بيان النظم في القرآن الكريمالجزء 3 · ص 19 - 26

سورة مريم - 19 - مكية

سورة مريم - 19 - مكية

مقدمة

نزلت حوالي السنة السابعة قبل الهجرة، أي قبل لجوء الدفعة الأولى من المسلمين إلى الحبشة، وفي سيرة ابن هشام أن جعفر بن أبي طالب، ابن عم الرسول ﷺ، تلاها على نجاشي الحبشة عندما شرح له خلفية الدعوة الإسلامية.

ارتباط السورة بما قبلها

افتتحت سورة الكهف المتقدمة بوجوب حمده تعالى أن أنزل القرآن على نبيّه معجزا متجانسا: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ (1/ 18)، ثم تختتم سورة مريم أنه تعالى يسّر القرآن على لسان نبيّه بشرى للمتقين وإنذارا للمكابرين:

﴿فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ (97/ 19).

واختتمت سورة الكهف بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ (107/ 18)، ثم تذكرسورة مريم من هؤلاء زكريا ويحيى، ومريم وعيسى، وإبراهيم وإسحاق ويعقوب، وموسى وهارون، وإسماعيل وإدريس وتجملهم جميعا وذراريهم بقوله تعالى: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ وَإِسْرائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنا وَاِجْتَبَيْنا إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ (58/ 19)، ثم قوله تعالى في سورة مريم: إنه سينشر محبّتهم بين الناس:

﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا﴾ (96/ 19).

19

وبالمقابل تذكرسورة الكهف أن أعمال الكفار تحبط يوم القيامة فلا وزن حتى لأعمالهم (الصالحة): ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْنًا﴾ (105/ 18)، وتفصيل عاقبتهم في سورة مريم: ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَإِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا * أَوَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا * فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا * ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا * ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى بِها صِلِيًّا﴾ (66/ 19 - 70).

وفي سورة الكهف أن من أهداف القرآن الكريم إنذار الذين زعموا لله ولدا: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اِتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا﴾ (4/ 18)، وتفصيله في سورة مريم:

﴿ما كانَ لِلّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحانَهُ إِذا قَضى أَمْرًا فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (35/ 19)، وقوله تعالى: ﴿وَقالُوا اِتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَدًا * وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ (88/ 19 - 92).

وفي سورة الكهف إصرار المغترّين بالدنيا على إنكار الآخرة: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَدًا * وَما أَظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْها مُنْقَلَبًا﴾ (35/ 18 - 36)، ثم في سورة مريم أنهم يكتشفون في وقت متأخر نقيض ذلك، وأنّ على المؤمنين أن يدعوا لهم بالهداية قبل الفوات:

﴿قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا حَتّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذابَ وَإِمَّا السّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا﴾ (75/ 19).

محور السورة

تتابع الرسالات السماوية في النبيين من ذرية آدم ونوح، وذرية إبراهيم، وسلالة النبوات من بني إسرائيل التي انتهت بآخر أنبيائهم عيسى عليه السلام: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ﴾

20

﴿وَإِسْرائِيلَ﴾، وسلالة النبوات من إسماعيل الولد الأول لإبراهيم والتي انتهت بختم النبوات في محمد ﷺ: ﴿وَمِمَّنْ هَدَيْنا وَاِجْتَبَيْنا إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ (58)، وفي حين رفض اليهود رسالة آخر أنبيائهم عيسى عليه السلام وكفروا بها، فقد انشقت المسيحية عن النصرانية وألّهت عيسى: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (37).

وتنقض السورة دعوى الكفار الذين يتجاهلون الرسالات السماوية ويعدّون نجاحهم المادي الدنيوي معيارا وحيدا في دنياهم بغض النظر عن أي معيار أخلاقي:

﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ (73)، فهم يظنّون الدين عائقا في سبيل تقدمهم المادي: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَدًا﴾ (77)، وأن أمثالهم سوف يعانون من العذاب أشد من غيرهم في الآخرة لكونهم ضلّوا وأضلّوا غيرهم من ضعاف القوم:

﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا * ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا * ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى بِها صِلِيًّا﴾ (68 - 70)، وأن الله تعالى أعطاهم فرص التوبة في الدنيا، وأن على المؤمنين أن يدعوا لهم بالهداية: ﴿قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا حَتّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذابَ وَإِمَّا السّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا﴾ (75).

ثم تنقض السورة أيضا العقيدة المسيحية التي تزعم أن المسيح ابن الله:

﴿وَقالُوا اِتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَدًا * وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ (88 - 92)، وأنه تعالى يسّر نزول القرآن الكريم على لسان نبيه محمد ﷺ لختم النبوات ولوضع الأمور في نصابها الصحيح: ﴿فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ (97).

