بيان النظم في القرآن الكريمالجزء 1 · ص 131 - 138

سورة البقرة (2): آية 191

سورة البقرة (2): آية 191

سورة البقرة (2): آية 192

سورة البقرة (2): آية 193

سورة البقرة (2): آية 194

﴿وَاُقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ﴾ (191)

191 - ﴿وَاُقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾ ولهذا السبب أجلى رسول الله ﷺ كل مشرك من الحرم، ثم أجلاهم أيضا من المدينة، أخرج أحمد في مسنده ومالك في الموطّأ أنه ﷺ قال: «لا يجتمع دينان في جزيرة العرب» ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ الفتنة بمعنى الاضطهاد الديني ومنع حرية العبادة فهي في هذه الحالة سلب الحرية، فمبرر القتال أنه لضمان حرية العبادة وحرية العقيدة (الآية 193)، والقتل سلب الحياة، فجعل تعالى سلب الحرية أشد من سلب الحياة ﴿وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ﴾ الإذن بالقتال مشروط بأن يبدأ المشركون به.

﴿فَإِنِ اِنْتَهَوْا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (192)

192 - ﴿فَإِنِ اِنْتَهَوْا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ إن تركوا قتال المسلمين فإنّ الله غفور لذنوب من آمن منهم وتاب من شركه، رحيم به في آخرته.

﴿وَقاتِلُوهُمْ حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ اِنْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلاّ عَلَى الظّالِمِينَ﴾ (193)

193 - ﴿وَقاتِلُوهُمْ حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ حتّى يزول الاضطهاد الديني، وهو سبب الأمر بالقتال ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ﴾ تكون العبادة لله وحده ﴿فَإِنِ اِنْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلاّ عَلَى الظّالِمِينَ﴾ إن انتهوا لا يجوز قتالهم، ولا يعاقب منهم إلاّ من طغى وتجاوز كل الحدود في عداوته للمسلمين، انظر آية [الأنفال 8/ 39].

﴿الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اِعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اِعْتَدى عَلَيْكُمْ وَاِتَّقُوا اللهَ وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (194).

131

سورة البقرة (2): آية 195

سورة البقرة (2): آية 196

194 - ﴿الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ﴾ أي من قاتلكم من المشركين في الشهر الحرام فقاتلوه في الشهر الحرام، والأشهر الحرم منذ زمن ابراهيم عليه السلام هي أشهر الحج: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، وشهر العمرة رجب، وقد تعارف العرب منذ القدم على حرمة القتال فيها ليتمكن الحجاج والمعتمرون من قضاء مناسكهم بسلام ﴿وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ﴾ ليس للمسلمين أن ينتهكوا هذه الحرمات إلاّ إذا انتهكها الخصم أوّلا فعندئذ يدافعون عن أنفسهم ﴿فَمَنِ اِعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اِعْتَدى عَلَيْكُمْ وَاِتَّقُوا اللهَ وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ مع أنه تعالى رخّص للمسلمين بالقتال، إذ بدأ الآخرون به، فقد أمرهم بمقابلة العدوان بالمثل فقط، دون زيادة ولا طغيان.

﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (195)

195 - ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ المعنى لا تسببوا هلاككم بمنع النفقة في سبيل الله، وعن أبي أيوب الأنصاري أنّ التهلكة هي الإقامة في الأهل والمال وترك الجهاد (الزمخشري)، وعن ابن عباس: ليست التهلكة أن يقتل الرجل في سبيل الله ولكنها الامساك عن النفقة في سبيل الله (الطبري).

﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اِسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اِسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَاِتَّقُوا اللهَ وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ (196)

196 - ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾ لوجه الله، وليس للرياء والسمعة ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ بمرض أو غيره، أي إذا بدأتم الحج أو العمرة ثمّ حبستم ومنعتم منهما

