بيان النظم في القرآن الكريمالجزء 4 · ص 88 - 95

محور السورة

ومع ذلك فما على المسلم سوى البلاغ، لأنه ليس حفيظا على الناس، ولكن الكفار عاملون في الصدّ عن الإسلام، لذا تنتقل سورة محمد إلى موضوع الدفاع عن الإسلام والأمة الإسلامية وحماية العقيدة.

وهنالك ارتباط مباشر بين آخر سورة الأحقاف السابقة: ﴿فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ﴾ [الأحقاف 35/ 46] وبداية هذه السورة بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ﴾ [محمد 1/ 47]، أي أن أعمال "الخير" التي قد يقوم بها الكفار تذهب هباء - يوم الحساب - بنتيجة كفرهم وصدّهم عن الإسلام، والسبب تفسره السورة،

وفي سورة الأحقاف أن آلهة المشركين وأوهامهم لا تفيدهم شيئا: ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ قُرْبانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذلِكَ إِفْكُهُمْ وَما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأحقاف 28/ 46]، ثم في سورة محمد أن الكفار لا مولى حقيقي لهم: ﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ﴾ [محمد 11/ 47]،

وفي سورة الأحقاف أن طيبات الكفار مقتصرة على الحياة الدنيا: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاِسْتَمْتَعْتُمْ بِها﴾ [الأحقاف 20/ 46]، وفي سورة محمد أنهم يتمتعون في الدنيا ويأكلون كما تأكل الأنعام: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ وَالنّارُ مَثْوىً لَهُمْ﴾ [محمد 12/ 47]،

محور السورة

يدور حول الدفاع عن الأمة تجاه العدوان ووجوب التضحية في سبيل ذلك:

﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ﴾ [7/ 47]، وأن عدم الامتثال لأوامر الوحي وترك الدفاع عن العقيدة وحرية الدين سبب

88

لانتشار الفساد والحروب الأهلية وقطع الأرحام: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ﴾ [22/ 47] فما لهم لا يحاولون فهم القرآن بقلوب مفتوحة بدلا من التشنج الفكري المسبق: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها﴾ [24/ 47] وأن الله تعالى يختبر الناس بظهور أفعالهم واستعدادهم للتضحية إلى حيّز العلن، وليس بعلمه بالغيب منهم: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ﴾ [31/ 47] وتبيّن السورة أن الهوان على المعتدين واستجداء السلام منهم لا يليق بالمؤمنين ما داموا على الحق: ﴿فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ﴾ [35/ 47]،

النظم في السورة

سورة محمد (47): آية 1

سورة محمد (47): آية 2

سورة محمد (47): آية 3

بسم الله الرحمن الرحيم

الكفار الذين لم يقتصر كفرهم على أنفسهم بل تجاوزه بأن صدّوا غيرهم عن الإسلام، أو منعوا المسلمين من اتّباع دينهم، وعملوا على منع حرية الفكر والعبادة، فهؤلاء إن كان لهم أعمال "حسنة" فهي تذهب عند الله هباء:

﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ﴾ (1)، أنظر أيضا آية [النور 39/ 24 - 40]، وآية [الفرقان 23/ 25]، والآية (32) من هذه السورة،

في حين أن المؤمنين الذين اقترن إيمانهم بالعمل الصالح وتصديق القرآن، فالله تعالى يغفر لهم سيئاتهم ويسترها ويصلح قلوبهم فينعموا بالراحة النفسية:

﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بالَهُمْ﴾ (2)

وذهاب حسنات الكفار هباء ليس سوى نتيجة طبيعية لاتّباعهم الباطل، كما أن مغفرة سيئات المؤمنين نتيجة لاتّباعهم الحق: ﴿ذلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اِتَّبَعُوا﴾

89

سورة محمد (47): آية 4

سورة محمد (47): الآيات 5 إلى 6

سورة محمد (47): آية 7

سورة محمد (47): آية 8

سورة محمد (47): آية 9

﴿الْباطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ لِلنّاسِ أَمْثالَهُمْ﴾ (3)

﴿وعندما يبدأ الكفار الحرب بغرض الصدّ عن سبيل الله (الآية 1) يصبح من واجب المؤمنين الدفاع عن أنفسهم بغرض إنهاء الحرب، أي حتى تضع الحرب أوزارها، والشريعة تسمح لهم بأخذ الأسرى بعد إضعاف العدو ثم تحريرهم بعد ذلك أو أخذ الفدية عنهم، والمغزى من تضحيات المؤمنين أنه تعالى يختبر العباد بظهور أفعالهم إلى حيّز العلن، وبالتالي لا تذهب تضحيات الشهداء سدى: ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمّا فِداءً حَتّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها ذلِكَ وَلَوْ يَشاءُ اللهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ﴾ (4)

فتنعم أرواح الشهداء بالسلام وينالون ثواب أعمالهم: ﴿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ * وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ﴾ (5 - 6)

وينصر تعالى المؤمنين إن كانت مجتمعاتهم قائمة على الإسلام: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ﴾ (7)، أنظر أيضا آية [النور 55/ 24].

