بيان النظم في القرآن الكريمالجزء 3 · ص 283 - 290

سورة العنكبوت (29): آية 15

سورة العنكبوت (29): آية 15

سورة العنكبوت (29): آية 16

سورة العنكبوت (29): آية 17

14 - بعد أن فصّلت الآيات (1 - 13) لزوم قرن الإيمان بالعمل، ووجوب استخدام العقل والنهي عن التقليد في التوصل إلى الحقيقة التي جاءت بها الرسل، تضرب السورة مثلا بقصص بعض الرسل، الآيات (14 - 41):

﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاّ خَمْسِينَ عامًا﴾ فبقيت عقولهم متشنجة على التقليد، لا يتمكنون من تقويم رسالة نوح لهم من حيث جدارتها وأصالتها، مع طول المدة ﴿فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ﴾ بنتيجة عنادهم واستكبارهم ﴿وَهُمْ ظالِمُونَ﴾ أنفسهم بعدم استخدام إمكاناتهم الفكرية التي كرّمهم بها الله تعالى.

﴿فَأَنْجَيْناهُ وَأَصْحابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْناها آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾ (15)

15 - ﴿فَأَنْجَيْناهُ﴾ من قومه المصرّين على الكفر ﴿وَأَصْحابَ السَّفِينَةِ﴾ ومن معه من المؤمنين ﴿وَجَعَلْناها﴾ سفينة نوح ﴿آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾ عبرة لمن يعتبر، في نجاة المؤمنين وغرق الكفار.

﴿وَإِبْراهِيمَ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ اُعْبُدُوا اللهَ وَاِتَّقُوهُ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (16)

16 - عطف على الآية (14) والتقدير: وأرسلنا إبراهيم: ﴿وَإِبْراهِيمَ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ﴾ في أور كلدان، بالعراق اليوم ﴿اُعْبُدُوا اللهَ﴾ وحده بلا شرك، ولا شركاء تزعمونهم ﴿وَاِتَّقُوهُ﴾ بنبذ عبادة الكواكب من شمس وقمر وغيرها ﴿ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ في دنياكم وآخرتكم ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ الحقيقة، وليس الأوهام.

﴿إِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللهِ الرِّزْقَ وَاُعْبُدُوهُ وَاُشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (17)

17 - ﴿إِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثانًا﴾ هي المشارإليها بقوله تعالى: ﴿قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء 57/ 21 - 63]،

283

سورة العنكبوت (29): آية 18

سورة العنكبوت (29): آية 19

سورة العنكبوت (29): آية 20

﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ كذبا سافرا ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ من الأوثان، ومن الكواكب والنجوم، انظرآيات [الأنعام 76/ 6]، ﴿لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا﴾ ماديا، ولا روحانيّا، ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللهِ الرِّزْقَ﴾ المادي، والهداية الروحانية ﴿وَاُعْبُدُوهُ﴾ وحده ﴿وَاُشْكُرُوا لَهُ﴾ بالقول والعمل ﴿إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ وتحاسبون من ثواب وعقاب.

﴿وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ (18)

18 - ﴿وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ فلاقوا نتيجة تكذيبهم، جزاء وفاقا ﴿وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ وليس عليه القسر والإكراه، لأن الإيمان لا يكون إلاّ بالخيار والقناعة.

﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾ (19)

19 - الآيات (19 - 23) المضمّنة في قصة إبراهيم تحشد البراهين على صدق الرسالة وعلى وجود خالق مهيمن:

﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ في كل مظاهر الخلق من حولهم، كالنباتات تموت في الخريف وتحيا في الربيع، وكالحيوانات خلقهاتعالى من نطفة، ولم تكن شيئا مذكورا، وهذا القدر من العلم كاف في حصول العلم بإمكان الإعادة ﴿إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾ كما في قوله تعالى: ﴿أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [ق 15/ 50].

﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (20)

20 - ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ واستكشفوا أسرارها بالدراسة وبالبحث العلمي ﴿فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾ من سلالة من طين، انظر [المؤمنون 12/ 23]، وانظروا الإعجاز، ليس في خلق الأجسام فقط، التي يحار الأطباء في

284

سورة العنكبوت (29): آية 21

سورة العنكبوت (29): آية 22

سورة العنكبوت (29): آية 23

تركيبها، بل أيضا ما فيها من العقول والفكر والشعور والغرائز ﴿ثُمَّ اللهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾ كما بدأتعالى أوّل خلق يعيده، انظر [الأنبياء 104/ 21]، ﴿إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فهو خالق الأكوان لا يعجزه شيء.

﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ (21)

21 - ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ﴾ بعد النشأة الآخرة يعذّب من يشاء تعذيبه من المنكرين لها ﴿وَيَرْحَمُ مَنْ يَشاءُ﴾ رحمته وهم المقرّون بها ﴿وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ تردّون للحساب.

﴿وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ (22)

22 - ﴿وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ أن يجري الله تعالى حكمه وقضاءه عليكم ﴿وَلا فِي السَّماءِ﴾ لا تستطيعون النفاذ من أقطار السماوات والأرض، ومن قضاء الله فيكم ﴿وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾ فالله وحده متولّي أموركم ﴿وَلا نَصِيرٍ﴾ الله وحده يستطيع نصركم.

﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ وَلِقائِهِ أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (23)

23 - ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ﴾ الآفاقية والتكوينية الدالّة على وجوده ووحدانيته، كماآيات الوحي التي نزلت على الرسل ﴿وَلِقائِهِ﴾ وأنكروا البعث والنشور ﴿أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي﴾ يئسوا من ألطافه تعالى ﴿وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ نتيجة إصرارهم على الكفر.

والخلاصة أنّ استعداد الإنسان للإيمان بالخالق هو بذاته نتيجة للألطاف والرحمة الإلهية، وعلى النقيض من ذلك يكون عذاب الآخرة نتيجة طبيعية للمصرّين على الكفر.

285

سورة العنكبوت (29): آية 24

سورة العنكبوت (29): آية 25

سورة العنكبوت (29): آية 26

﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاّ أَنْ قالُوا اُقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجاهُ اللهُ مِنَ النّارِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (24)

24 - عودة الخطاب إلى الآية (18):

﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ﴾ على دعوته لهم لعبادة الله وحده ﴿إِلاّ أَنْ قالُوا اُقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجاهُ اللهُ مِنَ النّارِ﴾ بأن جعلهاتعالى بردا وسلاما عليه، انظر [الأنبياء 69/ 21]، ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ﴾ عبرا باهرة ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ بما يمليه عليهم المنطق والعقل السليم.

﴿وَقالَ إِنَّمَا اِتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْواكُمُ النّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ﴾ (25)

25 - ﴿وَقالَ﴾ إبراهيم لقومه ﴿إِنَّمَا اِتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثانًا﴾ تعبدونها ﴿مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ مودّة بين العبدة لأنهم يقلّد بعضهم بعضا في عبادة الأوثان، فتكون سببا لائتلافهم وتوادّهم، وهذا محض التقليد وإنكار دور العقل ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ﴾ تنكرون بعضكم بعضا، وما كنتم عليه من الألفة والمودّة والجهالة ﴿وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ على النقيض ممّا كنتم عليه من المودّة ﴿وَمَأْواكُمُ النّارُ﴾ تأوون إليها ﴿وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ﴾ لأنها المصير الطبيعي لأمثالكم من المقلّدين.

﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقالَ إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (26)

26 - ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ ابن أخيه ﴿وَقالَ﴾ إبراهيم ﴿إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي﴾ إلى حيث أمرني ربّي، وإلى حيث لا أحد يمنعني حيث نزل إبراهيم في قرية من حرّان شمال بلاد الشام، ومنها إلى فلسطين حيث نزل إبراهيم في قرية من قراها، ونزل لوط في قرية سدوم وهي المؤتفكة على البحر الميت، انظر قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى﴾ [النجم 53/ 53]، ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ﴾ الغالب على أمره ﴿الْحَكِيمُ﴾ جميع أفعاله متصفة بالحكمة، وإن بقيت حكمته أحيانا خافية على معظم الخلق.

