بيان النظم في القرآن الكريمالجزء 4 · ص 224 - 231

سورة القلم (68): آية 46

سورة القلم (68): آية 46

سورة القلم (68): آية 47

سورة القلم (68): آية 48

سورة القلم (68): الآيات 49 إلى 50

سورة القلم (68): آية 51

سورة القلم (68): آية 52

﴿أَمْ تَسْئَلُهُمْ﴾ على البلاغ والإرشاد ﴿أَجْرًا﴾ دنيويا ﴿فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ﴾ من غرامة مالية ﴿مُثْقَلُونَ﴾ (46)، أي مرهقون بثقل الغرامة؟ والمعنى أنك - أيها النبي أو أيها المؤمن - لا تسألهم أجرا على البلاغ والدعوة.

أم يظنون أنهم محيطون بعلوم الغيب، أم أنهم لغرورهم يظنون أن أسرار الكون قاربت أن تكون في متناولهم بنتيجة تقدمهم العلمي والتقني: ﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ (47)

ثم تحض السورة النبي عليه الصلاة والسلام ومن ثمّ كل مؤمن - أن لا يستسلم لليأس من سلوك الكفار، كما يئس يونس عليه السلام من دعوة قومه:

﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ (48) ونداؤه قوله: ﴿لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [الأنبياء 87/ 21 - 88]،

﴿لَوْلا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَراءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ * فَاجْتَباهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ (49 - 50)، وفيه إشارة لقوله تعالى: ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ [الصافات 143/ 37 - 145].

وأن الكفار كلّما سمعوا القرآن الكريم يتلى عليهم من النبي عليه السلام يكادون يزلقونه عن ثباته بعين الشر والبغضاء والعداوة: ﴿وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ لَمّا سَمِعُوا الذِّكْرَ﴾ ويتهمونه عليه السلام بالجنون:

﴿وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ (51)

في حين أن القرآن الكريم ليس سوى النقيض الأكبر لذلك: ﴿وَما هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ (52) يذكّر الناس بالفطرة السليمة،

فالجنون الحقيقي في المكذّبين: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ * بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (6)﴾ وهي النقطة التي بدأت منها السورة.

224

سورة الحاقّة - 69 - مكية

نزلت خلال الفترة المكية الأولى، واشتق اسمها من ذكر الحاقة، وهي الساعة التي تحقّ فيها الأمور فتعرف على حقيقتها.

ارتباط السورة بما قبلها

بعد أن ختمت سورة القلم أمثولة أصحاب الجنة بقوله تعالى: ﴿كَذلِكَ الْعَذابُ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [القلم 33/ 68]، ووصفت تخبط الكفار في أحكامهم وظنونهم: ﴿ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَمْ لَكُمْ كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾ [القلم 36/ 68 - 37]، تبدأ هذه السورة بذكر الحاقة، أي الساعة التي تحق فيها الأمور وتظهر على حقيقتها فتبطل ظنون الكفار ويبطل تخبطهم:

﴿الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ * وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ [الحاقة 1/ 69 - 3]،

وبعد أن أكدت سورة القلم أن على الله وحده حساب الكفار المكذّبين بالقرآن: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ [القلم 44/ 68] تؤكد هذه السورة أن القرآن يكون يوم الحساب حسرة على الكافرين: ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكافِرِينَ﴾ [الحاقة 50/ 69]، وتصف يوم الحساب: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ﴾ [الحاقة 18/ 69]،

225

وبعد أن ذكرت سورة القلم زعم الكفار بعلوم الغيب: ﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ [القلم 47/ 68] تبين هذه السورة أنهم عن علم الغيب عمون: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ * وَما لا تُبْصِرُونَ﴾ [الحاقة 38/ 69 - 39].

محور السورة

حتمية وقوع الحاقّة، ما يقطع الشك باليقين: ﴿وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ [3/ 69]، وأن عذاب الكفار قد يقع في الدنيا قبل الآخرة كما حدث للأمم البائدة: ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رابِيَةً﴾ [10/ 69]، وأن ما يلقاه المرء من عاقبة في آخرته ليس سوى نتيجة طبيعية لأعماله في دنياه: ﴿إِنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللهِ الْعَظِيمِ * وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ﴾ [33/ 69 - 34]، وأن القرآن الكريم يفوق بكثير كل ما يمكن للبشر أن يتوصّل إليه من تلقاء نفسه: ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ﴾ [51/ 69].

