بيان النظم في القرآن الكريمالجزء 2 · ص 544 - 551

سورة الإسراء (17): آية 68

سورة الإسراء (17): آية 68

سورة الإسراء (17): آية 69

سورة الإسراء (17): آية 70

إلى الله تعالى وحده في دعائكم، ونسيتم شركاءكم المزعومين، وهذا الأمر ينطبق اليوم على من يركب الطائرات أيضا ﴿فَلَمّا نَجّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ﴾ برحمة منه، أو استجابة لدعائكم ﴿أَعْرَضْتُمْ﴾ عن الدعاء والتوحيد، بعد أن أمنتم، ونسبتم نجاتكم إلى حولكم وقوتكم، أو إلى محاسن الصدف ﴿وَكانَ الْإِنْسانُ كَفُورًا﴾ به نزعة إلى كفران النعم،

﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِبًا ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا﴾ (68)

68 - ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ﴾ أي حتّى لو وصل الإنسان إلى بر الأمان، فهو ليس بأمان مطلق، لأن الأرض قد تخسف بالزلازل والبراكين ﴿أَوْ يُرْسِلَ﴾ ربّكم ﴿عَلَيْكُمْ حاصِبًا﴾ من الرياح العاتية والأعاصير التي تحمل كل ما في طريقها من مواد وحصباء فتحصب به الناس ﴿ثُمَّ لا تَجِدُوا﴾ في هذه الحالات ﴿لَكُمْ وَكِيلًا﴾ يحميكم من قدرته تعالى،

﴿أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تارَةً أُخْرى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِما كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنا بِهِ تَبِيعًا﴾ (69)

69 - ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تارَةً أُخْرى﴾ تعودون لركوب البحر في رحلاتكم القادمة ﴿فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قاصِفًا مِنَ الرِّيحِ﴾ فيقصف سفنكم بالأعاصير ﴿فَيُغْرِقَكُمْ بِما كَفَرْتُمْ﴾ فتغرقوا بما كفرتم، وبما كسبت أيديكم من الفساد والجحود، وبما نسبتم لأنفسكم من إمكانات الجبروت والسيطرة على الدنيا بواسطة التقانة ﴿ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنا بِهِ تَبِيعًا﴾ ليس من يحاسب على ما وقع، فالله تعالى لا يسأل عمّا يفعل، وهم يسألون،

﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا (70)﴾

544

سورة الإسراء (17): آية 71

70 - وهنا تعود السورة إلى موضوع الآية (61)، وما ورد في قصة الخلق من تكريم بني آدم:

﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ﴾ بأن علّمه تعالى الأسماء كلها، فأمكنه من التفكير المجرّد من بين جميع المخلوقات، ومنحه حرية الفكر والخيار والعقيدة، ولذلك أسجد له الملائكة الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ﴿وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ بما أودع تعالى في عقولهم من وسائل العلوم والمعرفة يخترعون بواسطتها شتّى أنواع المركبات والسفن ﴿وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ بما جعل في الكون من سنن من سار عليها وصل إلى مراده ﴿وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا﴾ من حيوانات يقتصر فكرها على إشباع غرائزها البهيمية، وليس لها من ميّزات الإنسان المذكورة شيء ﴿تَفْضِيلًا﴾ كثيرا واضحا بيّنا،

﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ (71)

71 - ﴿يَوْمَ﴾ القيامة ﴿نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ﴾ بعد ما ذكرته الآية السابقة من تكريمه تعالى لبني آدم، تبيّن هذه الآية أنه يوم القيامة سوف يدعى كلّ أناس بإمامهم، وهو ما فسّره الرازي بتركيبة المرء الأخلاقية، أو اللاأخلاقية، التي كانت تسوقه في دنياه، فمنها شخصية الأخلاق الفاضلة والكرم وطلب العلم والزهد، ومنها شهوة طاغية للمال، أو شهوة طاغية للسلطة والتسلط، ومنها شخصية الحقد والحسد والتخريب، وشخصية الإجرام، فهذه كلها بمثابة إمام للفرد يقتديه، ويدعى بموجبه في الآخرة، وفي الحديث: «لكلّ امرئ ما نوى»، ويدخل في ذلك الأعمال التي يفترض أن قام بها المرء فتركها ﴿فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ كناية عن حسن الطالع، لأن العرب تقول ميمون وأيمن ﴿فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ﴾ كتاب أعمالهم وهم في حالة من السرور، لما كانوا

