بيان النظم في القرآن الكريمالجزء 2 · ص 510 - 519

سورة النحل (16): آية 109

سورة النحل (16): آية 109

سورة النحل (16): آية 110

سورة النحل (16): آية 111

سورة النحل (16): آية 112

﴿لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ (109)

109 - ﴿لا جَرَمَ﴾ حقا ﴿أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ لأنهم اشتروا دنياهم الفانية بأخراهم،

﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (110)

110 - بعد أن ذكرت الآيات (106 - 109) حال من أكرهوا على الكفر وقلوبهم مطمئنة بالإيمان، وحال من كفر وقلبه منشرح لمكاسب الدنيا، تذكر هذه الآية حال من يضطر للهجرة بسبب الاضطهاد الدين:

﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا﴾ الفتنة هنا بمعنى الوقوع تحت الاضطهاد الديني مما اضطرهم للهجرة، انظر أيضا شرح آية [الأنفال 25/ 8] في تعريف الفتنة، وقد يكون أنهم هاجروا هجرة روحية، وليس بالضرورة هجرة مكانية ﴿ثُمَّ جاهَدُوا﴾ ليس بالضرورة جهادا قتاليا، ولكن جهاد دعوة وإقناع بالحجة والقدوة الحسنة، لقوله تعالى: ﴿فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَجاهِدْهُمْ بِهِ﴾ أي بالقرآن ﴿جِهادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان 52/ 25]، ﴿وَصَبَرُوا﴾ على مشاق الدعوة ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يغفر ذنوبهم، ويرحمهم، ويلطف بهم،

﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها وَتُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ (111)

111 - فارتقبوا أيها الناس: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها﴾ يوم القيامة حيث المسؤولية فردية ﴿وَتُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ﴾ إن خيرا بخير، بفضله تعالى وامتنانه، أو شرا بشرّ مترتبا على العدالة، وليس على الانتقام ﴿وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ لأن الله تعالى غير محتاج لظلم عباده،

﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذاقَهَا اللهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ (112)﴾

510

سورة النحل (16): آية 113

سورة النحل (16): آية 114

112 - بعد أن بينت الآيات (101 - 111) مآل الكفار الذين استحبوا الدنيا على الآخرة وأنكروا الوحي والنبوات، تضرب هذه الآية مثلا بعاقبة المجتمعات التي تكفر نعم الله:

﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكانٍ﴾ القرية في التعبير القرآني هي المجتمع، والمعنى أن هذا المجتمع المطمئن الآمن كان يتمتع بأنعم الله الكثيرة، على سبيل الكفاية والترف ﴿فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ﴾ لم تشكر الله على نعمه، بل ادّعت وزعمت أن كل هذه النعم والرغد ناتجة من استحقاقها وجدارتها وحذاقتها لا غير، بل إنها أنكرت الديانات والرسل، وزعمت ما تسميه "العلمانية" مع العلم أن العلمانية تقتضي العلم بالشيء لا الجهل به وهو ما يأمر به الإسلام ﴿فَأَذاقَهَا اللهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ تكون العاقبة الطبيعية لمثل هذه المجتمعات التفسخ والفساد الاجتماعي والأخلاقي، فالانهيار، وهو ما نشاهده اليوم في كثير من المجتمعات الغنية المتقدمة، أي إن العقاب يحل بها في الدنيا قبل الآخرة بسبب تغليبها القوانين الوضعية على الشرع الإلهي، ومن ذلك مثلا أنهم يحلّون اللواط بل يسمحون بالزواج المثلي في كنائسهم، وفي كل ذلك نقض لعهد الله من بعد ميثاقه،

﴿وَلَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ وَهُمْ ظالِمُونَ﴾ (113)

113 - ﴿وَلَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ﴾ من كل أمة ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ وزعموا أنهم مكتفون بذواتهم، وخضعوا لقوانين وضعية ابتدعوها ﴿فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ﴾ كنتيجة طبيعية لارتباط السبب بالمسبب ﴿وَهُمْ ظالِمُونَ﴾ لأنفسهم،

﴿فَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلالًا طَيِّبًا وَاُشْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (114)

114 - ﴿فَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلالًا طَيِّبًا﴾ ولا تبتدعوا التحليل والتحريم من عند أنفسكم، أو بقوانين وتفاسير وضعية ﴿وَاُشْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ ولا تكونوا كالقرية المشار إليها بالآية (112)﴾،

511

سورة النحل (16): آية 115

سورة النحل (16): آية 116

سورة النحل (16): آية 117

سورة النحل (16): آية 118

﴿إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ فَمَنِ اُضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (115)