النظم في السورة

سورة الحاقة (69): الآيات 1 إلى 2

سورة الحاقة (69): آية 3

سورة الحاقة (69): آية 4

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿تبدأ السورة بالتذكير بالحاقّة أي القيامة التي تحقّ فيها الأمور فتدرك على حقيقتها، عندما تزول عن الإنسان الأوهام وخداع النفس ويبدو له على وجه اليقين مغزى حياته الدنيوية وآخرته: ﴿الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ﴾ (1 - 2)

وأنّ إدراكها المفاجيء ساعة وقوعها خارج أي تصور بشري ممكن: ﴿وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ (3)

لكنّ عذاب الدنيا قد يقع قبل عذاب الآخرة، وتضرب مثلا بما نزل من عذاب المكذّبين من الأمم البائدة: كذّبت ثمود رسولها صالح، وكذّبت عاد رسولها هود: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعادٌ بِالْقارِعَةِ (4)﴾ لأنّ رسلهم أنذرتهم

226

سورة الحاقة (69): آية 5

سورة الحاقة (69): الآيات 6 إلى 8

سورة الحاقة (69): آية 9

سورة الحاقة (69): آية 10

سورة الحاقة (69): آية 11

سورة الحاقة (69): آية 12

بالقارعة وهي اسم للقيامة لأنها تقرع الناس، والمعنى أنهم رفضوا التصديق بالقيامة اعتقادا منهم أن لا مسؤولية ولا حساب إذ يتصرفون في دنياهم كما يشاؤون.

﴿حتى جاءهم العذاب في الدنيا قبل الآخرة: ﴿فَأَمّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطّاغِيَةِ﴾ (5) والطاغية الزلزلة، أنظر آية [الأعراف 78/ 7].

وهلكت عاد بعواصف رملية شديدة استمرت سبع ليال وثمانية أيام بلا انقطاع فلم تبق منهم أحدا: ﴿وَأَمّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ * سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ * فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ﴾ (6 - 8)

وقد أنكر فرعون ومن قبله من الأمم رسالات الرسل، وكذا قوم لوط الذين ائتفكت أي انقلبت بلادهم عاليها سافلها: ﴿وَجاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكاتُ بِالْخاطِئَةِ﴾ (9)

فعقاب معصية الرسل قد يأتي في الدنيا: ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رابِيَةً﴾ (10)

وينجّي الله تعالى المؤمنين كما نجّا العباد الذين استجابوا لدعوة نوح: ﴿إِنّا لَمّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ﴾ (11)، والجارية السفينة، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ﴾ [الرحمن 24/ 545]،

لكي يكون في كل ذلك عبرة لمن يعي مجريات الأمور: ﴿لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ (12)﴾

وقصص ثمود وعاد وقوم لوط وقوم نوح مذكورة بتفصيل في آيات [الأعراف 59/ 7 - 102]، وكذلك قصة موسى وفرعون في آيات [الأعراف 103/ 7 - 136].

227

سورة الحاقة (69): الآيات 13 إلى 17

سورة الحاقة (69): آية 18

سورة الحاقة (69): الآيات 19 إلى 24

سورة الحاقة (69): الآيات 25 إلى 32

سورة الحاقة (69): الآيات 33 إلى 37

سورة الحاقة (69): آية 38

﴿غير أن العواقب ليست مقتصرة على الدنيا، فالإنسان يتحمل عواقب عمله في الآخرة: ﴿فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ * وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً * فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ * وَاِنْشَقَّتِ السَّماءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ * وَالْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ (13 - 17)،

عندما تعرض أعمال الدنيا على أصحابها: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ﴾ (18)،

فيكون الحساب يسيرا على من قدّم من إيمان وعمل صالح، وكان موقنا بالآخرة: ﴿فَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اِقْرَؤُا كِتابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ * قُطُوفُها دانِيَةٌ * كُلُوا وَاِشْرَبُوا هَنِيئًا بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيّامِ الْخالِيَةِ﴾ (19 - 24)،

في حين يعاني الهول كلّ من أنكر الآخرة والحساب واتّبع الهوى في دنياه، فيتمنّى لو كانت ميتته في الدنيا نهائية: ﴿وَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ * يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ * ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ * خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ (25 - 32)

وتكون عاقبته الأخروية نتيجة طبيعية لكفره وإحجامه عن عمل الخير في دنياه: ﴿إِنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللهِ الْعَظِيمِ * وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ * فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ * وَلا طَعامٌ إِلاّ مِنْ غِسْلِينٍ * لا يَأْكُلُهُ إِلاَّ الْخاطِؤُنَ﴾ (33 - 37)

ثم تنتقل السورة لتأكيد مصدر الوحي القرآني الذي يشكّك به المكذّبون:

﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ (38)﴾ وهو ما يبصر الإنسان من عالم الشهادة ومعجزة الخلق والأكوان.

