بيان النظم في القرآن الكريمالجزء 4 · ص 112 - 119

سورة ق (50): آية 22

سورة ق (50): آية 22

سورة ق (50): آية 23

سورة ق (50): الآيات 24 إلى 26

سورة ق (50): آية 27

﴿وتكشف حجب الغيب فلا يبقى عند المكابرين - بعد فوات الأوان - أي شك في حقيقة الحساب: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ (22) وحديد بمعنى حادّ،

وأن قرين السوء - الشيطان - يورد صاحبه مورد الهلاك: ﴿وَقالَ قَرِينُهُ هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ (23) وهو شبيه بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف 36/ 43]، وقوله تعالى: ﴿حَتّى إِذا جاءَنا قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ [لزخرف 38/ 43].

فيلقى في جهنم الذين كابروا وأصرّوا على الكفر والشرك، وارتابوا في الآخرة وفي الثواب والعقاب: ﴿أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفّارٍ عَنِيدٍ * مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ * الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللهِ إِلهًا آخَرَ فَأَلْقِياهُ فِي الْعَذابِ الشَّدِيدِ﴾ (24 - 26)، وخطاب المثنّى في ﴿أَلْقِيا﴾ إلى السائق والشهيد، الآية 20، فعمل المرء يشهد عليه، ويسوقه إلى عاقبته الطبيعية.

وأن ليس باستطاعة الشيطان إجبار أحد على الغواية إلا من كان عنده ميل إلى الضلال فيزيّن له ضلاله: ﴿قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ وَلكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ (27)، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبراهيم 22/ 14].

سورة ق (50): الآيات 28 إلى 30

سورة ق (50): الآيات 31 إلى 35

كما الأعذار لا تفيد أحدا بعد كشف الحجب: ﴿قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ * ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَما أَنَا بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ * يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ اِمْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ (28 - 30)

وبعد أن بينت الآيات (1 - 30) إصرار الكفار على تكذيب الوحي ومنعهم الخير وارتيابهم في البعث وسوء مآلهم في الآخرة، تبين الآيات (31 - 35) بالمقابل حسن مآل المتقين الذين آمنوا بالغيب: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هذا ما تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ وَجاءَ﴾

112

سورة ق (50): آية 37

سورة ق (50): آية 38

سورة ق (50): آية 40

سورة ق (50): الآيات 41 إلى 44

سورة ق (50): آية 45

﴿بِقَلْبٍ مُنِيبٍ * اُدْخُلُوها بِسَلامٍ ذلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ * لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها وَلَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ (31 - 35)

﴿ثم تعود السورة لموضوع الآيات (12 - 14) فتبرز العبرة من هلاك الحضارات السابقة مهما بلغت قوتها وجبروتها: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ * إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (37) والعبر لا يعيها إلاّ منفتحو الذهن.

وتنفي زعم اليهود في كتبهم "المقدسة" أن الله تعالى بعد أن خلق الكون في ستة حقب زمنية استراح بعدها من التعب، تعالى الله عمّا يقولون علوّا كبيرا:

﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيّامٍ وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ﴾ (38) والخلق في ستة أيام أي في ستة أطوار أو ستة حقب زمنية.

فتحضّ على الصبر عليهم والاستعانة على ضلالهم بالتسبيح والصلاة:

﴿فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبارَ السُّجُودِ﴾ (40) وقالوا إن الأمر بالتسبيح كناية عن الأمر بالصلوات المكتوبة.

فلا يلبث أن يحين يوم البعث فيسمع الإنسان النداء من مكان قريب، وليس أقرب إليه من داخله، فلا يملك سوى أن يسارع إلى الإجابة: ﴿وَاِسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ * يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ * إِنّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ * يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِراعًا ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ﴾ (41 - 44)

أما في الحياة الدنيا فما على المؤمن سوى تذكير من يرجى إيمانه: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ﴾ وهنا تعود السورة للنقطة التي بدأت منها: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ (45)﴾،

113

سورة الذاريات - 51 - مكية

نزلت في أواخر الفترة المكية، واشتق اسمها من كلمة الذاريات، أي الرياح، المذكورة في أول السورة.

ارتباط السورة بما قبلها

ختمت سورة ق المتقدمة بوصف البعث والحشر، الآيات [ق 41/ 50 - 45]، وتبدأ هذه السورة بتأكيد وقوعهما: ﴿إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ * وَإِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ﴾ [الذاريات 5/ 51 - 6]، وأن الإيمان بالبعث طبيعي في فطرة الإنسان وفي عقله وشعوره، خلا من يؤفك عن ذلك فتفسد فطرته: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ * يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ [الذاريات 8/ 51 - 9].