286

سورة العنكبوت (29): آية 27

سورة العنكبوت (29): آية 28

سورة العنكبوت (29): آية 29

﴿وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ (27)

27 - ﴿وَوَهَبْنا لَهُ﴾ لإبراهيم ﴿إِسْحاقَ﴾ ابنه الثاني، بعد إسماعيل الذبيح، عليهما السلام ﴿وَيَعْقُوبَ﴾ الملقّب بإسرائيل، ابن إسحاق ﴿وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ﴾ في ذرية إبراهيم ﴿النُّبُوَّةَ﴾ تفرعّت النبوّة في ذرية إبراهيم إلى فرعين الأولى:

الأنبياء من ذرية إسحاق، وكان آخرهم عيسى المسيح عليه السلام، آخر أنبياء بني إسرائيل، والثانية: الأنبياء من ذرية إسماعيل وانحدر منهم خاتم الأنبياء والرسل محمد ﷺ، انظر شرح آية [البقرة 122/ 2]، ﴿وَالْكِتابَ﴾ الكتاب اسم جنس للكتب السماوية، والمقصود به الوحي ﴿وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا﴾ فكان إبراهيم للناس إماما، أي قدوة، لقوله تعالى: ﴿قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إِمامًا﴾ [البقرة 124/ 2]، ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ في عداد من أنعم الله عليهم من الصدّيقين والشهداء.

﴿وَلُوطًا إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ﴾ (28)

28 - عطف على الآية (16) والتقدير: وأرسلنا لوطا: ﴿وَلُوطًا إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ﴾ وهم أهل سدوم، وهم قومه مجازا لكونه استوطن مجتمعهم، ونبّئ عندهم مبعوثا إليهم خاصة، ودعاهم إلى الصلاح ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ﴾ الفعلة الشاذّة البالغة في القبح، تشمئزّ منها الطباع السليمة، والنفوس الكريمة ﴿ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ﴾ من ذوي الطباع السليمة.

﴿أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاّ أَنْ قالُوا اِئْتِنا بِعَذابِ اللهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ (29)

29 - ﴿أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ﴾ شذوذا ﴿وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾ المعتاد مع النساء ﴿وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ﴾ مجالسكم ﴿الْمُنْكَرَ﴾ القبيح تفعلونه جهارا،

287

سورة العنكبوت (29): آية 30

سورة العنكبوت (29): آية 31

سورة العنكبوت (29): آية 32

سورة العنكبوت (29): آية 33

﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاّ أَنْ قالُوا﴾ ساخرين متهكّمين ﴿اِئْتِنا بِعَذابِ اللهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ في دعواك أنك نبيّ مرسل.

﴿قالَ رَبِّ اُنْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾ (30)

30 - ﴿قالَ رَبِّ اُنْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾ بعد أن أيس منهم، ورأى منهم الإصرار على الفساد.

﴿وَلَمّا جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا إِنّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَها كانُوا ظالِمِينَ﴾ (31)

31 - ﴿وَلَمّا جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى﴾ بشرى ولادة إسحاق، انظر [هود 69/ 11 - 73]، ﴿قالُوا إِنّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ أتبعوا بشراهم، بخبر ما سوف يحلّ بقرية لوط من الهلاك ﴿إِنَّ أَهْلَها كانُوا ظالِمِينَ﴾ ظلموا أنفسهم بالخروج عن سلامة الفطرة.

﴿قالَ إِنَّ فِيها لُوطًا قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ اِمْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ﴾ (32)

32 - ﴿قالَ إِنَّ فِيها لُوطًا قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ﴾ منك ﴿بِمَنْ فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ ممّا سوف يحلّ بالآخرين ﴿إِلاَّ اِمْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ﴾ سوف تبقى مع الهالكين لا محالة، لأنها تميل إلى الشواذ.

﴿وَلَمّا أَنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقالُوا لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ إِنّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلاَّ اِمْرَأَتَكَ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ﴾ (33)

33 - ﴿وَلَمّا أَنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ﴾ اعتراه السوء والغمّ خيفة أن يتعرّض لهم قومه بالسوء كما هي عادتهم مع الغرباء ﴿وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ ضاق بشأنهم وتدبير أمرهم، وذرعه أي طاقته، أي ليس طويل الذراع بما يمكنه من حمايتهم ﴿وَقالُوا لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ﴾ إنّا رسل ربّك ﴿إِنّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ﴾ من العذاب الذي سوف يصيبهم ﴿إِلاَّ اِمْرَأَتَكَ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ﴾ الهالكين معهم.

