بيان النظم في القرآن الكريمالجزء 3 · ص 147 - 154

سورة النور (24): آية 1

سورة النور (24): آية 1

سورة النور (24): آية 2

أحوال أنصاف المؤمنين المترددين (47 - 53).

واجب المؤمنين في الطاعة وشروط استخلافهم في الأرض (54 - 57).

احترام الخصوصية في أوقات الراحة (58 - 60).

نفي الحرج عن المعوقين في قبول العون، والأكل من بيوت الأقرباء (61).

وجوب الالتزام بواجبات الجماعة وبتعليمات المسؤولين (62 - 64).

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (1)

1 - هذه ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها﴾ كافة السور القرآنية أنزلها وفرضها الله تعالى، وتخصيص هذه السورة بذلك بيان بشدة أهميتها، بل هو إنذار بعدم التجاوز في تفسيرها أو إضافة أو استنتاج أحكام إضافية منها ﴿وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ واضحات لا تحتاج لمزيد من الشرح ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ما فيها على الدوام، والآيات (1 - 10) مقدمة لما سوف يليها من الخطاب عن حادثة الإفك بالآيات (11 - 26).

﴿الزّانِيَةُ وَالزّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (2)

2 - ﴿الزّانِيَةُ وَالزّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ لم تحددالآية إن كان أحد طرفي الزنا متزوجا أم لا ﴿وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللهِ﴾ لا تلطّف ولا رفق في معاملتهما ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ لم تحددالآية عدد الذين يشهدون عملية الجلد، فليس بالضرورة أن تكون العملية على مرأى من الجمهور، بل عدد محدد من الشهود في مكان خاص يكفي.

147

سورة النور (24): آية 3

سورة النور (24): آية 4

سورة النور (24): آية 5

﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إِلاّ زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلاّ زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ (3)

3 - ﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إِلاّ زانِيَةً﴾ ليس معنى ذلك تحريم زواج الزناة إلا بعضهم من بعض، ولكن المعنى أن طرفي العمل الجنسي في هذه الحالة ينطبق عليهما صفة الزاني والزانية، بل ينطبق عليهما معا صفة الشرك لأنهما جعلا هواهما وشهواتهما فوق ما اقتضاه التوحيد من أخلاق وسمو ﴿أَوْ مُشْرِكَةً﴾ كلاهما مشركان بسبب هذا العمل ﴿وَالزّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلاّ زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ ينطبق عليها من الصفات ما انطبق عليه، فهما على قدم المساواة ﴿وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ كي لا يخرجوا من دائرة الإيمان إلى دائرة الشرك، لكن بعد عملية الجلد تكون الجريمة الجنسية قد جرى افتداؤها، فلا معنى أن يمتنع الزاني أو الزانية من الزواج من أشخاص عفيفين أو عفيفات بعد ذلك.

﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَدًا وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ﴾ (4)

4 - ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ﴾ المتزوجات، أو المؤمنات، أو المحترمات مسلمات وكتابيات، انظر تعريف المحصنات في شرح آية [النساء 25/ 4]، ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾ وهو ضعف العدد المطلوب من الشهود في الحالات الاعتيادية من المعاملات التجارية وغيرها، وفي السنة الشريفة المطلوب أن يكون الشهداء الأربعة قد شهدوا العمل الجنسي مما يكاد يكون مستحيلا من الناحية العملية، فالمغزى إذن استبعاد الاتهامات الباطلة من هذا النوع بالنظر لما تسببه من تفسخ في المجتمع، خاصة أن الإنسان خلق ضعيفا [النساء 28/ 4]، فلا تثبت التهمة من هذا النوع إلا بالاعتراف الطوعي من أحد الطرفين أو كليهما ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً﴾ إذا لم يأتوا بشهداء أربعة ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَدًا﴾ إلا بعد التوبة ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ﴾ الخارجون عن حدود الشريعة والطاعة.

﴿إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5)﴾

148

سورة النور (24): آية 6

سورة النور (24): آية 7

سورة النور (24): آية 8

سورة النور (24): آية 9

سورة النور (24): آية 10

5 - ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾ أي سحبوا اتهاماتهم لما زعموا من زنى الآخرين ﴿فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يقبل توبتهم وصلاحهم ويغفر لهم.

﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلاّ أَنْفُسُهُمْ فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾ (6)

6 - ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلاّ أَنْفُسُهُمْ فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾ شهادته تحل محل أربع شهادات.

﴿وَالْخامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ﴾ (7)

7 - ﴿وَالْخامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ﴾ يستبعد نفسه من رحمة الله.