محور السورة

أن ما يلقاه الإنسان من عواقب إن في الدنيا أو في الآخرة ليس سوى نتيجة طبيعية لعمله: ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ [40/ 51]، وأن نجاة الإنسان لا تكون إلاّ باللجوء إليه تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [50/ 51] وكيفية اللجوء تفسرّه الآية [56/ 51]، وأن طغيان البشر هو الذي يؤدي بهم إلى تكذيب

114

الرسل: ﴿أَتَواصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ﴾ [53/ 51]، ولكن ما على المؤمنين سوى البلاغ وترك الحساب على الله: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾ [54/ 51]،

وتبلغ السورة أوجها بقوله تعالى: ﴿وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [56/ 51] بمعنى أن الغاية من الخلق أن يعرف الإنسان خالقه وأن يكيّف وجوده الدنيوي بحسب إرادته تعالى المبيّنة فيما نزل على الأنبياء والرسل من الوحي، وهذا المفهوم المزدوج المتمثّل في معرفة الله والتكيف بحسب مشيئته في الخلق يفسر المعنى الحقيقي للعبادة، ولأن العبادة لا يستفيد منها سوى المخلوق: ﴿ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ [57/ 51]، وأن كل عمل شر يحمل في طياته بذور عواقبه إن في الدنيا أو في الآخرة: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ﴾ [59/ 51].

النظم في السورة

سورة الذاريات (51): الآيات 1 إلى 4

سورة الذاريات (51): آية 5

سورة الذاريات (51): آية 6

سورة الذاريات (51): آية 7

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿تبدأ السورة بتذكير الإنسان بواحدة من عجائب الخلق، وهي الرياح التي تذرو الغبار وتحمل الغيوم وتجري بها بسهولة وتوزّع الأمطار على البلاد، فتتحقق معجزة الحياة، ممّا يؤكد وجود خالق مدبّر، ومغزى للخلق: ﴿وَالذّارِياتِ ذَرْوًا * فَالْحامِلاتِ وِقْرًا * فَالْجارِياتِ يُسْرًا * فَالْمُقَسِّماتِ أَمْرًا﴾ (1 - 4)

وبالتالي حتمية البعث: ﴿إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ﴾ (5)

وحتمية الحساب: ﴿وَإِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ﴾ (6)، والدين بمعنى الحساب، ومنه الحديث: "كما تدين تدان".

وتحضّ على التفكر في معجزة خلق السماوات الهائلة: ﴿وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ (7)﴾ والحبك مسارات الكواكب والنجوم،

115

سورة الذاريات (51): آية 8

سورة الذاريات (51): آية 9

سورة الذاريات (51): الآيات 10 إلى 12

سورة الذاريات (51): الآيات 13 إلى 14

سورة الذاريات (51): الآيات 15 إلى 18

سورة الذاريات (51): آية 19

سورة الذاريات (51): الآيات 20 إلى 22

﴿ومع ذلك فهنالك من البشر من يختلف مع هذا الواقع فيشكك في الوحي والبعث والحساب، ويذهبون في ذلك نظريات متعددة: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾ (8)

رغم أن الإيمان بالله والتصديق بالبعث بعد الموت مغروس طبيعيا في فطرة الإنسان وفي عقله وشعوره، لكن من الناس من تفسد فطرته فيؤفك عن ذلك:

﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ (9)

وفساد الفطرة يؤدي بالضرورة إلى هلاك أصحابها بسبب الغفلة والتشكيك بيوم الحساب: ﴿قُتِلَ الْخَرّاصُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ ساهُونَ * يَسْئَلُونَ أَيّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾ (10 - 12) والخراصون الكذابون القائلون تخمينا بما لا يصحّ، فهم يسألون تهكما: متى يوم الحساب؟

فذلك يوم يعذّبون على النار التي كانوا يتهكمون باستعجالها: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النّارِ يُفْتَنُونَ * ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ (13 - 14)

بخلاف المتقين ذوي الفطرة السليمة الموصوفين بالإحسان في كل شيء: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ * كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (15 - 18)

وفي إيتاء جزء من أموالهم للسائل والمحروم كحقّ من حقوق السائلين والمحرومين: ﴿وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (19)

والآيات التي عمي عنها الخرّاصون كثيرة في الأرض وفي الأنفس، وجديرة أن يبصرها كل فرد: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ (21 - 22)

ومن الآيات أيضا أنه تعالى يرزق العباد الرزق المادي والرزق الروحاني:

﴿وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ﴾ (20 - 22)

116

سورة الذاريات (51): آية 23

سورة الذاريات (51): الآيات 24 إلى 36

سورة الذاريات (51): آية 37

سورة الذاريات (51): الآيات 38 إلى 40

سورة الذاريات (51): الآيات 41 إلى 43

﴿كل ذلك ما يؤكد حقيقة البعث: ﴿فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ (23)

