بيان النظم في القرآن الكريمالجزء 3 · ص 299 - 306

سورة الروم - 30 - مكية

سورة الروم - 30 - مكية

مقدمة

نزلت في السنة السادسة بعد البعثة كما هو واضح من الإشارة لهزيمة روم بيزنطة على يد الفرس في سنة 616 م أي ست سنوات بعد البعثة، وقد نتج عنها احتلال الفرس للشام ومصر وآسية الصغرى، فلمانزلت النبوءة المذكورة بالآيات (2 - 5) بأن النصر سوف يتحقق للروم بعد ذلك في بضع سنين (أي خلال 3 - 9 سنوات) قابلها مشركو قريش بالتهكم وبالازدراء، وكانوا قبلها يعيّرون المسلمين بأن مجوس الفرس انتصروا على أهل الكتاب، ثمّ في العام 622 م تمكن الروم من هزيمة الفرس في معركة إيسّس Issus فأخرجوهم من آسية الصغرى، وفي العام 624 م نقلوا المعركة إلى قلب فارس، وتزامن ذلك في الجزيرة العربية مع وقعة بدر وهو ما تشير له الآية (5) عندما يفرح المؤمنون.

(ارتباط السورة بما قبلها) في أواخرسورة العنكبوت المتقدمة أن الحياة الدنيا لهو ولعب وأن حياة الآخرة هي الحياة الحقيقية: ﴿وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (64/ 29)، وفي سورة الروم أنّ الكفار مغترّون بظاهر الحياة الدنيا وغافلون عن حقيقة الدنيا والآخرة: ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ﴾ (7/ 30).

وفي سورة العنكبوت أن القرآن الكريم أكثر من كاف لهداية ذوي العقول النّيرة: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً﴾

299

﴿وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (51/ 29)، ثمّ في سورة الروم أنّ الكفار يحاولون إبطال القرآن بشتّى الوسائل: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ مُبْطِلُونَ﴾ (58/ 30).

محور السورة

أغلب الناس مغترّون بظاهر الحياة الدنيا غافلون عن حقيقتها ومغزاها وعن حقيقة الحياة الآخرة: ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ﴾ (7)، وأنّ علاج الغفلة ذكر الله على الدوام: ﴿فَسُبْحانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ (17 - 18)، والالتزام بدين الفطرة دون تبديل ولا إفساد: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (30).

وقرن القول بالعمل بما فيه من إيتاء الصدقات والزكاة لمستحقّيها وتجنب الربا الفاحش: ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَاِبْنَ السَّبِيلِ ذلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللهِ وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ (38 - 39).

وبخلاف ذلك فإن الفساد يظهر في البر والبحر بنتيجة منع الخير والتهالك على المادة عند الذين يعدّون النجاح الاقتصادي المادي معيارا وحيدا للنجاح، فتفسد البيئة الطبيعية من بر وبحر بنتيجة النفايات والمخلفات والتلوث، كما تفسد الأخلاق: ﴿ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (41)، فلا يفيق الغافلون من غفلتهم إلا عند وقوع الساعة فيكذبون على أنفسهم بأن لبثهم في الدنيا كان قصيرا لدرجة

300

سورة الروم (30): آية 1

سورة الروم (30): آية 2

سورة الروم (30): آية 3

سورة الروم (30): آية 4

سورة الروم (30): آية 5

أن لم تتح لهم فرصة الإصلاح والتوبة: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ (55).

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿الم﴾ (1)

1 - ﴿الم﴾ الله أعلم بمراده، انظر [البقرة 2/ 1].

﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ (2)

2 - ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ انهزم روم بيزنطة على يد الفرس سنة 616 م، انظر المقدمة.

﴿فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ (3)

3 - ﴿فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ من جهة بلاد العرب ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ﴾ بعد انهزامهم ﴿سَيَغْلِبُونَ﴾ سوف يغلبون الفرس.

﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (4)

4 - ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ سوف تكون غلبة الروم على الفرس في بضع سنين، أي خلال (3 - 9) سنين ﴿لِلّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ بيده تعالى مقاليد الأمور في كل الأوقات والعصور ﴿وَيَوْمَئِذٍ﴾ في ذلك اليوم، أي يوم وقعة بدر، التي تزامنت مع انتصار الروم على الفرس ﴿يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ يفرح المسلمون بنصرهم على كفار قريش، وفي حين أن وقعة بدر انتهت في يوم واحد، فإن نصر روم بيزنطة على الفرس استغرق بضع سنوات، انظر المقدمة.