في حين تنتظر الكفار التعاسة وتذهب أعمالهم - الحسنة - سدى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ﴾ (8)

والسبب أنهم كرهوا القيم والالتزام وأشركوا وأنكروا المسؤولية تجاه الخالق مما جرّد أعمالهم من كل قيمة أخلاقية: ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ (9)﴾.

90

سورة محمد (47): آية 10

سورة محمد (47): آية 11

سورة محمد (47): آية 12

سورة محمد (47): آية 13

سورة محمد (47): آية 14

سورة محمد (47): آية 15

﴿والأمثلة على دمار الأمم البائدة من أمثالهم متكررة في التاريخ، وسنة الله في الخلق لا تتغير: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها﴾ (10)

لأنّ الله تعالى يهدي عباده المؤمنين، أما المصرّون على الكفر فيخلّيهم لأنفسهم: ﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ﴾ (11)

فيتمتع الكفار بنصيبهم من الحياة الدنيا كالبهائم، لكن مصيرهم في الآخرة يؤول إلى النار: ﴿إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ وَالنّارُ مَثْوىً لَهُمْ﴾ (12)

وقد شهد التاريخ من المجتمعات الكافرة (الآية 10) من هم أشد قوة من كفار قريش ومع ذلك انتهى مصيرها إلى الهلاك: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْناهُمْ فَلا ناصِرَ لَهُمْ﴾ (13)

فلا يستوي في العاقبة من كان ثابتا على حجج ظاهرة مستندة على الوحي وعلى البراهين العقلية، ومن اتّبع الهوى: ﴿أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاِتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ﴾ (14)

فعاقبة الأول في الجنة والآخر في النار، و(الآية 15) تضرب لنا مثلا عن الجنة والنار، وضرب المثل لأن حقيقتهما خارج إدراك البشر، قال الزمخشري: ذلك تمثيل لما غاب عنّا بما نشاهد، أي بما نعرفه من المحسوس: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النّارِ وَسُقُوا ماءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ (15)﴾

91

سورة محمد (47): آية 16

سورة محمد (47): آية 17

سورة محمد (47): آية 18

﴿وهنالك من المنافقين من قارب الكفر، أو هم عليه، يستمعون إلى خطاب الوحي استماع سخرية وهزء في حين يظهرون ويدّعون له الاحترام، والسبب تغليبهم الهوى على العقل، إذ ليس لأمثالهم استعداد في حقيقة دخيلتهم أن يقرّوا بإعجاز القرآن: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ماذا قالَ آنِفًا أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَاِتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ﴾ (16)

أما منفتحو الذهن الذين لديهم استعداد لتفهم الحقيقة فإنّ الله تعالى يهديهم إليها: ﴿وَالَّذِينَ اِهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ﴾ (17)

وعندما تحين الساعة بغتة وتكشف الحجب لا يستفيد المنافقون والكفار من الذكرى لأن الإيمان يصير قسريا: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها فَأَنّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ﴾ (18) وأشراط الساعة تحققت ببعثة النبي الأحمد خاتم الأنبياء والرسل.

سورة محمد (47): آية 19

سورة محمد (47): الآيات 20 إلى 21

وبعدما نزل القرآن آن لكل فرد أن يوقن أنّ كل شيء ما خلا الله باطل، ويستغفر لذنوبه وذنوب المؤمنين والمؤمنات: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَاِسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَاللهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْواكُمْ﴾ (19)

بل إن المؤمنين الصادقين ينتظرون الأذن بالقتال دفاعا عن الدين ويتشوقون لذلك، أما ضعاف الإيمان والمنافقون فتزيغ أعينهم من الخوف عند نزول الإذن بالقتال - آية [الحج 39/ 22]- وقد كان الأولى لهم إبداء جدّيتهم واستعدادهم للدفاع والتضحية: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلى لَهُمْ * طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللهَ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ (20 - 21)

92

سورة محمد (47): آية 22

سورة محمد (47): آية 23

سورة محمد (47): آية 24

سورة محمد (47): آية 25

سورة محمد (47): آية 26

سورة محمد (47): آية 27

سورة محمد (47): آية 28

﴿لأن عدم الامتثال لأوامر الوحي وترك الدفاع عن حرية الدين سبب لانتشار الفساد والحروب الأهلية وقطع الأرحام: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ﴾ (22).