115 - استمرارا للآية (112) وما بعدها، تضرب الآيات (115 - 119) مثالا من التحليل والتحريم، وتنهى عن التحليل والتحريم الكيفي بلا دليل:

﴿إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ﴾ من الأوثان والنصب، انظر بهذا المعنى آية [الأنعام 145/ 6]، ﴿فَمَنِ اُضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ﴾ لا يبتغيه ولا يستسيغه ﴿وَلا عادٍ﴾ لا يتعدّى فيه حاجته أو أو ما يسد رمقه ﴿فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لأن الضرورات تبيح المحظورات،

﴿وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ (116)

116 - ﴿وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ﴾ الزيف ﴿هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ﴾ تحللون وتحرمون من عندكم، فتتخذون لأنفسكم حق التشريع ﴿لِتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ﴾ ما لم يأذن به ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ لا ينجحون في دنياهم قبل آخرتهم،

﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (117)

117 - ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾ يتمتعون في الدنيا فيما استحلّوا من الحرام ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ في الآخرة،

﴿وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (118)

118 - ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ﴾ انظر شرح آية [الأنعام 146/ 6]، ﴿وَما ظَلَمْناهُمْ﴾ بالتشديد في تحريم ما حرّموه على أنفسهم ﴿وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ وفي الحديث: «لا تشدّدوا على أنفسكم، فيشدّد عليكم»،

512

سورة النحل (16): آية 119

سورة النحل (16): آية 120

سورة النحل (16): آية 121

سورة النحل (16): آية 122

سورة النحل (16): آية 123

﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (119)

119 - ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ﴾ عملوا السوء من موقع الجهل، وليس من موقع التمرد والمعصية ﴿ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ﴾ عن معصيتهم ﴿وَأَصْلَحُوا﴾ أعمالهم ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها﴾ من بعد توبتهم ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يغفر ذنوب التائبين، ويرحمهم،

﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (120)

120 - هذه الآية متعلقة بالآية (118)، لأن اليهود يدّعون الانتساب إليه، ويزعمون لذلك أنهم الشعب المختار، وهو ما ينفيه القرآن الكريم تماما أن الاكتفاء بالنسب وحده لا يفيد:

﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً﴾ اجتمعت فيه كل الفضائل، فحقّ أن يسمّى أمّة يؤتمّ به ﴿قانِتًا﴾ مطيعا ﴿لِلّهِ حَنِيفًا﴾ مستقيما، مائلا عن الباطل إلى الحق ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ بل عاش التوحيد في فكره وروحه ووجدانه،

﴿شاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اِجْتَباهُ وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (121)

121 - ﴿شاكِرًا لِأَنْعُمِهِ﴾ تعالى ﴿اِجْتَباهُ﴾ اختاره الله واصطفاه ﴿وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ في الدعوة إلى الله، والترغيب في الدين الحق،

﴿وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ (122)

122 - ﴿وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً﴾ وهي النبوة، حتى أن كل أهل الأديان يقرون به ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾

﴿ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اِتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (123)

123 - ﴿ثُمَّ﴾ عندما بلغ الوحي على الإنسانية ذروته ﴿أَوْحَيْنا إِلَيْكَ﴾ أيها النبي ﴿أَنِ اِتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ مائلا عن كل ما هو باطل ﴿وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ المقصود إحياء شرعة إبراهيم في التوحيد،

513

سورة النحل (16): آية 124

سورة النحل (16): آية 125

﴿إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اِخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (124)

124 - وهنا يعود النص إلى فحوى الآية (101) إنّ القرآن الكريم نسخ ما قبله من الرسالات:

﴿إِنَّما جُعِلَ﴾ تعظيم ﴿السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اِخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ وهم اليهود، وقد بالغوا في تعظيمه حتى منعوا عمل الخير فيه، وحتى شفاء المرضى جعلوه محرما في السبت، حتى قال لهم عيسى عليه السلام: هل جعل السبت من أجل الإنسان؟ أم الإنسان من أجل السبت؟ ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ وهو زعمهم أنهم شعب الله المختار، استعلاء واستكبارا على غيرهم من الأمم، وإن المسؤولية فردية لا علاقة لها بالنسب والسلالة،

﴿اُدْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (125)

125 - بعد بلوغ الوحي السماوي ذروته بنزول القرآن الكريم، الذي نسخ الرسالة اليهودية (الآية 101)، وبعد أن كفر بنو إسرائيل بعثة آخر أنبيائهم العظام عيسى عليه السلام، لم يبق سوى بيان طريقة الدعوة إلى الإسلام، بما يتناسب مع قوله تعالى: ﴿لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة 256/ 2]:

﴿اُدْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾ بما يتناسب مع كل حالة من الحالات، ومع المستوى الفكري للطرف الذي أنتم بصدد دعوته، بعيدا عن الجمود والتشنج الفكري ﴿وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ الرفق في الموعظة لتأليف القلوب النافرة، والبعد عن الزجر والتأنيب ﴿وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ بالابتعاد عن الطعن في كبرياء الآخرين وكرامتهم، فالجدل ليس مباراة فكرية القصد منها إحراج الآخرين والشعور بالتفوق عليهم، بل كسب الخصوم إلى صف الدعوة ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ المعنى أن الداعي

514

سورة النحل (16): آية 126

سورة النحل (16): آية 127

سورة النحل (16): آية 128

الكفؤ مكلف بالدعوة بإحدى هذه الأساليب الثلاثة، ثم تنتهي مهمته، وأما حصول الهداية فلا يتعلق به، لأنّ الله تعالى أعلم بالمصرّين على الضلال، وأعلم بالذين لديهم قابلية للهدى،

﴿وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ (126)

126 - ﴿وَإِنْ عاقَبْتُمْ﴾ استمرار الخطاب من الآية السابقة: والمعنى إن اضطررتم إلى الرد على التهجّم الفكري من قبل من تدعونهم إلى الإسلام ﴿فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ فليكن ضبط النفس رائدكم بعيدا عن الحمق، وأن يكون الرد عليهم متناسبا مع قولهم دون زيادة ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ﴾ على مزاعمهم وتهجّمهم ﴿لَهُوَ خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ من حيث النتيجة، لأن الأولى ترك الانتقام، والرحمة أفضل من القسوة،

﴿وَاِصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلاّ بِاللهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ (127)

127 - ﴿وَاِصْبِرْ﴾ وهو أمر جازم بوجوب الصبر في مثل هذه الحالات ﴿وَما صَبْرُكَ إِلاّ بِاللهِ﴾ أي بتوفيقه ومعونته ﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ لا تحزن بسبب فوت استجابتهم لك ﴿وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ ولا يضيق صدرك من مكائدهم ضد الدعوة،

﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اِتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ (128)

128 - ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اِتَّقَوْا﴾ العدوان والحمق ﴿وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ بترك الانتقام،


515

سورة الإسراء - 17 - مكية

مقدّمة

نزلت في السنة الأخيرة من الفترة المكية وذلك ظاهر من الإشارة للإسراء في الآية الأولى منها، وقيل بعض آياتها مدنية، وتسمى أيضا سورة بني إسرائيل،

الإسراء والمعراج

الإسراء والمعراج مرحلتان من خبرة داخلية روحية غيبية واحدة للنبي ﷺ ممّا لم يحصل لغيره البتّة، وقد كانت رؤيا عيان، لا رؤيا منام، انظر قوله تعالى في الآية (60)، إذ رافق جبريل عليه السلام النبيّ ﷺ ليلة إسرائه من المسجد الحرام في مكة، إلى المسجد الأقصى في بيت المقدس، حيث صلىّ النبيّ إماما بالأنبياء الذين خلوا من قبله، ما يفيد أن الإسلام الذي بعث به محمد كان تتويجا للرسالات السماوية التي سبقته، فنسخ الإسلام منها ما نسخ، وبلغ منها حد الكمال، وبذلك ختمت الديانات، واكتمل التطور الديني للبشرية قاطبة بمبعث خاتم الأنبياء والرسل ﷺ،

واختلفوا في كون إسرائه ﷺ بالروح فقط، أم بالروح والجسد معا، فأغلبية الصحابة على أنه كان بالروح والجسد معا، والقلة، ومنهم أم المؤمنين عائشة، وأم المؤمنين أم هانيء، ومعاوية، والتابعي الحسن البصري، على إن الإسراء كان بالروح فقط، ولعل القائلين إن الإسراء تم بالجسد والروح اعتبروا أن البديل لذلك أن يكون ما رآه النبي ﷺ قد يكون مناما، ما يقلل كثيرا من أهميته، ولم

516

يأخذوا بالاعتبار أن خروج روح النبي ﷺ من جسده مؤقتا في أثناء الإسراء والمعراج، هو إعجاز هائل في حد ذاته، يفوق كثيرا الإسراء بالجسد والروح معا، لأن خروج الروح من الجسد لا يكون عادة إلا بعد الموت، كما كانت الحال مع الأنبياء الذين صلّى بهم النبي إماما، ثم التقاهم أثناء معراجه، فقد التقى بهم أرواحا بعد موتهم، أما هو فقد كان روحا لا يزال على قيد الحياة الدنيوية، فلا يقلل من واقعية هذه الخبرة الروحية الغيبية العجيبة للنبي ﷺ في إسرائه ومعراجه، قيد شعرة أنها كانت بالروح فقط عمّا لو كانت بالروح والجسد معا، لا بل إنها تفوق عليها بكثير،

