بيان النظم في القرآن الكريمالجزء 1 · ص 147 - 154

سورة البقرة (2): آية 223

سورة البقرة (2): آية 223

سورة البقرة (2): آية 224

﴿نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاِتَّقُوا اللهَ وَاِعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (223)

223 - ﴿نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ أي مزرع ومنبت الولد وذلك على سبيل التشبيه ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّى شِئْتُمْ﴾ فأتوا موضع الحرث من النساء كيفما شئتم ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ لأن العلاقة الروحية بين الزوجين هي أساس العلاقة الجنسية ﴿وَاِتَّقُوا اللهَ﴾ روى مسلم وغيره عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ أنه قال: «اتّقوا الله في النساء» ﴿وَاِعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ﴾ فيجازيكم بأعمالكم ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ العاملين بأحكام الشريعة، بسعادة الدنيا والآخرة.

﴿وَلا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النّاسِ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (224)

224 - ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ﴾ نهى تعالى عن الجرأة عليه بكثرة الحلف وهذا هو المعنى الأول للخطاب ﴿أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النّاسِ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ وهو المعنى الثاني أنّ العرضة هي العارض أي المانع، فيكون المقصود لا تجعلوا أيمانكم مانعا لعمل الخير كالبرّ والتقوى والإصلاح بين الناس، وفي صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال: «لا وفاء لنذر في معصية، ولا فيما لا يملك العبد»، والتمسّك باليمين، إن كان به ضرر، أكبر إثما على صاحبه من الخروج منه والتكفير عنه.

سورة البقرة (2): آية 225

﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ (225)

225 - ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ﴾ اللغو هو الكلام الذي لا يعتدّ به كالحلف في أثناء الكلام دون قصد، وقد جاء النهي عنه في الآية السابقة، ولا يوجب الكفّارة ﴿وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ إذا تعمّدتم الحلف وأخلفتم، والمؤاخذة توجب الكفّارة لقوله تعالى في سورة المائدة:

147

سورة البقرة (2): آية 226

﴿وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ﴾ [المائدة 5/ 89]، روى البخاري عن عبد الرحمن بن سمرة أن النبي ﷺ قال له: «إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فكفّر عن يمينك وأت الذي هو خير»، فالحنث باليمين العمد يوجب الكفّارة، وأما اليمين الغموس التي يحلف بها صاحبها وهو يعلم أنه كاذب، قاصدا الخيانة أو الغش، فلا يكفّرها شيء، بل لا بد من أداء الحقوق والتوبة والاستقامة، وروى البخاري أن النبي ﷺ قال: «من حلف على يمين صبر وهو فيها فاجر، يقتطع بها مال غيره، لقي الله وهو عليه غضبان» ﴿وَاللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ غفور بمعنى المبالغة في ستر الذنوب واسقاط عقوبتها، وحليم لأنّه تعالى لا يعاجل بالعقوبة بل يمهل، ويؤخّر، ويعطي الفرص لتوبة عبده.

﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (226)

226 - ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ﴾ الإيلاء في اللغة هو الحلف والقسم واليمين، كلّها بمعنى واحد، وفي عرف الشرع هو العزم على ترك الجماع، وهذه الآية استمرار للآيتين السابقتين ولكن بموضوع مخصّص وهو الحلف على ترك الجماع ﴿تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ من الواضح أن العلاقة الزوجية يجب أن تقوم على أساس من المودّة والانسجام، وفي بعض الحالات عندما تنشأ الخصومات ويحدث التوتر بين الزوجين، فإنّ الشرع يضع حدّا للفترة التي يبقى فيها الزوجان متنافرين من دون معاشرة زوجية، والتربّص هو الانتظار، وقد حددته الآية بأربعة أشهر، إمّا أن يتفق خلالها الزوجان، أو يقع الطلاق بنهايتها وتصبح المرأة حرّة في الزواج من جديد، وعند المالكية أنّ الفترة القصوى لهجران الرجل زوجته عن عمد، وهي أربعة أشهر، تسري بغضّ النظر إن كان حلف على ذلك أم لم يحلف، ونسب مثل هذا القول أيضا إلى ابن حنبل ﴿فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ الفيء هو الرجوع، والمعنى إذا تمّ الصلح خلال مدّة أربعة الأشهر، وعادت العلاقة الزوجية إلى طبيعتها، فإنّ الله غفور لما سبق، رحيم بعباده، وقيل تجب على الزوج كفّارة.

