بيان النظم في القرآن الكريمالجزء 1 · ص 221 - 228

سورة آل عمران (3): آية 52

سورة آل عمران (3): آية 52

سورة آل عمران (3): آية 53

سورة آل عمران (3): آية 54

﴿فَلَمّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللهِ آمَنّا بِاللهِ وَاِشْهَدْ بِأَنّا مُسْلِمُونَ﴾ (52)

52 - ﴿فَلَمّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ﴾ أي من اليهود ﴿الْكُفْرَ﴾ يلاحظ روعة الإيجاز في الخطاب الذي انفرد به القرآن الكريم أن انتقل من البشارة بعيسى والآيات التي جاء بها إلى النتيجة التي وصل إليها مع قومه بعد طول الدعوة والمعاناة، وقد وجد عيسى في بني إسرائيل العناد والمكابرة ورفض تحكيم العقل والمقاومة ونية الإيذاء، فتوجّه باحثا عن أهل النصرة من المؤمنين: ﴿قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ﴾ أي من ينصرني في الدعوة إلى دين الله ﴿قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللهِ﴾ أي نحن أنصار الدعوة إلى دين الله.

والحواريون هم خاصّة عيسى من الأتباع والتلاميذ، وقيل إنهم كانوا ينتمون إلى طائفة من يهود فلسطين تدعى Essene Brotherhood اتسمت بالاستقامة والتصوف وكانوا يرتدون الملابس البيضاء دلالة على مذهبهم، وقيل إن عيسى عليه السلام كان منهم فاشتق اسم الحور وهو البياض من لون ردائهم، فقالوا:

﴿آمَنّا بِاللهِ﴾ مخلصون له منقادون لأمره ﴿وَاِشْهَدْ بِأَنّا مُسْلِمُونَ﴾ قد أسلمنا أمرنا إلى الله، فنحن مسلمون له، مستسلمين لإرادته، وهو دليل على أن الإسلام - بهذا المعنى - دين الأنبياء جميعا وإن اختلفت بعض أحكامه.

﴿رَبَّنا آمَنّا بِما أَنْزَلْتَ وَاِتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ (53)

53 - ﴿رَبَّنا آمَنّا بِما أَنْزَلْتَ﴾ آمن الحواريون بالوحي الذي نزل على عيسى ﴿وَاِتَّبَعْنَا الرَّسُولَ﴾ وهو عيسى عليه السلام، ويلاحظ في الآية تتابع الإيمان ثم العمل بإتّباع، لأن الايمان بلا عمل يكون ناقصا، فاتّباعهم الرسول يفيد أن إيمانهم لم يكن بلا أثر، إذ بلغ مرتبة اليقين المسيطر على النفس والموجّه لها ﴿فَاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ على الحق.

﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (54)﴾.

221

54 - ﴿وَمَكَرُوا﴾ وهم اليهود الذين أحسّ عيسى منهم الكفر، قاموا بالتخطيط لقتله عن طريق اتهامه لدى الحاكم الروماني «بيلاطس» بالكفر والتحريض على الشغب ﴿وَمَكَرَ اللهُ﴾ بالتدبير الخفي المؤدّي بهم إلى ما لا يحتسبون ﴿وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ﴾ بتدبيره الذي يخفى على عباده.

سورة آل عمران (3): آية 55

﴿إِذْ قالَ اللهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجاعِلُ الَّذِينَ اِتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (55)

55 - ﴿إِذْ قالَ اللهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ أي مستوفي أجلك في هذه الدنيا، لأنّ أصل التوفي في اللغة هو أخذ الشيء وافيا، ثم استعمل بمعنى الموت، انظر آية [الزمر: 39/ 42]، ﴿وَرافِعُكَ إِلَيَّ﴾ كانت فرصة بني إسرائيل الأخيرة أن بعث لهم تعالى نبيّن في وقت واحد، وهما عيسى ويحيى عليهما السلام، فقتلوا يحيى كما قتلوا غيره من الأنبياء من قبل، انظر شرح الآية (21)﴾، ثم تآمروا على قتل عيسى المسيح عليه السلام فرفعه تعالى إليه، والرفع بمعنى الاستدعاء، كما تستدعي الدول سفراءها عندما تنتهي مهمتهم، أو عندما تصبح المهمة التي بعثوا من أجلها غير ذات جدوى، والمعنى أن فرصة بني إسرائيل في التوبة والإصلاح والتصديق بالمسيح فاتتهم بسبب عنادهم، فرفع تعالى المسيح إليه ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي من وجودهم، بعد أن لم يعد هنالك فائدة ترجى من وجود المسيح فيهم ﴿وَجاعِلُ الَّذِينَ اِتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ وهم المسلمون لأنهم الأتباع الحقيقيون لعيسى ابن مريم، وهذه نبوءة بالغيب، أي إن عقيدة المسلمين ظاهرة فوق غيرها إلى يوم القيامة، بالحجة والإقناع، وليس بالقهر والسيطرة ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ وهو الاختلاف بين المسلمين وبين المسيحية الذين ابتدعوا ألوهية المسيح، وبين اليهود الذين كفروا ببعثة المسيح كليّة ثم أنكروا بعثة خاتم الأنبياء والرسل محمد ﷺ، فيتبيّن للجميع يوم القيامة الحق من الباطل.

