بيان النظم في القرآن الكريمالجزء 3 · ص 115 - 122

سورة الحج (22): آية 53

سورة الحج (22): آية 53

سورة الحج (22): آية 54

سورة الحج (22): آية 55

سورة الحج (22): آية 56

﴿لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ (53)

53 - ﴿لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً﴾ اختبارا ﴿لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ من المنافقين والمذبذبين الذين يعبدون الله على حرف، الآية (11)، ﴿وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ من المصرّين على الكفر ﴿وَإِنَّ الظّالِمِينَ﴾ أنفسهم بالإنكار والتعامي، والوقوع في وساوس الشيطان ﴿لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ هم في شقّ من التفكير والضلال، والمؤمنون في شق آخر بعيد عنهم كلّ البعد.

﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (54)

54 - ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ اليقيني، وليس الظني التخميني ﴿أَنَّهُ﴾ القرآن الكريم ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ وحي من السماء، وليس تخيلات شيطانية ﴿فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾ تخشع له ﴿وَإِنَّ اللهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يقينا ﴿إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.

﴿وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتّى تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ (55)

55 - ﴿وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وأصرّوا على الكفر ﴿فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾ في شك من القرآن الكريم، بل في شك من وجود الله تعالى ﴿حَتّى تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً﴾ فلا تفيدهم التوبة ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ ينقطع رجاؤهم وقت وفاتهم.

﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ (56)

56 - ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ يوم يتضح الحق من الباطل ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ كنتيجة طبيعية لما كانوا عليه من الإيمان.

115

سورة الحج (22): آية 57

سورة الحج (22): آية 58

سورة الحج (22): آية 59

سورة الحج (22): آية 60

سورة الحج (22): آية 61

﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا فَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ (57)

57 - ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا فَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ بما كسبت أيديهم.

﴿وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ ماتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ (58)

58 - ﴿وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ هربا من الاضطهاد الديني ﴿ثُمَّ قُتِلُوا﴾ دفاعا عن النفس ﴿أَوْ ماتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ في الآخرة ﴿وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ من الأرزاق في الدنيا والآخرة.

﴿لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ (59)

59 - ﴿لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ﴾ في جنات النعيم ﴿وَإِنَّ اللهَ لَعَلِيمٌ﴾ بما يرضيهم ﴿حَلِيمٌ﴾ لا يعاجل أعداءهم بالعقوبة.

﴿ذلِكَ وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللهُ إِنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ (60)

60 - ﴿ذلِكَ﴾ الأمر ﴿وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ﴾ أي قاتل دفاعا عن نفسه فقط، ولم يزد في عقاب عدوّه على ما ابتدأه به، فذلك هو المبرر الوحيد للقتال في الإسلام ﴿ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ﴾ إذا عاد العدو إلى عدوانه رغم ذلك ﴿لَيَنْصُرَنَّهُ اللهُ﴾ يصبح بإمكانه في هذه الحالة فقط أن يستخدم كل وسائله الممكنة لردع البغي ﴿إِنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ الله تعالى في هذه الحالة يغفر له تجاوزه في الرد.

﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (61)﴾

116

سورة الحج (22): آية 62

سورة الحج (22): آية 63

سورة الحج (22): آية 64

سورة الحج (22): آية 65

61 - ﴿ذلِكَ﴾ النصر المشار إليه ﴿بِأَنَّ اللهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ﴾ فهو وحده واضع السنن الكونية الآفاقية، والسنن الأخرى في خلقه، لا يعجزه شيء ﴿وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ﴾ لدعاء عباده ﴿بَصِيرٌ﴾ بأحوالهم.

﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْباطِلُ وَأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ (62)

62 - ﴿ذلِكَ﴾ الأمر، والاتصاف بكمال القدرة الإلهية، وكمال العلم الإلهي سبببه ﴿بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ إلها، أو مؤلّها ﴿هُوَ الْباطِلُ﴾ المعدوم في ذاته ﴿وَأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَلِيُّ﴾ على جميع الأشياء ﴿الْكَبِيرُ﴾ عن أن يكون له شريك، تعالى عن ذلك شأنا، فهو أكبر منه سلطانا.

﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ (63)

63 - استمرار الخطاب من الآية السابقة: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ فمن غير الله تعالى يقدر على ذلك؟ ﴿إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ﴾ متفضّل على العباد بإيصال منافعه إليهم بإنزال الماء واخضرار الأرض ﴿خَبِيرٌ﴾ عليم بدقائق الأمور ومقادير مصالح العباد.

