بيان النظم في القرآن الكريمالجزء 2 · ص 486 - 493

سورة النحل (16): آية 37

سورة النحل (16): آية 37

سورة النحل (16): آية 38

سورة النحل (16): آية 39

سورة النحل (16): آية 40

﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ﴾ (37)

37 - ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ﴾ أيها النبي، أو أيها الداعية، أو أيها المسلم في كل زمن وفي أي مكان ﴿فَإِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ لا يجبر المعاندين والمكابرين الذين حقّت عليهم الضلالة ﴿وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ﴾ ولا عبرة بما قد يكونون عليه من متاع الدنيا الزائل،

﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللهُ مَنْ يَمُوتُ بَلى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (38)

38 - ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ﴾ مما يدلّ على أنهم مؤمنون بالله، سوى أن إيمانهم غامض لا يترتّب عليه شيء، فقد أشركوا مع الله أوهامهم وأهواءهم ودنياهم وجعلوا المادة منتهى همّهم ﴿لا يَبْعَثُ اللهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ ينكرون البعث تعاميا عن مواجهة مسؤولياتهم الأخلاقية لكي يتصرفوا في الدنيا على هواهم ﴿بَلى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ أكثر الناس يعتمدون الظن والتخمين وينكرون الوحي، وقد يبتدعون في ذلك نظريات فلسفية ويدّعون ما يسمّونه "العلمانية"، مع أن العلمانية تفيد العلم بالشيء، وهي صفة المؤمنين العالمين بحقيقة الوحي،

﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ﴾ (39)

39 - ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ فتحسم الأمور ويتبيّن على وجه اليقين الحق من الباطل ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ﴾ يظهر للكفار ما كانوا عليه من الكذب على أنفسهم، وهذان السببان من موجبات البعث،

﴿إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (40)

40 - ﴿إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ فلا يعجزه تعالى شيء، فما وجه الغرابة في البعث من جديد؟

486

سورة النحل (16): آية 41

سورة النحل (16): آية 42

سورة النحل (16): آية 43

﴿وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (41)

41 - الذين هاجروا في أثناء البعثة النبوية من مكة إلى الحبشة أولا، ثم الذين هاجروا من مكة إلى المدينة قبل فتح مكة في رمضان العام 8 هجرية، هربا من الاضطهاد الديني، وبعد ذلك صارت الهجرة تعبيرا عن ترك دار الكفر في أي زمن، وقد تكون هجرة روحانية بحتة، وليست هجرة مكانيّة بالضرورة من مكان إلى آخر:

﴿وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي﴾ سبيل ﴿اللهِ﴾ فتركوا دار الكفر، وهي في هذه الحالة هجرة روحانية بحتة، لأن مقارنتهم مع المصرّين على الكفر المشار إليهم في الآيات (37 - 38)، العاملين في اضطهاد غيرهم من المؤمنين ﴿مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا﴾ بسبب إيمانهم ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً﴾ فينعمون بالراحة النفسية وبالسكينة وبالطمأنينة، وليس بالضرورة بالنعم المادية ﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ﴾ من أجر الدنيا ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ لو كان المصرّون على الكفر يعلمون ذلك لآمنوا،

﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (42)

42 - ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ على مشاقّ الهجرة ﴿وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ بعد أن اتخذوا للأمور ما يستطيعون تدبيره دنيويا، أرجعوا الأمور كلها إلى الله فيما لا يملكون من الإمكانات العادية،

﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاّ رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (43)

43 - بعد أن ذكرت السورة إصرار المشركين على الشرك، الآية (17)، وزعمهم أن القرآن ليس سوى أساطير الأولين، الآية (24)، وأنهم مقيّدون بالجبرية وتقليد الآباء والأجداد، الآية (35)﴾، أضافوا القول إن محمدا ﷺ لم يكن سوى بشر فكيف يوحى إليه؟ وهو ما تجيب عليه الآية:

487

سورة النحل (16): آية 44

سورة النحل (16): آية 45

سورة النحل (16): آية 46

سورة النحل (16): آية 47

﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاّ رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ الرسل المبعوثون إلى كل الأمم، كالمشار إليهم في الآية (36)، لم يكونوا سوى بشر ﴿فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ الذين أوتوا فهم الوحي في القرآن والكتب السابقة ﴿إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ علم اليقين، بل تتخبّطون في الظنّ،