21

سورة مريم (19): آية 1

سورة مريم (19): آية 2

سورة مريم (19): آية 3

سورة مريم (19): آية 4

سورة مريم (19): آية 5

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿كهيعص﴾ (1)

1 - ﴿كهيعص﴾ الله أعلم بمراده، انظر شرح آية [البقرة 1/ 2].

﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّا﴾ (2)

2 - ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّا﴾ أي هذا ذكر وشرح لما تنزّلت به الرحمة من الله تعالى على عبده زكريا، والد النبي يحيى، عليهما السلام، وكان من كبار رجال الدين في معبد القدس، ورحمته تعالى لزكريا في هذه الحالة هي استجابته لدعائه كما سوف يرد.

﴿إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا﴾ (3)

3 - ﴿إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا﴾ دعا زكريّا ربّه في السرّ، وليس جهرا، لأنّ مثل هذا الدعاء في السرّ أقرب إلى الإخلاص، وأبعد عن الرياء إن كان في جمع من الناس، خاصة أنه يطلب الولد على تقدّمه في السن، كما لم يرد أن يكون ذلك على مسمع من رجال الدين في المعبد الذين خاف أن يلوه، الآية (5).

﴿قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاِشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ (4)

4 - ﴿قالَ﴾ زكريا في دعائه ﴿رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ ضعف عظمه لتقدّمه في السن ﴿وَاِشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ عمّ الشيب رأسه ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ يعني أن الله تعالى كان يستجيب لدعائه على الدوام.

﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَكانَتِ اِمْرَأَتِي عاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ (5)

5 - ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي﴾ الموالي هم رجال الدين في المعبد، خاف أن يلوه في عمله بسبب فسادهم وتردّي سلوكهم الأخلاقي ﴿وَكانَتِ﴾

22

سورة مريم (19): آية 6

سورة مريم (19): آية 7

سورة مريم (19): آية 8

سورة مريم (19): آية 9

﴿اِمْرَأَتِي عاقِرًا﴾ لا تلد، وهي إليزابيث، أخت مريم عليها السلام، وقيل بل هي ابنة عمها ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ ولدا يليني في خدمة المعبد.

﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاِجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ (6)

6 - ﴿يَرِثُنِي﴾ في أعمالي في المعبد ﴿وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ يرث من أحسن خصالهم، ويعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام، وآل يعقوب هم ذرّيته ﴿وَاِجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ مرضيّا عندك قولا وفعلا.

﴿يا زَكَرِيّا إِنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اِسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾ (7)

7 - ﴿يا زَكَرِيّا إِنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ﴾ استجاب تعالى لدعاء زكريا ﴿اِسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾ ومن البشارة أيضا أنّ الله تعالى اختار اسم يحيى تكريما لما سيهب له من الولد، ولأن اسم يحيى مشتق من الحياة، بالنظر لبعثة يحيى التى سبقت بعثة عيسى عليه السلام بستة شهور.

﴿قالَ رَبِّ أَنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ اِمْرَأَتِي عاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ (8)

8 - ﴿قالَ﴾ زكريّا مستغربا ﴿رَبِّ أَنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ كيف ومن أين؟ ﴿وَكانَتِ اِمْرَأَتِي عاقِرًا﴾ لا تلد ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ مبلغا كبيرا من السن.

﴿قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ (9)

9 - ﴿قالَ﴾ الملاك الذي حمل البشارة ﴿كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ لأنّ أمره تعالى في التكوين أن يقول له: كن، فيكون.

﴿قالَ رَبِّ اِجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلاّ تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا (10)﴾

23

سورة مريم (19): آية 11

سورة مريم (19): آية 12

سورة مريم (19): آية 13

سورة مريم (19): آية 14

سورة مريم (19): آية 15

سورة مريم (19): آية 16

10 - ﴿قالَ رَبِّ اِجْعَلْ لِي آيَةً﴾ إشارة ﴿قالَ آيَتُكَ أَلاّ تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ﴾ تمتنع عن الكلام معهم ﴿سَوِيًّا﴾ أي مع كونك سويا ليس بك أي مرض يمنعك من النطق.

﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ (11)

11 - ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ﴾ بالإشارة ﴿أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ داوموا على ذكر الله.

﴿يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ (12)

12 - ﴿يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ﴾ تحققت البشارة، وبلغ يحيى أشدّه، وبعث نبيا إلى بني إسرائيل قبل عيسى، والكتاب المشار إليه هو التوراة ﴿بِقُوَّةٍ﴾ لأن اليهود تلاعبوا بالتوراة، وكتبوا من عندهم الكثير، فالمقصود أن يأخذ يحيى من التوراة الصحيح المتبقي منها فقط، ويتمسك به ﴿وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ﴾ الحكمة قبل النبوة عندما كان ﴿صَبِيًّا﴾.