﴿وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ﴾ (8)

8 - ﴿وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ﴾ وبذلك تنتفي شهاداته الأربع، فيصبح مجرّد ادّعائه ضد ادّعائها.

﴿وَالْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللهِ عَلَيْها إِنْ كانَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ (9)

9 - ﴿وَالْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللهِ عَلَيْها إِنْ كانَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ تستبعد نفسها من رحمة الله، إن كانت كاذبة، وبعد هذا اللعان لم يبق سوى الطلاق.

﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللهَ تَوّابٌ حَكِيمٌ﴾ (10)

10 - ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللهَ تَوّابٌ حَكِيمٌ﴾ أي لفسد المجتمع لو تركت مثل هذه الحالات مبنية على براهين غير قطعية، أو على شهود سماع وإشاعات، وقد ينتج عنها جرائم غير مبررة، ومشاكل عائلية وانفصال غير مبرر.

149

سورة النور (24): آية 11

سورة النور (24): آية 12

﴿إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ اِمْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اِكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ (11)

11 - الآيات (11 - 26) تشير إلى حادثة الإفك والعبر المستخلصة منها، وهي معروفة في كتب السيرة، وخلاصتها: إنه بعد غزوة بني المصطلق في العام 5 هجرية، فكّ المسلمون مخيمهم، واتجهوا نحو المدينة، فتخلفت عائشة لقضاء حاجة دون أن يشعر بها أحد، وبعد ساعات التقى بها أحد الصحابة فلحق بها إلى الركب مما سبب نشر بعض الشائعات الكاذبة المغرضة المشار إليها بالإفك، والقصد من القصة كما في باقي قصص القرآن الكريم أخذ العبر، وليس مجرد الرواية التأريخية:

﴿إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ﴾ وهو أبلغ ما يكون من الكذب والافتراء والبهتان ﴿عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ العديد منكم ﴿لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أيها المؤمنون لما نلتم على الصبر عليه من الثواب العظيم، ولما أصابكم بسببه من الغم والهم قبل انجلاء حقيقته، ولما ظهر به من العبر ﴿لِكُلِّ اِمْرِئٍ مِنْهُمْ﴾ من الذين جاؤوا بالإفك ﴿مَا اِكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ﴾ أي جزاء ما اكتسب من الإثم ﴿وَالَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ في الدنيا بظهور كذبه وخزيه، وفي الآخرة، وقيل هو عبد الله بن أبيّ بن سلول كبير المنافقين، وقد يكون أيّا من كبار المنافقين غيره، الذين أخذوا على عاتقهم تضخيم الأمور بأسلوب غير قانوني وغير أخلاقي اعتمادا على ظروف مشبوهة غير مؤكدة لجعل الحديث في الفضيحة المزعومة مستساغا.

﴿لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ (12)

12 - ﴿لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾ الإفك ﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ﴾ بجماعة المسلمين ﴿خَيْرًا وَقالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ لا يحتاج إلى الشك في كذبه.

150

سورة النور (24): آية 13

سورة النور (24): آية 14

سورة النور (24): آية 15

سورة النور (24): آية 16

سورة النور (24): آية 17

﴿لَوْلا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللهِ هُمُ الْكاذِبُونَ﴾ (13)

13 - ﴿لَوْلا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾ كما نصت الآية (4) ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللهِ هُمُ الْكاذِبُونَ﴾ محكوم عليهم بالكذب شرعا.

﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ (14)

14 - ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ﴾ بأن عفا عنكم وأمهلكم للتوبة ﴿لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ فِيهِ﴾ من حديث الإفك ﴿عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ في الدنيا قبل الآخرة.

﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ﴾ (15)

15 - ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ تقولون بالأفواه كلاما غير محقّق بلا مصداقية، وليس له منشأ في الحقيقة ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا﴾ كلام اللغو والإشاعات ﴿وَهُوَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ﴾ أمر عظيم لا يقدر وزره وتبعاته.

﴿وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ﴾ (16)

16 - ﴿وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا﴾ الإفك ﴿سُبْحانَكَ﴾ تنزيها لك تعالى عن كل نقص وسوء أن تصم نبيك وزوجه بما يشين ﴿هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ﴾ تبهت له السامعون لبشاعته واستحالته.

﴿يَعِظُكُمُ اللهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (17)﴾

151

سورة النور (24): آية 18

سورة النور (24): آية 19

سورة النور (24): آية 20

سورة النور (24): آية 21

17 - ﴿يَعِظُكُمُ اللهُ﴾ ينصحكم ﴿أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا﴾ كراهة أن تعودوا لمثله ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فالعودة لمثله معناها الخروج من دائرة الإيمان.