وقد قيل الكثير من الإسرائيليات في تفصيل قصة إسرائه ومعراجه ﷺ، مما لا يقبله عقل، قال الرازي: ومن ذلك ما روي من شقّ بطنه وتطهيره بماء زمزم، وهو بعيد، لأن ما يغسله الماء هو النجاسات العينية، ولا تأثير لذلك في تطهير القلب من العقائد الباطلة والأخلاق الذميمة، ومنها ما روي من ركوب البراق وهو بعيد أيضا، لأنه تعالى لمّا سيّره من هذا العالم إلى عالم الأفلاك، فأي حاجة إلى البراق؟ ومنها ما روي أنه تعالى أوجب خمسين صلاة على المسلمين في اليوم والليلة، ثم إنّ محمدا لم يزل يتردد بين الله تعالى وبين موسى حتى أصبحت الخمسون خمسة، وهذا يقتضي نسخ الحكم قبل حضوره، وأنه يوجب البداء على الله تعالى وهو محال، فثبت أن هذا الحديث مشتمل على ما لا يجوز قبوله عقلا فكان مردودا، وغيره كثير، انظر أيضا كتاب زكريا بن خليفة المحرمي:

"قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث" صفحة (246 - 250)،

اتصال السورة بما قبلها

في أواخر سورة النحل أن رسالة الإسلام نسخت الرسالات السابقة: ﴿وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ (101/ 16)، ومن ذلك نسخ السبت عند اليهود: ﴿إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اِخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ﴾

517

﴿يَخْتَلِفُونَ﴾ (124/ 16)، ثم تفتتح هذه السورة بذكر الإسراء بالنبي ﷺ إلى مهد رسالة موسى وعيسى عليهما السلام في إشارة ضمنية لنسخ رسالتيهما:

﴿سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (1/ 17)، ثمّ الإشارة لمعراجه ﷺ حيث صلّى إماما بالإنبياء: ﴿وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلاّ فِتْنَةً لِلنّاسِ﴾ (60/ 17)، وتبيّن أن القرآن الكريم يهدي للتي هي أقوم من الكتب السابقة: ﴿إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (9/ 17)، فيستحيل أن يكون القرآن مفترى: ﴿قُلْ لَئِنِ اِجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (88/ 17)،

وفي سورة النحل استكبار منكري الآخرة: ﴿فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ (22/ 16)، ثم في سورة الإسراء بيان عاقبتهم بعد الإشارة من طرف خفي أنهم اليهود: ﴿وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابًا أَلِيمًا﴾ (10/ 17)،

وفي سورة النحل أن مكر المكذّبين أدّى بهم إلى دمار مجتمعاتهم: ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ (26/ 16)، وتفصيله قوله تعالى بسورة الإسراء: ﴿وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيرًا﴾ (16/ 17)، وقوله تعالى عن المجتمعات الكافرة: ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلاّ نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ الْقِيامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوها عَذابًا شَدِيدًا كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُورًا﴾ (58/ 17)،

وفي سورة النحل أن لم تخل أمة من بعث الرسل: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾ (36/ 16)، ثم في سورة الإسراء أن الأمم تصبح مسؤولة بعد بلاغها:

﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (15/ 17)

518

وفي سورة النحل أن متاع الكفار في الدنيا زائل: ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [55/ 16]، وتفصيله قوله تعالى في سورة الإسراء: ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ (18/ 17)،

وفي سورة النحل أن مشركي قريش كانوا ينسبون البنات لله: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ﴾ (57/ 16)، وتفصيله في سورة الإسراء أنهم جعلوا الملائكة بنات الله: ﴿أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاِتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾ (40/ 16)،

وفي سورة النحل الأمر بإيتاء ذي القربى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى﴾ (90/ 16)، وفي سورة الإسراء أن ذلك حقّ لهم: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ﴾ (26/ 17)، وفي سورة النحل أن الله تعالى ينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي: ﴿وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (90/ 16)، وتفصيله قوله تعالى في سورة الإسراء: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا * وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاّ بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُورًا * وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا * وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (32/ 17 - 35)،

وفي سورة النحل النهي عن التقليد الأعمى للآباء: ﴿وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ (35/ 17)، وفي سورة الإسراء بيان البديل عن التقليد في الأمر باستخدام العقل السليم والحواس: ﴿وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا﴾ (36/ 17)،

519