222

سورة آل عمران (3): آية 56

سورة آل عمران (3): آية 57

سورة آل عمران (3): آية 58

سورة آل عمران (3): آية 59

﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ﴾ (56)

56 - ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ﴾ وقد حصل ذلك في الدنيا بتشتيت اليهود وتسليط الأمم عليهم منذ طردهم الروم من فلسطين والقدس عام 70 ميلادية، فكان ذلك بداية عصر الشتات لهم، انظر الآية (112)، ثم عذاب الآخرة أخزى لهم من عذاب الدنيا.

﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ (57)

57 - ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ إما في الدنيا، وهذا الأمر مطّرد في الأمم وليس بالضرورة في الأفراد، وإما في الدنيا والآخرة، أو في الآخرة فقط ﴿وَاللهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ أي الظالمين لأنفسهم بالخروج عن الفطرة وبالكفر بالأنبياء.

﴿ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾ (58)

58 - ﴿ذلِكَ﴾ أي ما تقدم من نبأ عيسى ويحيى وزكريا وغيرهم ﴿نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ﴾ آيات القرآن وهي العلامات المبرهنة على الرسالة ﴿وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾ الحكيم لكون القرآن ينطق بالحكمة، وأيضا بمعنى المحكم، لأنّ فعيل بمعنى مفعل وهو شائع في اللغة، أي في منتهى الإحكام والإتقان.

﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (59)

59 - ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ﴾ الآية جواب على ادعاء ألوهية عيسى عند المسيحية والمعنى أنّ خلق عيسى على غير المعهود من اتصال الذكر بالأنثى لا يستلزم كونه إلها لأنّ آدم، والمقصود به الجنس البشري خلق من تراب، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ﴾ [المؤمنون: 23/ 12 - 13].

﴿ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ «القول» لتقريب الفهم إلى أذهان السامعين وهو كناية عن مقدرته تعالى بلا حدود، واستعمال الفعل المضارع في كلمة (يكون) إشارة إلى استمرار معجزة الخلق في الإنسان.

223

سورة آل عمران (3): آية 60

سورة آل عمران (3): آية 61

قال تعالى: ﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلًا﴾ [الكهف: 18/ 37]، وقال عزّ من قائل ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ﴾ [غافر: 40/ 67]، لأنّ الإنسان مخلوق من مواد عضوية وغير عضوية موجودة في التراب، وهذه معجزة مستمرّة وقائمة بذاتها، وأنّ خالق القوانين والسنن يفعل ما يشاء.

﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ (60)

60 - ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ هذا هو الحق من ربك فلا يكن عندك شك، والخطاب وإن كان ظاهره للنبي ﷺ إلاّ أنه - كما هي العادة في القرآن الكريم - موجّه للأمّة.

﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكاذِبِينَ﴾ (61)

61 - ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ﴾ أي في حقيقة عيسى ﴿مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ وأصبحت على يقين من الحقيقة ﴿فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكاذِبِينَ﴾ وذلك قصارى ما في الأمر، أي لا نكرهكم على ما نحن عليه من العقيدة والإيمان، بل نترك لكم حرية الخيار، وتسمّى هذه الآية آية المباهلة، والمباهلة هي الملاعنة، أمّا الابتهال فهو الاجتهاد في الدعاء، وقد ورد أن النبي ﷺ دعا وفد نصارى نجران حين قدومهم عليه في المدينة إلى المباهلة بشأن دعواهم في ألوهية عيسى وذلك بأن يجتمع المجادلون في عيسى من أهل الكتاب رجالا ونساء وأطفالا، ويجتمع النبي مع المؤمنين رجالا ونساء وأطفالا ثمّ يبتهل الطرفان إلى الله تعالى أن يلعن الكاذب منهما فيما يقال عن عيسى المسيح عليه السلام، وهذا الطلب دالّ على قوة اليقين والثقة لدى صاحبه بما يقول ويعتقد، وقد امتنع نصارى نجران عن المباهلة بسبب عدم ثقتهم بما يقولون، ولكونهم على