148

سورة البقرة (2): آية 227

سورة البقرة (2): آية 228

﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (227)

227 - ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ﴾ عند أبي حنيفة أنّ الطلاق يقع بمجرّد انقضاء الأشهر الأربعة، ويكون طلاقا بائنا، فلا يحق للزوج إعادة زوجته خلال فترة العدّة، غير أنّه يحقّ لهما الزواج بعد ذلك بعقد جديد، إذا اتّفقا، وعند الشافعي أنّه بعد مضيّ أربعة الأشهر تطالب المرأة زوجها بالصلح أو الطلاق، فإن امتنع الزوج طلّقها القاضي، ولا عدّة عليها ﴿فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ سميع بالطلاق عليم بالإحسان والإساءة.

﴿وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (228)

228 - ﴿وَالْمُطَلَّقاتُ﴾ غير المشار إليهنّ بالآية السابقة ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ أمر تعالى المطلّقة المدخول بها أن تنتظر ثلاثة قروء، ثمّ تتزوّج إن شاءت، والعرب تسمّي الحيض قرءا، والطهر قرءا، وتسمّي الطهر والحيض معا قرءا، ولذا اختلف الأئمّة فقال مالك والشافعي: إنّه إذا طلّق الرجل إمرأته فدخلت في الدم من الحيضة الثالثة فقد برئت منه وبريء منها، وقال أبو حنيفة:

لا تنقضي العدّة حتى تطهر من الحيضة الثالثة، وزاد آخرون: وتغتسل منها، وهو رأي عمر وعلي وابن مسعود رضي الله عنهم ﴿وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ لا يكتمن ما في أرحامهنّ من حيض أو حمل ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ لزوجها الحق أن يردّها إليه ما دامت في عدّتها ﴿فِي ذلِكَ﴾ أي في فترة العدّة ﴿إِنْ أَرادُوا إِصْلاحًا﴾ إذا كان مراد الزوج الإصلاح والخير، وذلك في الطلقة الأولى والطلقة الثانية فقط، أمّا في الطلقة الثالثة فيمتنع على الزوج ردّها كما سيرد، ولمّا كانت إرادة

149

سورة البقرة (2): آية 229

الإصلاح، بردّ الرجل امرأته في فترة العدة، لا تتحقق إلاّ بالمساواة بينهما بأن يقوم هو بحقوقها وتقوم هي بحقوقه، لذلك قال تعالى ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ﴾ وهو مساواة المرأة بالرجل، إلاّ بدرجة سيأتي بيانها ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي إنّ المساواة بين الرجل والمرأة تكون بما هو معروف من المساواة بين الناس حسب الآداب والعادات في كل مجتمع وكل زمن، على أن لا يحلّ العرف حراما أو يحرّم حلالا ﴿وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ وهي درجة القوامة المذكورة في آية [النساء 4/ 34]، وهي درجة الرعاية والحماية والقيام بمصالح العائلة ﴿وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ عزيز في عقابه حكيم في شرعه.

﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاّ أَنْ يَخافا أَلاّ يُقِيما حُدُودَ اللهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ يُقِيما حُدُودَ اللهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا اِفْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلا تَعْتَدُوها وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ (229)

229 - ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ﴾ إذا طلّقها الرجل مرّة أو اثنتين فله الخيار أن يردّها، ما دامت في العدّة، إن كان ينوي الإصلاح حسب الأسس المذكورة في الآية السابقة، أو أن يتركها حتّى تنقضي العدّة وتبين منه، فيتوجب عليه عندئذ أن يمتّعها ولا يظلمها من حقّها شيئا، ولا يضارّ بها، فإذا بانت منه بعد طلقة أو طلقتين يحقّ لهما الزواج بعقد جديد إن اتّفقا، أمّا إن طلّقها الثالثة فلا تحلّ له حتّى تنكح زوجا غيره، وفي جميع الأحوال يلزم أن يكون الطلاق في فترة طهر لم يحصل بها جماع، وقد كره الشرع أن يطلّق الرجل ثلاث مرّات في فترة طهر واحدة ﴿وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ ويدخل في ذلك المهر والهدايا وكل ما يعطيه الرجل لزوجته على سبيل التمليك، بالإضافة للمتعة لأنّ الآية (241)﴾ أوجبت المتعة للمطلّقة ﴿إِلاّ أَنْ يَخافا﴾ أو يخاف أحدهما ﴿أَلاّ يُقِيما حُدُودَ اللهِ﴾ وهي الحدود التي فرضها الله على الزوجين، كحسن المعاشرة والمماثلة في الحقوق مع