ومثل الذين أعرضوا عن الوحي كمن أصمّ أذنيه عن سماع الحق وأعمى بصيرة نفسه بنفسه: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ﴾ (23)، انظر آية (البقرة 7/ 2).

فما لهم لا يحاولون فهم القرآن بقلوب مفتوحة بدلا من التشنج الفكري المسبق، والتأرجح بين الشك واليقين؟ ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها﴾ (24)، وفي ذلك إشارة للمنافقين المذكورين بالآية (12)،

ومن أهل الكتاب من نكص بعد ما تبيّن لهم صدق القرآن، ومن ضعاف الإيمان الذين ارتدّوا بعد إيمانهم، ومن المنافقين اللاهثين وراء الدنيا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اِرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلى لَهُمْ﴾ (25)

يريدون أن يحافظوا على مصالحهم لدى الطرفين، المسلمين والكفار: ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ﴾ (26)

ولكنهم يذوقون ثمار عملهم عندما تزهق أرواحهم إذ يعاينون هول آخرتهم رأي العين فلا يستطيعوا منها فكاكا ويتوقون للتمسك بالدنيا فلا يستطيعون:

﴿فَكَيْفَ إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ﴾ (27)

وتلك نتيجة طبيعية لإصرارهم على الإنكار في الدنيا رغم قناعتهم وانبهارهم بنور القرآن، فبالتالي تحبط أي أعمال "حسنة" لهم: ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اِتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللهَ وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ (28)﴾

93

سورة محمد (47): آية 29

سورة محمد (47): آية 30

سورة محمد (47): آية 31

سورة محمد (47): آية 32

سورة محمد (47): آية 33

سورة محمد (47): آية 34

سورة محمد (47): آية 35

سورة محمد (47): آية 36

﴿بل إن الله تعالى يظهر أحقادهم إلى العلن فلا تبقى مستورة: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللهُ أَضْغانَهُمْ﴾ (29)

وأن بإمكان المؤمن الصادق فرز المنافقين من سلوكهم ولو لم تكن بهم علامات فارقة: ﴿وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ﴾ (30)

ومع علمه تعالى بالغيب فإنه يختبر الناس بظهور أفعالهم إلى حيّز العلن فيبرز استعدادهم الفعلي للتضحية بأموالهم وأنفسهم في سبيله وليس بمجرد النوايا:

﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ﴾ (31)

فيظهر منهم المنافقون الذين أصرّوا على الكفر والجحود، ولا يعود الضرر إلاّ عليهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ﴾ (32)

وبعد بيان مآل الكفار والمنافقين تحذر السورة المؤمنين أن يحذو حذوهم:

﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ﴾ (33)

ثم تعود السورة إلى النقطة التي بدأت منها بالآية (1): ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ ماتُوا وَهُمْ كُفّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ﴾ (34)

وتبيّن أن الهوان على المعتدين واستجداء السلام منهم لا يليق بالمؤمنين ما داموا على الحق، فالله تعالى لا يضيع أعمالهم: ﴿فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ﴾ (35)،

ومع أن الحياة الدنيا لعب ولهو في جنب الآخرة فإن الله تعالى لا يفرض على المؤمنين التضحية بجميع أموالهم بل بجزء يسير منها - الزكاة ربع العشر فقط -:

﴿إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ (36)﴾،

94

سورة محمد (47): آية 37

سورة محمد (47): آية 38

﴿فالقرآن الكريم يأخذ بالاعتبار أنّ الإنسان خلق ضعيفا: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء 28/ 4] ولو فرض عليه متطلبات قاسية كالتضحية بجميع ماله لفشل في أدائها: ﴿إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ﴾ (37)،

إذن المتطلبات القرآنية من الإنسان معقولة وليس بها مغالاة، بل هي متناسبة مع الطبيعة البشرية، ولذا عندما تحجم الأكثرية عن التضحية وتتمسك بالبخل فالعاقبة تنعكس سلبا على المجتمع بكامله وتسبب زواله: ﴿ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ (38)﴾.

95