224

سورة آل عمران (3): آية 62

سورة آل عمران (3): آية 63

سورة آل عمران (3): آية 64

غير بيّنة ولا يقين مستند على العقل في أمر المسيح، وإنّما كانت محاجّتهم عنادا وعصبية وتقليدا لما ورثوه عن آبائهم من المعتقدات، وحفاظا على مراكزهم في الكنيسة، ويلاحظ أيضا أنّ عبارة (تعالوا) في الآية تتضمن معنى التعالي والمعنى:

أدعوكم يا أهل الكتاب إلى التعالي عن السفاسف وعن الشكليات والالتزام بأصل العقيدة فقط.

﴿إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ اللهُ وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (62)

62 - ﴿إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ في شأن المسيح عليه السلام ﴿وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ اللهُ﴾ المتفرّد بالألوهية ﴿وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ هو وحده العزيز الغالب على أمره والحكيم العالم بالعواقب والنهايات، ولم يكن عيسى كذلك حتّى يدّعوا فيه الألوهية.

﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾ (63)

63 - ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ ولم يجيبوا دعوتك إلى المباهلة ولم يستجيبوا للحقيقة فيؤمنوا ﴿فَإِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾ المعنى فوّض أمرهم إلى الله فهو أعلم بإفسادهم وحسابهم عليه تعالى، فتركهم النبي ﷺ وأعطاهم الأمان على أنفسهم وأموالهم وضمن لهم حقوقهم وحرية ممارسة شعائرهم الدينية وفرض عليهم الجزية.

﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلاّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اِشْهَدُوا بِأَنّا مُسْلِمُونَ﴾ (64)

64 - ﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ﴾ ظاهر اللفظ يدل على أن المخاطبين هم اليهود والنصارى عامة، والخطاب وإن كان في الأصل للنبي ﷺ، فهو موجّه للمسلمين في كل الأمكنة والأزمنة بدليل تغيير الخطاب من المفرد إلى الجمع في تتمة الآية، والمطلوب دعوة أهل الكتاب والحوار معهم: ﴿تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا﴾

225

﴿وَبَيْنَكُمْ﴾ الكلمة تطلق على الجملة المفيدة، والسواء هو العدل، أي لنتفق على مبدأ عادل ﴿أَلاّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾ المطلوب هو الإقرار بوحدانية الألوهية وأن السلطة الغيبية لله وحده لا شريك له ﴿وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللهِ﴾ الربّ من أسماء الله تعالى، ولا يقال في غيره إلاّ بالإضافة، وهو هنا بمعنى من له حق التشريع والتحليل والتحريم، فاليهود رغم أنهم موحّدون إلاّ أنهم يتّبعون أحبارهم فيما يبتكرون من أحكام وتشريعات من عندهم فيجعلونها بمنزلة الوحي،

والآية تشير أوّلا: إلى ربوبية أحبارهم وكهنتهم من هذا المنطلق، وثانيا: فقد جرى النصارى أيضا على هذا المنوال وزادوا عليه ما ابتكروه من تأليه المسيح والروح القدس والتثليث وتسمية المسيح ابن الله، وإطلاق لقب «والدة الإله» على السيدة مريم، وابتكار فكرة الخطيئة الأصلية، وغفران الخطايا، كل ذلك بموجب القرارات التي أصدرتها المجامع المسكونية، وجعلوا لهذه القرارات مرتبة الوحي المنزل.

وكان قد عقد أول مجمع مسكوني عام 325 م في نيقية في آسية الصغرى برعاية امبراطور بيزنطة قسطنطين الأول حيث أقرّ مبدأ التثليث وألوهية المسيح بمرسوم أمبراطوري وبحضور 318 فقط من أصل 1800 من رجال الدين في الأمبراطورية، والباقون ممّن لم يسمح لهم بالحضور كانوا من أتباع أريوس وهم المعارضون لهذه الأفكار والمصرّون على التوحيد وعلى الاعتقاد أن عيسى مجرّد بشر، وبعد هذا المؤتمر تعرّض الأريسيّون - نسبة إلى أريوس - إلى اضطهادات مريرة على أيدي الجيوش الرومانية فأحرقت كتبهم وكنائسهم وقد استغرق استئصال شأفتهم من أنحاء الامبراطورية حوالي ثلاثة قرون، والجدير بالذكر أنّ أريوس وأتباعه هم المشار لهم في رسالة النبي ﷺ إلى هرقل امبراطور الروم حين دعاه إلى الإسلام فكتب له: «أسلم تسلم وإن أبيت فإنّما عليك إثم الأريسيين»،

226

﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اِشْهَدُوا بِأَنّا مُسْلِمُونَ﴾ فإن أصرّوا على ما هم عليه من عبادة بعضهم بعضا أظهروا أنّكم على عبادة الله مستسلمين له وحده فقط، ولستم ملزمين بحمل غيركم على ما أنتم عليه من العقيدة.

