، ونظير ذلك قوله تعالى ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ﴾ [آل عمران 3/ 100]، والمغزى أيضا أنه لا عذر في التولّي لمن جاءه علم الكتاب.

﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (146)

146 - ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ﴾ يعرفون الرسول محمد ﷺ المشار إليه بالآية (129)﴾، ﴿كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ﴾ كما يعرف أحدهم ابنه من بين أبناء الناس كلهم، وكانت العرب تضرب هذا المثل في صحّة الشيء، وأهل الكتاب أيضا يعرفون مكان القبلة الجديد القديم بداهة، وفي الكتاب اليهودي المقدس المسمّى العهد القديم (سفر التكوين 21/ 18) ورد صراحة أن ستنشأ أمة عظيمة من سلالة إسماعيل، وأن سيكون منها النبي المنتظر الشبيه بموسى (سفر التثنية 18/ 18)، ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ﴾ وهم العلماء من بينهم كما سيرد ﴿لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾ لأنهم على علم أنّ إبراهيم هو الذي بنى الكعبة أصلا، وأنّ مسجد القدس بناه سليمان بعد ذلك بأكثر من عشرة قرون، فالكعبة كانت هي القبلة طيلة تلك الفترة، وتلك حقيقة تاريخية يعرفونها حقّ المعرفة ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ الحق، كما يعلمون أنهم على ضلال.

108

سورة البقرة (2): آية 147

سورة البقرة (2): آية 148

سورة البقرة (2): آية 149

سورة البقرة (2): آية 150

﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ (147)

147 - ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ أي هذه هي الحقيقة النهائية، والخطاب موجّه لكل مسلم في كلّ عصر أن لا يكون في شكّ من ذلك.

﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعًا إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (148)

148 - ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها﴾ قال القرطبي أنّ الضمير المنفصل ﴿هُوَ﴾ يعود على لفظ ﴿وَلِكُلٍّ،﴾ أي هو - كل فرد من الأفراد - مولّي قبلته وجهه ونفسه، والمعنى لكلّ صاحب ملّة، قبلة يولّيها وجهه ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ﴾ الأهم هو التوجّه نحو الاستقامة والتقوى واستباق الخيرات التي تحضّ عليها الصلاة، أي التركيز يجب أن يكون على المضمون وليس فقط على الشكل، لأنّ المغزى من التوجه نحو القبلة يجب أن يكون في استباق الخيرات، وهذا المعنى شبيه بآية [المائدة 5/ 48]، ﴿أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعًا﴾ فيثيبكم أو يجازيكم على أعمالكم ﴿إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فلا يعجزه شيء.

﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ (149)

149 - ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾ أعاد الأمر لبيان أنه شريعة عامة في كل زمان ومكان ﴿وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ إعلان عن حقيقة وشريعة ثابتة ﴿وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ في قبولكم للحقيقة.

﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاِخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (150)

150 - ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ جمع بين الخطاب للنبي ﷺ ولعامة المسلمين،

109

سورة البقرة (2): آية 151

سورة البقرة (2): آية 152

وتعليل ذلك فيما يلي: ﴿لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ بما أن القرآن يؤكد أن المسلمين هم أتباع إبراهيم لذا وجب أن يتّبعوا قبلته، فلو توجهوا في صلاتهم لغير الكعبة لاحتجّ الناس عليهم بذلك ﴿إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاِخْشَوْنِي﴾ إنّ اتباع الكعبة لا يترك حجة للناس إلاّ الذين ظلموا منهم واستعمال الفعل الماضي بكلمة ﴿ظَلَمُوا﴾ يؤدّي معنى الإصرار على الإنكار والمكابرة والعدوان فلا يرجى منهم العودة إلى الصواب، كما في الآية (6)، ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ بفتح مكة ودخول المسجد الحرام ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ إلى الحقيقة.

﴿كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ (151)

151 - ﴿كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ﴾ الخطاب متّصل بما قبله أي:

ولأتمّ نعمتي عليكم بفتح مكة ودخول المسجد الحرام، كما سبق أن أنعمت عليكم بإرسال الرسول منكم ﴿يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا﴾ فيبين لكم منهاج الحياة الصحيح ﴿وَيُزَكِّيكُمْ﴾ يطهّر نفوسكم من الوثنية والشرك ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ﴾ القرآن ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ الفقه والعلم والفهم ﴿وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ ممّا لا طريق إلى معرفته إلاّ بالوحي، الآية (129).

﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاُشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ﴾ (152)

152 - ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ في الحديث القدسي: «أنا عند ظنّ عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم»، والمعنى كما ذكرتم بفضلي فاذكروا ربّكم ﴿وَاُشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ﴾ وكما تعطفت عليكم بالنعم فاشكروها، وشكرها يكون بالقول والعمل.

110

سورة البقرة (2): آية 153

سورة البقرة (2): آية 154

سورة البقرة (2): آية 155

﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ (153)

153 - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ الآية استمرار لما قبلها من حيث أنّ جعل المسلمين أمة وسطا تدعو الناس إلى الإسلام، وكون الرسالة السماوية الأخيرة نزلت عليهم وظهر فيهم خاتم الأنبياء والرسل، فانتقلت إليهم الزعامة الروحية للعالم بعد بني إسرائيل، كل ذلك سيجعل اليهود والمسيحية يتهجّمون عليهم، فأمر تعالى المسلمين بالاستعانة على عداوة الناس بالصبر والصلاة، كما أنّ الآية توجيه لكل مسلم لمواجهة كل محنة بالصبر والصلاة لأن الإيمان، وما يترتب عليه من العمل، يصاحبه مشاق وعناء كما سيرد في الآية (155)، ولو كانت النعم الدنيوية ملازمة للإيمان لبطل الاختبار والتكليف ولصار الإيمان قسريا، انظر الآية (126).

﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ (154)

154 - ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ استمرار للخطاب السابق كأنه تعالى قال: استعينوا بالصبر والصلاة في إقامة الدين ومجاهدة عدوّكم، فإن حصل فيكم القتل فاعلموا أن قتلاكم أحياء عند الله، وأيضا استعينوا بالصبر والصلاة عند المصيبة، واعلموا أن قتلاكم أحياء عند الله.

﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ (155)

155 - ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ﴾ استمرار الخطاب أي استعينوا بالصبر والصلاة عندما نبلوكم بالخوف والجوع، نتيجة محاربة الآخرين لكم، والابتلاء هو الاختبار وقلّله في قوله ﴿بِشَيْءٍ﴾ لأنّ كلّ بلاء أصاب الإنسان فهو أقلّ مما فوقه، وإنّما وعد الله عباده ذلك قبل وقوعه ليوطّنوا نفوسهم عليه (الزمخشري)، وقيل: إنّ

111

سورة البقرة (2): آية 156

سورة البقرة (2): آية 157

سورة البقرة (2): آية 158

نقص الثمرات هو موت الأولاد، وقد تكون فقد بعض الأعضاء والحواس كفقد النظر ومثله، غير أن نقص الثمرات قد لا يعني بالضرورة موت بعض الأولاد، وإنما فقدهم المعنوي، كأن يختار أحدهم طريق الضلال، والمغزى أنّ مجرّد الإيمان لا يقتضي سعة الرزق والنجاح وانتفاء المخاوف والأحزان، بل تجري الأمور بسنن الله تعالى في خلقه وفق الأسباب والمسبّبات، فلا بد من الصبر: ﴿وَبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ بأنّ الفوز الأخير لهم.

﴿الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾ (156)

156 - ﴿الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنّا لِلّهِ﴾ إقرار من العبد لخالقه بالملك ﴿وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾ إقرار بالبعث والنشور، وليس القول باللسان فقط ولكن بالقلب أيضا، وهو الرضا بالقضاء وترك الجزع، قال ابن مسعود: لأن أخرّ من السماء أحبّ إليّ من أقول لشيء قضاه الله ليته لم يكن.

﴿أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ (157)

157 - ﴿أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ صلوات الله على عباده هي المغفرة، والمعنى من صبر عند المصيبة، وقال: ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾، كتب له ثلاث خصال: المغفرة، والرحمة، وتحقيق سبل الهدى.