﴿وَحَنانًا مِنْ لَدُنّا وَزَكاةً وَكانَ تَقِيًّا﴾ (13)

13 - ﴿وَحَنانًا مِنْ لَدُنّا وَزَكاةً﴾ رحمة عليه وتزكية له وطهورا من كل سوء ﴿وَكانَ تَقِيًّا﴾ يتّقي كل ما لا ينبغي.

﴿وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبّارًا عَصِيًّا﴾ (14)

14 - ﴿وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ﴾ في إشارة إلى أن بر الوالدين يلي عبادة الله، انظرآية [الإسراء 23/ 17]، ﴿وَلَمْ يَكُنْ جَبّارًا عَصِيًّا﴾ بل متواضعا ليّن الجانب.

﴿وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ (15)

15 - ﴿وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ فيتنزّل عليه السلام الروحاني في كل هذه المراحل، وذلك قصارى ما يتمنّاه كل عاقل.

﴿وَاُذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ اِنْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكانًا شَرْقِيًّا (16)﴾

24

16 - وهذه القصة الثانية بعد قصة زكريا ويحيى، والترابط بينهما لأنّ بعثتي يحيى وعيسى متقاربتان زمنيا، ولأنّ يحيى ابن خالة عيسى كما ذكرنا أعلاه، ولأنّ ولادة يحيى وعيسى كليهما كانت معجزة:

سورة مريم (19): آية 17

﴿وَاُذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ﴾ أي اذكر أيها الرسول، أو أيها القارئ قصة مريم كما وردت في هذا القرآن، تصحيحا لما ورد عنها في قصص العهدين القديم والجديد المشوّهة ﴿إِذِ اِنْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها﴾ اعتزلتهم ﴿مَكانًا شَرْقِيًّا﴾ من بيت المعبد، أو من بيت المقدس، لأنّ والدتها امرأة عمران كانت نذرتها لخدمة المعبد، انظر [آل عمران 35/ 3 - 36].

﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجابًا فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا﴾ (17)

17 - ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجابًا﴾ اعتكفت للعبادة ﴿فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا﴾ روح من الله تعالى تمثّل لمريم على شكل بشر.

﴿قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ (18)

سورة مريم (19): آية 18

سورة مريم (19): آية 19

سورة مريم (19): آية 20

سورة مريم (19): آية 21

18 - ﴿قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ﴾ فلا تقربني ﴿إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ تخاف الله تعالى، وقد علمت مريم أنّ الاستعاذة لا تؤثر إلاّ في الأتقياء.

﴿قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾ (19)

19 - ﴿قالَ﴾ يطمئنها ﴿إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾ جئتك بهذه البشارة.

﴿قالَتْ أَنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ (20)

20 - ﴿قالَتْ أَنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ فكيف ومن أين؟ ﴿وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ بل امرأة طاهرة.

﴿قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ وَرَحْمَةً مِنّا وَكانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (21)﴾

25

سورة مريم (19): آية 22

سورة مريم (19): آية 23

سورة مريم (19): آية 24

سورة مريم (19): آية 25

21 - ﴿قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ﴿وَلِنَجْعَلَهُ﴾ أي عيسى عليه السلام ﴿آيَةً لِلنّاسِ﴾ معجزة ﴿وَرَحْمَةً مِنّا﴾ للناس، بما سوف يتنزّل عليه من الوحي بما يفيدهم ويصحح انحرافاتهم ﴿وَكانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ في حملها عيسى عليه السلام، محقق قضاؤه حتما منذ خلق الله السماوات والأرض.

﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكانًا قَصِيًّا﴾ (22)

22 - ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ﴾ بالمسيح ﴿مَكانًا قَصِيًّا﴾ بعيدا من أهلها، خارج المعبد.

﴿فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ (23)

23 - ﴿فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ نخلة ذهبت إليها لدى شعورها بالمخاض ﴿قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ قالته لشدّة ما كانت عليه من مشقة المخاض من جهة، ولما سوف تواجه به الناس بعد الولادة من جهة ثانية.

﴿فَناداها مِنْ تَحْتِها أَلاّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ (24)

24 - ﴿فَناداها﴾ صوت ﴿مِنْ تَحْتِها﴾ من تحت النخلة ﴿أَلاّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ جدولا يسري ماؤه، وتحتها بمعنى تحت ناظرها، وذلك أيضا على سبيل الإعجاز.

﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ (25)

25 - ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ في مزيد من الإعجاز؛ لأن اهتزاز النخلة من جذعها يحتاج لقوة كبيرة، خاصة أن النخلة كبيرة ومثمرة.

26