سورة آل عمران (3): آية 65

سورة آل عمران (3): آية 66

﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلاّ مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (65)

65 - ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ﴾ فهو لم يكن على شيء من معتقداتكم ولا تقاليدكم ممّا ابتكرتم ووضعتم في كتبكم فكيف تدّعون أنكم على ديانته ﴿وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلاّ مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي إذا كان الدين الحق هو ما جاءت به التوراة فقط كما يقول اليهود، ولا يتجاوز ما جاء به الإنجيل كما يقول النصارى، فكيف كان إبراهيم على الحق؟ واستوجب ثناء اليهود والنصارى معا؟ مع أنه سبق التوراة والإنجيل بعدة قرون؟ فإن قيل إنّ المسلمين يقولون مثل ذلك في إبراهيم مع أنّ الإسلام نزل بعد إبراهيم بوقت طويل، فالجواب أنّ القرآن أخبر أنّ إبراهيم كان حنيفا مسلما، وليس في التوراة والإنجيل أنّ إبراهيم كان يهوديا أو نصرانيا، كما أنه ليس المراد أن إبراهيم كان مسلما على ما أوتي النبي ﷺ، وإنما كان مسلما بالمعنى العام، وهو إسلام الأمر لله وحده، والاستسلام والإذعان والانقياد التام لإرادة الله وحده دون غيره، والإخلاص والإحسان، فالإسلام بذلك دين الأنبياء جميعا، وهو معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلامُ﴾ [آل عمران 3/ 19].

والآيات (65 - 68) من إعجاز القرآن، لأنها تخبر بالغيب بما كان عليه إبراهيم عليه السلام، وزعم اليهود والنصارى أنهم على ملّته.

﴿ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (66)

66 - ﴿ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ بما تبقّى لديكم من التوراة والإنجيل ﴿فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ بالادّعاء أنّ إبراهيم

227

سورة آل عمران (3): آية 67

سورة آل عمران (3): آية 68

سورة آل عمران (3): آية 69

سورة آل عمران (3): آية 70

كان على ملّتكم مع أنّ ذلك غير مذكور في كتبكم، وأنّ اليهودية والمسيحية بأشكالها الحالية لم تظهرا للوجود إلا بعد كل من عيسى وموسى عليهم السلام بوقت طويل ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾.

﴿ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (67)

67 - ﴿ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا﴾ بالمعنى الذي أنتم عليه ﴿وَلكِنْ كانَ حَنِيفًا﴾ أي مائلا الى الطريق الصحيح وتاركا ما كان عليه الناس من الضلال والشرك ﴿مُسْلِمًا﴾ منقادا إلى الله تعالى وحده مثل موسى وعيسى وجميع الأنبياء ﴿وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ إشارة لشرك النصارى.

﴿إِنَّ أَوْلَى النّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اِتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (68)

68 - ﴿إِنَّ أَوْلَى النّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اِتَّبَعُوهُ﴾ أجدر الناس به هم الذين ساروا على طريقه ومنهجه فكانوا حنفاء مسلمين ﴿وَهذَا النَّبِيُّ﴾ محمد ﷺ ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ الذين صدّقوا برسالة النبي ﴿وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فهو ناصرهم على مخالفيهم.

﴿وَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَما يُضِلُّونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ﴾ (69)

69 - ﴿وَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾ كانوا ولا زالوا شديدي الحرص على إضلال المؤمنين وردّهم عن الإسلام بإلقاء الشكوك في نفوسهم ﴿وَما يُضِلُّونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ﴾ لأنّهم بانشغالهم وانهماكهم في أحابيل إضلال غيرهم انصرفوا عن النظر والتفكّر والتأمّل برسالة محمد ﷺ فضلّت عقولهم عن الفطرة السليمة والتفكير السليم من حيث لا يشعرون.

﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ (70)

70 - ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ﴾ الكفر هو ستر الحقيقة وإنكارها فقد كانوا ينكرون الدلائل الواضحة على نبوّة محمد ﷺ وهي القرآن

228