﴿وَيُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (18)

18 - ﴿وَيُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ﴾ رسالات الشرائع ومحاسن آداب المعاملة ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ﴾ بأحوال خلقه ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما يجب أن يتعاملوا به.

﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (19)

19 - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ﴾ بشيوع خبرها، أو شيوعها في المجتمع ﴿فِي الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وينشرون الفضائح سواء الصحيحة منها أو المختلقة ﴿لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا﴾ كما هو مذكور بالآية (4)، ﴿وَالْآخِرَةِ﴾ إضافة إلى عذاب الآخرة ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ما فيه مصالحكم، وفي الحديث: «إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث».

﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ (20)

20 - ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ تكرار للآية (10) لأهميتها، وجواب الشرط محذوف وتقديره متروك للقارئ، والمغزى؛ إن الفساد يعمّ لو تركت مثل هذه الحالات مبنية على براهين غير قطعية، أو على شهود سماع وإشاعات.

﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلكِنَّ اللهَ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (21)

21 - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ لا تتبعوا وساوسه في إشاعة الفحشاء في المجتمع ﴿وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ﴾ ما

152

سورة النور (24): آية 22

سورة النور (24): آية 23

سورة النور (24): آية 24

سورة النور (24): آية 25

تنكره الفطرة والطبيعة ﴿وَالْمُنْكَرِ﴾ ما ينكره الشرع ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ بإنزال هذه الآيات البينات ﴿ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ ما طهر من دنس الذنوب أحد ﴿وَلكِنَّ اللهَ يُزَكِّي﴾ يطهّر ﴿مَنْ يَشاءُ﴾ من عباده ممن يستحق الطهارة، لأن الإنسان خلق ضعيفا ﴿وَاللهُ سَمِيعٌ﴾ للتائبين ﴿عَلِيمٌ﴾ بنياتهم.

﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (22)

22 - ﴿وَلا يَأْتَلِ﴾ لا يحلف على الامتناع ﴿أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ﴾ في الدين ﴿وَالسَّعَةِ﴾ في المال ﴿أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى﴾ أي كراهة أن يؤتوا ﴿وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ من مال الله الذي آتاهم ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا﴾ على ما بدر منهم من الذين تعاطوا في حديث الإفك ﴿أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ﴾ بمقابلة عفوكم وإحسانكم ﴿وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ مبالغ في المغفرة والرحمة.

﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ (23)

23 - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ﴾ بالإشاعات، سواء الصحيحة منها أو الكاذبة ﴿لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ﴾ بعدوا من رحمة الله لما يشيعونه في المجتمع من الفساد ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ هائل، بالنظر إلى أن المحصنات غافلات عمّا يتّهمن به.

﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (24)

24 - ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فلا يخفى عليه تعالى منهم شيء.

﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (25)﴾

153

سورة النور (24): آية 26

سورة النور (24): آية 27

سورة النور (24): آية 28

25 - ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ الدين من الديّان وهو الله تعالى، والتوفية إعطاء الشيء وافيا، وفي الحديث "كما تدين تدان"، أي الله تعالى يحاسبهم يوم القيامة بما شهدت عليه جوارحهم ﴿وَيَعْلَمُونَ﴾ علم اليقين ﴿أَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ على الدوام.

﴿الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (26)

26 - ﴿الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ﴾ لأن ذلك من طبيعة الأمور ﴿أُولئِكَ﴾ الطيبون والطيبات ﴿مُبَرَّؤُنَ مِمّا يَقُولُونَ﴾ ممّا يقوله عنهم الخبيثون والخبيثات ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ من الذنوب ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ الرزق الروحاني والمادي.

﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (27)

27 - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ تستأذنوا سكانها ﴿وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها﴾ وتسلّموا عليهم ﴿ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ للمجتمع ككل، من الدخول بغتة ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ما فيه صالحكم. وارتباط الآيات (27 - 29) مع ما قبلها واضح، لأن الاستئذان قبل الدخول من شأنه أن يزيل كل لبس لجهة خصوصية السكان، وما يمكن أن يشاهده الداخل عليهم لو دخل من غير استئذان.

﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أَحَدًا فَلا تَدْخُلُوها حَتّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ اِرْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكى لَكُمْ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ (28)

28 - ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أَحَدًا فَلا تَدْخُلُوها حَتّى يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ من قبل أصحابها ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ اِرْجِعُوا فَارْجِعُوا﴾ ولا تصرّوا على الدخول ﴿هُوَ أَزْكى لَكُمْ﴾ أطهر من اللج والعناد، ومن دنس الدناءة والرذالة ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ بنواياكم.

154