﴿إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اِعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ (158)

158 - وهذه الآية تتمة للموضوع من حيث إنها بشارة ضمنية للمسلمين أنّهم سوف يفتحون مكة ويدخلون المسجد الحرام ويقيمون فيه مناسك إبراهيم ﴿إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللهِ﴾ أي علما من أعلام طاعة الله، وقد جعلهما الله تعالى كذلك لأنهما من آثار هاجر وإسماعيل بعدما تركهما إبراهيم في مكة بوحي من الله، وإسماعيل في ذلك الوقت لم يزل طفلا، فلمّا اشتدّ بهما العطش وخافت هاجر على حياة ولدها أخذت تجري بين الصفا والمروة بحثا عن الماء

112

سورة البقرة (2): آية 159

حتى تفجّر ماء زمزم فأنقذهما، فصار السعي بين الصفا والمروة رمزا للابتلاء والإيمان المطلق برحمة الله والصبر على الشدائد، وهذا أيضا من علاقة الآية بما قبلها فهو تحقيق لما ذكر بالآية (155) من أنه تعالى يبتلي عباده بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وأنّ الله مع الصابرين (الرازي)، ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اِعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما﴾ كان الناس في الجاهلية يسعون بين الصفا والمروة تعظيما لصنمين كانا عليهما، ولذا تحرّج المسلمون من الطواف بينهما، فبيّنت الآية أنّ الصفا والمروة من شعائر الله ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ من تطوّع خيرا فاعتمر فإنّ الله شاكر لعمله، عليم به، فالحجّ فريضة، والعمرة تطوّع.

﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنّاهُ لِلنّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاّعِنُونَ﴾ (159)

159 - في هذه الآية عودة إلى أصل السياق وهو عداوة اليهود للنبي ﷺ وإنكارهم مكان القبلة، وكتمانهم البشارات بقدوم النبيّ الأحمد، كما كتموا الدلائل على نبوّة المسيح من قبل:

﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنّاهُ لِلنّاسِ فِي الْكِتابِ﴾ قالوا: إن المقصود بالكتاب هو كتاب اليهود والنصارى، فتكون الإشارة بهذه الآية لهم، لأن أحبارهم وعلماءهم كانوا يحتكرون علم الكتاب ولا ينشرونه بين عامة الناس، بل إنهم كتبوا غيره من عندهم، ولم يترجم كتابهم المقدس إلى اللغات الأوروبية إلاّ في القرن السادس عشر،

ويحتمل أن تكون العبرة بعموم اللفظ أي لا يجوز كتمان ما أنزل على الأنبياء من الكتب والوحي والعلم ﴿أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ﴾ أصل اللعن في اللغة هو الطرد والإبعاد وفي الشرع هو الإبعاد من رحمة الله ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللاّعِنُونَ﴾ الملائكة والمؤمنون يسألون ربّهم أن يبعد الكفّار من رحمته، والمغزى أنّ جميع الكائنات تراهم جديرين بلعنة الله.

113

سورة البقرة (2): آية 160

سورة البقرة (2): آية 161

سورة البقرة (2): آية 162

سورة البقرة (2): آية 163

﴿إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ (160)

160 - ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا﴾ عن الكتمان ﴿وَأَصْلَحُوا﴾ عملهم باتباع البيّنات والإسلام ﴿وَبَيَّنُوا﴾ جاهروا بعلمهم وعملهم وبيّنوه للناس ﴿فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ أقبل توبتهم، وقد أسند تعالى إلى ذاته العليّة فعل التوبة الذي أسنده إليهم ﴿وَأَنَا التَّوّابُ﴾ يصف سبحانه وتعالى نفسه بكثرة الرجوع إلى العبد والتوبة عليه حتى لا ييأس العبد من رحمة ربّه ﴿الرَّحِيمُ﴾ يرحمهم الله تعالى رغم التفريط العظيم منهم.

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفّارٌ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (161)

161 - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفّارٌ﴾ أصرّوا على كفرهم حتى ماتوا، بالمقابلة مع الذين تابوا المذكورين في الآية السابقة ﴿أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ جميع من يعلم حالهم من الكائنات يراهم جديرين بلعنة الله وهي الحرمان من رحمته.

﴿خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ (162)

162 - ﴿خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ﴾ كنتيجة طبيعية ولازمة لأعمالهم ﴿وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ لا يمهلون، لأنّ الإمهال كان في الحياة الدنيا.

﴿وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ﴾ (163)

163 - ﴿وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ﴾ تنبيه للمشار إليهم في الآيات السابقة ممّن يكتمون البيّنات والمصرّين على ضلالهم وشركهم، أنّ الخير والرحمة بيد الله وحده، فلا رجاء من غيره، وهذه الآية أيضا هي أساس التوحيد.

﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاِخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النّاسَ وَما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾

114