بيان النظم في القرآن الكريمالجزء 2 · ص 569 - 576

سورة الكهف (18): آية 22

سورة الكهف (18): آية 22

سورة الكهف (18): آية 23

سورة الكهف (18): آية 24

صرحا يكون علامة لما حلّ بهم من رقود، وبعث، ثم موت ﴿رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ وهكذا تنتهي القصة هنا فجأة، كعادة القرآن الكريم، حيث لا يروي القصص لمجرّد التأريخ بل لبيان العبر منها،

﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ إِلاّ قَلِيلٌ فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلاّ مِراءً ظاهِرًا وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ (22)

22 - ﴿سَيَقُولُونَ﴾ في المستقبل بعد مرور الزمن، ممّا يدلّ أن قصة أهل الكهف شغلت أذهان الناس لمدة طويلة ﴿ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ إِلاّ قَلِيلٌ﴾ من العارفين قطعا ﴿فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلاّ مِراءً ظاهِرًا﴾ لا تجادل في موضوعهم إلاّ بجدال واضح ﴿وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ لا تطلب المعرفة من القصّاصين والخائضين فيما لا يعلمون،

﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَدًا﴾ (23)

23 - ﴿وَلا تَقُولَنَّ﴾ أيها النبي، أو أيها الإنسان ﴿لِشَيْءٍ﴾ تعزم عليه ﴿إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَدًا﴾ لأنّ الغد ليس في سيطرة البشر في كينونته أو عدمها، وفي ذلك عودة لمفهوم الزمن الذي أوردته القصة،

﴿إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ وَاُذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَدًا﴾ (24)

24 - ﴿إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ﴾ أن يحين الغد، فيفعل المرء ما شاء الله أن يفعل ﴿وَاُذْكُرْ رَبَّكَ﴾ أيها المؤمن ﴿إِذا نَسِيتَ﴾ وجوب إرجاع الأمور إليه تعالى ﴿وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَدًا﴾ أقرب ممّا أنا عليه من الرشد،

569

سورة الكهف (18): آية 25

سورة الكهف (18): آية 26

سورة الكهف (18): آية 27

سورة الكهف (18): آية 28

﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَاِزْدَادُوا تِسْعًا﴾ (25)

25 - ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَاِزْدَادُوا تِسْعًا﴾ من السنين، وهي الفرق بين حساب السنوات الشمسية والقمرية،

﴿قُلِ اللهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ (26)

26 - ﴿قُلِ﴾ للخائضين في الموضوع ﴿اللهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ وحده يعلم الغيب ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ لا تحيطون بسمعه وبصره ﷻ ﴿ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾ يستطيع نصرهم ﴿وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ ممّن زعموا من الشركاء،

﴿وَاُتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ (27)

27 - تتمة الخطاب من الآية السابقة: ﴿وَاُتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ﴾ أيها الرسول ﴿مِنْ كِتابِ رَبِّكَ﴾ بيّنه للناس ﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ﴾ لا تبديل فيه ولا نسخ ﴿وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ لا ملجأ منه تعالى إلاّ إليه،

﴿وَاِصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاِتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ (28)

28 - ﴿وَاِصْبِرْ نَفْسَكَ﴾ أيها الرسول، وأيها الداعية، وأيها المؤمن ﴿مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ﴾ وهم ضعفاء القوم، لا تحتقرهم ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ يبتغون رضاه سبحانه وتعالى دون الرياء والسمعة ﴿وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ﴾ إلى كبار القوم ووجهائهم ﴿تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ تطلب مجالسة الأغنياء وأصحاب الدنيا ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا﴾ أغفلناه بالخذلان

570

سورة الكهف (18): آية 29

سورة الكهف (18): آية 30

سورة الكهف (18): آية 31

والتخلية، لبطلان استعداده للذكر ﴿وَاِتَّبَعَ هَواهُ﴾ في ترك الإيمان ﴿وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ أي ضياعا وهلاكا،

ومغزى الآية عام ينطبق في كل الأزمنة بمعنى أنّ على المسلم ألاّ يتشدد مع الآخرين إن كانت أفكارهم لا تطابق العقيدة تماما، بل يتسامح ويصبر معهم في شرح المبادئ القرآنية،

﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنّا أَعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ نارًا أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ (29)

29 - ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ نزل به القرآن ﴿فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ بلا إكراه، لأن رسالة الإسلام تناشد العقول السليمة ﴿إِنّا أَعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ﴾ الذين ظلموا أنفسهم بالإصرار على الكفر ﴿نارًا أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها﴾ كناية عن استحالة الفكاك منها ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقًا﴾

﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ إِنّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ (30)

30 - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ قرنوا إيمانهم بالعمل الصالح بحسب القاعدة القرآنية ﴿إِنّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ لا ينفعهم إيمانهم من دون الإحسان في العمل،

﴿أُولئِكَ لَهُمْ جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ نِعْمَ الثَّوابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ (31)

31 - ﴿أُولئِكَ لَهُمْ جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ جنات الخلود ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ﴾ جزاء وفاقا لما كانوا عليه في دنياهم ﴿يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ﴾

571

سورة الكهف (18): آية 32

سورة الكهف (18): آية 33

سورة الكهف (18): آية 34

سورة الكهف (18): آية 35

﴿ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ نِعْمَ الثَّوابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ تفضّلا منه تعالى،

﴿وَاِضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعًا﴾ (32)

32 - بهذه الآية تبدأ القصة الثانية في السورة، وهي قصة رمزية، أي مثل، وفي الخطاب عودة إلى مغزى الآيات (7 - 8) إن الدنيا دار اختبار وهي زينة زائلة: ﴿وَاِضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما﴾ وهو الكافر ﴿جَنَّتَيْنِ﴾ حديقتين، أو بستانين ﴿مِنْ أَعْنابٍ وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعًا﴾

﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا﴾ (33)

33 - ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ﴾ لم تنقص ﴿شَيْئًا وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا﴾

﴿وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقالَ لِصاحِبِهِ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ (34)

34 - ﴿وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ وفير ﴿فَقالَ لِصاحِبِهِ﴾ المؤمن ﴿وَهُوَ يُحاوِرُهُ﴾ على سبيل المفاخرة والاعتداد بالمادة ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ في تلميح ساخر إلى ما هو عليه من الكفر، ونعم الدنيا معا،

﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَدًا﴾ (35)

35 - ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ حديقته ﴿وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ بحسبانه أن ما فيها من ثمر وفير، وغلال، كان بحوله وقوته لا غير، أي بوسائل الزراعة والري التي نفّذها ﴿قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَدًا﴾ ناسيا أو متناسيا السرّ الخفيّ وراء خلق المادة الحيّة،

572

سورة الكهف (18): آية 36

سورة الكهف (18): آية 37

سورة الكهف (18): آية 38

سورة الكهف (18): آية 39

سورة الكهف (18): آية 40

﴿وَما أَظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْها مُنْقَلَبًا﴾ (36)

36 - ﴿وَما أَظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾ إمعانا في الانكار، معتبرا دنيا المادة نهاية المطاف ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْها مُنْقَلَبًا﴾ قالها على مسمع من صاحبه المؤمن، وفي كلامه من التعريض والسخرية ما فيه،

﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلًا﴾ (37)

37 - ﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ﴾ لأن الحوار والمنطق السليم هو القاعدة عند المؤمنين، وليس التهجّم والتشنّج الفكري ﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلًا﴾ فكيف يمكن للعقل السليم أن ينسى أو يتناسى أبسط مراحل الخلق البيّنة في اعجازها الهائل؟

﴿لكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ (38)

38 - ﴿لكِنَّا﴾ لكن أنا ﴿هُوَ اللهُ رَبِّي﴾ وحده منبع الخلق والتكوين ﴿وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ لا أشرك به المادة ولا الدنيا الزائلة، التي ظننت أنها لن تبيد أبدا،

﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللهُ لا قُوَّةَ إِلاّ بِاللهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالًا وَوَلَدًا﴾ (39)

39 - ﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ﴾ أي هلاّ قلت؟ وفيه حضّ صاحبه على القول ﴿ما شاءَ اللهُ﴾ كان، وما لم يشأ لم يكن ﴿لا قُوَّةَ﴾ حقيقية ﴿إِلاّ بِاللهِ﴾ بتقدير الله ﴿إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالًا وَوَلَدًا﴾ أي اعترف بعجزك، وأنّ ما بك من مادة الدنيا كان بتقدير الله،

﴿فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْها حُسْبانًا مِنَ السَّماءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (40)﴾

573

سورة الكهف (18): آية 41

سورة الكهف (18): آية 42

سورة الكهف (18): آية 43

سورة الكهف (18): آية 44

40 - ﴿فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ﴾ قد يحصل ذلك بفضله وكرمه، وتقديره، وسننه في خلقه ﴿وَيُرْسِلَ عَلَيْها﴾ على حديقتك ﴿حُسْبانًا مِنَ السَّماءِ﴾ مقدّرا من السماء، محسوبا في علم الله القديم منذ خلق السماوات والأرض، كالصواعق والحرائق والآفات ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ ترابا لا نبات فيه، تنزلق عليه الأقدام لنعومته،