545

سورة الإسراء (17): آية 72

سورة الإسراء (17): آية 73

سورة الإسراء (17): آية 74

سورة الإسراء (17): آية 75

عيه من الاستقامة في دنياهم ﴿وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ مقدار شعرة، وذلك ينطبق على أصحاب اليمين، كما ينطبق على المجرمين من أصحاب الشمال،

﴿وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ (72)

72 - ﴿وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ﴾ الدنيا ﴿أَعْمى﴾ القلب ﴿فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى﴾ القلب أيضا ﴿وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ عمّا كان عليه في دنياه، والمعنى أنّ نوعية الحياة الآخرة ليست فقط مترتّبة على ما كان عليه المرء في دنياه، بل هي في الواقع امتداد لها،

﴿وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وَإِذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾ (73)

73 - استمرار الخطاب من الآيات (70 - 72)، لأنه من نتائج تكريم بني آدم بالفكر المجرّد وبالحرية الفكرية، ضلال الكثيرين من الناس، كما تبيّنه الآيات (73 - 77):

﴿وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ يغرونك أيها النبي بشتى وسائل الإغراء ﴿عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ﴾ يريدون أن يطابق الوحي الإلاهي مقاييسهم الدنيوية وما توارثوه عن أجدادهم بالتقليد، وبمعنى آخر أرادوا التوصّل إلى حلول "وسط" مع النبي ﷺ، كي يقبلوا نبوّته، ومن جهته يفتري قرآنا من عنده بزعمهم ﴿وَإِذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾ وهو ما رفضه النبي ﷺ قطعيا،

﴿وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ (74)

74 - ﴿وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ المغزى أن الإيمان الشديد الذي كان يتمتع به النبي ﷺ، جعل من المستحيل عليه قبول عروضهم "الوسط"،

﴿إِذًا لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيرًا (75)﴾

546

سورة الإسراء (17): آية 76

سورة الإسراء (17): آية 77

سورة الإسراء (17): آية 78

75 - ﴿إِذًا لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ﴾ أي عذاب الضعف في الدنيا والآخرة، أولا بسبب ضلاله عن الوحي الموحى إليه، وثانيا بسبب ضلال أتباعه من بعده، وهو المعصوم عليه الصلاة والسلام، وعلى أية حال ففي الآية مغزى عام، وهو أنه لا يمكن التغاضي عن أية نية مبيّتة ضد حقيقة إلهية، ما لم يقع صاحبها في خطيئة لا تغتفر ﴿ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيرًا﴾ لا أحد ينصرك من دون الله في مثل هذه الحالات،

﴿وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها وَإِذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاّ قَلِيلًا﴾ (76)

76 - ﴿وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ﴾ أيها النبيّ، بعد أن فشلوا في إقناعك بالتخلّي عن رسالة الإسلام ﴿مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها﴾ من أرض مكة، لأن السورة مكية، واضطهاد قريش ضد الرسالة في مكة كان على أشدّه ﴿وَإِذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاّ قَلِيلًا﴾ تحققت هذه النبوءة بعد أكثر من سنتين بقليل، أي في رمضان بالعام 2 للهجرة عندما قتل أكابر قريش في وقعة بدر، وقوله تعالى:

﴿خِلافَكَ﴾ يفيد بنتيجة مخالفتهم لك، أي تلك النتيجة الطبيعية لمخالفة خاتم الأنبياء والرسل، وهو أيضا بمعنى بعدك أو خلفك،

﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلًا﴾ (77)

77 - ﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا﴾ سنّته تعالى في نصرة أنبيائه لا تتغيّر ﴿وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلًا﴾ فقد لاقى أكثر من شاركوا في إخراج النبي من مكة مصيرهم المحتوم في بدر أو في مكة،

﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا (78)﴾

547

سورة الإسراء (17): آية 79

سورة الإسراء (17): آية 80

78 - تتمة الخطاب من الآيات السابقة، أي إذا كان الأمر كذلك من تثبيت الله تعالى لرسله ونصرتهم، الآيات (73 - 77)، فلا بد من مداومته ﷺ، ومداومة أمّته على الصلاة، لدوام التثبيت، ودوام الشكر:

﴿أَقِمِ الصَّلاةَ﴾ أيها النبي، وأيها المسلم ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ هذه الآية تفيد الصلوات الخمسة، وقد فصّلتها السنّة الشريفة، وقالوا دلوك الشمس معناه زوالها في منتصف النهار، فيكون المعنى: أقم الصلاة من زوال الشمس في منتصف النهار، حتى غسق الليل، فيدخل في ذلك صلوات الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ثم قوله ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ يفيد صلاة الفجر ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ لأن النبي ﷺ كان يطيل قراءة القرآن وقت صلاة الفجر تركيزا على أهميتها الخاصة، وقد رأى الرازي في أهميتها من الإلهام يطرق قلب المؤمن عندما يبدأ نور الفجر بالانبلاج عن ظلام الليل ممّا يعزز تركيزه على الحقيقة الروحية،

﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ (79)

79 - ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾ قيام الليل ﴿نافِلَةً لَكَ﴾ زيادة عن الصلوات المفروضة، ندبا وليس فرضا ﴿عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ في الدار الآخرة،

﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاِجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا﴾ (80)

80 - ﴿وَقُلْ﴾ في صلاتك، وفي دعائك، وفي عملك، وفي ذهابك ومجيئك ﴿رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ في كلّ ما أقوم به من صلاة وعمل في سبيلك ﴿وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ أخرجني من الصلاة، ومن كل أعمال الدنيا، ومن جميع المواقف، بالصدق والإخلاص وحضور الذكر ﴿وَاِجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ﴾

548

سورة الإسراء (17): آية 81

سورة الإسراء (17): آية 82

سورة الإسراء (17): آية 83

﴿سُلْطانًا نَصِيرًا﴾ أي اجعل لي حجّة بيّنة تنصرني بها على أعدائي، فيكون نصري بالاقناع والحجج السليمة، على قلوبهم، وليس على أجسادهم،

﴿وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقًا﴾ (81)

81 - ﴿وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ﴾ بنصرة الإسلام وقرب انتشاره في مشارق الأرض ومغاربها بالقدوة والموعظة الحسنة والحجج الفكرية السليمة، على قاعدة: ﴿وَاِجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا﴾ (80)، وقاعدة: ﴿وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (53)،

وقد تحققت هذه النبوءة خلال أقل من مئة عام من البعثة النبوية الشريفة بانتشار الإسلام من الصين شرقا حتى الأندلس غربا ﴿إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقًا﴾ من طبيعة الباطل أن يزول على أسرع الوجوه، وإن كانت له دولة وجولة، لأنه لا يحمل في طياته عناصر البقاء الضرورية للبقاء والاستمرار،

﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إِلاّ خَسارًا﴾ (82)

82 - بعد أن ذكرت الآية (78) أن قرآن الفجر كان مشهودا، يعود الخطاب للتركيز على قوامة القرآن على ما سبقه من الكتب، انظر الآيات: (9، 46، 45، 41):

﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ﴾ لما في الصدور من الشك والحيرة والترقّب والجهل ﴿وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ الذين يتوصّلون للإيمان بفهم القرآن وتدبّر معانيه، ووعيها، والعمل بها بجدية ﴿وَلا يَزِيدُ الظّالِمِينَ﴾ الذين يعيشون حياة اللامبالاة والتسويف وخداع النفس والمادية البحتة ﴿إِلاّ خَسارًا﴾ قد يخسرون طريقتهم في الحياة، عدا خسارة آخرتهم، لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام 20/ 6]،