﴿بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (44)

44 - ﴿بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ﴾ استمرار الخطاب من الآية السابقة أي: ما أرسلنا قبلك، أيها النبيّ، إلاّ رجالا نوحي إليهم بالآيات البينات، وبالزّبر، وهي الكتب المقدّسة ﴿وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ﴾ وهو القرآن الكريم تذكيرا بالميثاق المأخوذ على الناس في الأصلاب ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ فتفصّل للناس ما أجمله القرآن ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ في معانيه،

﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ (45)

45 - ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ﴾ بابتداع النظريات الفلسفية التي تنكر وجود الله، وتنكر الأخلاق والقيم ﴿أَنْ يَخْسِفَ اللهُ بِهِمُ الْأَرْضَ﴾ فيكون دمارهم كاملا ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ فيتغلغل الفساد فيهم شيئا فشيئا،

﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ (46)

46 - ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ﴾ فجأة، وهم يتقلّبون في شؤون حياتهم المعتادة ﴿فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ لا يستطيعون تفادي نهايتهم المحتومة،

﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ (47)

47 - ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ﴾ التخوّف التنقّص، كما في قوله تعالى:

﴿أَفَلا يَرَوْنَ أَنّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها أَفَهُمُ الْغالِبُونَ﴾ [الأنبياء 44/ 21]، أي إن الأمم والدول الفاسدة اجتماعيا وأخلاقيا تتعرض للانكماش والنقصان

488

سورة النحل (16): آية 48

سورة النحل (16): آية 49

سورة النحل (16): آية 50

شيئا فشيئا حتى يحين أجلها المحتوم ﴿فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ إذ كرّم الناس بالعقل وبعث الرسل وبيّن الحق من الباطل، وأمهل الكفار لعلهم يتفكرون ويتوبون قبل الفوات،

﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّدًا لِلّهِ وَهُمْ داخِرُونَ﴾ (48)

48 - وهنا تنتقل الآيات (48 - 50) لبيان بعض مظاهر الإعجاز في الخلق، التي غفل عنها الذين مكروا السيئات المشار إليهم آنفا:

﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ﴾ معجزة الظلال التي تتحرك مع حركة دوران الأرض حول نفسها من الغرب إلى الشرق، فيتحرك نور الشمس من الشرق إلى الغرب، وتتحرك الظلال من المغرب نحو المشرق في أثناء الفترة ما بين الشروق إلى الغروب ﴿سُجَّدًا لِلّهِ﴾ منقادون لقدرة الله تعالى وتدبيره ﴿وَهُمْ داخِرُونَ﴾ صاغرون، منقادون لسنته تعالى،

﴿وَلِلّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (49)

49 - بعد أن ذكرت الآية السابقة انقياد المخلوقات الجماد لسننه تعالى فيها، تذكر هذه الآية انقياد كافة المخلوقات الحية أيضا: ﴿وَلِلّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ سجود انقياد لسنته تعالى في خلقه ﴿مِنْ دابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ﴾ المخلوقات من الدواب ذوات الأجسام المادية، والمخلوقات غير المادية كالملائكة، كلها منقادة له تعالى ﴿وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ منقادون لخالقهم بلا خلاف،

﴿يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ (50)

50 - ﴿يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ لأن ذلك من طبيعة خلقهم، ودوافعهم الذاتية، بخلاف الإنسان الذي يتمتع بحرية الإرادة، إذ يستطيع

489

سورة النحل (16): آية 51

سورة النحل (16): آية 52

سورة النحل (16): آية 53

الاختيار بين الخطأ والصواب، وبين الحق والباطل، فهو لذلك غالبا ما يخطئ ويرتكب الآثام، ومع ذلك فهو خاضع لسنة الله في خلقه لجهة السبب والمسبّب، لقوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ﴾ [الرعد 15/ 13]،

﴿وَقالَ اللهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اِثْنَيْنِ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ فَإِيّايَ فَارْهَبُونِ﴾ (51)