﴿بِنَصْرِ اللهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (5)

5 - ﴿بِنَصْرِ اللهِ﴾ يفرح المؤمنون بنصر الله، إذ نصرهم الله تعالى على كفار قريش في بدر ﴿يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ﴾ نصره، على قاعدة ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ﴾

301

سورة الروم (30): آية 6

سورة الروم (30): آية 7

سورة الروم (30): آية 8

﴿يَنْصُرْكُمْ﴾، انظر [محمد 7/ 47]، ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ الغالب على أمره ﴿الرَّحِيمُ﴾ بعباده، مؤمنهم وكافرهم.

﴿وَعْدَ اللهِ لا يُخْلِفُ اللهُ وَعْدَهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (6)

6 - ﴿وَعْدَ اللهِ﴾ بنصر المسلمين في بدر، ونصر الروم على الفرس ﴿لا يُخْلِفُ اللهُ وَعْدَهُ﴾ لا محالة ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ حقيقة الأمور، وإنما يعلمون ظاهرها فقط.

﴿يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ﴾ (7)

7 - ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ ولا يعلمون أقل القليل من الغيب ﴿وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ﴾ عن حقيقتها ﴿هُمْ غافِلُونَ﴾ النتيجة أنهم غافلون عن حقيقة الدنيا، وحقيقة الآخرة.

﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ﴾ (8)

8 - بعد أن أوجزت الآيات (1 - 7) تحقق النبوءات في نصر روم بيزنطة من جهة، ونصر المسلمين في بدر من جهة أخرى، وأن أكثر الناس مغترّون بالظاهر من الأمور، ينتقل الخطاب بالآيات (8 - 19) إلى وجوب أخذ العبر من تاريخ الأمم السابقة وأسباب انحطاطها وسقوطها، والتفكر في مغزى الخلق وعاقبة الإيمان والكفر:

﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ يتفكّروا لمصلحتهم، لأنّ التفكّر مفيد لهم ﴿ما خَلَقَ اللهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاّ بِالْحَقِّ﴾ ليدركوا بنتيجة التفكّر أنّ الخلق ذو مغزى وليس عبثا ﴿وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ المخلوقات تنتهي في الزمان والمكان لكنّ الخالق لا أوّل له ولا آخر ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ﴾ منكرون للآخرة بسبب عمايتهم، فهم إمّا من غير المفكّرين، أو من ذوي التفكير المنحرف.

302

سورة الروم (30): آية 9

سورة الروم (30): آية 10

سورة الروم (30): آية 11

سورة الروم (30): آية 12

سورة الروم (30): آية 13

﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمّا عَمَرُوها وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (9)

9 - ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ فيدرسوا تاريخ من سبقهم من الأمم ﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ ويدرسوا العواقب التي انتهت إليها، وأسباب نشوء الحضارات ثم انحطاطها وسقوطها ﴿كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ فلم تفدهم شيئا ﴿وَأَثارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمّا عَمَرُوها﴾ في حضارات أعظم من حضاراتهم ﴿وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ﴾ فأنكروا الرسل وكذّبوا الرسالات ﴿فَما كانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ بعد أن حباهم كل هذه النعم الدنيوية، وأتبعها بالهدي الإلهي ﴿وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ بالجحود والاستكبار.

﴿ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ وَكانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ (10)

10 - ﴿ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى﴾ بمقتضى سننه تعالى في الخلق أنّ السيئات تحيق بأصحابها، والسوءى تعني العقوبة السوءى، وهي تأنيث الأسوأ ﴿أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ وَكانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ بنتيجة التكذيب والاستهزاء بالآيات، وذلك ناتج من العناد والمكابرة والاستكبار.

﴿اللهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (11)

11 - ﴿اللهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ للبعث والنشور ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ للحساب.

﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ﴾ (12)

12 - ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ﴾ يصبحون في منتهى اليأس.

﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكائِهِمْ شُفَعاءُ وَكانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ (13)﴾

303

سورة الروم (30): آية 14

سورة الروم (30): آية 15

سورة الروم (30): آية 16

سورة الروم (30): آية 17

سورة الروم (30): آية 18

13 - ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكائِهِمْ﴾ من الزعماء والقادة الذين أضلّوهم ﴿شُفَعاءُ﴾ ظنّوا فيهم الشفاعة ﴿وَكانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ﴾ بعد أن كانوا تابعين لهم تبعية عمياء في دنياهم.

﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ (14)

14 - ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ إلى مؤمنين وكفار.

﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ (15)

15 - ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ الذين صدّقوا إيمانهم بالعمل الصالح ﴿فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ الحبر السرور، أي هم في الجنة في منتهى السرور.

﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ فَأُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ﴾ (16)

16 - ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ﴾ الذين اعتقدوا الدنيا نهاية المطاف ﴿فَأُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ﴾ تفكيرهم المنحرف في دنياهم، وإصرارهم على الكفر، أدّيا بهم إلى هذا المصير.

﴿فَسُبْحانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ (17)

17 - ﴿فَسُبْحانَ اللهِ﴾ تنزيها له تعالى عن كل نقص وسوء، وعلى تحقق العدالة في الآخرة، ﴿حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ على الدوام.

﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ (18)

18 - المغزى؛ اذكروا الله في كل الأوقات:

﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ هو مستحقّ الحمد على إيجاده الخلق وعلى نعمائه ﴿وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ قالوا: إنّ في الآيتين (17 - 18) دلالة على الصلوات الخمس المفروضة، حين تمسون: صلاة المغرب، وعشيّا: صلاة

304

سورة الروم (30): آية 19

سورة الروم (30): آية 20

سورة الروم (30): آية 21

العشاء، وحين تصبحون: صلاة الصبح، وحين تظهرون: صلاة الظهر، ثم العصر.

﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ (19)

19 - ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ كخلق الإنسان بعد أن لم يكن شيئا مذكورا، انظر [الإنسان 1/ 76]، ﴿وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ بوفاته ﴿وَيُحْيِ الْأَرْضَ﴾ بالنبات ﴿بَعْدَ مَوْتِها﴾ بعد أن كانت قاحلة ﴿وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ من موتكم للبعث والنشور والحساب.

﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ (20)

20 - بعد أن أشارات الآيات المتقدمة إلى مغزى الخلق ينتقل الخطاب بالآيات (20 - 25) لبيان بعض الآيات الآفاقية:

﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ﴾ من سلالة من طين، انظر [المؤمنون 12/ 23]، كما الجسم مخلوق من المواد العضوية الموجودة في التراب ﴿ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ في دنياكم تتصرّفون بها، وتتمتّعون بالفكر والعقل والغرائز في هذا الجسم المادي المخلوق من التراب، وما في ذلك من إعجاز يذهل عنه معظم الناس.

﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (21)

21 - ﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا﴾ لأنّ المرأة زوج الرجل، كما الرجل زوج المرأة، والجنس البشري كلّه من نفس واحدة ﴿لِتَسْكُنُوا إِلَيْها﴾ الرجل والمرأة كلّ منهما يلقى السكينة عند الآخر ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ﴾ بين الزوجين ﴿مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ بالزواج الذي شرعه لكم ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ﴾ إشارات وعبرا ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ الذين يمعنون الفكر في هذه

305

سورة الروم (30): آية 22

سورة الروم (30): آية 23

سورة الروم (30): آية 24

الأحوال ممّا يعده الآخرون، غير المفكّرين، مسلّمات وبدهيات، غافلين عمّا تتضمنّه من إعجاز.

﴿وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاِخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ﴾ (22)

22 - ﴿وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ وما فيهما من إعجاز هائل يكتشفه العلماء والفلكيون كل يوم ﴿وَاِخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ﴾ اللغات المختلفة التي تتكلمون وتتفاهمون بها، واختلافها باختلاف الشعوب والأمم ﴿وَأَلْوانِكُمْ﴾ باختلاف المناطق التي أنتم تقطنونها ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ﴾ معجزات باهرات ﴿لِلْعالِمِينَ﴾ للناس كلّهم.

﴿وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَاِبْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ (23)

23 - ﴿وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ﴾ نومكم ﴿بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ﴾ لراحة الجسم والفكر ﴿وَاِبْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ بالليل والنهار طلبا للرزق، الذي هو من فضله تعالى، والمغزى ألا ينسب المرء ما يكسبه من الرزق إلى حذاقته وجدارته لا غير، وينسى مسبّب الأسباب ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ لديهم قابلية للسماع، سماع تفهّم واستبصار.

﴿وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (24)

24 - ﴿وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا﴾ تخافون الصواعق والعواصف ﴿وَطَمَعًا﴾ وتطمعون في نزول المطر ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ بإنبات النبات بعد أن كانت أراضي قاحلة ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ يستعملون عقولهم في استنباط الأسباب، وكيفية تكوّن المطر وهطوله، وما في ذلك من إعجاز مذهل.

306