132

بسبب خوف من عدوّ أو مرض أو علّة تمنع الوصول إلى البيت ﴿فَمَا اِسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ فانحروا ما استيسر من الهدي، ومعنى الهدي ما يهدى إلى بيت الله عز وجل تقرّبا إليه ويطعم للمساكين، فإذا نحر الهدي حلّ المحصر من الإحرام، فإن فاته الحجّ وكان قاصدا حجّة الفريضة فعليه قضاؤها، وإن كانت حجّة تطوّع أو عمرة فلا قضاء عليه، وقيل ليس عليه حجّ أو عمرة إلاّ أن يشاء ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ المحلّ هنا اسم للزمان الذي يحصل فيه النحر، والمعنى لا بدّ من النحر قبل التحلّل بحلق الرأس، والمحصر مأمور بنحر الهدي سواء كان في حرم مكة أو خارجه ﴿فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ﴾ فاضطر أن يحلق رأسه قبل الهدي ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ إذا كان الحاجّ مريضا أو لحقه أذى في رأسه فيتداوى، وله أن يحلق قبل أن يحلّ من إحرامه، ثمّ يفدي بصيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين، أو ذبح شاة، وهذا الحكم عام في جميع محظورات الحجّ ﴿فَإِذا أَمِنْتُمْ﴾ من العدو، أو من سبب الإحصار ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اِسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ كان الحاج المحصر يعتمر بعد زوال الخوف أو المرض ثم يحلّ من إحرامه منتظرا حج العام القادم، ولكن الآية تنطبق على الحاجّ سواء كان محصرا بسبب مرض أو خوف أو غير محصر، أي إذا أدّى العمرة وقت وصوله البيت ثمّ استمتع بإحلاله منها إلى أن يحرم ثانية للحجّ فعليه الهدي، وسمّي تمتّعا لأنّ الحاجّ بعد تحلله من العمرة يستمتع بمحظورات الإحرام قبل أن يحرم ثانية للحجّ ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ﴾ من لم يستطع الهدي فيصوم عشرة أيام تعتبر كاملة في البدل عن الهدي وتقوم مقامه ﴿ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾ ذلك: أي التمتّع بالعمرة إلى الحج مختص بحجّاج الآفاق فقط، وليس لأهل مكة، وفيه تيسير للقادمين من الأمصار إذ يجمعون الحجّة والعمرة في سفر واحد، وأمّا أهل مكة فلا متعة ولا قران لهم

133

سورة البقرة (2): آية 197

سورة البقرة (2): آية 198

لأنهم مقيمون، وكان عمر رضي الله عنه ينهى أهل مكة عن الاعتمار في موسم الحجّ ﴿وَاِتَّقُوا اللهَ﴾ فيما فرض عليكم ﴿وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ لمن عصاه.

﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى وَاِتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ﴾ (197)

197 - ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ﴾ هي شوال وذو القعدة وذو الحجة لأن نية الحجّ والإحرام لا تنعقد إلاّ فيها ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ أي أوجب على نفسه الحج في هذه الأشهر بالنية أو الإحرام ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ﴾ بمعنى النهي عنهما في الحجّ، والرفث ما يتعلّق بالجماع ويدخل تحته فحش القول، والفسوق هو المعاصي ﴿وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ﴾ لا خلاف في مواعيد الحجّ ومناسكه، ولا نسيء، فقد استقام أمره الآن، والنسيء هو التلاعب بأوقات الأشهر الحرم، كانوا يفعلونه في الجاهلية ليناسب أغراضهم كالغزو في الأشهر الحرم وغيره، كما كانوا يختلفون في المناسك ﴿وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى وَاِتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ﴾ كان بعضهم يتحرّج من التزوّد للحجّ بحجّة أنهم ضيوف الرحمن ثمّ يتطفّلون على الناس، فأمرهم تعالى بالتزوّد لسفر الدنيا، كما أرشدهم إلى زاد الآخرة الذي هو التقوى، وبيّن لهم أنّ زاد الآخرة خير من زاد الدنيا.

﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ وَاُذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضّالِّينَ﴾ (198)

198 - ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ لا مانع من طلب الرزق وقت الحج بالتجارة ونحوها، فذلك مباح في أثناء الحجّ على ألا يسبّب نقصانا في العبادة، وعلى أن يكون المرء خلالها مستحضرا ذكر الله ﴿فَإِذا﴾

134

سورة البقرة (2): آية 199

سورة البقرة (2): آية 200

سورة البقرة (2): آية 201

﴿أَفَضْتُمْ﴾ أي تركتم عرفات مندفعين منها كما يفيض الماء - أي بسبب كثرتكم - ﴿مِنْ عَرَفاتٍ﴾ بعد مغيب التاسع من ذي الحجّة ﴿فَاذْكُرُوا اللهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ﴾ بجمع صلاتي المغرب والعشاء بالمزدلفة ﴿وَاُذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضّالِّينَ﴾ واذكروه على كل الأحوال بالدعاء والتسبيح والحمد، كما هداكم لدين الإسلام.

﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النّاسُ وَاِسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (199)

199 - ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النّاسُ﴾ أمرهم بالنزول من عرفات وسلوك الطريق الذي سلكه قبلهم إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام وأتباعهما، والمعنى أنّ الإفاضة من عرفات بهذا الطريق شرع قديم لم يتغير ولا خلاف فيه، ومغزى الآية تجاوز النوازع والفروقات الفردية والالتزام بجماعة المسلمين والمساواة بين الناس بلا تعصب بين الأجناس والطبقات والمراتب الاجتماعية، وكانت قريش تتخذ طريقا للإفاضة غير طريق عامة الناس من العرب ﴿وَاِسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ الأحاديث كثيرة في فضل الاستغفار خاصة بعد قضاء العبادات.

﴿فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ (200)

200 - ﴿فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ كانوا في الجاهلية يذكرون آباءهم ويتفاخرون بهم، فالآية تحثّهم على ذكر الله كما كانوا يذكرون آبائهم أو أكثر من ذلك ﴿فَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ من يجعل همّه الدنيا فيعمل لها ويدعو لها فقط فلا يكون له نصيب في الآخرة.

﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ (201).

135

سورة البقرة (2): آية 202

سورة البقرة (2): آية 203

سورة البقرة (2): آية 204

201 - ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ يطلبون الدنيا ولا ينسون الآخرة ﴿وَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ أي احفظنا من الشهوات والذنوب المؤدية إلى النار.

﴿أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمّا كَسَبُوا وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسابِ﴾ (202)

202 - ﴿أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمّا كَسَبُوا﴾ وليس ممّا طلبوا بالضرورة - في الدعاء السابق - والمعنى أنهم ما داموا يطلبون الدنيا بواسطة الأسباب والسنن الكونية والسعي في الرزق، كما يسعون للآخرة سعيها بالعبادات والتقوى، فلهم نصيب من كسبهم في الدنيا والآخرة ﴿وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسابِ﴾ يوشك أن يقيم القيامة ويحاسب العباد، وقد يرى الإنسان عاقبة عمله في الدنيا، وإن لم يكن فالآخرة قريبة لأنّ الحياة قصيرة الأمد، فسرعان ما ينقضي الأجل ويحين وقت الحساب.

﴿وَاُذْكُرُوا اللهَ فِي أَيّامٍ مَعْدُوداتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اِتَّقى وَاِتَّقُوا اللهَ وَاِعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (203)

203 - ﴿وَاُذْكُرُوا اللهَ فِي أَيّامٍ مَعْدُوداتٍ﴾ هي ثلاثة أيام بعد يوم النحر أي الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من ذي الحجة ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ لا فرق أن ينفر الحاج من منى بعد يومين أو ثلاثة أيام من يوم النحر ليكون رحيل الحجاج وتخفيف الازدحام على مراحل ﴿لِمَنِ اِتَّقى﴾ المهم أن يكون من المتقين، قال تعالى ﴿إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة 5/ 27]، ﴿وَاِتَّقُوا اللهَ﴾ بعد الحجّ ﴿وَاِعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ المعنى أن المصرّ على الذنب لا ينفعه حجّه، وإن كان قد أدّى الفرض ظاهريا، ولعلّ هذه هي العلاقة بين هذه الآية والتي تليها.

﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ (204)﴾.