150

سورة البقرة (2): آية 230

سورة البقرة (2): آية 231

ولاية الرجل والتعاون على القيام بأمر العائلة وعدم مضارة أحدهما للآخر ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ الخطاب لجماعة المسلمين، والمعنيّون هم أولوا الأمر ﴿أَلاّ يُقِيما حُدُودَ اللهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا اِفْتَدَتْ بِهِ﴾ وهو الفراق المبني على الإفتداء، ويسمّى في عرف الشرع بالخلع، وهو حقّ الزوجة في الطلاق مقابل تعويض تدفعه إلى الزوج، فعندئذ لا يكلّف الرجل خسارة زوجته وماله معا، والقاعدة أن لا يأخذ الزوج من المختلعة فوق ما أعطاها من المهر، وليس له أن يعيد المختلعة في عدّتها، بغير رضاها، لأنّها ملكت نفسها بما أعادت له من ماله، ولهما أن يتزوّجا بعد ذلك بعقد جديد، إن اتّفقا ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلا تَعْتَدُوها﴾ لا تتجاوزها إلى غيرها وتتبعوا الهوى ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ الظالمون لأنفسهم ولغيرهم، فكل من الزوجين يضر بنفسه وبزوجه في حال التعدي.

﴿فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا إِنْ ظَنّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (230)

230 - ﴿فَإِنْ طَلَّقَها﴾ أي الطلقة الثالثة ﴿فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ تحرم عليه حتّى تنكح زوجا غيره، ويدخل بها ﴿فَإِنْ طَلَّقَها﴾ أي الزوج الثاني، والمغزى أن رغبة الطلاق من قبل الزوج الثاني يلزم أن تكون حقيقية، وبمبادرة منه، وبعد الدخول بها، لأن المقصود دوما التقيد بروح النص، وليس بحرفيته ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا﴾ المرأة والزوج الأول ﴿إِنْ ظَنّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللهِ﴾ أي يتعاشرا بالمعروف كما هو مذكور آنفا ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ مقاصد الشريعة، فإذا كان قصد الثاني أن يحلّها للأوّل، فقد وردت الأحاديث بذمّه ولعنه، ونكاحه باطل.

﴿وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللهِ﴾

151

سورة البقرة (2): آية 232

﴿هُزُوًا وَاُذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاِتَّقُوا اللهَ وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (231)

231 - ﴿وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ إذا قاربت عدّة المطلّقة الانتهاء ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ فإمّا أن يردّها إليه ناويا عشرتها بالمعروف، أو يتركها حتّى تنقضي العدّة من غير شقاق ولا مخاصمة ﴿وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرارًا لِتَعْتَدُوا﴾ فلا يعيد الرجل امرأته وهو ينوي إيذاءها أو ينوي طلاقها من جديد ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ يعود وبال ظلمه عليه ﴿وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللهِ هُزُوًا﴾ بعدم الالتزام بها، أو بالالتزام بها شكلا فقط دون الجوهر ﴿وَاُذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾ ببعث محمد ﷺ وبيان أحكام الشريعة لكم ﴿وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَالْحِكْمَةِ﴾ وهي الحكمة والأحكام المتضمنة في الكتاب ﴿يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ لما فيه صالحكم وصالح المجتمع ﴿وَاِتَّقُوا اللهَ﴾ أن ترتكبوا المحرمات ﴿وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ عليم بالأفعال الظاهرة والنوايا الباطنة.