288

سورة العنكبوت (29): آية 34

سورة العنكبوت (29): آية 35

سورة العنكبوت (29): آية 36

سورة العنكبوت (29): آية 37

﴿إِنّا مُنْزِلُونَ عَلى أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ (34)

34 - ﴿إِنّا مُنْزِلُونَ عَلى أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ سدوم قرية قوم لوط ﴿رِجْزًا مِنَ السَّماءِ﴾ وهو العذاب الذي يقلق المعذّب، انظر أيضا معنى الرجز في آية [الأعراف 71/ 7]، وفي هذه الحالة أصابتهم الزلازل التي قلبت قراهم عاليها سافلها، فسمّيت المؤتفكة أي المنقلبة، وغشيهم الغبار البركاني والحمم ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ بنتيجة خروجهم عن الطريق السوي.

﴿وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنْها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (35)

35 - ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنْها﴾ من القرية ﴿آيَةً بَيِّنَةً﴾ هي آثار ديارها الخربة بقيت ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ يستعملون عقولهم في الاستبصار والاعتبار.

﴿وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْبًا فَقالَ يا قَوْمِ اُعْبُدُوا اللهَ وَاُرْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (36)

36 - ﴿وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْبًا﴾ لمزيد من التفصيل عنهم انظر شرح آية [الأعراف 85/ 7]، ﴿فَقالَ يا قَوْمِ اُعْبُدُوا اللهَ وَاُرْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ ولا تجعلوا الدنيا منتهى أملكم ﴿وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ لأنهم كانوا يأكلون أموال الناس بالباطل ويبخسون الكيل والميزان، وبعبارة أخرى كان نظامهم الاقتصادي قائما على الفساد.

﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ (37)

37 - ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ الزلزلة الأرضية، ولا تزال بقايا الحمم البركانية في أراضي الحرّة ماثلة إلى اليوم شاهدة على ذلك، وفي آية [الشعراء 189/ 26] أنه أخذهم عذاب يوم الظله ويبدو أن الرماد البركاني انتشر في الجو كالضباب حاجيا عنهم الشمس ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ هامدين موتى بلا حراك.

289

سورة العنكبوت (29): آية 38

سورة العنكبوت (29): آية 39

سورة العنكبوت (29): آية 40

﴿وَعادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ (38)

38 - ﴿وَعادًا وَثَمُودَ﴾ من الأمم العديدة التي كذّبت رسلها، انظر [الأعراف 65/ 7 - 79]، ﴿وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ﴾ ما جرى عليهم من الهلاك ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ﴾ فجعلها تبدو حسنة في نظرهم، واعتدّوا بأخطائهم ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ القويم ﴿وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ لم يستفد المكذّبون من مقدرة الاستبصار التي أودعهاتعالى في بني آدم، وهي المقدرة على التوصل إلى الحقيقة والتمييز بين الحق والباطل بالدلائل العقلية.

﴿وَقارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهامانَ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَما كانُوا سابِقِينَ﴾ (39)

39 - ﴿وَقارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهامانَ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ﴾ الآيات الواضحة من معجزات حسية، ومن وحي إلهي ما هو أكثر من كاف لغير المكابر ﴿فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ بقوا مصرّين على العناد والمكابرة، معتدّين بأنفسهم ﴿وَما كانُوا سابِقِينَ﴾ ما كانوا فائتين أمره تعالى، وقد أدركهم أمره فعلا بالنهاية البائسة التي وصلوا إليها.

﴿فَكُلاًّ أَخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا وَما كانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (40)

40 - ﴿فَكُلاًّ أَخَذْنا بِذَنْبِهِ﴾ نتيجة طبيعية مترتبة على ذنب كل منهم ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِبًا﴾ كقوم عاد ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ﴾ كثمود ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ﴾ كما هي حال قارون ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا﴾ كفرعون وملئه ﴿وَما كانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ اعتباطا ﴿وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ بما اختاروا لأنفسهم من سوء العقيدة والعمل.

290