136

204 - ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ الآية عامة في كلّ من له آراء جذّابة ظاهريا في أمور الحياة الدنيا ويتمتع بالخلابة اللسانية ﴿وَيُشْهِدُ اللهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ﴾ يدّعي الصدق وحسن النية، ورغبة في الصلاح العام، في حين أنّه طالب دنيا فقط، ويهدف لصالحه الذاتي ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ﴾ شديد الخصومة والجدل بالباطل، يفحم خصومه باستخدام حجج ظاهرها الصلاح وحقيقتها الضلال، ويدعو إلى «مباديء أخلاقية» من ابتكاره، وهنالك علاقة واضحة بين هذه الآية والآيات (8 - 12) من هذه السورة.

سورة البقرة (2): آية 205

﴿وَإِذا تَوَلّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ﴾ (205)

سورة البقرة (2): آية 206

205 - ﴿وَإِذا تَوَلّى﴾ إذا تولّى بعض أمور الناس وحصلت له القيادة أو السيطرة بشكل كامل أو بشكل جزئي ﴿سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها﴾ الإفساد بسوء الخلق وعن طريق إدخال الشبهات في قلوب المسلمين والابتعاد عن الشرع، بغضّ النظر إن كان ذلك بنيّة مبيّتة ضد الدين، أم للصالح الشخصي فقط ﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ﴾ الحرث هو الزرع أو نتاج الزرع وهو بمعنى المال، والمراد أنّه يخرّب النظام الاقتصادي، والحرث أيضا بمعنى النساء لقوله تعالى ﴿نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ [البقرة 2/ 223]، والنسل هو الذريّة، فيكون الإفساد بتخريب النظام الاقتصادي والنظام العائلي، وبالتالي تفتيت النسيج الاجتماعي بأكمله، لأنه حالما يتم القبول بالمعايير الفاسدة كأساس للسلوك الاجتماعي، يكون ذلك بداية حتمية لانتشار التفسخ الخلقي وتفكّك المجتمع.

﴿وَإِذا قِيلَ لَهُ اِتَّقِ اللهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهادُ﴾ (206)

206 - ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُ اِتَّقِ اللهَ﴾ من قبل ناصح يحاول ردعه عن الغي ﴿أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ أخذته الحميّة الجاهلية والكبر لما في قلبه من التكبر،

137

والعناد، وعدم النظر في الدلائل القرآنية ﴿فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهادُ﴾ بئس المستقرّ الذي مهده لنفسه.

﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ اِبْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ وَاللهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ﴾ (207)

207 - ﴿وَمِنَ النّاسِ﴾ الذين هم على النقيض من الناس المذكورين في الآيات (204 - 206) ﴿مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ اِبْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ﴾ يشري بمعنى يبيع كقوله تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ [يوسف 12/ 20] أي باعوه، والمعنى أنّه من الناس من يضحّي بكافة مصالحه الشخصية ويبذل نفسه إذا اقتضت مرضاة الله ذلك، والآية تتمة لما قبلها لأنّ من ينصح الفاسق الذي حصلت له الولاية يكون مستعدّا لبذل نفسه ابتغاء مرضاة الله، وقيل إنّ عمر رضي الله عنه قرأ هذه الآية ثمّ قال: «إنّا لله وإنّا إليه راجعون، قام رجل يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فقتل» ﴿وَاللهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ﴾ فمن رأفته تعالى أنّه لا يكلّف نفسا إلاّ وسعها.

﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اُدْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (208)

سورة البقرة (2): آية 207

سورة البقرة (2): آية 208

سورة البقرة (2): آية 209

208 - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اُدْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ كونوا كالمذكورين في الآية (207)، ولا تكونوا كالمذكورين في الآيات (204 - 206)، والسلم هو الإسلام، والخطاب للمؤمنين بأن يدخلوا في كافة شرائع الإسلام بشكل متكامل، وبحيث يكون سلوك المسلم ومعاملاته مع الناس وتطلّعاته ومساعيه كلّها وفق الإطار الإسلامي، بحيث يكون عمله مطابقا لقوله ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ أي ما خالف شرائع الإسلام ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ يوسوس لكم ويزّين لكم سوء أعمالكم، راجع آية [الأعراف 7/ 17].

﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (209)

209 - ﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ﴾ إن زللتم عن الإسلام إلى الباطل والشكوك ﴿مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ﴾ في القرآن ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ في عقابه، فبعد أن أمر تعالى الناس بدخول شرائع الإسلام كافة، بيّن أنّه لا عذر لهم بعد أن

138