﴿أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ (41)

41 - ﴿أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا﴾ غائرا في الأرض بفعل عوامل التصدّعات والشقوق الأرضية الجوفية ﴿فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ لأنّ المياه الجوفية في هذه الحالة تسلك لنفسها جريانا باتجاهات متغيّرة،

﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ (42)

42 - ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ أحاط الدمار به كاملا بسبب آفة من الآفات ﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ ندما وتحسّرا ﴿عَلى ما أَنْفَقَ فِيها﴾ في حراثتها وزراعتها ﴿وَهِيَ خاوِيَةٌ﴾ خالية ﴿عَلى عُرُوشِها﴾ سقوفها من عرائش وما تتسلق وتتكئ عليه الكروم والنباتات ﴿وَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ تذكّر، بعد فوات الأوان، موعظة صاحبه بالآية (38)،

﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَما كانَ مُنْتَصِرًا﴾ (43)

43 - ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ صار في حالة من العجز التام الناجز، لا رجعة فيه ﴿وَما كانَ مُنْتَصِرًا﴾ لا أحد يستطيع نصره، فضلا عن أن ينصر نفسه بنفسه،

﴿هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا (44)﴾

574

سورة الكهف (18): آية 45

سورة الكهف (18): آية 46

سورة الكهف (18): آية 47

44 - ﴿هُنالِكَ﴾ في هذه الدنيا، كما في الآخرة ﴿الْوَلايَةُ لِلّهِ الْحَقِّ﴾ وحده ينصر عباده ويتولّى أمورهم، وما عداه باطل ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا﴾ في العاقبة،

﴿وَاِضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ (45)

45 - ﴿وَاِضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّياحُ﴾ أي بعد كلّ ما تقدّم من قصة الرجلين، وما تبيّن منها من العبر، اضرب لهم مثل الدنيا عموما، تشبيها لها بالمطر ينبت النبات، ثمّ لا يلبث النبات أن يصبح يابسا متفتتا تفرّقه الرياح، وكذا حال الدنيا ﴿وَكانَ اللهُ﴾ منذ الأزل، ولا يزال ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ في الدنيا، وعلى البعث في الآخرة،

﴿الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ (46)

46 - تتمة الخطاب من الآية المتقدمة، والمغزى نهي عن الغرور بالدنيا:

﴿الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ الفانية، فلا يغترّ بهما أحد ﴿وَالْباقِياتُ الصّالِحاتُ﴾ من الأعمال ﴿خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا﴾ أجرا ﴿وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ لمن يأمل الآخرة ويرجوها، ولا يقتصر أمله على دنياه،

﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ (47)

47 - ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً﴾ يوم القيامة، فتتخلّى الأرض عن حقيقتها الظاهرية ﴿وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ أي من العباد، مؤمنهم وكافرهم،

575

سورة الكهف (18): آية 48

سورة الكهف (18): آية 49

سورة الكهف (18): آية 50

﴿وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا﴾ (48)

48 - ﴿وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا﴾ لا يفوت منهم أحد ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا﴾ وهذا القول للكفار الذين في حياتهم أنكروا حقيقة الآخرة،

﴿وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاّ أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ (49)

49 - ﴿وَوُضِعَ الْكِتابُ﴾ كتاب الأعمال ﴿فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ﴾ خائفين ﴿مِمّا فِيهِ﴾ من الجرائم والذنوب ﴿وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا﴾ يا هلاكنا، أي يتمنّون الهلاك ﴿مالِ هذَا الْكِتابِ﴾ سجلّ الأعمال ﴿لا يُغادِرُ﴾ لا يترك ﴿صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً﴾ من الذنوب ﴿إِلاّ أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا﴾ في دنياهم ﴿حاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ لأن الجزاء من جنس العمل، ومترتّب عليه،

﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلًا﴾ (50)

50 - عودة الخطاب لقصة الخليقة الرمزية، ومعصية إبليس، مرتبط بما قبله، باعتبار المجرمين المشار إليهم آنفا قد مارسوا الخيار الأخلاقي الخاطئ في دنياهم:

﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ سجود تكريم، لما حباه الله من الفكر المجرّد ﴿فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ كناية عن عناصر الشر التي سوف يكابدها الإنسان في الدنيا ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلًا﴾ أي بدلا من الخيار الأخلاقي الصحيح الواجب اتّباعه،

576