﴿وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَؤُسًا (83)﴾

549

سورة الإسراء (17): آية 84

سورة الإسراء (17): آية 85

سورة الإسراء (17): آية 86

83 - ﴿وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ﴾ من نوع الظالمين المشار إليهم بالآية السابقة ﴿أَعْرَضَ﴾ عن الهدى، وظنّ أن ما توصّل إليه من نعم الدنيا ناتج عن حوله وقوّته لا غير ﴿وَنَأى بِجانِبِهِ﴾ كناية عن استكباره ﴿وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ﴾ من فقر أو مرض أو مصيبة من المصائب ﴿كانَ يَؤُسًا﴾ كان شديد اليأس من رحمة الله، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكافِرُونَ﴾ [يوسف 87/ 12]،

﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلًا﴾ (84)

84 - ﴿قُلْ كُلٌّ﴾ من الناس ﴿يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ﴾ على استعداده، أي بحسب ميوله ومكوّناته الشخصية، وما شاكل جوهر نفسه من طهارتها أو كدرها وخسّتها ﴿فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلًا﴾ الله تعالى أعلم بمن يسير على الاستقامة، أو ينحرف نحو الغشّ والضلال وخداع النفس، فأنّى للآخرين قسره على الهداية،

﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاّ قَلِيلًا﴾ (85)

85 - ﴿وَيَسْئَلُونَكَ﴾ أيها النبي ﴿عَنِ الرُّوحِ﴾ أي عن الوحي القرآني وطبيعته وماهيّته، لقوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنا﴾ [الشورى 52/ 42]، فسمّى الوحي روحا، ولأنّ النظم من الآية (82) حتى الآية (89) يدور كله حول الوحي ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ في علمه واستئثاره ﴿وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاّ قَلِيلًا﴾ ما لا يمكّن الإنسان من الإحاطة إلاّ بجزء قليل من الغيبيّات،

﴿وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وَكِيلًا﴾ (86)

86 - ﴿وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ﴾ وهذه الآية جواب على سؤالهم بالآية (85)﴾ عن طبيعة الوحي، والمعنى أنّه من دون الوحي الإلهي يبقى

550

سورة الإسراء (17): آية 87

سورة الإسراء (17): آية 88

سورة الإسراء (17): آية 89

سورة الإسراء (17): آية 90

الجنس البشري تائها يتخبّط في البحث عن المقاييس الأخلاقية المطلقة ﴿ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا﴾ أيها الإنسان ﴿وَكِيلًا﴾ تكل أمورك إليه، أو تعتمد عليه في معرفة الحق من الباطل،

﴿إِلاّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾ (87)

87 - ﴿إِلاّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ استمرار الخطاب من الآية المتقدّمة، لأنّ الرحمة أيضا بمعنى الوحي، انظر آيات [هود 63/ 11، 28]، حيث سمّى الوحي رحمة، والمعنى: لولا الوحي لما استقامت أمور الإنسان ﴿إِنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾ أيها النبي، وأيها الإنسان، لأن الله تعالى أنعم على الإنسان بنعمة العقل من جهة، وبنعمة الوحي الإلهي من جهة ثانية،

﴿قُلْ لَئِنِ اِجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (88)

88 - ﴿قُلْ لَئِنِ اِجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ﴾ بكلّ ما يملكون من طاقات الفكر العلمية والتقنية والأدبية ﴿عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ﴾ في أسلوبه المعجز، ومحتواه العميق المتنوع، وإيحاءاته الروحية المبهرة، ونظمه المحكم ﴿لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ ولو كانوا يعضدون وينصرون بعضهم بعضا، لأن المسألة ليست مشروطة بتكامل الطاقات في سبيل تكامل النص في إبداعه، بل مرتبطة بالسر الخفيّ وراءه،

﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبى أَكْثَرُ النّاسِ إِلاّ كُفُورًا﴾ (89)

89 - ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ كرّرنا وقلّبنا المعاني القرآنية من كلّ الوجوه والأساليب، ليصبح القرآن قريبا من الأفهام ﴿فَأَبى أَكْثَرُ النّاسِ إِلاّ كُفُورًا﴾ لأنّ فهم أكثر الناس سطحي وضحل ومقتصر على مادية الدنيا، كما سيرد في الآية التالية:

﴿وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (90)﴾

551