51 - بعد أن ذكرت الآية (2) إنذار الوحي للناس أن لا إله إلاّ الله، والآيات (16) و(20) أن الآلهة المزعومة لا تقدر على شيء من الخلق، تضرب هذه الآية مثلا بعقيدة المثنوية:

﴿وَقالَ اللهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اِثْنَيْنِ﴾ كما هي الحال في العقيدة الزرادشتية عند الفرس الذين كانوا يعتقدون بثنائية الآلهة: إله النور: أهورا مازدا، وإله الظلام أهريمان، وفي هذه الآية من الإعجاز، لأن عقيدة المثنوية لم تكن معروفة في جزيرة العرب وقت البعثة النبوية، ولم يطلع عليها العرب إلا بعد الفتوحات ﴿إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ﴾ لا إله إلاّ هو ﴿فَإِيّايَ فَارْهَبُونِ﴾ الله وحده يستحق الطاعة والرهبة، بخلاف الآلهة الخيالية المزعومة التي لا تقدر على شيء، والآيات التالية (52 - 61) تحشد البراهين على ذلك:

﴿وَلَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ واصِبًا أَفَغَيْرَ اللهِ تَتَّقُونَ﴾ (52)

52 - ﴿وَلَهُ﴾ وحده ﴿ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ كل مخلوق معتمد عليه بالكلية ﴿وَلَهُ الدِّينُ واصِبًا﴾ أي دائما، ويقال واظب على الشيء وواصب عليه أي داوم، والدين بمعنى الانقياد ﴿أَفَغَيْرَ اللهِ تَتَّقُونَ﴾ لأن الآلهة الوهمية في منتهى العجز،

﴿وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ﴾ (53)

53 - ﴿وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ﴾ وحده ﴿ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ﴾ من مرض أو بلاء ﴿فَإِلَيْهِ﴾ وحده ﴿تَجْئَرُونَ﴾ تتضرّعون إليه بالدعاء، وتنسون ما تشركون،

490

سورة النحل (16): آية 54

سورة النحل (16): آية 55

سورة النحل (16): آية 56

سورة النحل (16): آية 57

﴿ثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ (54)

54 - ﴿ثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ﴾ رفع ما مسّكم من الضرّ ﴿إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ يتجدد إشراكهم به تعالى، بعبادة آلهة وهمية، أو بالجري وراء أطماع دنيوية بحتة، وينسبون كشف الضرّ إلى حولهم وقوّتهم، أو إلى "الحظ"، أو إلى أسباب مادية بحتة،

﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ (55)

55 - ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ﴾ من النعم المادية والروحانية، ونعمة كشف الضرّ عنهم، واللام لام العاقبة، أي عاقبة تضرعهم لم تكن إلاّ كفرا ﴿فَتَمَتَّعُوا﴾ بكشف الضر عنكم حتى حين، لأن الله تعالى يمهلهم للتوبة، ولا يعاجلهم بالعقاب ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ عاقبة أمركم،

﴿وَيَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمّا رَزَقْناهُمْ تَاللهِ لَتُسْئَلُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ (56)

56 - الخطاب متعلق بالآيات الثلاث السابقة: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمّا رَزَقْناهُمْ﴾ يعلمون أن الله تعالى خالقهم ويضرّهم وينفعهم، ثم يجعلون لما لا يعلمون من الآلهة الوهمية، نصيبا في الألوهية، فيعتقدون أنها تضرهم وتنفعهم ﴿تَاللهِ لَتُسْئَلُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ لأن الإنسان في موقع المسؤولية، فسوف يحاسب المفترون على افترائهم الكذب،

﴿وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ﴾ (57)

57 - ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ الْبَناتِ﴾ لأنهم زعموا في الجاهلية أن آلهتهم الوهمية، اللات والعزّى ومناة، بنات الله، كما زعموا أن الملائكة بنات الله أيضا، وهذا الزعم يتكرر عند المسيحية بشكل آخر، إذ يقولون إن عيسى المسيح ابن الله ﴿سُبْحانَهُ﴾ تنزيه له تعالى عن نسبة الولد إليه ﴿وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ﴾ من الأولاد الذكور، أو من متاع الدنيا الزائل الذي يلهثون وراءه،

491

سورة النحل (16): آية 58

سورة النحل (16): آية 59

سورة النحل (16): آية 60

﴿وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ (58)