228

سورة الحاقة (69): آية 39

سورة الحاقة (69): آية 40

سورة الحاقة (69): الآيات 41 إلى 43

سورة الحاقة (69): الآيات 44 إلى 47

سورة الحاقة (69): آية 48

سورة الحاقة (69): آية 49

سورة الحاقة (69): آية 50

سورة الحاقة (69): آية 51

سورة الحاقة (69): آية 52

﴿وما لا يبصر الإنسان من عالم الغيب: ﴿وَما لا تُبْصِرُونَ﴾ (39)

أن القرآن وحي نزل على الرسول الكريم محمد: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ (40)

يفوق بكثير كل ما يمكن أن يتوصّل إليه البشر من شعراء وكهّان، مهما التبست الأمور على ضعاف الإيمان: ﴿وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ * وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ * تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (41 - 43)،

وهو من الإعجاز بحيث يستحيل على الرسول عليه السلام أن يتقوّله: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ * لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ (44 - 47)،

وأن القرآن ليس سوى تذكرة لمن عنده استعداد للفهم واتّقاء العواقب السيئة: ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (48)،

ولأنه تعالى كرّم بني آدم بحرية الخيار فمنهم المؤمن ومنهم المكذّب: ﴿وَإِنّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ﴾ (49)،

فتكون عاقبة التكذيب حسرة على صاحبه لأنه تمّ بمحض اختياره: ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكافِرِينَ﴾ (50)،

وأن القرآن يخبر عن الحقيقة المطلقة: ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ﴾ (51)،

فلذلك وجب التسبيح لله تعالى إذ خلق الإنسان في أحسن تقويم، وأنزل عليه الوحي والميزان، وكرّمه بحرية الخيار: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (52)﴾.

229

سورة المعارج - 70 - مكية

نزلت خلال النصف الثاني من الفترة المكية، واشتقّ اسمها من كلمة المعارج المذكورة بالآية (3)، إشارة للوسائل المتعددة التي يمكن للمرء التوصل بها إلى معرفة الله عز وجل.

ارتباط السورة بما قبلها

في سورة الحاقّة أنّ العقاب نتيجة لازمة للمعصية: ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رابِيَةً﴾ [الحاقة 10/ 69]، ثم في هذه السورة أن عذاب الكافرين واقع بهم لا محالة: ﴿سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ * لِلْكافِرينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ﴾ [المعارج 1/ 70 - 2]،

وفي سورة الحاقّة أن الكافر لا يلبث أن يتمنى لو كانت ميتته نهائية: ﴿يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ﴾ [الحاقة 27/ 69]، ولذا تحض سورة المعارج المؤمنين على الصبر لأن العدالة لن تلبث أن تتحقق: ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا * إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَراهُ قَرِيبًا﴾ [المعارج 5/ 70 - 7].

محور السورة

العدالة لا بد لها من التحقق يوما: ﴿سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ [1/ 70]،

230

والزمن الدنيوي ذو حقيقة ظاهرة فقط: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [4/ 70]، ولكن الإنسان خلق هلوعا جزوعا أنانيا: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [19/ 70 - 21]، إلا المصلّين، المتصفين منهم بصفات الأخلاق السامية:

﴿إِلاَّ الْمُصَلِّينَ﴾ [22/ 70]، وفي حين يرفض الكفار إبصار حقيقة الوجود الإلهي ويحاولون إيجاد مفهوم للخليقة خاص بهم: ﴿فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ * عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ * أَيَطْمَعُ كُلُّ اِمْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ﴾ [36/ 70 - 38]، فإنّ الحكمة الإلهية اقتضت إمهالهم حتى يوم الدين: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ [42/ 70]،

النظم في السورة

سورة المعارج (70): آية 1

سورة المعارج (70): آية 2

سورة المعارج (70): آية 3

سورة المعارج (70): آية 4

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿الكثرة من الكفار ترتكب الشرور والجرائم كونها تنكر حقيقة الآخرة أو تستبعدها، ثمّ إنّ أمور بعضهم قد تزدهر في الحياة الدنيا، ممّا يجعل البعض الآخر يشكّ في حقيقة الأمور ويسأل أو يتساءل أولا إن كانت العدالة ستتحقق؟ وفي حال الإيجاب متى يكون ذلك؟ ﴿سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ (1)

فالجواب عن السؤال الأول تجيب عنه الآية 2: ﴿لِلْكافِرينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ﴾ (2) إذ العقاب واقع بالكفار لا محالة،

وأن لا شيء يدفع العذاب عنهم من الله عز وجل الذي يمكن التوصل لمعرفته بوسائل متعددة: ﴿مِنَ اللهِ ذِي الْمَعارِجِ﴾ (3)،

أمّا جواب "متى؟ " فتشير إليه (الآية 4) بشكل خفي: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (4)﴾، والمعنى أن لا حقيقة مطلقة لمفهوم الزمن الدنيوي، فالله تعالى بلا بداية ولا نهاية، وإنّما خلق تعالى

231