﴿لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ (64)

64 - ﴿لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ خلقا، وملكا، وتصرّفا ﴿وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ﴾ لا يفتقر إلى شيء، بل العباد يفتقرون إليه ﴿الْحَمِيدُ﴾ مستحق الحمد بذاته، سواء حمده حامد أم لم يحمد.

﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلاّ بِإِذْنِهِ إِنَّ اللهَ بِالنّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ (65)

65 - ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ﴾ جعلها مذلّلة لكم ومعدّة لمنافعكم تتصرّفون بها كيفما شئتم ﴿وَالْفُلْكَ﴾ السفن ﴿تَجْرِي فِي الْبَحْرِ﴾

117

سورة الحج (22): آية 66

سورة الحج (22): آية 67

سورة الحج (22): آية 68

﴿بِأَمْرِهِ﴾ بحسب السنن والقوانين الفيزيائية التي وضعها في خلقه ﴿وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ﴾ بموجب سننه تعالى في خلقه ومنها قوانين الفيزياء ﴿إِلاّ بِإِذْنِهِ﴾ أي بمشيئته، فعندئذ يختلّ النظام الكوني، وتقع الواقعة، انظرآية [الواقعة 1/ 56]، ﴿إِنَّ اللهَ بِالنّاسِ﴾ قاطبة ﴿لَرَؤُفٌ﴾ بما سخّر لهم من معاشهم ﴿رَحِيمٌ﴾ حتى عمّت رحمته فيهم، مؤمنهم وكافرهم.

﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ﴾ (66)

66 - مزيد من دلائل الإعجاز التي بدأت بالآيات (61 - 65):

﴿وَهُوَ﴾ الله تعالى وحده ﴿الَّذِي أَحْياكُمْ﴾ من العدم ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ ميتتكم الأولى عند مجيء آجالكم ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ للبعث والنشور ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ﴾ جحود ينكر النعم.

﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكًا هُمْ ناسِكُوهُ فَلا يُنازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَاُدْعُ إِلى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلى هُدىً مُسْتَقِيمٍ﴾ (67)

67 - بعد أن ذكرت الآية (65) أن الله يرزق عباده على السواء، مؤمنهم وكافرهم، تبين الآيات (67 - 69) السبب في ذلك بأنّ التنوع في الخليقة مقصود، وليس مصادفة:

﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكًا هُمْ ناسِكُوهُ﴾ أي طريقة في العبادة، ونظيره قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجًا وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً﴾ [المائدة 48/ 5]، ﴿فَلا يُنازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ﴾ أحد منهم من تلك الأمم ﴿وَاُدْعُ إِلى رَبِّكَ﴾ برسالة الإسلام، بالقدوة والموعظة الحسنة، انظر [النحل 125/ 16]، ﴿إِنَّكَ لَعَلى هُدىً مُسْتَقِيمٍ﴾ على الإسلام، والآخرون على ضلال.

﴿وَإِنْ جادَلُوكَ فَقُلِ اللهُ أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ (68)﴾

118

سورة الحج (22): آية 69

سورة الحج (22): آية 70

سورة الحج (22): آية 71

سورة الحج (22): آية 72

68 - ﴿وَإِنْ جادَلُوكَ﴾ بباطلهم ﴿فَقُلِ اللهُ أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [يونس 41/ 10].

﴿اللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (69)

69 - ﴿اللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ فيظهر لكم في حينه الحق من الباطل، والمغزى؛ إنّ تفاوت العقائد في الخليقة ليس مصادفة بل مقصود، وحساب الجميع على الله.

﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذلِكَ فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾ (70)

70 - ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ﴾ أيها المسلم، أو أيها الإنسان عامة ﴿أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ﴾ ومن ذلك ما يضمر الناس من عقائد، وما يظهرون ﴿إِنَّ ذلِكَ فِي كِتابٍ﴾ في علم الله الأزلي القديم منذ خلق السماوات والأرض ﴿إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾ لا يعجزه شيء.

﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وَما لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَما لِلظّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ (71)

71 - ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا﴾ رغم هذا الإعجاز الهائل المشار إليه آنفا، تبلغ ببعضهم الحماقة أن يعبدوا الأوهام والأوثان ﴿وَما لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ من دليل عقلي ﴿وَما لِلظّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ يؤيدهم وينصرهم على ما هم فيه من الضلال.

﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ النّارُ وَعَدَهَا اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (72)﴾

119

سورة الحج (22): آية 73

سورة الحج (22): آية 74

سورة الحج (22): آية 75

72 - ﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ﴾ بشكل لا يقبل اللبس ولا الغموض، مما يدلّ على بطلان ما هم عليه من عبادة غير الله تعالى ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ﴾ أي الإنكار ﴿يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا﴾ لشدة غيظهم وغضبهم وانغلاق عقولهم على ما هم فيه من التقليد، يكادون يبطشون بمن يتلو عليهم الآيات البيّنات ﴿قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ﴾ الحال الذي أنتم عليه ﴿النّارُ وَعَدَهَا اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وأصرّوا على كفرهم، فلم يستفيدوا من نعمة العقل ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ الذي يختارونه لأنفسهم.

﴿يا أَيُّهَا النّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا وَلَوِ اِجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ (73)

73 - ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ﴾ الذين تجادلون بالباطل ﴿ضُرِبَ مَثَلٌ﴾ جدير بالاعتبار ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ سماع عقل وتفكّر ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ من الزعماء والأوثان والأوهام ومن تزعمون فيهم الألوهية ﴿لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا وَلَوِ اِجْتَمَعُوا لَهُ﴾ أوّلهم وآخرهم ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئًا﴾ من عافيتهم ﴿لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾ بل هم حياله في منتهى العجز ﴿ضَعُفَ الطّالِبُ﴾ لكونه باطلا من أصله ﴿وَالْمَطْلُوبُ﴾ استنقاذه، رغم حقارته.

﴿ما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (74)

74 - ﴿ما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ إذ عبدوا من دونه من أوهامهم ما يضرهم ولا ينفعهم ﴿إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ غالب على أمره.

﴿اللهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النّاسِ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ (75)

75 - ﴿اللهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا﴾ يبلّغون الوحي للرسل والأنبياء ﴿وَمِنَ النّاسِ﴾ رسلا إلى أقوامهم، ومع ذلك فليس لأحد منهم، مع الله تعالى

120

سورة الحج (22): آية 76

سورة الحج (22): آية 77

سورة الحج (22): آية 78

من شرك، فليسوا سوى مخلوقات من خلقه يعبدون الله، ولا يستحقّون العبادة ﴿إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ بأحوالهم، محيط علمه القديم بهم.

﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ (76)

76 - ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ من عالم الشهادة ﴿وَما خَلْفَهُمْ﴾ من عالم الغيب الذي استأثر الله تعالى بعلمه، ولا يحيطون بشيء منه إلاّ بقدر ما يشاء ﴿وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ خالق كل شيء، ولا يرجع إلى الملائكة والرسل من شيء، فكيف يعبدونهم؟ ويزعمون فيهم الألوهية؟

﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِرْكَعُوا وَاُسْجُدُوا وَاُعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَاِفْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (77)

77 - هذه الآية والتي تليها هي الخلاصة الجامعة للمؤمنين ألاّ يأبهوا لما حولهم من العقائد الباطلة، بل يقوموا بما عليهم من واجب، والله عز وجل يدبر الأمور على النحو الذي يشاء:

﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِرْكَعُوا وَاُسْجُدُوا﴾ أقيموا الصلاة ﴿وَاُعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾ وحده لا إله إلاّ هو ﴿وَاِفْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ اقرنوا العبادة بالعمل الصالح ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ترجون الفلاح في دنياكم وآخرتكم.

﴿وَجاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اِجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَاِعْتَصِمُوا بِاللهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ (78)

78 - ﴿وَجاهِدُوا فِي﴾ سبيل دين ﴿اللهِ حَقَّ جِهادِهِ﴾ بكلّ ما يستلزمه جهاد الدعوة من الحكمة والموعظة الحسنة، انظرآيات [النحل 125/ 16] و[الفرقان 52/ 25]، ﴿هُوَ اِجْتَباكُمْ﴾ اختاركم لحمل رسالة الإسلام ﴿وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ لخلوّ العقيدة الإسلامية من أي غموض، ومن أي صعوبة في العبادات، ومن حيث رفض المبالغة في التنسك والزهد، بل إعطاء

121

الجسد حقه، مع مراعاة أن الانسان خلق ضعيفا [النساء 28/ 4]، ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ﴾ ديانة الإسلام، انظر [البقرة 131/ 2]، ﴿هُوَ﴾ الله تعالى ﴿سَمّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ نزول القرآن ﴿وَفِي هذا﴾ القرآن ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ﴾ فيكون قدوة لكم ﴿وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ﴾ قدوة لهم قاطبة، قولا وفعلا ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ﴾ تقربا إليه تعالى ﴿وَاِعْتَصِمُوا بِاللهِ﴾ ثقوا به في جميع أموركم وأحوالكم ﴿هُوَ مَوْلاكُمْ﴾ ناصركم ومتولّي أموركم ﴿فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ لا مثيل له تعالى في الولاية والنصرة.

122