﴿وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (232)

232 - ﴿وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ﴾ لا تعضلوهنّ، أي لا تضيّقوا عليهنّ أن يتزوجن من جديد، والخطاب موجّه للأزواج أن لا يعرقل الزوج مطلّقته أن تتزوّج غيره بعد انقضاء العدّة، ويمكن حمل الخطاب أن يكون لأقرباء المطلّقة أن لا يعضلوها إذا أرادت العودة إلى زوجها بنكاح جديد ﴿إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي بما وافق الشرع من العقد الحلال والمهر ﴿ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ المترتب عليه تحقق العدالة ﴿ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ﴾ في تزويج

152

سورة البقرة (2): آية 233

المطلّقات ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ﴾ مصالح عباده وما يستوجب دفع المفاسد ﴿وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ الخيرة فيما تفعلون أو تتركون.

﴿وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاّ وُسْعَها لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ فَإِنْ أَرادا فِصالًا عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاِتَّقُوا اللهَ وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (233)

233 - ﴿وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ﴾ الإشارة إلى الوالدات بشكل عام، المطلّقات منهنّ وغير المطلّقات، وقد حددت الآية أقصى مدّة الإرضاع بسنتين كاملتين لقوله تعالى ﴿لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ﴾ أي هذا تمام مدّة الرضاعة، لمن شاء، وهي المدّة التي يعتدّ بها في التحريم، لما ورد في الحديث أن الرضاعة لا تحرّم إلا ما كان دون الحولين، وقوله: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب»، ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي بما هو معروف ومعتاد في المجتمع، ويلاحظ دقة التعبير في عبارة ﴿الْمَوْلُودِ لَهُ﴾ مقابل كلمة ﴿الْوالِداتُ﴾ واختير للتنبيه على سبب وجوب النفقة على الزوج ﴿لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاّ وُسْعَها﴾ الوسع ضد الضيق، وهو ما تتسع له القدرة، فلا يكون تجاوز لطاقة الأب ﴿لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها﴾ لا يسبّب الأب الضرر للأم فينزع منها الولد مع رغبتها فيه وشدّة محبّتها له ﴿وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ وأيضا لا تسبب المرأة الضرر للأب، كأن تلقي الولد إليه وتمتنع عن إرضاعه، والمعنيان يرجعان إلى شيء واحد، وهو أن لا يغيظ أحدهما الآخر عن طريق الولد ﴿وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ﴾ إذا توفّي أحد الأبوين فمن بقي منهما لا يضارّ بالولد، خاصة بعد أن يتزوّج الأب أو تتزوّج الأم من جديد ﴿فَإِنْ أَرادا فِصالًا عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما﴾ الفصال هو الفطام: فتدلّ الآية أنّ الفطام في أقلّ من حولين جائز برضا الوالدين، والفصال أيضا الانفصال: ممّا

153

سورة البقرة (2): آية 234

سورة البقرة (2): آية 235

يدلّ أن الانفصال بين الأم والولد جائز برضا الطرفين، على أن لا يسبب ذلك ضررا للولد ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ﴾ أي لأولادكم، بحذف حرف الجر، وهو شائع في التنزيل راجع إعراب القرآن للزجاج ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾ لا حرج أن تطلبوا المراضع لإرضاع أولادكم ﴿إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ إذا سلّمتم الأجور إلى المرضعات، وإذا اتفقت الوالدة والوالد على أن يستلم منها الولد لعذر من أحد الطرفين ﴿وَاِتَّقُوا اللهَ﴾ أن تعتدوا الحدود ﴿وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فيحاسبكم بما تعملون.

﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (234)

234 - ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ الأزواج في الآية هنّ النساء، والعرب تسمّي الرجل زوجا والمرأة زوجا وربما ألحقوا بها الهاء، فالآية تحدّد أنّ المرأة التي يتوفّى عنها زوجها تنتظر أربعة أشهر وعشرة أيام قبل الزواج من آخر ﴿فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ وهي نهاية العدّة المشار إليها ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ وهو النكاح الحلال ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ وما جبلت عليه النفس البشرية من الرغبة.

﴿وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلاّ أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ (235)

235 - ﴿وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ﴾ التعريض ضدّ التصريح والمقصود خطبة التي تكون في عدّة الوفاة فتجوز خطبتها تعريضا لا

154