ومن هذه الآيات قصة إبراهيم عليه السلام ومجيء الملائكة له مبشرين بولادة إسحاق وبنزول العقاب بالمجرمين من قوم لوط وما يؤول إليه أمثالهم من العذاب الأليم: ﴿هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ * فَراغَ إِلى أَهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ * فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قالَ أَلا تَأْكُلُونَ * فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ * فَأَقْبَلَتِ اِمْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَها وَقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ * قالُوا كَذلِكَ قالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ * قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ * قالُوا إِنّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ * لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ * فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (24 - 36)

لكن المنتفع من الآيات هو الذي يأخذ العبر منها فيخاف سوء العاقبة:

﴿وَتَرَكْنا فِيها آيَةً لِلَّذِينَ يَخافُونَ الْعَذابَ الْأَلِيمَ﴾ (37)، والآية المشار لها هي الدمار التام لأرض قرى لوط،

ثم قصة موسى وبعثته إلى فرعون الذي أدّى به سلطانه واستكباره إلى عمى القلب حتى اتّهم موسى بالسحر أو الجنون، فكانت عاقبة أمره أن غرق في اليم مع جنوده: ﴿وَفِي مُوسى إِذْ أَرْسَلْناهُ إِلى فِرْعَوْنَ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ * فَتَوَلّى بِرُكْنِهِ وَقالَ ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ * فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ (38 - 40)، فما يلقاه الإنسان من عواقب سيئة إن في الدنيا أو في الآخرة ليس سوى نتيجة طبيعية لعمله: ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ (40)

ومثل ذلك كانت قصص قوم عاد وثمود ونوح الذين تمتعوا في الحياة الدنيا لأمد معلوم: ﴿وَفِي عادٍ إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ * ما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ﴾

117

سورة الذاريات (51): الآيات 44 إلى 45

سورة الذاريات (51): آية 46

سورة الذاريات (51): آية 47

سورة الذاريات (51): آية 48

سورة الذاريات (51): آية 49

سورة الذاريات (51): آية 50

سورة الذاريات (51): آية 51

سورة الذاريات (51): الآيات 52 إلى 53

﴿عَلَيْهِ إِلاّ جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ * وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتّى حِينٍ﴾ (41 - 43) فمتاع الدنيا لا يدوم.

﴿حتى لقوا عاقبة أمرهم: ﴿فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ * فَمَا اِسْتَطاعُوا مِنْ قِيامٍ وَما كانُوا مُنْتَصِرِينَ﴾ (44 - 45)

ومثلهم قوم نوح من قبلهم: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ (46)

ثم تعود السورة لتضرب مثلا بعض معجزات الخلق الباهرة كمعجزة خلق الكون الذي يتسع باستمرار: ﴿وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَإِنّا لَمُوسِعُونَ﴾ (47)

ومعجزة خلق الأرض بما فيها من موارد صالحة لتمهيد حياة البشر:

﴿وَالْأَرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ﴾ (48)

ومعجزة خلق زوجين من كل شيء، كخلق الذكر والأنثى في الإنسان والحيوان والنبات، والليل والنهار، والحار والبارد، والموجب والسالب في الكهرباء والمغناطيس وشحنات البروتون والالكترون: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (49)

والنتيجة: أنّ من يبصر كل ذلك يفهم أن النجاة لا تكون إلاّ باللجوء إليه تعالى وحده دون غيره: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ (50)

ولذا فإنّ الشرك أعظم الكبائر: ﴿وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللهِ إِلهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ (51)

وأن من البشر من دأب على تكذيب الرسل، ومردّ ذلك يعود إلى الطغيان والتكبر: ﴿كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ * أَتَواصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ﴾ (52 - 53)

118

سورة الذاريات (51): الآيات 54 إلى 55

سورة الذاريات (51): آية 56

سورة الذاريات (51): الآيات 57 إلى 58

سورة الذاريات (51): الآيات 59 إلى 60

﴿ولكن ما على المؤمنين سوى تذكير من تنفعه الذكرى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ * وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (54 - 55)

وأن مغزى خلق الجن والإنس هو العبادة، بمعنى معرفة الله عز وجل والإقرار بالتوحيد، والاستسلام لمشيئته تعالى في الخليقة المتمثلة في قبول الرسالات المتتالية التي نزلت على الأنبياء والرسل وختامها الإسلام، وتكييف الحياة والمعيشة وفق ذلك: ﴿وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ﴾ (56)

فالعبادة تعود بالسعادة وبالنفع على العباد وحدهم، لأنه تعالى غني عن العالمين: ﴿ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (57 - 58)

وأن أعمال الشر تحمل في طياتها بذور العواقب الوخيمة لمرتكبيها، إن في الدنيا أو في الآخرة، فماذا يستعجل منها المجرمون: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ * فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ (59 - 60).

119