58 - ﴿وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى﴾ وهي بشارة تليق أن تكون سارّة، لأن المولود ذكرا كان أم أنثى، هبة منه تعالى تستحق عطف الوالدين ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ سواد الوجه كناية عن الغم والحزن والكراهية ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ يكظم غيظه،

﴿يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ أَلا ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ (59)

59 - ﴿يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ﴾ يختفي عن الأنظار ﴿مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ﴾ بزعمه، لأنهم كانوا يكرهون الأناث خوف الفقر والعار ﴿أَيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ﴾ أيمسك ما بشّر به؟ أي الأنثى، على هون منه لها، أو يرضى بهوان نفسه رغم أنفه ﴿أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ﴾ يدسّ ما بشّر به، أي الأنثى، فيخفيها في التراب، وهي عادة وأد البنات في الجاهلية ﴿أَلا ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ من كراهيتهم الأنثى، وعادة وأد البنات، فليس أسوأ من حكمهم فيها،

ومع أن الآيات (57 - 58 - 59) تدور حول عادة وأد البنات في الجاهلية إلاّ أنها ذات مغزى أعمّ ينطبق في كل العصور، لقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ﴾ (57)، أي إنّ الكفار أو المشركين في كل العصور يريدون أن تسير الأمور على هواهم بلا رادع أخلاقي، ولا مسؤولية ولا حساب، ولذلك فإنهم ينكرون البعث والحساب والآخرة تهربا من مسؤولياتهم الأخلاقية التي يواجههم بها القرآن، وهو ما تشير إليه الآية التالية:

﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (60)

60 - ﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ﴾ أي لهم صفة السوء بنتيجة إنكارهم الآخرة والمسؤولية، وما يترتب على ذلك من اتباع الهوى وارتكاب قبائح الأعمال ﴿وَلِلّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى﴾ أي صفة العلوّ مطلقا عن صفات المخلوقين، تعالى الله عمّا يقولون علوّا كبيرا ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ المنفرد بكمال

492

سورة النحل (16): آية 61

سورة النحل (16): آية 62

سورة النحل (16): آية 63

القدرة ﴿الْحَكِيمُ﴾ يفعل ما يفعل بمقتضى الحكمة البالغة، كما هو مشار إليه في الآية التالية:

﴿وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (61)

61 - ﴿وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ﴾ المراد بالدابّة الكافر، لقوله: ﴿أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ﴾ [الأعراف 179/ 7]، أي لهلكوا على الفور بلا إمهال ﴿وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ لعلهم يتوبون، ويرجعون عن غيّهم ﴿فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ﴾ منتهى العمر ﴿لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ وقتئذ يفوتهم أوان التوبة، فيلاقوا الجزاء المترتب على أعمالهم،

﴿وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ ما يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾ (62)

62 - ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ ما يَكْرَهُونَ﴾ ليس فقط أنهم ينسبون البنات لله تعالى، وهو ما يكرهونه لأنفسهم، بل ينسبون له من الشركاء المزعومين، ما يكرهونه لأنفسهم أيضا، فهم يكرهون أن يشاركهم أحد في زعاماتهم ومناصبهم ﴿وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى﴾ وهذا من قبيل التمني، إذ يعتبرون أفكارهم الدينية، أو اللادينية، جيدة في نظرهم، بالرغم من سخافتها وتهافتها، ويكذبون على أنفسهم أن الله تعالى سوف يكافئهم عليها، في حال كانت هنالك آخرة، والآية التالية تشرح حالهم بأن الشيطان زيّن لهم أعمالهم فجعلها تبدو جيدة في نظرهم ﴿لا جَرَمَ﴾ حقا ﴿أَنَّ لَهُمُ النّارَ﴾ نتيجة طبيعية لكذبهم على أنفسهم ﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾ مفرطون على أنفسهم بارتكاب الذنوب، ولذلك هم مفرطون في النار، أي متروكون فيها،

﴿تَاللهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (63)

63 - ﴿تَاللهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ إرسال الرسل إلى الأقوام كان مستمرا منذ الخليقة، فما وجه الغرابة في بعثة خاتم الأنبياء والرسل إلى الناس

493